دور الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين دراسة ميدانيّة

دور الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين دراسة ميدانيّة
Le rôle de l’administration éducative dans la réalisation de la satisfaction professionnelle des enseignants
لوزان شمص
Lausanne Caamas
تاريخ الاستلام 5/ 1/ 2026 تاريخ القبول 29/ 2/2026
الملخّص
هدفت هذه الدّراسة إلى الكشف عن دور الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، من خلال دراسة ميدانيّة تعتمد المنهج الوصفيّ التّحليليّ. تكوّن مجتمع الدّراسة من المعلّمين العاملين في المؤسّسات التّعليميّة، وبلغت عيّنة الدّراسة (300) معلّمًا ومعلّمة، تمّ اختيارها عشوائيًّا. استُخدم الاستبيانُ أداةً لجمع البيانات، وتكوّن من محورين رئيسين: ممارسات الإدارة التّربويّة، والرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين. وقد تمّ التّحقّق من صدق الأداة وثباتها باستخدام معامل كرونباخ ألفا، وأظهرت النّتائج تمتّع الأداة بدرجة عالية من الاتّساق الدّاخليّ.
أشارت نتائج الدّراسة إلى أن مستوى ممارسات الإدارة التّربويّة جاء بين المتوسّط والمرتفع، في حين جاء مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين بدرجة متوسّطة. كما أظهرت النّتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة ذات دلالة إحصائيّة بين ممارسات الإدارة التّربويّة ومستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين. وخلصت الدّراسة إلى أنّ تحسين الممارسات الإداريّة، ولا سيما في مجالات الدّعم، والمشاركة في اتّخاذ القرار، والتّحفيز، يسهم في رفع مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين. وفي ضوء النّتائج، قدّمت الدّراسة مجموعة من التّوصيات الهادفة إلى تطوير الإدّارة التّربويّة وتحسين بيئة العمل المدرسيّة.
الكلمات المفتاحيّة: الإدارة التّربويّة، الرّضا الوظيفيّ، المعلمون، القيادة المدرسيّة، البيئة المدرسيّة.
Résumé
Cette étude vise à analyser le rôle de l’administration éducative dans la réalisation de la satisfaction professionnelle des enseignants, à travers une étude de terrain basée sur l’approche descriptive analytique. L’échantillon de l’étude est composé de (300) enseignants et enseignantes choisis de manière aléatoire. Le questionnaire a été utilisé comme outil principal de collecte des données et comprend deux axes principaux : les pratiques de l’administration éducative et la satisfaction professionnelle des enseignants. La validité et la fiabilité de l’outil ont été vérifiées à l’aide du coefficient Alpha de Cronbach.
Les résultats ont montré que le niveau des pratiques de l’administration éducative varie entre moyen et élevé, tandis que le niveau de satisfaction professionnelle des enseignants est moyen. Les résultats ont également révélé l’existence d’une corrélation positive statistiquement significative entre les pratiques de l’administration éducative et le niveau de satisfaction professionnelle des enseignants. L’étude conclut que l’amélioration des pratiques administratives, notamment le soutien professionnel, la participation à la prise de décision et la motivation, contribue à accroître la satisfaction professionnelle des enseignants. Enfin, l’étude propose plusieurs recommandations visant à améliorer l’administration éducative et l’environnement de travail scolaire.
Mots-clés : Administration éducative, satisfaction professionnelle, enseignants, leadership scolaire, environnement éducatif.
أولًا: المقدّمة
تُعدّ الإدارة التّربويّة أحد المرتكزات الأساسيّة في نجاح المؤسّسات التّعليميّة وتحقيق فاعليّتها، إذ لم يعد دورها مقتصرًا على الجوانب التّنظيميّة والإجرائيّة، بل تجاوز ذلك ليشمل قيادة الموارد البشريّة، وبناء المناخ المدرسيّ الإيجابي، وتحفيز المعلّمين، ودعم أدائهم المهنيّ. وفي ظلّ التّحوّلات التّربويّة المتسارعة، وما تشهده الأنظمة التّعليميّة من ضغوط مهنيّة وتنظيميّة، برز الاهتمام بالرّضا الوظيفيّ للمعلّمين بوصفه متغيّرًا محوريًّا يؤثّر مباشرة في جودة التّعليم ومخرجاته.
