التّذكير والتّأنيث المجازيّان بين التّقعيد النّحويّ والمرجعيّة الدلاليّة -القرآن الكريم وديوان ابن المعتزّ أنموذجين-

التّذكير والتّأنيث المجازيّان بين التّقعيد النّحويّ والمرجعيّة الدلاليّة
-القرآن الكريم وديوان ابن المعتزّ أنموذجين-
Figurative Masculinity and Femininity Between Grammatical Codification and Semantic Reference: The Holy Qur’an and the Dīwān of Ibn al-Mu’tazz as Two Case Studies
مُنَى عَبْدُ الله عُسَيْلِي[1]
Mona Abdallah Osseily
تاريخ الاستلام 23/ 12/ 2025 تاريخ القبول 15/ 1/2026
الملخّص
تبيّن هذه الدّراسة أنّ التّذكير والتّأنيث المجازيّين في اللّغة العربيّة ظاهرة دلاليّة ثقافيّة متجذّرة في الاستعمال والذّوق اللّغويّ الجمعيّ. فقد أظهر تحليل الشّواهد القرآنيّة وشعر الطّبيعة العباسيّ، ولا سيّما ديوان ابن المعتز، أنّ اختيار الجنس النّحويّ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرّمزيّة والإيحاء والسّياق التّعبيريّ، وأنّ كثيرًا من الألفاظ قد استقرّ جنسها المجازيّ بحيث أصبح جزءًا من هويّتها الدّلاليّة. كما كشفت الدّراسة أنّ الشّعر يوظّف التّذكير والتّأنيث بوصفهما أداتين بلاغيّتين فاعلتين في بناء الصّورة الجماليّة وتكثيف المعنى. وتخلص الدّراسة إلى ضرورة اعتماد مقاربة تكامليّة تجمع بين النّحو والدّلالة والثّقافة، بما يتيح فهمًا أعمق للّغة العربيّة بوصفها نسقًا تعبيريًّا يعكس رؤية الإنسان العربيّ للعالم.
الكلمات المفتاحيّة: التّذكير والتّأنيث المجازيّان، الجنس النّحويّ، الدّلالة اللّغويّة، الاستعمال التّداوليّ، الرّمز الثّقافيّ، القرآن الكريم، ابن المعتزّ.
Abstract
This study demonstrates that grammatical gender assignment in Arabic figurative masculinity and femininity cannot be reduced to formal grammatical rules that merely allow both masculine and feminine usage. Rather, it constitutes a deeply rooted semantic and cultural phenomenon shaped by linguistic usage and collective linguistic taste. Through an analysis of Qur’anic evidence and Abbasid nature poetry—particularly the Diwan of Ibn al-Muʿtazz—the study shows that the choice of grammatical gender is closely linked to symbolism, connotation, and expressive context. Many lexical items have acquired a stable figurative gender that has become an integral part of their semantic identity. The study further reveals that poetry employs figurative masculinity and femininity as effective rhetorical devices for constructing aesthetic imagery and intensifying meaning. It concludes by emphasizing the need for an integrative approach that brings together grammar, semantics, and culture, enabling a deeper understanding of Arabic as an expressive system reflecting the Arab worldview.
Keywords: Figurative masculinity and femininity, grammatical gender, linguistic semantics, pragmatic usage, cultural symbolism, the Qur’an, Ibn al-Muʿtazz.
المقدّمة
تُعدّ ظاهرة التّذكير والتّأنيث من أبرز الظّواهر اللّغويّة في اللّغة العربيّة، وقد حظيت باهتمامٍ كبيرٍ من قبل النّحويّين واللّغويّين والمفسّرين منذ العصور الأولى للتّقعيد النّحويّ، كونها من السّمات البنيويّة التي تُسهم في بناء التّركيب اللّغويّ العربيّ وضبط علاقاته النّحويّة والدّلاليّة. ومع أنّ هذا الاهتمام قد شمل التّذكير والتّأنيث الحقيقيّين المرتبطين بالتّمييز البيولوجيّ، فإنّ القاعدة العامّة المكرّسة في كتب النّحو للتّذكير والتّأنيث المجازيّين هي: “يجوز في المؤنّث المجازيّ الخالي من علامة التّأنيث التّذكير والتّأنيث” (يعقوب، 2001). وهي قاعدة تفتح الباب أمام احتمالات لغويّة كثيرة، لكنّها في الوقت ذاته تُثير تساؤلات تتعلّق بمشروعيّة هذا الجواز وسياقاته. قال تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤﴾(الرحمن: 1–4)، فتتأكّد مركزيّة البيان في بناء الدّلالة العربيّة، فالظّواهر اللّغويّة أدوات تعبيريّة تحمل أبعادًا دلاليّة وثقافيّة.
من هنا، انطلقت هذه الدّراسة، محاولةً تقديم مقاربة جديدة لهذه الظّاهرة، تقوم على مساءلة البعد القواعديّ التّقليديّ، وتنتقل إلى فضاء أكثر رحابة يتّصل بالاستعمال اللّغويّ، والدّلالة، والثّقافة. واخترت القرآن الكريم وديوان ابن المعتزّ بوصفهما نصّيّن يمثّلان ذروة البيان العربيّ في البعدين الدّينيّ والأدبيّ، ويزخران بالألفاظ التي تُمثّل ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّ في مستوياتها المختلفة. ويكتسب اختيار القرآن الكريم خصوصيّة لغويّة؛ إذ وصفه الله تعالى بقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ١٩٥﴾(الشّعراء: 195)، فصار مرجعًا أصيلًا لدراسة الظّواهر اللّغويّة والدّلاليّة في اللّغة العربيّة.
