المواطنة وحقوق الإنسان

المواطنة وحقوق الإنسان
Citizenship and Human Rights
د.لبنى محمّد صقر
Dr. Loubna Mouhammad saker
تاريخ الاستلام 22/ 11/ 2025 تاريخ القبول 29/ 12 /2025
الملخّص
تتناول هذه الدّراسة مفهوم المواطنة في السّياق اللّبنانيّ بوصفه إطارًا ناظمًا للعلاقة بين الفرد والدّولة، قائمًا على منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، وعلى مبدأ المساواة والمشاركة في الشّأن العام. وتنطلق الدّراسة من فرضيّة مفادها أنّ البنية السّياسيّة الطّائفيّة تشكّل عائقًا بنيويًّا أمام تحقّق المواطنة الفاعلة، وتسهم في إعادة إنتاج الولاءات الفرعيّة على حساب الانتماء الوطنيّ، فتنعكس سلبًا على حقوق الإنسان والأمن المجتمعيّ.
وتعتمد الدّراسة المنهج الوصفيّ التّحليليّ من خلال تحليل النّصوص الدّستوريّة والقانونيّة ذات الصّلة، ومراجعة الأدبيّات النّظريّة، وربطها بقراءة نقديّة لواقع الممارسة السّياسيّة والاجتماعيّة في لبنان؛ وتبيّن النّتائج أنّ سيادة القانون، على أهمّيّتها، لا تكفي وحدها لترسيخ المواطنة ما لم تُدعَّم بثقافة مدنيّة وتربية مواطنيّة ومؤسّسات دولة قادرة على ضمان المساواة الفعليّة والعدالة الاجتماعيّة، كما تخلص الدّراسة إلى أنّ الانتقال من دولة الطّوائف إلى دولة المواطنين يتطلّب مسارًا تراكميًّا طويل الأمد، يتكامل فيه الإصلاح التّشريعي مع الإصلاح التّربويّ والثّقافيّ والسّياسيّ، فيعزّز الهويّة الوطنيّة الجامعة ويحدّ من عوامل الانقسام الدّاخلي؛ وتوصي الدّراسة بتعزيز دور الدّولة ومؤسّسات المجتمع المدنيّ في نشر ثقافة المواطنة وربطها بالتّنمية والأمن والاستقرار.
الكلمات المفتاحيّة: المواطنة – حقوق الإنسان – الطّائفيّة – الدّولة اللّبنانيّة – الدّيمقراطيّة.
Abstract
This study examines the concept of citizenship in the Lebanese context as a regulatory framework governing the relationship between the individual and the state, based on an integrated system of rights and duties, and on the principles of equality and participation in public affairs. The study proceeds from the hypothesis that the sectarian political structure constitutes a structural obstacle to the realization of effective citizenship and contributes to the reproduction of sub-national loyalties at the expense of national belonging, which negatively affects human rights and societal security. The study adopts a descriptive-analytical methodology through analyzing relevant constitutional and legal texts, reviewing theoretical literature, and linking them to a critical reading of the reality of political and social practice in Lebanon.
The findings indicate that the rule of law, despite its importance, is not sufficient on its own to consolidate citizenship unless it is supported by civic culture, citizenship education, and state institutions capable of ensuring substantive equality and social justice. The study further concludes that the transition from a state of sects to a state of citizens requires a long-term cumulative process in which legislative reform is integrated with educational, cultural, and political reform, thereby strengthening inclusive national identity and reducing internal divisions. The study recommends strengthening the role of the state and civil society institutions in promoting a culture of citizenship and linking it to development, security, and stability.
Keywords: Citizenship – Human Rights – Sectarianism – The Lebanese State – Democracy.
المقدّمة
تُعدّ المواطنة من المفاهيم المحوريّة في الفكرين السّياسيّ والقانونيّ، إذ تعبّر عن طبيعة العلاقة التي تربط الفرد بالدّولة في إطار قانونيّ ومؤسّسيّ يحدّد منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة، ويؤسّس لمبدأ المشاركة في الشّأن العامّ، والخضوع لسلطة القانون على قدم المساواة؛ ولا تقتصر المواطنة على الانتماء الإقليميّ أو حمل الجنسيّة، بل تتجلّى في ممارسة الحقوق السّياسيّة والمدنيّة، وفي الإسهام في بناء المجال العامّ ضمن قواعد تنظّمها الدّولة الحديثة.
وتكتسب دراسة المواطنة في السّياق اللّبنانيّ أهمّيّة خاصّة بسبب الطّبيعة التّعدديّة للمجتمع، حيث يقوم النّظام السّياسيّ على توازنات طائفيّة أقرّها الميثاق الوطنيّ وكرّسها الدّستور؛ وعلى الرّغم من النّصّ الدّستوريّ الذي يؤكّد المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، فإنّ الواقع السّياسيّ والاجتماعيّ يكشف عن اختلالات بنيويّة تحدّ من تحقّق المواطنة بوصفها رابطة وطنيّة جامعة، وتعيد إنتاج الولاءات الفرعيّة على حساب الانتماء إلى الدّولة.
ومن هذا المنطلق، تندرج هذه الدّراسة في إطار البحث في شروط تفعيل المواطنة في المجتمعات التّعدديّة، من خلال مقاربة العلاقة الجدليّة بين المواطنة وحقوق الإنسان والأمن المجتمعيّ، وتحليل أثر البنية السّياسيّة الطائفيّة في إعادة تشكيل مفهوم الانتماء والولاء، بما ينعكس على مستوى الاستقرار الاجتماعيّ وبناء الدّولة.
أهداف الدّراسة
تهدف هذه الدّراسة إلى:
- توضيح مفهوم المواطنة وتتبّع تطوّره في الفكر السّياسيّ والقانونيّ.
- تحليل العلاقة بين المواطنة وحقوق الإنسان في الإطارين النّظريّ والتّطبيقيّ.
- رصد أثر تفعيل المواطنة في تعزيز الأمن المجتمعيّ والاستقرار السّياسيّ.
- تشخيص المعوّقات البنيويّة والثّقافيّة التي تحول دون ترسيخ المواطنة في لبنان.
- إبراز دور الدّولة ومؤسّساتها ومنظّمات المجتمع المدنيّ في تعزيز المواطنة الفاعلة.