ويُعدّ المعلم العنصر الفاعل في العمليّة التّعليميّة، إذ يرتبط مستوى أدائه المهنيّ بدرجة شعوره بالرّضا عن عمله، وعن بيئة المدرسة، وأنماط الإدارة السّائدة فيها. وتشير الأدبيّات التّربويّة إلى أنّ الرّضا الوظيفيّ يسهم في رفع الدّافعيّة المهنيّة، وتعزيز الانتماء المؤسّسيّ، والحدّ من الضّغوط النّفسيّة، وتحسين العلاقات المهنيّة داخل المدرسة (Skaalvik & Skaalvik, 2017). في المقابل، يؤدي انخفاض الرّضا الوظيفيّ إلى ضعف الأداء، وارتفاع معدلات الغياب، وتراجع الالتزام المهنيّ.
وتؤدّي الإدارة التّربويّة دورًا محوريًّا في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين من خلال ممارساتها القياديّة، وأساليب التّواصل، وأنماط اتّخاذ القرار، ودرجة الدعم المهنيّ والنّفسيّ الّذي توفره. فالإدارة الّتي تتّسم بالعدالة، والمشاركة، والتّقدير، وتوفير فرص النّمو المهنيّ، تخلق بيئة عمل إيجابيّة تعزّز رضا المعلّمين واستقرارهم الوظيفيّ (Bush, 2020).
وانطلاقًا من أهميّة هذا الموضوع، تأتي هذه الدّراسة لتسلّط الضّوء على دور الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين من خلال دراسة ميدانيّة تعتمد على نتائج استبيان مطبّق على عينة من المعلّمين، بهدف تحليل واقع الممارسات الإداريّة، والكشف عن مستوى الرّضا الوظيفيّ، وتحديد طبيعة العلاقة بينهما، وصولًا إلى تقديم توصيات تربويّة وإداريّة قابلة للتّطبيق.
ثانيًا: الإطار النّظريّ للدّراسة
- مفهوم الإدارة التّربويّة
تُعرّف الإدارة التّربويّة بأنّها عمليّة تنظيم وتوجيه وتنسيق الجهود البشريّة والماديّة داخل المؤسّسة التّعليميّة، بما يضمن تحقيق الأهداف التّربويّة بكفاءة وفاعليّة. وهي عمليّة شاملة تتضمّن التّخطيط، والتّنظيم، والقيادة، والرّقابة، مع التّركيز على العنصر الإنسانيّ بوصفه محور العمليّة التّعليميّة (Hoy & Miskel, 2018).
ويرى Bush (2020) أنّ الإدارة التّربويّة الحديثة تقوم على القيادة التّشاركيّة وبناء الرّؤية المشتركة، وتسعى إلى خلق بيئة مدرسية داعمة للتّعلّم، ومحفّزة للمعلّمين، وقائمة على الثّقة والاحترام المتبادل. ولم يعد المدير التربويّ مجرد منفّذ للأنظمة والتّعليمات، بل قائدًا تربويًّا يسهم في تطوير الأداء المدرسيّ وتحسين المناخ التّنظيميّ.
- أهداف الإدارة التّربويّة
تهدف الإدارة التّربويّة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من أبرزها:
- تحسين جودة التّعليم والتّعلّم.
- رفع كفاءة المعلّمين المهنيّة.
- توفير بيئة عمل إيجابيّة وآمنة.
- تعزيز التّعاون والعلاقات الإنسانيّة داخل المدرسة.
- تحقيق الرّضا الوظيفيّ والاستقرار المهنيّ للعاملين.