تتجلّى أهمّيّة الموضوع في كونه يتجاوز حدود النّحو إلى ما هو ثقافيّ ودلاليّ، فالتّذكير والتّأنيث المجازيّان هما نتاجٌ لوعي لغويّ وجماليّ وحضاريّ، يتشكّل ضمن بيئة لغويّة تُسقِط تصوّراتها على مفرداتها، حيث تُبيّن شواهد كثيرة في النّصوص أنّ تأنيث بعض الألفاظ – مثل “السّماء”، “الشّمس”، “الأرض” – نابع من رمزيّة ضاربة في الوجدان العربيّ، ارتبطت بالخصوبة، والإشراق، والأمومة (ابن المعتز، 2001، ص. 103؛ الفراء، 1983، ص. 152).
وقد دفعتني عدّة دوافع إلى تناول هذا الموضوع، في مقدّمتها الحاجة إلى تجاوز التّصنيف الشّكليّ التّقليديّ، نحو مقاربة تفسيريّة تستنطق دوافع التّأنيث والتّذكير من خلال البنية الرّمزيّة والثّقافيّة. كما أنّ التّفاوت بين اللّغات السّاميّة، كاللّغة السّريانية والعربيّة، في إسناد الجنس النّحويّ إلى الجمادات والمعاني، يُعزّز فرضيّة أنّ هذا العزو قائم على شبكة من الإيحاءات الثّقافيّة المتوارثة (سوسير، 1996؛ شتراوس، 1992).
علاوة على ذلك، فإنّ معظم كتب النّحو القديمة قد عالجت الظّاهرة بمنطق التّقعيد الجامد، ولم تُفسّر أسباب تأنيث بعض الألفاظ دون غيرها، ولم تُجب عن أسئلة من قبيل: لماذا نقول “الشمس أشرقت” و”القمر أضاء”، على الرّغم من أنّ كليهما جرم سماويّ؟ ولماذا تُؤنَّث السّماء تارّة، وتُذكَّر أحيانًا أخرى عند بعض القبائل (ابن الأنباري، 1995)؛ وهي تساؤلات تدفع إلى إعادة النّظر في المقولات النّحويّة السّائدة.
وتسعى هذه الدّراسة إلى تقديم قراءة تحليليّة مقارنة، تُعلي من شأن الاستعمال والسّياق، وتُبرز العلاقة بين النّحو والدّلالة، وتعيد فهم اللّغة العربيّة كمستودع للوعي الجمعيّ والرّموز الحضاريّة.
أوّلًا: الإطار العامّ للدّراسة
1- أهمّيّة الدّراسة
تنبع أهمّيّة هذه الدّراسة من كونها تسلّط الضّوء على ظاهرة لغويّة مهملة في سياقها العميق، على الرّغم من شيوعها في الاستعمال العربيّ منذ الجاهليّة حتّى اليوم؛ فقد انشغل النّحاة بتقرير جواز التّذكير أو التّأنيث في المؤنّث المجازيّ، من دون مساءلة الأسس الثّقافيّة والرّمزيّة التي تقف خلف هذا الجواز (الفراء، 1983؛ ابن الأنباريّ، 1995). ومن هنا، تحاول الدّراسة أن تملأ فجوة بين التّقعيد النّحويّ الجامد، وبين الواقع اللّغويّ الغنيّ بالإيحاءات والدّلالات، مسلّطةً الضّوء على علاقة اللّغة بالتّصوّر الجمعيّ، لا سيّما في النّصوص ذات البُعد التّعبيريّ العالي كالشّعر والقرآن.
2- أهداف الدّراسة
تهدف هذه الدّراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المترابطة، أبرزها:
- تحليل ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّين بوصفها ظاهرة دلاليّة ثقافيّة، وليست مجرّد خيار نحويّ.
- التّحقّق من مدى صلاحيّة القاعدة النّحويّة التي تقرّ بجواز الوجهين (التّأنيث والتّذكير) في المؤنّثات المجازيّة، من دون ترجيح.
- تتبّع آليّات ترسيخ الجنس المجازيّ في الذّهن العربيّ عبر الاستعمال، والمجاز، والسّياق الجماليّ.
- إبراز الأبعاد الرّمزيّة التي ينطوي عليها تأنيث أو تذكير بعض المفردات في النّصوص القرآنيّة والشّعريّة.
- اقتراح قراءة تكامليّة تدمج بين البنية النّحويّة والدّلالة الرّمزيّة، وتبرز أهمّيّة السّياق الثّقافيّ في تفسير الظّواهر النّحويّة.
3- الإشكاليّة وأسئلتها
على الرّغم من أنّ النّحو العربيّ قد قدّم قواعدَ واضحة في مسألة التّذكير والتّأنيث المجازيّين، فإنّ هذه القواعد غالبًا ما اكتفت بالتّقرير من دون التّفسير، فظلّ القول بجواز الوجهين – أي التّذكير والتّأنيث – في المؤنّثات المجازية، من المسلّمات النّحويّة التي لم تُمحّص بما يكفي. وإنّ بعض النّحويّين لم يتردّدوا في نسبة هذا الجواز إلى السّماع فقط، من دون تقديم معايير دقيقة للفصل بين الحالات أو تسويغ تغليب أحد الخيارين (الفراء، 1983؛ السّجستانيّ، 2003). ومن هنا برزت الحاجة إلى طرح إشكاليّة مركزيّة تُراجع هذه المسلّمة في ضوء معطيات الدّلالة والاستعمال والثّقافة.