أهمّيّة الدّراسة
تنبع أهمّيّة هذه الدّراسة من إسهامها في تعميق النّقاش العلميّ حول مفهوم المواطنة في المجتمعات التّعدديّة، ولا سيّما في السّياق اللّبنانيّ الذي يتداخل فيه البعد الطّائفيّ مع البنية السّياسيّة للدّولة؛ كما تسعى إلى سدّ فجوة بحثيّة في الدّراسات الأمنيّة والاجتماعيّة من خلال الرّبط بين تفعيل المواطنة وتحقيق الأمن المجتمعي، بما يبرز البعد الوقائيّ للمواطنة في الحدّ من النّزاعات الدّاخليّة وتعزيز الاستقرار؛ وتكتسب الدّراسة أهمّيّة تطبيقيّة لكونها تقدّم إطارًا تحليليًّا يمكن الإفادة منه في صياغة السّياسات العامّة والبرامج التّربويّة الهادفة إلى تعزيز الانتماء الوطنيّ.
إشكاليّة الدّراسة
تنطلق هذه الدّراسة من إشكاليّة مركزيّة تتمثّل في السّؤال الآتي: إلى أيّ مدى تتحقّق المواطنة الفاعلة في المجتمع اللّبنانيّ في ظلّ البنية السّياسيّة الطّائفيّة؟ وما أثر ذلك في ترسيخ حقوق الإنسان وتعزيز الأمن المجتمعيّ؟
ويتفرّع عن هذا السؤال الرّئيس عدد من التّساؤلات الفرعيّة، أبرزها:
- ما مفهوم المواطنة في الإطارين الدّستوري والقانونيّ في لبنان؟
- كيف تتجلّى العلاقة بين المواطنة وحقوق الإنسان في الواقع اللّبنانيّ؟
- ما العوامل السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة التي تعيق ترسيخ المواطنة بوصفها رابطة وطنيّة جامعة؟
- ما انعكاسات ضعف المواطنة على الاستقرار والأمن داخل المجتمع؟
- ما السّبل الكفيلة بتفعيل المواطنة وتعزيز الولاء للدّولة بدل الولاءات الفرعيّة؟
منهج الدراسة
تعتمد هذه الدّراسة المنهج الوصفيّ التّحليليّ، القائم على وصف الظّاهرة المدروسة وتحليل أبعادها من خلال استقراء النّصوص الدّستوريّة والقانونيّة، وتحليل الأدبيّات النّظريّة المتعلّقة بمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان، وربطها بقراءة نقديّة لواقع الممارسة السّياسيّة والاجتماعيّة في لبنان؛ ويهدف هذا المنهج إلى الكشف عن طبيعة التّفاعلات بين البنية السّياسيّة الطّائفيّة ومتطلّبات المواطنة الحديثة، وتحليل أثر ذلك في تحقيق الأمن المجتمعيّ وتماسك الدّولة.
أوّلًا: المواطنة: من التّأصيل المفاهيميّ إلى التّجلّيات السّياسيّة في لبنان
1- مقهوم المواطنة ونشأتها
- 1 تحديد مفهوم المواطنة
المواطنة تعني الممارسة الكاملة للحقوق والواجبات المدنيَّة والسّياسيَّة، ومن ضمنها المشاركة في وضع القوانين والقواعد والنّظم التي ترعى هذه الحقوق من دون أيّ تمييز جنسيّ أو عرقيّ أو طائفيّ بين جميع البالغين المنتمين إلى الوطن الواحد.
ومن هذا المنطلق تعبّر عن الإنسان ككائن سياسيّ، له دور فاعل في إدارة الشّأن العامّ؛ ففي «المواطنة تُبنى العلائق من منطلق عقلانيّ وتبادليّ من ضمن العقد الاجتماعيّ الذي يرعى وجود الدّولة والمجتمع»([1]).
إنَّ المواطنة هي انتماء الإنسان لبقعة أرض، والمقصود بالإنسان هنا هو «كلّ من يعيش داخل الدّولة أو يحمل جنسيّتها، ويكون مشاركًا في اختيار صورة الحكم فيها، ويخضع للقوانين الصّادرة منها»([2]).
والمواطنة إشكاليَّة في حدّ ذاتها؛ لأنّها قد تعني حالة الإنسان في علاقته بالمجال، وبالآخر، وبالمجتمع، وبالسّلطة، أو قد تعني سلطة للإنسان في مواجهة الدّولة والمجتمع؛ وبالتّالي غدت المواطنة «مفهومًا متحرّكًا في السّيرورة الزّمنيّة – التّاريخيّة، كما في مختلف الفضاءات المكانيَّة في العالم»([3]).
- 2 نشأة المواطنة
ارتكزت المواطنة في صدر الحضارة الرّومانيَّة على دعامة واجبات والتزامات المواطنين، ومع ظهور الحركات السّياسيَّة والحقوقيَّة، وتغيّر المنظومة السّياسيَّة العالميَّة، وظهور نظم الدّيمقراطيَّة اللّيبراليَّة التي “سعت إلى توسيع نظريَّة المواطنة بتوفير الدَّعامة الثّانية للمواطنة، وهي المواطنة الحقوقيَّة التي قسّمت حقوق المواطنة إلى ثلاثة مكوّنات”([4]).
وأولى هذه المكوّنات المواطنة المدنيّة التي تبلورت في القرن الثَّامن عشر، مع إقرار حرّيّة التّعبير والفكر، والحرّيّة الدّينيّة، والمساواة أمام القانون؛ أمّا المكوّن الثّاني فيتمثّل في المواطنة السّياسيّة التي تبلورت في القرن التّاسع عشر، وأكّدت على الحقوق المرتبطة بالمشاركة في إدارة الشّأن العامّ، ولا سيّما حقّ التّصويت والتّرشّح لتولّي الوظائف العامّة؛ وفي القرن العشرين، برز المكوّن الثّالث المتمثّل في المواطنة الاجتماعيّة التي تقوم على ضمان حدٍّ أدنى من الأمن الاقتصاديّ للمواطن، حمايةً له من تقلّبات السّوق، ولا سيّما بعد انكشاف اختلالات النّظام الرّأسماليّ، فاستدعى “ضرورة تدخّل الدّول لضمان الأمن المادّيّ والاقتصاديّ لرعاياها”([5]).
وباتت قضيَّة المواطنة تشكّل رابطًا اجتماعيًّا وقانونيًّا بين الأفراد والمجتمع السّياسيّ الدّيمقراطي؛ فهي تستلزم إلى جانب الحقوق والحرّيّات مسؤوليّات والتزامات، ومن دونهما يفشل المشروع الدّيمقراطيّ.