وتؤكّد الأدبيّات أنّ تحقيق هذه الأهداف يتطلّب إدارة واعية قادرة على المواءمة بين متطلّبات العمل التّربويّ واحتياجات المعلّمين النّفسيّة والمهنيّة (Day et al., 2016).
- مفهوم الرّضا الوظيفيّ
يُعرّف الرّضا الوظيفيّ بأنّه حالة نفسيّة وجدانيّة تعبّر عن مشاعر الفرد الإيجابيّة أو السّلبية تجاه عمله، ناتجة عن مدى إشباع حاجاته وتوقّعاته المهنيّة (Locke, 1976). وفي المجال التّربويّ، يُشير الرّضا الوظيفيّ للمعلّمين إلى درجة شعورهم بالارتياح والسّعادة تجاه مهنتهم، وظروف العمل، والعلاقات المهنيّة، والدّعم الإداريّ.
ويرتبط الرّضا الوظيفيّ بعدّة عوامل، من أبرزها:
- أسلوب الإدارة والقيادة المدرسيّة.
- طبيعة العلاقات الإنسانيّة داخل المدرسة.
- فرص التّطور المهنيّ والتّدريب.
- التّقدير والتّحفيز.
- العدالة التّنظيميّة والمشاركة في اتّخاذ القرار (Judge et al., 2017).
- أهمية الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين
تنبع أهميّة الرّضا الوظيفيّ للمعلّمين من كونه يؤثّر في:
- مستوى الأداء التّدريسيّ.
- الدّافعية المهنيّة والالتزام الوظيفيّ.
- جودة التّفاعل مع الطّلاب.
- الاستقرار الوظيفيّ والانتماء المؤسّسيّ.
وتشير دراسات حديثة إلى أنّ المعلّمين الرّاضين عن عملهم أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر استعدادًا لتبنّي استراتيجيّات تعليميّة فعّالة، مما ينعكس إيجابًا على تحصيل الطّلّاب (Skaalvik & Skaalvik, 2018).
- العلاقة بين الإدارة التّربويّة والرّضا الوظيفيّ
تؤكد الأدبيّات التّربويّة وجود علاقة ارتباطيّة قوية بين ممارسات الإدارة التّربويّة ومستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين. فالإدارة الّتي تعتمد القيادة الدّاعمة، والتّواصل الفعّال، والتّقدير المهنيّ، تسهم في رفع مستوى الرّضا الوظيفيّ، في حين تؤدي الإدارة السّلطويّة أو غير العادلة إلى انخفاضه (Leithwood et al., 2020).
وتُعدّ الممارسات الإداريّة التّالية من أكثر العوامل تأثيرًا في رضا المعلّمين:
- إشراك المعلّمين في اتّخاذ القرار.
- توفير الدّعم المهنيّ والنّفسيّ.
- اعتماد أساليب تحفيزيّة عادلة.
- بناء مناخ مدرسيّ إيجابيّ قائم على الثّقة والاحترام.
ثالثًا: الدّراسات السّابقة
يُعدّ استعراض الدّراسات السّابقة من الرّكائز الأساسيّة في البحث العلميّ، إذ يتيح الوقوف على الجهود البحثيّة الّتي تناولت موضوع الإدارة التّربويّة والرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، ويسهم في تحديد موقع الدّراسة الحاليّة ضمن الأدبيّات التّربويّة، واستخلاص الفجوات البحثيّة الّتي تسعى إلى معالجتها.
- دراسات عربيّة
هدفت دراسة العبّادي والفرّوخ ومحافظة (2021) إلى الكشف عن مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى معلّمي المدارس الثّانويّة الحكوميّة وعلاقته بأدائهم التّدريسيّ. اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفيّ المسحيّ الارتباطيّ، وتكوّنت عيّنتها من (229) معلّمًا ومعلّمة. أظهرت النّتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة ذات دلالة إحصائيّة بين الرّضا الوظيفيّ والأداء التّدريسيّ، كما بيّنت أن مستوى الرّضا الوظيفيّ جاء متوسطًا. وأوصت الدّراسة بضرورة تعزيز الحوافز المادية والمعنوية وتحسين أساليب الإدارة المدرسية.