وتتمثّل الإشكاليّة المركزيةّ التي تطرحها هذه الدّراسة في السّؤال الآتيّ: هل يمكن حسبان ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّين ظاهرةً يمكن تقعيدها نحويًّا بصورة قاطعة، أم أنّها خاضعة أساسًا للسّياق الدّلاليّ والثّقافيّ والاستعماليّ، ويصعب ضبطها بقواعد ثابتة؟
ومن هذه الإشكاليّة تتفرّع مجموعة من الأسئلة الفرعيّة التي تهدف الدّراسة إلى معالجتها:
- ما المرجعيّة التي اعتمدها النّحويّون في القول بجواز التّذكير والتّأنيث في المؤنّث المجازيّ؟ وهل هذه المرجعيّة كافية؟
- هل توجد خصائص دلاليّة أو رمزيّة مشتركة تفسّر تأنيث بعض الألفاظ دون غيرها؟
- إلى أيّ حدّ يمكن عدّ الاستعمال اللّغويّ الجمعيّ معيارًا مرجّحًا على القاعدة النّحويّة؟
- ما أثر السّياق القرآنيّ أو الشّعريّ في توجيه استخدام الجنس المجازيّ؟ وهل يحمل هذا الاستخدام وظيفة بلاغيّة أو رمزيّة؟
- كيف يمكن تجاوز التّقعيد الشّكليّ نحو فهم أعمق للّغة كنسق ثقافيّ ودلاليّ؟
إنّ هذه الأسئلة تتجاوز السّجال النّحويّ لتصل إلى قلب العلاقة بين اللّغة والثّقافة؛ فاختيار المتكلّم لجنس الكلمة – حتّى في المؤنّثات المجازيّة – فعلٌ تواصليّ محكوم برصيد من الرّموز والإيحاءات المتراكمة في الوعي الجمعيّ (شتراوس، 1992؛ يعقوب، 2001).
4- فرضيّات الدّراسة
انطلاقًا من إشكاليّة الدِّراسة وأهدافها، وفي ضوء المقاربة التّحليليّة المعتمدة، تقوم هذه الدِّراسة على مجموعةٍ من الفرضيّات التّفسيريّة التي تسعى إلى استجلاء أبعاد ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيين في اللّغة العربيّة:
- إِنّ ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّين في اللّغة العربِيّة لا يمكن تفسيرها تفسيرًا كافيًا بالاعتماد على القواعد النّحوِيّة وحدها، بل تتدخّل في تشكيلها أبعاد دلاليَّة وثقافيّة واستعماليّة.
- يسهم الاستعمال اللُّغويّ المتراكم في ترسيخ جنس نحويّ معيَّن لبعض الأَلفاظ المجازِيّة، بِحيْث يصْبِح عاملًا مؤثّرًا في تَوجيه القبول اللّغويّ وتشكيل الذّائقة العربيَّة.
- يتجاوز اختيار التَّذكير أَوِ التَّأنيث في النّصوص القرْآنيّة والشّعريّة الوظيفة النّحوِيّة؛ لِيحملَ أبعادًا بلاغيَّة ورمزيَّة تُسهِم في بناء الدَّلالة وَتشكيل الصّورة التَّعبيريَّة.
5- منهجيّة البحث
اتّبعت الدّراسة المنهج الوصفيّ التّحليليّ من جهة، والمنهج البنيويّ الدّلاليّ من جهة أخرى، حيث تمّ:
- رصد الأمثلة من القرآن الكريم وديوان ابن المعتزّ، وتصنيفها حسب نوع المؤنّث المجازيّ.
- تحليل البنية النّحويّة لكلّ مثال، ومقارنته بالسّياق الدّلاليّ المحيط به.
- استكشاف رمزيّة التّذكير أو التّأنيث في السّياق الثّقافيّ والبلاغيّ، بالاعتماد على مراجع لغويّة وأدبيّة وتفسيريّة.
كما اسْتُؤنِس بالمقارنة مع بعض اللّغات السّاميّة، خصوصًا في إسناد الجنس إلى الجمادات والمعاني؛ لتبيان الجذر الثّقافيّ للظّاهرة (سوسير، 1996؛ شتراوس، 1992).
6- حدود الدّراسة
- زمانيًّا: اقتصرت المادّة المدروسة على النّصوص الممتدّة من القرن الثّاني الهجريّ إلى القرن الرّابع، مع التّركيز على العصر العبّاسيّ.
- نصّيًّا: اعْتُمد القرآن الكريم نصًّا مرجعيًّا تعبيريًّا فصيحًا، وديوان ابن المعتز ممثّلًا لشعر الطّبيعة، لما فيه من توظيف كثيف للجمادات والمعاني المجازيّة المؤنّثة.
- نوعيًّا: ركّزت الدّراسة على الألفاظ غير حقيقيّة التّأنيث (أي غير المؤنّثات البيولوجيّة)، وخاصة تلك التي يُقال بجواز الوجهين فيها نحويًّا.
ثانيًا: الإطار النّظريّ
1- تذكير أعضاء الإنسان وتأنيثها
يُعدّ الجسد البشريّ من أبرز الحقول التي تُظهر تعقيد التّذكير والتّأنيث المجازيّين في اللّغة العربيّة، وذلك لأنّ أعضاء الجسد تُسمّى وتُعامل نحويًّا وفق معايير تتجاوز التّصنيف البيولوجيّ المحض، وتتداخل فيها أبعاد صوتيّة ودلاليّة وثقافيّة؛ ففي حين تُعدّ بعض الأعضاء ذات علامة تأنيث (كالتّاء المربوطة) مؤنثّة صرفيًّا، فإنّ عددًا من الأعضاء – على الرّغم من خلوّها من علامات التّأنيث – تُعامل في السّياق اللّغويّ بوصفها مؤنّثة مجازًا، بل ويستقرّ هذا الاستعمال في الذّوق الجمعيّ حتى يغدو الأصل فيه.
1-1 تصنيف أعضاء الإنسان بين المذكّر والمؤنّث
اعتمد النّحاة في تصنيفهم للجنس النّحويّ على معيارين رئيسين: الأوّل حيويّ بيولوجيّ، يُطلق عليه اسم “المذكّر والمؤنّث الحقيقيّ”، والثّاني لغويّ صرفيّ يُدعى “المجازيّ”. وقد شمل التّصنيف المجازيّ طيفًا واسعًا من الألفاظ ومنها كثير من أعضاء الجسد، مثل: “العين”، “النّفس”، “اليد”، “الرّوح”، التي لا تحمل علامة التّأنيث الظّاهرة، لكنّها تُؤنّث سماعًا واستعمالًا (الفرّاء، 1983).