2- تاريخيَّة المواطنة
نظرًا لتعقّد قضيّة المواطنة وتشابك أبعادها الفكريّة والسّياسيّة والقانونيّة، فضلًا عن امتداداتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة، كان لا بدّ من الرّجوع إلى تاريخيّتها للكشف عن جذورها النّظريّة والاجتماعيّة والسّياسيّة؛ إذ بدأت ملامحها الأولى تتبلور في التّجربة اليونانيّة مع قيام الدّولة المدنيّة في أثينا القديمة ضمن حدود الواقع المعرفيّ والاجتماعيّ السّائد آنذاك([6])، ويتجلّى ذلك في موقف سقراط الذي آثر الامتثال لحكم الإعدام التزامًا بواجباته تجاه مدينته، وفي تصوّر أرسطو الذي ردّ جوهر الدّولة إلى القانون والنظام، ورأى في توجيه النّظام التّربويّ وضمان رضا المواطنين عن القانون أساسًا لقيام الدّولة؛ ثمّ تطوّر المفهوم في التّجربة الرّومانيّة متجاوزًا حدود المدينة إلى الإطار الإقليميّ، حيث جرى توسيع نطاق المواطنة عبر تشريعات منحتها لشرائح واسعة من سكّان إيطاليا؛ لتغدو قائمة على منظومة من الحقوق والواجبات([7]).
يُستنتج أنّ المواطنة في العصر الرّومانيّ بلغت درجةً من التّطوّر تفوق ما عرفته في التّجربة الإغريقيّة، إذ نال العبيد بعض حقوقهم الطّبيعيّة التي كانت مصادَرة سابقًا، واتّسع وعي النّاس بحقوقهم في مواجهة طبقة النّبلاء، في سياق حراك اجتماعيّ رافقه تراجع التّصنيف اليونانيّ التّقليديّ بين مواطنين وعبيد، مع بقاء الطّموح الأساسيّ متمثّلًا في نيل صفة «المواطن الرّومانيّ»، ومع انتقال الفكر السّياسيّ لاحقًا إلى الانشغال بقيم الحرّيّة والعدالة، انصبّ اهتمام الفلاسفة والمفكّرين -من ميكيافيللي ومونتسكيو وهوبز ولوك وروسو- على بلورة حقوق الفرد في إطار البحث عن الدّولة والانتظام العامّ قبل أن تتطوّر هذه الحقوق إلى مفهوم متكامل لحقوق المواطن، إذ إنّ المواطنة ترتبط عضويًّا بالتّحوّل من دولة الأفراد إلى دولة المواطنين، وهو ما يفسّر الجدل التّاريخيّ الطّويل حول أهلّيّة المشاركة في الاقتراع العامّ.
وبعد الحرب العالميّة الثّانية بيّن مارشال (T. H. Marshall) أنّ مسار المواطنة مرّ بمراحل متعاقبة شملت ترسيخ الحقوق المدنيّة ثمّ السّياسيّة فالإجتماعيّة، في ظلّ تحوّل حقوق الحياة والحرّيّة والملكيّة إلى حقوق إنسانيّة كونيّة شكّلت أحد مرتكزات الثّورتين الأميركيّة والفرنسيّة، بما يؤكّد أنّ الفكر الغربيّ سعى أوّلًا إلى تأصيل حقوق الفرد قبل أن يبلغ مستوى حقوق المواطن المنخرط في منظومة اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة، في مسار تاريخي طويل خلّف آثارًا قانونيّة وسياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة عميقة في حياة الفرد والمجتمع.
تجدر الإشارة إلى أنّ المواطنة الأميركيّة تبلورت على مستويين متكاملين: مستوى أوّل يتمثّل في مواطنة الولاية ضمن حدودها الجغرافيّة، ودستورها الخاصّ، ونظامها الحاكِم، ومشاريعها الاجتماعيّة والتّنمويّة، ومستوى ثانٍ يتمثّل في المواطنة الأميركيّة بوصفها انتماءً إلى الأمّة والشّعب الأميركيّ، فيعكس نمطًا من التّكامل بين مواطنة الولاية ومواطنة الأمّة، كما يَظهر التّفاعل بين الثّورتين الفرنسيّة والأميركيّة من خلال تبادل الأفكار والبحث في حقوق الفرد الذي غدا مواطنًا.
وفي فرنسا، أُرسيت قواعد جديدة للمواطنة تحت تأثير الثّورة الفرنسيّة، انطلاقًا من مبادئها: حرّيّة، وإخاء، ومساواة، وصولًا إلى إقرار حقّ الاقتراع العامّ بوصفه حقًّا من حقوق المواطن؛ وفي ظلّ القانون الوضعي العام والمجرّد، “سادت فكرة المساواة أمام القانون، وصار الفرد محميًّا في دائرة القانون، وغدا فردًا سياسيًّا قادرًا على انتخاب ممثِّليه من خارج قيود الأرستقراطيّة والإقطاع الموروث، إنّها معركة الحرّيّة السّياسيّة للفرد السّياسيّ الذي غدا مواطنًا في المجتمع السّياسيّ”([8]).
وتزامن الانتقال من الفرد السّياسيّ إلى المواطن السّياسيّ مع الثّورة الصّناعيّة في القرن التّاسع عشر التي أسّست بدورها لما عُرف بالحداثة القائمة على تطوّر وسائل الإنتاج بفعل الكشوفات العلميّة والتّكنولوجيا، فحرّكت حوافز فكريّة جديدة لدى الإنسان والمجتمع تتعلّق بوظائف الدّولة وحقوق المواطن؛ لتغدو المواطنة لاحقًا مطلبًا عالميًّا تجاوز الأطر الفكريّة التّقليديّة في اللّيبراليّة والماركسيّة، بوصفها تطوّرًا إنسانيًّا بالغ الأهمّيّة اجتاحت بموجبه حقوق المواطن مختلف أصقاع العالم بفعل المدّ الثّوريّ العالميّ.
3- واقع المواطنة في لبنان
ترافقت نشأة المواطنة في لبنان مع تصاعد التّحرّكات الرّافضة لأنظمة اللّامساواة والاستعمار، كالنّظام الإقطاعيّ والاستعمار العثمانيّ والانتداب الفرنسيّ، وتنامت في هذا السّياق الرغبة في صون الانتماء الثّقافيّ، وتكريس مبدأ الحرّيّات، فيما اضطلعت الدّولة النّاشئة بدور المؤسّسة النّاظمة للحقوق والواجبات للأفراد والجماعات المكوِّنة للنسيج الوطنيّ، على نحوٍ كُرِّس دستوريًّا.
وقد أولى الدّستور اللّبنانيّ قيمة خاصّة للتّنوّع المكوِّن للمجتمع، ونصّ على أهمّيّة الحرّيّات العامّة، مؤكّدًا أنّ «أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللّبنانيّين، فلكل لبناني الحقّ في الإقامة على أيّ جزء منها والتمتّع به في ظلّ سيادة القانون، فلا فرز للشّعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين»([9]).
وعليه، تتجلّى المواطنة في لبنان ضمن منظومة من القيم العامّة المشتركة القائمة على احترام الاختلاف والتّضامن العابر للطّوائف، وعلى التّمسّك بالتّراث الحضاريّ الوطنيّ المتنوّع وبالثقافة الوطنيّة الجامعة التي تضمن التّربية على المواطنة، وتعزّز العيش المشترك، كما يتجلّى ذلك في الأعياد الرّسميّة والدّينيّة.
ويأتي التّدريب على المواطنة في لبنان «كجواب طبيعيّ وحتميّ على القواعد الميثاقيّة والدّستوريّة المؤسِّسة للكيان الوطنيّ»([10])، فيما تُعدّ التّربية على المواطنة هدفًا استراتيجيًّا بالغ الأهمّيّة لمعالجة ما خلّفته الحروب والصّراعات الدّاخليّة من آثار خطيرة على تماسك المجتمع ووحدته، وعلى ثقة الأفراد بوطنهم وبالآخرين.
4- المواطنة في النظام السّياسيّ اللّبنانيّ
إنَّ المواطنة لا تقوم إلّا في مجتمعٍ تسوده الحرّيّات العامّة، والأخلاق المدنيّة، وسيادة القوانين الوضعيّة، إذ إنّ المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون تعود إلى طبيعة النِّظام السّياسيّ في المجتمع والدّولة، حيث لا تمييز ولا استنسابيّة ولا محسوبيّات تُفرِّق بين مواطن وآخر، بل ينال كلّ فرد حقّه وفق معايير الكفاءة والاستحقاق؛ وهذا الفهم الواضح للمواطنة يقتضي، بالضّرورة، تحقيق مصالحة مع الذّات أوّلًا، ثمّ مع المواطنين، بما يُفضي إلى ترسيخ الانتماء الوطنيّ.
فالمواطن والدّولة الدّيمقراطيّة يشكّلان معًا جناحَي تحقيق المواطنة؛ إذ تسعى الدّولة المواطنيّة إلى مراعاة مصالح الأفراد والجماعات على نحوٍ يحقّق مصلحة الوحدة الوطنيّة والإجماع الوطنيّ، تحت سقف الحرّيّات والحقوق المدنيّة والسّياسيّة.
وقد أقرّ الدّستور اللّبنانيّ في مقدّمته مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمايز أو تفضيل، غير أنّ هذا الإقرار بمفهوم المواطن سرعان ما أُفرغ من مضمونه بفعل تكريس الطّائفة كسلطة موازية لسلطة الدّولة في قوانين الأحوال الشّخصيّة والمحاكم الرّوحيّة، بما يقيّد الأفراد وفق رؤى رجال الدّين والزّعماء الطائفيّين؛ فبقدر ما شرّع الدّستور لبناء الدّولة المدنيّة، شرّع في الوقت نفسه لحريّة الطّوائف في بسط نفوذها على الأفراد، وفي إنشاء المدارس وتحديد البرامج التّعليميّة، فضلًا عن تكريس تقاسم السّلطة بين الطّوائف والمذاهب.
وعليه، بات بناء الدّولة المدنيّة ضرورةً ملحّة لترسيخ المواطنة وتنمية الرّوح الوطنيّة بين اللّبنانيّين، وهو ما يقتضي التّشديد على إقرار قانون مدنيّ موحّد للأحوال الشّخصيّة، إلى جانب تفعيل البرامج الإصلاحيّة التّعليميّة والإعلاميّة، وإقرار قانون انتخابات تُراعى فيه مصالح الأفراد، بحيث تكون الدّيمقراطيّة منبثقة من إرادة الشّعب لا من انتماءاته الطّائفيّة، وتكون الأحزاب فاعلة في تحرير المجتمع من العصبيّات الأهليّة والقبليّة عبر عمليّات التّثقيف السّياسيّ والتّنشئة المدنيّة.
ومن هنا، فإنّ الشّعب الواحد، مهما اختلفت عقائده ومذاهبه الدّينيّة أو الاجتماعيّة، لا بدّ أن يخضع لتشريع واحد، كما أنّ الدّولة التي تحرص على وحدة قوانينها تؤكّد استقلال التّشريع العامّ عن أيّ مرجعيّة دينيّة أو طائفيّة، مع إبداء الاحترام والمودّة لجميع الأديان، وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين دون استنسابيّة أو محسوبيّة.
ثانيًا: العلاقة بين المواطنة وحقوق الإنسان في الإطار الدّستوريّ والمؤسّساتيّ اللّبنانيّ
1- العلاقة بين المواطنة وحقوق الإنسان
ليست المواطنة مجرّد شعور عاطفيّ بالانتماء إلى وطن نحبه، أو إلى قطعة سماء نتغنّى بها، بل هي عمليّة تراكميّة تقوم على علاقة تعاقديّة بين شعب ما ودولة يعيش هذا الشّعب ضمن نطاق سيادتها الجغرافيّة، وتستند إلى منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الطّرفين.
وبقدر ما تنجح الدّولة في صون حقوقها والالتزام بواجباتها تجاه المواطن على نحو متساوٍ وعادل وشفّاف، ينمو لدى الأخير وعيه بحقوقه وواجباته تجاه الدّولة، لا سيّما إذا ترافق دور الدّولة مع عوامل مكمّلة تتيح للمواطن آليّات الاندماج الاجتماعيّ.
وإنّ مفهوم المواطنة يضع مسألة التّوازن بين الحقوق والواجبات في صميم العلاقة بين الفرد والدّولة، إذ يبقى الأفراد بحاجة دائمة إلى حوافز تُرسّخ في ذهنيّتهم معنى المواطنة؛ ومن هنا، تنبع العلاقة الجدليّة بين المواطنة وحقوق الإنسان: فالحقوق تبدأ كحاجات ضمن مسار التّطوّر الحضاريّ للمجتمعات، وتنمو من خلال الأدوار الفاعلة التي يؤدّيها المواطن والجهود التي يبذلها لتحقيقها؛ فالطّريق إلى الحقوق يمرّ عبر ممارسة المواطنة والتّحسّس بها كحاجات متأصّلة في الحسّ المدنيّ، كما أنّ العمل على تفعيلها وتطويرها والالتزام بها والدّفاع عنها هو جوهر المواطنة التي لا تتحقّق إلّا إذا كان المواطن مستعدًّا للدّفاع عنها والنّضال من أجل نيلها.