تُظهر هذه المفردات تذبذبًا في تعامل النّحاة معها، إذ تُجيز بعض المصادر تأنيثها وتذكيرها معًا، اعتمادًا على السّياق، كما في: “امتدّت اليد” و”قطع اليد”، أو “سالَتْ النّفس” و”أزهقت النّفس”، إلّا أنّ التّدقيق في الاستعمالات القرآنيّة والشّعريّة يُظهر استقرارًا واضحًا في تأنيثها، فيدلّ على أنّ هذا الجنس خيار ثقافيّ مألوف تأصّل في السّياق العربيّ، ويظهر استقرار هذا الاستعمال في النّصّ القرآنيّ، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ٢٧﴾ (الفجر: 27).
1-2 الاستعمال أم القاعدة (صراع المرجعيّات)
هنا تظهر المفارقة الجوهريّة: فبينما تمنح القاعدة النّحويّة للمتكلّم حريّة الجواز في تأنيث أو تذكير بعض الأعضاء، يفرض الواقع التّداوليّ خيارًا واحدًا شبه إلزاميّ، تؤكّده الذّائقة ويدعمه الرّسوخ الاستعماليّ. وهذا ما نجده في لفظة “العين” التي لا تُذكّر عادة إلّا في حالات نادرة؛ لأنّ إيحاءها الرّمزيّ والدّلاليّ ارتبط – في الوعي العربيّ – بصفات الرّؤية والعاطفة والجمال، وكلّها تمثّلات ثقافيّة مرتبطة بالأنوثة (يعقوب، 2001).
ويصحّ القول إنّ التّذكير أو التّأنيث هنا، تعبير عن تواطؤ جمعيّ مستمرّ في استعمال اللّغة، يكشف عن خلفيّة ثقافيّة للقرار اللّغويّ؛ وهكذا، يتحوّل الاستعمال إلى “مُشرّع” لغويّ، تتفوّق سلطته على القاعدة المجرّدة.
1-3 البعد الرّمزيّ في تأنيث الأعضاء
إنّ تأنيث أعضاء كـ “اليد” و”الرّوح” و”النّفس” نتاج مباشر لبُعد رمزيّ عميق؛ فـ “اليد” مثلًا – في كثير من الآيات القرآنيّة – تُؤنّث؛ لأنّها ترتبط بالقدرة المانحة أو الآخذة، وهي وظيفة ترتبط في الثّقافة العربيّة بالسّلطة الأنثويّة الرّمزيّة، كتجسيدٍ للنّعومة أو البطش معًا.
أمّا “الرّوح”، فهي مثال صارخ على المفارقة، إذ تُعامل دائمًا بصيغة المؤنّث على الرّغم من أنّها من حيث المعنى غير محدّدة الجنس، إلّا أنّ ربطها باللّطف والإلهام والسّرّ جعل تأنيثها هو الأقرب لتمثّل العرب لماهيّتها. وهذا يُثبت أنّ تأنيث الكلمة قد ينبني على ما تُمثّله من صورة ذهنيّة أو قيمة شعوريّة.
1-4 القلب والعقل… ومفارقة التّذكير
في المقابل، فإنّ بعض الأعضاء – على الرّغم من أنّ لها بُعدًا شعوريًّا أو داخليًّا – تعاملت معها العربيّة بصيغة التّذكير، مثل “القلب” و”العقل”؛ ويُفهم هذا في ضوء التّوزيع الرّمزيّ الذي مارسه الذّهن العربيّ بين ما هو انفعاليّ أنثويّ، وما هو تحليليّ ذكوريّ؛ فـ “القلب”، على الرّغم من أنّه مقرّ للمشاعر، حمل كذلك صفات الشّجاعة والقوّة والعزم؛ لذا غلب تذكيره، في حين احتفظت “النّفس” و”الرّوح” بتأنيثهما نظرًا لارتباطهما بالضّعف، والتّأثّر، والخفاء.
وخلاصة ذلك، فإنّ الشّواهد تدلّ هنا على أنّ اللّغة تعكس في بنيتها خيارات ثقافيّة وجماليّة؛ فالمتكلّم العربيّ يرى في تذكير وتأنيث الكلمة صورةً معينة، ويشعر تجاهها بإحساس معيّن، وينقل هذا الشّعور من خلال اختيار الجنس.
وهكذا، فإنّ التّذكير والتّأنيث في أعضاء الجسد – على وجه الخصوص – لا يُفهمان إلّا في ضوء ثلاثيّة متكاملة: القاعدة النّحويّة، والسّياق الدّلاليّ، والمرجعيّة الرّمزيّة، وإغفال أحد هذه الأبعاد يؤدّي إلى فهم قاصر للظّاهرة، ويؤكّد الحاجة إلى قراءة تكامليّة تتجاوز السّطح النّحويّ نحو العمق الثّقافيّ.
2- تذكير وتأنيث الجمادات والمعاني المجرّدة
يُعدّ تذكير وتأنيث الجمادات والمعاني المجرّدة من أبرز الحقول التي تتقاطع فيها البنية النّحويّة مع الأبعاد الدّلاليّة والثّقافيّة، إذ إنّ هذه الأسماء – بخلاف أعضاء الجسد أو الكائنات الحيّة – تتحدّد وفق ما تراكم حولها من دلالات إيحائيّة وثقافيّة في الذّهن العربيّ؛ ومن هنا، تكشف هذه الظّاهرة عن حساسيّة اللّغة العربيّة في ترجمة الشّعور الجمعيّ وتحوّله إلى بنية نحويّة واستعمال لغويّ.
2-1 المفردات المؤنّثة مجازًا: ثبات الاستعمال ومرجعيّة الذّوق
هناك مجموعة من المفردات التي وردت مؤنثّة مجازًا، من دون أن تحمل علامة تأنيث، ومع ذلك استقرّ تأنيثها في الذّوق اللّغويّ العربيّ حتّى أصبح الأصل فيها، كـ “الشّمس”، و”السّماء”، و”الحرب”، و”الحياة”، و”النّفس”، و”الرّحمة”. وهذه الكلمات – في معظم سياقاتها القرآنيّة والشّعريّة – تأتي بصيغة المؤنّث، بوصفها الصّيغة الأكثر شيوعًا واستقرارًا في الاستعمال العربيّ، ومن الشّواهد القرآنيّة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ١﴾ (الانفطار: 1)، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا١﴾ (الزلزلة: 1)، حيث جاء الفعل مؤنّثًا بما ينسجم مع استقرار تأنيث هذين اللّفظين في الاستعمال اللّغويّ العربيّ.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا١﴾ (الشّمس: 1)، حيث يُقسم النّصّ القرآنيّ بالشّمس المؤنّثة، من دون أن يكون في السّياق ما يُحتّم هذا الجنس، لولا استقرار دلاليّ عميق في وجدان المتلقّي العربيّ، ويُعزّز هذا التّأنيث ما تحمله “الشمس” من رمزيّة الإشراق والدّفء والخصب، وهي صفات ألِف العرب أن يُسقطوها على الأنثى؛ وهذا ما نراه أيضًا في شعر ابن المعتزّ:
“وقد طلعت شمس الضّحى فتجلّت كأنّ بها وجهًا حبيبًا تصوّرا” (ابن المعتز، 2001، ص. 77)
هنا تُوظَّف “الشّمس” في هيئة أنثى مشرقة، تكاد تُشبَّه بوجه المحبوبة، فتمنح التّأنيث بعدًا بلاغيًّا وجماليًّا لا يمكن أن يُؤدّيه التّذكير في السّياق نفسه.
2-2 التّأنيث الرّمزيّ في المعاني المجرّدة
تشمل الظّاهرة المعاني المجرّدة ذات الطّابع الانفعاليّ أو القيميّ، مثل: الرّحمة، والمحبّة، والفجيعة، والحكمة، والحيا… فهذه الكلمات تُعامل لغويًّا معاملة المؤنّث، على الرّغم من أنّها مفاهيم غير حسّيّة، ولا ترتبط بطبيعة بيولوجيّة.
ويُفسَّر هذا التّأنيث وفق ما أشار إليه كلّ من شتراوس (1992) ويعقوب (2001)، بأنّ الثّقافة العربيّة التّقليديّة ربطت الجانب العاطفيّ والانفعاليّ بالأنوثة، مقابل إسناد صفات الصّرامة والعقل إلى المذكّر؛ وبهذا، فإنّ تأنيث “الرّحمة” و”الحكمة” يعكس تصوّرًا جمعيًّا لهذه القيم بوصفها “أنثويّة” في تمثّلها الثّقافيّ.
وهكذا، يظهر أنّ الجنس النّحويّ يُعبّر في هذه الحالات عن حمولة رمزيّة تعكس تصوّر العرب للمجرّدات، وتوزيعهم للصّفات القيميّة بحسب نموذج ثقافيّ يربط الأنوثة باللّطف والرّقّة، والذّكورة بالسّلطة والحزم.
2-3 الجمادات والتّجاذب بين التّذكير والتّأنيث
على عكس المعاني المجرّدة التي تميل إلى الثّبات، نجد أنّ بعض أسماء الجمادات تُظهر تباينًا في تعامل العرب معها نحويًّا، بحسب السّياق أو الخصائص الإيحائيّة للكلمة؛ فـ “السّيف”، مثلًا، يُذكَّر غالبًا لما يحمله من دلالة القوّة والقطع، في حين تؤنَّث “الشّمس” و”السّماء” و”الأرض”؛ لإيحاءاتها بالإنجاب، والاحتواء، والجلال؛ ويؤكّد ذلك بيت ابن المعتزّ:
وسماءٌ قد أراها كجمالٍ مستعارِ (ابن المعتزّ، 2001، ص. 101)
في هذا البيت، تتجلّى السّماء بوصفها أنثى جميلة، سامية، فتضيف إلى الصّورة الشّعرية رهافة لا تتحقّق عبر التّذكير.
2-4 الذّوق مقابل القاعدة: من الجواز إلى الانحراف الشّعوريّ
تُقرّ القواعد النّحويّة بجواز تذكير أو تأنيث الكثير من هذه الألفاظ، خصوصًا المؤنّثات المجازيّة، لكنّها تترك للمستعمل حريّة الاختيار؛ غير أنّ الدّراسة أظهرت أنّ هذه الحرّيّة محدودة فعليًّا، إذ إنّ الذّوق العربيّ الجمعيّ يفرض جنسًا معيّنًا على بعض الألفاظ، إلى درجة يجعل من استعمال الجنس الآخر غريبًا ومستهجنًا؛ فعلى سبيل المثال، لا يستسيغ المتلقّي العربيّ القول: “أشرق الشمس” أو “سقط النّفس”، على الرّغم من صحّتهما من حيث البنية النّحويّة؛ وذلك لأنّ الذّوق يرفض اختلال الصّورة المألوفة التي تكون فيها هذه الكلمات مؤنّثة. ويشير الفرّاء (1983، ص. 175) إلى هذا، عند حديثه عن استقرار التّأنيث في بعض الألفاظ “على وجه السّماع”، من غير أن تقدّم القاعدة تفسيرًا واضحًا لهذا الاستعمال.
2-5 الوظيفة البلاغيّة للتّذكير والتّأنيث
إنّ اختيار جنس الكلمة يحمل وظيفة بلاغيّة وشعريّة عالية؛ فالتّذكير قد يُضفي على اللّفظة صرامة أو جمودًا، في حين يمنحها التّأنيث رقّة أو حيويّة، وفق السّياق الإنشائيّ والنّفسيّ للنّصّ؛ ولهذا فإن الشّعراء – وفي مقدّمتهم ابن المعتزّ – تعاملوا مع الجنس النّحويّ كأداة تشكيل جماليّة تُسهم في تعميق الدّلالة وتكثيف الإيحاء، لا سيّما في شعر الطّبيعة والانفعال.