2- الحقوق والحرّيّات التي يجب أن يتمتَّع بها جميع المواطنين في الدّولة
إذا كانت الوطنيّة تشير إلى الشّعور والالتزام الوطنيّ بالمعنى القيميّ، فإنّ المواطنة تؤكّد على الالتزامات المتبادلة بين المواطن ودولة المواطنين، حيث يعبّر ولاء المواطن للوطن والدّولة عن التزامه مقابل واجبات الدّولة تجاه مواطنيها؛ وتمتدّ أبعاد المواطنة لتشمل الجوانب القانونيّة، والاقتصاديّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، فالمساواة أمام القانون تجسّد البعد السّياسيّ، والمساواة بين الجنسين تعكس البعد الاجتماعيّ، فيما يضمن حصول كلّ مواطن على نصيب عادل من الثّروة الوطنيّة تأكيدًا للبعد الاقتصاديّ والاجتماعيّ معًا.
ومع ذلك، لكي يشعر المواطن أنّه متساوٍ مع غيره، عليه أن يتمتّع بنفس الحقوق ويؤدّي نفس الواجبات، وإلّا فقد يصبح هناك مواطن درجة أولى وآخر درجة ثانية، فالأمر يعكس مضمون المادّة السّابعة من الدّستور اللّبنانيّ: «إنّ اللّبنانيّين سواء لدى القانون، وهم يتمتّعون بالسَّواء بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامّة دون ما فرق بينهم»([11]).
ويُعدّ الانتماء العنصر الأساسي في مفهوم المواطنة، وهو لا يتحقّق إلّا عبر تربية المواطنيّة التي تشكّل ضرورة أساسية لتحقيقها؛ ومن هنا، نستنتج أنّ روح الدّيمقراطيّة هي المواطنة؛ لذا، قبل الحديث عن الدّيمقراطية نفسها، يجب إدراك حقيقة المواطنة التي تمثّل القلب النّابض لمفهومها.
وفي ضوء ذلك، تأتي ضرورة تناول حقوق وواجبات المواطن في الدّولة التي ينتمي إليها، فما الحقوق الأساسيّة لمفهوم المواطنة في دولة ديمقراطيّة؟ ويترتّب على المواطنة الدّيمقراطية ثلاثة أنواع رئيسة من الحقوق والحريات التي يجب أن يتمتّع بها جميع المواطنين دون تمييز من أيّ نوع، ولا سيّما التّمييز بسبب العنصر أو اللّون أو اللّغة أو أيّ وضع آخر؛ وهذه الحقوق كما يلي:
أ- الحقوق المدنيَّة
وهي مجموعة من الحقوق تشمل حقّ المواطن في الحياة، وعدم إخضاعه للتّعذيب، أو للمعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللّاإنسانيّة، وعدم المساس بكرامته، كما تشمل عدم إجراء أيّ تجربة طبيّة، أو علميّة على أيّ مواطن من دون موافقته، ومنع استرقاق أيّ شخص، والاعتراف بحريّة كلّ مواطن ما دام ذلك لا يخالف القوانين، ولا يتعارض مع حريّة الآخرين.
كما تشمل هذه الحقوق حقّ المواطن في الأمان على شخصه، وعدم اعتقاله، أو توقيفه تعسفيًّا، وحقّه في الملكيّة الخاصّة، وحريّة التّنقل، واختيار مكان إقامته داخل الدّولة، وحقّ المغادرة والعودة إليها، والمساواة أمام القانون، والاعتراف بالشّخصيّة القانونيّة لكلّ فرد، وعدم التّدخّل في خصوصيّته، أو في شؤون أسرته، أو بيته، أو مراسلاته، وعدم المساس بشرفه، أو سمعته عبر أي حملات غير قانونيّة، وتشمل الحقوق أيضًا حقّ المواطن في حماية القانون له، وحقّه في حريّة الفكر والوجدان والدّين واعتناق الآراء والتّعبير عنها وفق النّظام والقانون، وحقّ كلّ طفل في اكتساب جنسيّته.
ب- الحقوق السّياسيَّة
وتتمثّل هذه الحقوق في حقّ المواطن في المشاركة بالانتخابات سواء في السّلطة التّشريعيّة أم السّلطات المحلّيّة والبلديّات، وحقّ التّرشيح للوظائف العامّة، وحقّ الانضمام إلى الأحزاب، وتنظيم الحركات والجمعيّات، ومحاولة التّأثير في صنع القرار السّياسيّ، والحصول على المعلومات ضمن إطار القانون، إضافة إلى الحقّ في تقلّد الوظائف العامّة في الدّولة، والحقّ في التّجمّع السّلميّ.
ج- الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثّقافيَّة
وتتمثّل الحقوق الاقتصاديّة أساسًا في حقّ كلّ مواطن في العمل، وفي ممارسة العمل في ظروف عادلة ومنصفة، وفي الحرّيّة النّقابيّة بما يشمل تأسيس النّقابات والانضمام إليها، والحقّ في الإضراب؛ كما تتجلّى الحقوق الاجتماعيّة في ضمان حدّ أدنى من الرّفاه الاجتماعيّ والاقتصاديّ، وتوفير الحماية الاجتماعيّة، والحقّ في الرّعاية الصّحيّة، والغذاء الكافي، والتّأمين الاجتماعيّ، والمسكن، والمساعدة في التّنمية، والحقّ في بيئة نظيفة، والحقّ في الحصول على الخدمات الأساسيّة لكلّ مواطن؛ أمّا الحقوق الثّقافيّة، فتتمثّل في حقّ كلّ مواطن في التّعليم والمشاركة الثّقافيّة.
أمّا الواجبات المترتّبة على المواطن، فهي كالآتي:
- واجب دفع الضّرائب للدّولة.
- واجب إطاعة القوانين.
- واجب الدّفاع عن الدّولة.
وتعدّ هذه الواجبات نتيجة منطقية ومقبولة في إطار نظام ديمقراطيّ حقيقيّ يضمن الحقوق والحرّيّات للمواطنين بشكل متساوٍ؛ ولكي يشعر المواطن بأنّه متساوٍ مع غيره، يجب أن يتمتّع بالحقوق نفسها، وإلّا فإنّنا أمام عدم تكافؤ الفرص بين المواطنين؛ فوحدة المجتمع هي قاعدة وحدة المصالح، ووحدة المصالح هي وحدة الحياة، وعدم الوحدة الاجتماعية ينفي المصلحة العامة التي لا يمكن تعويضها بأيّ ترضيات وقتيّة. «كما أنَّ هذا النّزاع المتجدّد يستعيد النّظر النّقديّ إلى أسطورة الدّيمقراطيّة التّوافقيّة، أو التّعايش والعيش المشتركين بين الطّوائف التي ما زالت تحكم الحياة السّياسيّة اللّبنانيّة منذ الاستقلال، بصيغ مختلفة خرجت بها القوى المتنازعة وامتدادها الخارجيّة (ميثاق 1943 الشهابيّة)، اتّفاق الطّائف من دون تأمين شروط الاستقرار، والحرّيّة والمساواة والعدالة والسّيادة والاستقلال للدّولة والشّعب اللّبنانيّ»([12]).