من خلال ما سبق، يتبيّن أنّ هذه الظّواهر جميعها تكشف أنّ اللّغة العربيّة تقوم بتجنيس الأسماء وفق شبكة من المعاني والصّور الرّمزيّة التي تعكس رؤية الإنسان العربيّ للطّبيعة والمجرّدات والعالم من حوله؛ وبالتّالي، فإنّ تذكير وتأنيث الجمادات والمعاني المجرّدة لا يمكن فهمه بمعزل عن الثّقافة والذّوق والتّاريخ الاستعماليّ للكلمة؛ لذلك تعدّ دراسة هذه الظّاهرة مدخلًا مهمًّا لفهم العلاقة العميقة بين اللّغة والفكر، والنّحو والدّلالة، والصّيغة والتّمثيل الثّقافيّ.
3- التّذكير والتّأنيث المجازيّ في شعر الطّبيعة العبّاسيّ – ديوان ابن المعتزّ أنموذجًا
يشكّل شعر الطّبيعة العبّاسيّ – في بنيته الفنّيّة وتخييله الرّمزيّ – فضاءً خصبًا لتحليل ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّين، فقد تجاوز هذا الشّعر وصف الطّبيعة كعنصر خارجيّ إلى تمثّلها ككائن حيّ ينبض بالمشاعر، ويتفاعل مع الإنسان، ويتّخذ لنفسه صوتًا وهويّة لغويّة؛ وفي هذا السّياق، يتجلّى ديوان ابن المعتزّ (861–908م) بوصفه نموذجًا شعريًّا غنيًّا بتوظيف المجاز النّحويّ، سواء من خلال تأنيث الجمادات أو تذكير المعاني وفق مقتضى المعنى أو جماليّات الصّورة الشّعريّة.
3-1 الطّبيعة المتأنّثة: التّجسيد الجماليّ للكون
من أبرز الظّواهر التي وقف عندها هذا الباب أنّ ابن المعتز كثيرًا ما يُجنّس العناصر الطّبيعيّة على نحو أنثويّ، فيحوّل “الرّوض” و”النّسيم” و”الشّمس” و”الزّهر” إلى كائنات أنثويّة نابضة بالحياة؛ وهذا التّأنيث يصدر عن رؤية فنّيّة ترى الجمال الأنثويّ جوهرًا للطّبيعة ذاتها؛ يقول في أحد الأبيات:
ضحكت روضاتُها عن أزهرٍ كالثّغورِ البيضِ في وجهِ الغواني (ابن المعتز، 2001، ص. 118)
هنا تتجلّى “الرّوضات” كأنثى تضحك، تنكشف عن الزّهر كما تنكشف المرأة عن ابتسامتها، فيتحوّل العنصر الطّبيعيّ إلى صورة بشريّة حيّة، ويصبح التّأنيث أداة بلاغيّة لا مفرّ منها لتحقيق هذا التّماثل. وإنّ تجنيس الطّبيعة بأنوثة مشتهاة هو استراتيجيّة شعريّة تُضفي على العالم مسحةً من الحميميّة والجمال، وتعكس ذائقة جماليّة راسخة في الشّعر العبّاسيّ.
3-2 تأنيث الذّات الكونيّة: بين المخيال والرّؤية
كان تأنيث الشّمس أو الأرض أو الزّهر في شعر ابن المعتزّ تجسيدًا لرؤية رمزيّة ترى في هذه العناصر استعارات للأنثى – الأمّ، والحبيبة، والعشيقة، أو حتّى الفكرة – بما تحمله من دفء واحتواء وتجدّد. ولعلّ هذا ما يفسّر استخدامه للفعل المؤنّث أو الضّمير الأنثويّ مع عناصر طبيعيّة عديمة الحياة ظاهريًّا، لكنّها – في القصيدة – تتحوّل إلى شخصيّات شعريّة حيّة (يعقوب، 2001).
3-3 صور التّذكير: استدعاء القوّة والغموض
في المقابل، يلجأ الشّاعر أحيانًا إلى تذكير بعض المفردات التي قد تُؤنّث في استعمالات أخرى، مثل “الزّهر”، و”اللّيل”، و”الطَيف”… ويبدو أنّ هذا التّذكير يُستخدم عندما يريد الشّاعر إضفاء طابع القوّة، والحركة، أو الغموض، على العنصر الموصوف؛ يقول مثلًا:
“وندىً كالرّوضِ باكرَهُ النّسيمُ فاستفاقَ الزّهرُ من نومٍ عميقِ” (ابن المعتزّ، 2001، ص. 135)
“الزّهر” هنا مذكَّر، لا تأنيث فيه، على الرّغم من كونه في مواضع أخرى يُؤنَّث؛ وهذا يدلّ على أنّ اختيار الجنس النّحويّ كان أداة تشكيل فنّيّ، يُقرّها الذّوق ويضبطها السّياق؛ فالاستفاقة بعد النّوم تُعطي الزّهر دورًا فاعلًا لا منفعِلًا، وهو ما يناسبه التّذكير المجازيّ في هذا الموضع.
3-4 الطّبيعة كشخصيّة أنثويّة: إضفاء الطّابع الإنسانيّ
تميل قصائد ابن المعتزّ – كما هو حال معظم شعراء الطّبيعة في العصر العبّاسيّ – إلى “تشخيص” الطّبيعة، أي إضفاء الصّفات البشريّة عليها، وتحويلها إلى كيان أنثويّ فاعل؛ فالعناصر الطّبيعيّة تتكلّم، وتغري، وتتدلّل، وتحزن، وتبتسم، وتتباهى، وتتقمّص دور الحبيبة أو المحبوبة أحيانًا. وهذا التشّخيص لا يتمّ من دون اختيار لغويّ مدروس للجنس النّحويّ، فتتأنّث السّماء والشّمس والنّسيم والحديقة، كما لو كانت شخوصًا شعريّة داخل النّصّ.
ويرى شتراوس (1992) ذلك “تطويعًا رمزيًّا للّغة، يعكس التّصوّر الجماعيّ للجمال عبر المجاز النّحويّ”، حيث يتحوّل التّذكير والتّأنيث من قاعدة نحويّة إلى تقنيّة رمزيّة تُجسّد الرّؤية الكونيّة للشّاعر.
3-5 البنية النّحويّة كوسيلة بلاغيّة لا كحكم قاعديّ
أبرز ما يظهر من خلال العنوان أنّ الشّاعر لم يتقيّد – في اختياره لجنس الكلمة – بما تسمح به القاعدة النّحويّة فحسب، بل بما يُحدثه هذا الاختيار من تأثير تعبيريّ وإيحائيّ؛ فالتّأنيث في شعر الطّبيعة هو عنصر من عناصر بناء الصّورة الشّعريّة ذاتها، ومكوّن من مكوّنات المعنى الجماليّ.
وهكذا يتحوّل المجاز النّحويّ إلى أداة بلاغيّة مرنة، يتجاوز بها الشّاعر النّحويّين واللّغويّين، فيُعيد تشكيل اللّغة لتناسب رؤيته الفنّيّة، وكأنّ التّذكير والتّأنيث هنا يُحدّدان بما تقتضيه اللّحظة الشّعريّة.
3-6 الجنس النّحويّ في خدمة الانفعال الفنّيّ
إنّ من أبرز النّتائج أنّ ابن المعتزّ – وغيره من شعراء الطّبيعة العبّاسيّين – قد استخدموا الجنس النّحويّ حمّالًا للمعنى والرّمز والانفعال؛ فكان التّذكير أو التّأنيث أداة لنقل حالة شعوريّة، أو تجسيد رؤية خاصّة للعالم.
وفي ضوء ذلك، فإنّ الشّعر العربيّ – لا سيّما شعر الطّبيعة – لا يمكن أن يُفهم فنّيًّا من دون إدراك الوظيفة البلاغيّة للجنس النّحويّ فيه؛ فكلّ تذكير أو تأنيث هو قرار رمزيّ، يُسهم في صياغة المشهد، وتشكيل الإيقاع، وبناء التّوتّر الجماليّ داخل النّصّ (سوسير، 1996).
وتكشف هذه القراءة أنّ التّذكير والتّأنيث المجازيّين في ديوان ابن المعتزّ تجلٍّ شعريّ لرؤية وجوديّة وفنّيّة؛ وبهذا، فإنّ المجاز النّحويّ في هذا السّياق يصبح بابًا لفهم شعريّة اللّغة العربيّة، ومرآةً لرؤية الشّاعر للعالم والطّبيعة والذّات، حيث تذوب الحدود بين الإنسان والطّبيعة، وبين القاعدة والانفعال، وبين النّحو والخيال.
ثالثًا: النّتائج العامّة
1-مَحدوديّة المقاربة النّحْوِيّة التّقليديّة
أظهر التَّحليل أَنّ المُقاربة النّحوِيّة التّقليديّة لظاهرَة التّذكير وَالتّأنيث المجازِيّين، رغْم أَهمِّيّتها في ضَبط القواعد العامّة، لا تكفي وحدها لتفسير جميع الاستعمالات اللّغوِيَّة، إِذْ إِنَّ الاقتصار على مبدأ الجواز النّحوِيِّ لا يفسّر سبب استقرار أَحد الوجهَين في الاستعمال من دون الآخر، وَلا يوضّح الخلْفِيّات الدَّلاليّة وَالثَّقافيَّة الَّتي تسهم في ترجيح جِنس لُغوِيّ معَيَّن لِبَعْض الأَلفاظ.
2- مركزيّة البعْد الدّلاليّ والثّقافيّ
تبيّن أَنَ تَحْديد الجنْس النّحويّ في كثير منَ الأَلفاظ المجازيَّة يتأَثّر بمجموعة منَ التّمَثّلات الدّلاليّة والثّقافِيّة الَّتي تراكمت في الوعي اللّغويّ العربيّ، بحيث أصبحت بعض الأَلفاظ ترْتبِط بجنس نحويّ محدّد ارتباطًا يتجاوز الجانب القاعديّ إِلى البعد الرّمزيّ والتّصوّريّ.
3- سلطة الاستعمال اللُّغويّ
كشف التَّحليل أَنّ الاستعمال اللّغويّ المتكرّر يؤدِّي دورًا حاسمًا في ترسيخ الجنس النّحويّ لبعض المفردات، حتّى في الحالات الَّتي تسمح فيها القاعدة النّحوِيّة بِأكثر منْ وجه، فيدلّ على أنّ الاستعمال عنصر فاعل في توجيهها وإِعادة تشكيل المقبول لغويًّا داخل الذّائقة العربيّة.
4- الوظيفة البلاغيّة للجنس النّحويّ
أثبتت الدّراسة أنّ اختِيار التّذكير أَوِ التّأْنيث في بعض السِّياقات يؤدّي وظيفة بلاغيّة وجماليَّة تسْهم في تشكيل الصّورة التّعبيرِيَّة وتعميق المعنى، لا سِيّما في النّصوص الأَدبيّة والشّعريّة، حيث يتحوَل الجنس النّحويّ إِلى أَداة فنّيّة تخدم الإِيحاء والانفعال.
5-العلاقة بيْن اللُّغة والرّؤية الثّقافيّة
أظهرت الدِّراسة أَنّ بعض أنماط التّذكير والتّأنيث المجازيّين تعكس رؤية ثقافيّة ضمنيّة للعالم، إِذْ ترتبط بعض المفردات بتمثّلات ذهنيّة ورمزيّة مستقرّة في المخيّال العربيّ، فيصبح الجنس النّحويّ جزءًا من البناء الثّقافيّ للمعنى.
6- تكامل النّحو والدّلالة
خلصت الدّراسة إِلى أنّ فهم ظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّين يقتضي تجاوز الفصل التّقليديّ بين النّحو والدّلالة، واعتماد مقاربة تكاملِيّة تنظر إِلى الظّاهرة بوصفها نتاجًا لتفاعل البِنية اللُّغوِيّة مع الاستعمال والسّياق الثّقافيِّ والوظيفة التّعبيرِيّة.