3- واقع حقوق الإنسان في لبنان
شهدت الحالة التّشريعيَّة في لبنان تطوّرًا بالغ الأهمّيّة، ذلك بفعل التّعديل الدّستوريّ عام 1990 الذي أضاف إلى الدّستور مقدّمة جاء في الفقرة «ب» منها: «لبنان عربيّ الهويَّة والانتماء، وهو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدّول العربيّة وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتّحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. وتجسّد الدّولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء».
إنّ التزام لبنان المواثيق الدوليّة، وفي مقدّمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يعتبر إنجازًا تاريخيًّا، لأنّه أمر يجعل من لبنان جزءًا من الورشة العالميَّة القائمة والعاملة على تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريَّات العامَّة.
أ- حقوق الإنسان في الدّستور اللّبنانيّ
جاء في مقدّمة الدّستور اللّبنانيّ أنّ «لبنان جمهوريّة ديمقراطيّة برلمانيّة تقوم على احترام الحرّيّات العامّة، وفي طليعتها حرّيّة الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعيَّة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، دون تمييز أو تفضيل». كما ونصَّت مقدّمة الدّستور اللّبنانيّ صراحةً على التزام لبنان بمواثيق الأمم المتّحدة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان.
وقد تضمَّن الدّستور اللّبنانيّ فصلًا كاملًا لتحديد حقوق اللّبنانيّين وواجباتهم (في الباب الأوّل من الفصل الثَّاني). وتضمّن في الموادّ من 7 إلى 15 التزام الدّولة اللّبنانيّة بحماية عدد من حقوق المواطن الأساسيّة والحرّيّات العامّة، كما وكفل الدّستور اللّبنانيّ، المساواة أمام القانون لجهة التّمتّع بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة، وأيضًا كفلت القوانين اللّبنانيّة حقوق المواطنين سواء في العمل والتّعليم و«حرّيّة المعتقد والحرّيّة الدّينيَّة»([13])، وحرّيّة إبداء الرّأي قولًا وكتابةً وحرّيّة الاجتماع وتأليف الجمعيّات أو الأحزاب السّياسيّة.
ب- التزامات لبنان الدّوليَّة فيما يتعلّق بحقوق الإنسان
أسهم لبنان بوضع الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان عام 1948 وانضمّ إلى اتفاقيّات وبروتوكولات دوليَّة عدّة منها:
- اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة عام 1979.
- اتفاقيَّة مناهضة التّعذيب عام 1984.
- اتفاقيّة حقوق الطّفل عام 1989.
وتشكّل المعاهدات والاتفاقيّات الدّوليّة التي انضمّ إليها لبنان جزءًا أساسيًّا من التزاماته الدّوليّة، إذ تسمو، من حيث المبدأ، على القوانين الدّاخليّة وتُقدَّم عليها في التّطبيق، كما تُلزم المحاكم بالاحتكام إلى أحكامها؛ غير أنّ الممارسة العمليّة تكشف عن وجود ثغرات جوهريّة في آليّات تنفيذ هذه الالتزامات، ولا سيّما في مجال حماية حقوق الإنسان.
وقد تضمّنت المواثيق الدّوليّة لحقوق الإنسان نصوصًا صريحة تكفل حماية السّجناء والمُدانين من أيّ اعتداء على كرامتهم الإنسانيّة، وأقرّت ضمانات خاصّة لفئات هشّة، كالنّساء الحوامل، والأحداث المخالفين للقانون، كما حرّمت بصورة قاطعة جميع أشكال التّعذيب والمعاملة القاسية أو اللّاإنسانيّة أو المُهينة، ولا سيّما بحقّ الموقوفين بسبب آرائهم أو انتماءاتهم السّياسيّة؛ إلّا أنّ واقع السّجون في لبنان لا يزال بعيدًا عن هذه المعايير، فيستدعي اعتماد سياسة إصلاحيّة منهجيّة قائمة على أسس علميّة في إدارة المؤسّسات العقابيّة، بما ينسجم مع المفاهيم الحديثة لإصلاح السّجون التي أرستها المؤتمرات والاتفاقيّات الدّوليّة الّتي تؤكّد ضرورة توفير بيئة آمنة تحفظ الحقّ في الحياة والسّلامة الجسديّة والصّحّيّة، وتكفل احترام الحقوق الأساسيّة للسّجناء، كحقّهم في الرّعاية الصّحيّة، وحرّيّة الفكر والمعتقد، والتّنفيذ العادل للقوانين، وعدم التّعرّض لسوء المعاملة.
وفي سياق آخر من انتهاكات مبدأ المساواة، لا يزال قانون الجنسيّة اللّبنانيّ يميّز ضدّ المرأة اللّبنانيّة المتزوّجة من أجنبيّ، إذ يحرمها من حقّ منح جنسيّتها لزوجها وأولادها، خلافًا لما يمنحه للرّجل اللّبنانيّ، فيترتّب عليه آثار اجتماعيّة وقانونيّة خطيرة تمسّ حقّ الأسرة في الاستقرار، وتحدّ من إمكانيّة حصول الأطفال على الإقامة القانونيّة والعمل والتّعليم والخدمات الاجتماعيّة والرّعاية الصّحيّة، فضلًا عن تعريض بعضهم لخطر انعدام الجنسيّة.
ويُعدّ هذا التّمييز مخالفة صريحة للمادّة السّابعة من الدّستور اللّبنانيّ الّتي تنصّ على المساواة بين جميع اللّبنانيّين أمام القانون، كما يتعارض مع التزامات لبنان الدّوليّة، وقد دعت لجان أمميّة عدّة، من بينها لجنة حقوق الإنسان، ولجنة حقوق الطّفل، ولجنة القضاء على التّمييز ضدّ المرأة، ولجنة القضاء على التّمييز العنصريّ، واللّجنة المعنيّة بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، إلى تعديل هذا القانون بما ينسجم مع مبادئ المساواة وعدم التّمييز.
وتُظهر التّجارب الدّوليّة أنّ تفعيل حقوق الإنسان يشكّل ركيزة أساسيّة للتّنمية والاستقرار، كما هو الحال في دولٍ قطعت أشواطًا متقدّمة في هذا المجال، وفي مقدّمتها النّرويج التي تصدّرت تقارير التّنمية البشريّة الصّادرة عن الأمم المتّحدة، استنادًا إلى مؤشّرات تشمل ارتفاع متوسّط الدّخل الفرديّ، وارتفاع نسب الالتحاق بالتّعليم، وتحسّن متوسّط العمر المتوقّع، وانخفاض معدّلات البطالة والأميّة، إلى جانب ترسيخ مبدأ المساواة بين الجنسين، بما يعكس التّرابط الوثيق بين احترام حقوق الإنسان وتحقيق التّنمية المستدامة.
4- الإطار الإنسانيّ لتفعيل حقوق الإنسان
اتّخذت الدّولة اللّبنانيّة عددًا من الإجراءات والمبادرات الرّامية إلى تعزيز حماية حقوق الإنسان، شملت مسارات مؤسّساتيّة وتشريعيّة على حدّ سواء؛ ففي الإطار المؤسّساتي، أُنشئت اللّجنة الوطنيّة لشؤون المرأة اللّبنانيّة عام 1995 تنفيذًا لمقرّرات المؤتمر العالميّ للمرأة في بكين، كما أُنشئ المجلس الأعلى للطّفولة عام 1994، والهيئة الوطنيّة لشؤون المعوّقين، إضافةً إلى اللّجنة النّيابيّة لحقوق الإنسان في مجلس النّوّاب التي تتولّى مهام التّشريع والرّقابة ودراسة مشاريع القوانين والاقتراحات المحالة إليها من الحكومة والنّوّاب، و«رفع التقارير والتوصيات بشأنها بهدف تعزيز حقوق الإنسان في لبنان مدنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا»([14]).
وعلى الصّعيد التّشريعيّ، طُرح مشروع قانون يرمي إلى إنشاء هيئة وطنيّة مستقلّة لحقوق الإنسان وفقًا لمبادئ باريس، يهدف إلى تعزيز الإطار المؤسّسيّ الوطنيّ المعنيّ بحماية الحقوق والحرّيّات؛ وإلى جانب ذلك، يستضيف لبنان، في إطار تعاونه مع آليّات الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، المكتب الإقليميّ للمفوّض السّامي لحقوق الإنسان، فضلًا عن عدد من المكاتب والهيئات الدوليّة العاملة في مجالات متعدّدة، من أبرزها لجنة الأمم المتّحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغرب آسيا الإسكوا (ESCWA)، ووكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (UNRWA)، ومنظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة (UNESCO)، ومنظّمة الأغذية والزّراعة (FAO)، إضافة إلى قوّة الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان (اليونيفيل)، بما يعكس حضورًا دوليًّا داعمًا لملفّ حقوق الإنسان في البلاد.
5- كيفيّة تحقيق المواطنة في لبنان
يتطلَّب تحقيق المواطنة تطبيق هذه الجوانب:
الجانب الأوّل: تبرز ضرورة ربط المواطن بالدّولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على إنتاج المواطنة فعليًّا، إذ لا يمكن بناء مواطن فاعل خارج دولة وطنيّة ديمقراطيّة ليبراليّة؛ غير أنّ تحقّق هذه الشّروط في الواقع اللّبنانيّ لا يزال محدودًا وهشًّا.
وفي هذا السّياق، يدعو بعض الباحثين إلى توسيع دور الدّولة في تقديم الخدمات المدنيّة والاجتماعيّة، شرط أن تقوم السّلطة على أسس وطنيّة لا طائفيّة؛ غير أنّ هذه السّلطة كثيرًا ما تتعرّض للتفكّك تحت تأثير الانتماءات المحلّيّة الضّيّقة أو تحت ضغوط العولمة، بما يجعل الخيارات السياسيّة لدى القائمين على الحكم محكومة بمصالح خاصّة، تتقدّمها الأسس الطائفيّة.
وعليه، فإنّ ترسيخ الاقتناع بوطنيّة السّلطة ينبغي أن يتحوّل إلى ممارسة سياسيّة وسلوك مؤسّسي؛ وهذا التّحوّل لا يتحقّق تلقائيًّا، بل يتكوّن عبر مسار من التّفاعل والصّراع الاجتماعيّ والسّياسيّ، تُطرح خلاله الأفكار والمشاريع والرّؤى في المجال العامّ، وتُناقش وتُختبر؛ لتُفضي في نهايته إلى أنماط سلوك مستقرّة ومؤسّسات قادرة على تجسيد الدّولة الوطنيّة في الواقع العمليّ.
الجانب الثّاني: يتّصل هذا المستوى بقضيّة تحظى بحضورٍ واسع في أدبيّاتنا السّياسيّة، على الرّغم من أنّها لا ترتبط مباشرةً بالممارسة السّياسيّة، وهي مسألة استقلاليّة العقل عن المرجعيّة الدينيّة. إذ لا نزال نؤسّس تصوّراتنا للإنسان والعالم، وللحياة السّياسيّة والاقتصاديّة، بل ولمجمل منظومتنا الأخلاقيّة، على منطلقات دينيّة؛ فالرّؤية الدّينيّة لا تزال هي المرتكز الأساسيّ والسّطحيّ والعميق في كلّ تصرّفاتنا؛ فإنّنا لم نتعرَّف حتى اليوم في ثقافتنا العامّة والخاصّة على استقلاليَّة العقل كمصدر للمعرفة عن الوحي الدّينيّ؛ وهذه النّقطة ينبغي أن نؤكّدها بقوّة لكي نستطيع أن نحرّر أنفسنا من كلّ مساوئ الوجود الطّائفيّ والسّلوك الطّائفيّ والانتماء الطّائفيّ([15]).
الجانب الثّالث: في سياق بناء المواطنة، تبرز العلمانيّة بوصفها إطارًا فكريًّا يقوم على فلسفة خاصّة للحياة، لا تستلزم بالضّرورة نفي الدِّين أو الغيب أو الآخرة، بل تنطلق من اعتبار الدُّنيا قيمةً في ذاتها وجديرة بالتّنظيم العقلانيّ؛ غير أنّ هذا التّصوّر لا يزال، في ثقافتنا، غير متبلور على نحوٍ كافٍ، فيُبقي الفكر العلمانيّ عاجزًا عن تجاوز هيمنة الفكر الطّائفيّ.
وتمثّل هذه المقاربة إحدى أدوات الصّراع الفكريّ الهادفة إلى تفكيك البنية الطّائفيّة، ولا سيّما في ظلّ غياب نظريّات ديمقراطيّة متكاملة في لبنان والعالم العربيّ، حيث لا تزال المفاهيم الدّيمقراطيّة في معظمها مستمدّة من الإنتاج الفكريّ الغربيّ؛ ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة إنتاج هذه المفاهيم أو تطويرها أو مواءمتها مع السّياق المحلّيّ، في ظلّ قصورٍ واضح على المستويات النّظريّة والفلسفيّة والعلميّة بمعناها الواسع.