7-إِعادة النّظر في الطّرح التّعليميّ
تشير النَّتائج إِلى أهمِّيّة إعادة تقديم هٰذه الظاهرة في التّعليم اللّغويّ بوصفها ظاهرة دلاليّة تداولِيّة، فتسهِم في تقريب فهمِ اللّغة العربِيّة بوصفها نظامًا حيًّا مرتبطًا بالسّياق والاستعمال.
الخاتمة
تكشف هذه الدّراسة، من خلال مقاربتها لظاهرة التّذكير والتّأنيث المجازيّين في النّصّ القرآنيّ وشعر الطّبيعة العباسيّ، أنّ اللّغة العربيّة تُنشئ معناها في منطقةٍ وسيطة تتقاطع فيها البنية اللّغويّة مع الخيال والرّمز والذّوق الجماليّ؛ فالجنس النّحويّ، حين يُنزَع من كونه مجرّد تصنيف صرفيّ، يتبدّى عنصرًا فاعلًا في بناء الصّورة، وتشكيل الرّؤية، وتوجيه التّلقّي.
لقد أظهر تحليل الشّواهد أنّ التّذكير والتّأنيث المجازيّين يتحرّكان داخل نظام من الإيحاءات الثّقافيّة والاستعارات المتراكمة، التي تمنح اللّفظة هويّتها التّعبيريّة داخل السّياق. وفي هذا الإطار، بدا تأنيث عناصر الطّبيعة والمعاني المجرّدة – في القرآن الكريم وشعر ابن المعتزّ – فعلًا دلاليًّا مشحونًا بالرّمزيّة، يعكس تصوّرًا جماليًّا للعالم، أكثر ممّا يعكس خضوعًا لآليّة لغويّة محايدة.
ويُبرز شعر الطّبيعة العباسيّ، كما تجلّى في ديوان ابن المعتزّ، قدرة المجاز النّحويّ على تجاوز الوظيفة الإخباريّة للّغة نحو أفق التّشخيص والتّأنيس، حيث تتحوّل الطّبيعة إلى كيان حيّ، وتتداخل فيها الأنوثة والذّكورة بوصفهما قيمتين تخييليّتين؛ فاختيار الجنس النّحويّ في هذا السّياق قرار فنّيّ يسهم في تكثيف الصّورة، وإغناء الإيقاع الدّلاليّ، وبناء العلاقة بين الذّات الشّاعرة والعالم.
ومن هنا، تفتح هذه الدّراسة أفقًا لقراءة التّذكير والتّأنيث المجازيّين بوصفهما جزءًا من بلاغة النّصّ؛ كما تُعيد النّظر في مكانة الاستعمال الأدبيّ، فتجعله مرجعًا تأويليًّا يُضيء ما تعجز القاعدة عن تفسيره، ويكشف عن عمق العلاقة بين اللّغة والتّخييل، وبين الصّيغة النّحويّة والرّؤية الثّقافيّة.
وإذا كان النّحو قد سعى تاريخيًّا إلى تقنين الظّاهرة وضبطها، فإنّ النّصّ الأدبيّ – والقرآنيّ في ذروته البيانيّة – يذكّرنا بأنّ اللّغة العربيّة، في جوهرها، نظامٌ مفتوح على المجاز، وأنّ كثيرًا من الاختيارات النّحويّة لا تُفهم إلّا بوصفها انعكاسًا لوعي جماليّ وحضاريّ؛ وبذلك، فإنّ دراسة التّذكير والتّأنيث المجازيّين تُسهم في تعميق قراءة الأدب العربيّ نفسه، بوصفه مجالًا تتفاعل فيه القاعدة مع الذّوق، والمعنى مع الرّمز، واللّغة مع رؤية الإنسان للعالم.
ومن هنا، تفتح هذه الدّراسة أفقًا لقراءة التّذكير والتّأنيث المجازيين بوصفهما جزءًا من بلاغة النّصّ، كما تعيد النّظر في مكانة الاستعمال الأدبيّ والقرآنيّ بوصفه مرجعًا تأويليًّا يضيء ما قد تعجز القاعدة النّحويّة المجرّدة عن تفسيره، ويكشف عن عمق العلاقة بين اللّغة والتّخييل والّثقافة؛ فهذه الظّاهرة تنسجم مع الدّعوة القرآنيّة إلى التّدبّر في البنية الدّلاليّة للنّصّ واستكشاف أبعاده التّعبيريّة، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢٤﴾ (محمّد: 24). وبذلك، تتأكّد الحاجة إلى مقاربة تكامليّة تجمع بين النّحو والدّلالة والثّقافة لفهم الظّواهر اللّغويّة في عمقها، بعيدًا عن الاقتصار على التّفسير القاعديّ المجرّد.
قائمة المراجع
- القرآن الكريم.
- ابن الأنباري، أبو بكر. (1995). الإنصاف في مسائل الخلاف بين النّحويّين البصريّين والكوفيّين (تحقيق: محمد محيي الدّين عبد الحميد). القاهرة: مكتبة الخانجي.
- ابن المعتزّ. (2001). ديوان ابن المعتزّ (تحقيق: محمد يوسف نجم). بيروت: دار صادر.
- الجوهري، إسماعيل بن حماد. (1990). الصّحاح في اللّغة. بيروت: دار العلم للملايين.
- السّجستاني، سهيل بن محمّد. (2003). الفرق بين النّحويّين البصريّين والكوفيّين. بيروت: دار الكتب العلميّة.
- سوسير، فرديناند دي. (1996). محاضرات في اللّسانيّات العامّة (ترجمة: يوسف أسعد داغر). بيروت: دار الكتاب الجديد المتّحدة.
- شتراوس، كلود ليفي. (1992). البنيوية والأنثروبولوجيا (ترجمة: حسين فهمي). القاهرة: الهيئة العامّة.
- الفراء، يحيى بن زياد. (1983). معاني القرآن (تحقيق: أحمد يوسف النّجاتي، محمّد علي النّجّار، عبد الفتّاح شلبي). القاهرة: دار الحديث.
[1] طالبة دكتوراه في اللّغة العربيّة وآدابها- الجامعة الإسلاميّة في لبنان