وبناءً عليه، تقتضي معالجة إشكاليّة المواطنة في لبنان تعميق البحث في موقع المواطن ودوره بهدف تفكيك البنية الأيديولوجيّة الطّائفيّة السّائدة؛ كما يستدعي ذلك الإفادة من التّجارب الإصلاحيّة القائمة، التي لم تنل بعد ما تستحقّه من اهتمام وانتشار وتأثير، لضعف الأدوات والآليّات المتاحة لدعمها وتعزيز حضورها في المجال العامّ([16]).
الخاتمة
تتمحور المواطنة حول قيمتَي الحرّيّة والعدالة، وتسعى إلى ترسيخ حقوق المواطن في إطار دولة القانون والرّعاية، في تحوّلٍ من دولة الأفراد إلى دولة المواطنين، قائمة على المساواة في الكرامة والحقوق ورفض جميع أشكال التّمييز، وترتبط المواطنة بعلاقة تكامليّة بين الحقوق والواجبات، وبالشّعور بالانتماء والولاء، ضمن نظام ديمقراطيّ يضمن المشاركة السّياسيّة والمساواة أمام القانون.
وتُعدّ المواطنة منظومة علاقات قانونيّة وسياسيّة ومجتمعيّة وثقافيّة، تتجسّد في مجتمع مدنيّ فاعل قادر على حماية الوحدة الوطنيّة، والحدّ من العصبيّات والانقسامات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعيّ؛ غير أنّ سيادة القانون وحدها لا تكفي لتحقيق المواطنة ما لم تُدعَّم بثقافة مدنيّة وتربية مواطنيّة تكرّس قيم المشاركة والمسؤوليّة.
وفي السّياق اللّبنانيّ، تواجه المواطنة تحدّيات بنيويّة ناتجة عن هيمنة النّظام الطّائفيّ، وضعف اختراق المجتمع المدنيّ لبنية المجتمع الأهليّ، فتؤثّر في بناء دولة مدنيّة قائمة على الفرد المواطن لا على الانتماءات الأوّليّة؛ لذا تبرز الحاجة إلى دولة تعيد ترسيخ مكانة المواطن كقيمة إنسانيّة، وتعمل على تحقيق المساواة الفعليّة في الحقوق والواجبات، وتعزيز التّنمية والعدالة الاجتماعيّة.
وتخلص الدّراسة إلى أنّ الانتقال إلى المواطنة ليس قرارًا تشريعيًا فحسب، بل هو مسار ثقافيّ وتربويّ وسياسيّ طويل، يتطلّب وعيًا مجتمعيًّا متراكمًا، ومشاركة فاعلة، وبناء هويّة وطنيّة جامعة قادرة على استيعاب التّعدّديّة من دون أن تتحوّل إلى عامل انقسام، فيتيح ترسيخ دولة ديمقراطيّة تقوم على المواطنة الحقيقيّة.
لائحة المراجع والمصادر
- بلوط، علي، وآخرين. التربية المواطنيّة وخدمة المجتمع. لبنان: منشورات الجامعة اللّبنانيّة، 2017.
- ديريك، هيتر. تاريخ موجز للمواطنة. ترجمة آصف ناصر ومكرم خليل. بيروت: دار الساقي، 2007.
- إدمون رباط، الوسيط في القانون الدستوري العام، دار العلم للملايين، بيروت، 1968
- رشيد شقير. مفاهيم الدّولة والنّزاعات، دراسة في أيديولوجيات القوى السياسيّة اللّبنانيّة، الطبعة الثّانية، بيروت، 2009، المركز الثّقافيّ العربيّ
- مجموعة مؤلفين. قضايا المواطنة في لبنان أبعاد وتحدّيات راهنة. لبنان: المركز اللّبنانيّ للدراسات، 2004.
- ربيع مقلد، موسوعة العلوم السّياسيّة. الكويت: منشورات جامعة الكويت، 1993-1994.
- قضايا المواطنة في لبنان: أبعاد وتحديات راهنة، سليم نصر،عبدو مكي، مارغريت حلو، زهير حطب، فهمية شرف الدين، ندى مغيزل نصر، نجلاء حمادة، منى فياض، ناصيف نصار، سليمان تقي الدين، عدنان حب الله، رؤوف الغصيني. المركز اللّبنانيّ للدّراسات ، ١يناير ٢٠٠٤
المراجع الأجنبيّة
- Pierre Resanvallon, La crise de l’Etat providence, Ed. Seuil, Paris, 1981
المراجع الإلكترونيّة
- المواطنة حقوق وواجبات، modors.com 16/4/2017
- بودراع، أحمد، المواطنة: حقوق وواجبات platfrom.almanhal.com
- المواطنة بين مفهومها والحقوق dr-ali-younis.yoo7.com 26/3/2011.
[1] – مجموعة من المؤلفين، “قضايا المواطنة في لبنان أبعاد وتحدّيات راهنة”، المركز اللبناني للدراسات، تكنوبرس، 2004، ص 40.
[2] – المواطنة حقوق وواجبات، www.modors.com 16/4/2017
[3] – بودراع، أحمد، المواطنة: حقوق وواجبات www.platfrom.almanhal.com
[4] – المواطنة بين مفهومها والحقوق dr-ali-younis.yoo7.com 26/3/2011.
[5] – المواطنة بين مفهومها والحقوق dr-ali-younis.yoo7.com 26/3/2011.
[6] – مقلد، ربيع، موسوعة العلوم السياسيّة، جامعة الكويت، ج1، الكويت، 1993-1994، ص 354-346.
[7] – ديريك، هيتر، تاريخ موجز للمواطنة، ترجمة آصف ناصر ومكرم خليل، دار الساقي، بيروت، 2007، ص 59.
[8] – Resanvallon, La crise de l’Etat providence, Ed. Seuil, Paris, 1981, p. 47
[9] – الفقرة ط من مقدّمة الدستور اللبناني.
[10] – بلوط، علي، التربية على المواطنة وخدمة المجتمع، مرجع سابق، ص 34.
[11] – رباط، إدمون، مرجع سبق ذكره، ص 381.
[12] – شقير، رشيد، مفاهيم الدولة والنزاعات، دراسة في أيديولوجيات القوى السياسيّة اللبنانية، الطبعة الثانية، بيروت، 2009، ص 8.
[13] – نصّ الدستور اللبناني على حريّة المعتقد في المادة التاسعة منه.
[14] – بلوط، علي، وآخرين، التربية المواطنيّة وخدمة المجتمع، صادر عن الجامعة اللبنانيّة، كليّة التربية، 2017، ص 51.
[15] – قضايا المواطنة في لبنان: أبعاد وتحديات راهنة، ص 63.
[16] – انظر: قضايا المواطنة في لبنان: أبعاد وتحديات راهنة، ص 63.