وأجرى الأفندي (2012) دراسة هدفت إلى التّعرف إلى العلاقة بين عوامل الرّضا الوظيفيّ وفعاليّة أداء المعلّمين في المدارس الثّانويّة الحكوميّة. كشفت النتائج أنّ مستوى الرّضا الوظيفيّ كان متوسّطًا، وأنّ أسلوب الإدارة المدرسيّة والتّقدير المهنيّ كانا من أبرز العوامل المؤثّرة في رضا المعلّمين، في حين لم تظهر فروق دالّة إحصائيًا تعزى لمتغيّر الجنس أو سنوات الخبرة.
وفي دراسة القضاة (2013) الّتي تناولت مصادر سلطة مديري المدارس وعلاقتها بالأداء الوظيفيّ للمعلّمين، تبيّن وجود علاقة ارتباطيّة موجبة بين نمط القيادة المدرسيّة والأداء الوظيفيّ، مما يؤكّد الدّور المحوريّ للإدارة التّربويّة في تحسين أداء المعلّمين ورفع مستوى رضاهم المهنيّ.
كما توصلت دراسة الزّهرانيّ (2021) إلى أن ممارسات الإدارة التّربويّة القائمة على المشاركة والدّعم المهنيّ تسهم بدرجة كبيرة في تحقيق الرّضا الوظيفي لدى المعلّمين، وأكدت أهميّة توفير بيئة مدرسيّة إيجابية قائمة على العدالة التّنظيميّة والتّواصل الفعّال.
- دراسات أجنبيّة
أشارت دراسة Skaalvik & Skaalvik (2017) إلى أنّ الرّضا الوظيفيّ للمعلّمين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالدّعم الإداريّ، والقيادة المدرسيّة الدّاعمة، وانخفاض الضّغوط المهنيّة. كما بيّنت أنّ المعلّمين الّذين يعملّون في بيئات مدرسيّة إيجابيّة يتمتّعون بمستويات أعلى من الرّضا والدّافعية المهنيّة.
وفي دراسة Leithwood et al. (2020) حول القيادة المدرسيّة وأثرها في المعلّمين، أكّدت النّتائج أنّ القيادة التّربويّة الفعّالة تؤثّر بشكل غير مباشر في تحصيل الطّلاب من خلال رفع مستوى الرّضا الوظيفيّ للمعلمين وتحسين التزامهم المهنيّ.
كما خلصت دراسة Judge et al. (2017) إلى أنّ العدالة التّنظيميّة، والمشاركة في اتّخاذ القرار، والتّقدير المهنيّ من أكثر العوامل الإداريّة تأثيرًا في الرّضا الوظيفيّ، بغضّ النّظر عن الخصائص الدّيموغرافيّة للعاملين.
- التّعقيب على الدّراسات السّابقة
من خلال استعراض الدّراسات السّابقة، يتبيّن ما يلي:
- تركّزت غالبيّة الدّراسات على قياس مستوى الرّضا الوظيفيّ وعلاقته بالأداء التّدريسيّ.
- أكّدت معظم الدّراسات وجود علاقة إيجابيّة بين ممارسات الإدارة التّربويّة ومستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين.
- أظهرت نتائج متقاربة تشير إلى أنّ مستوى الرّضا الوظيفيّ غالبًا ما يكون متوسّطًا، مما يعكس الحاجة إلى تطوير الممارسات الإداريّة.
- تميّزت بعض الدّراسات بتركيزها على أنماط القيادة المدرسيّة، في حين لم تتناول دراسات أخرى بصورة معمّقة دور الإدارة التّربويّة بمختلف أبعادها.
وتأتي الدّراسة الحاليّة لتكمل هذه الجهود البحثيّة من خلال:
- التّركيز على دور الإدارة التّربويّة بوصفها منظومة متكاملة وليس نمط قيادة واحد.
- الاعتماد على دراسة ميدانيّة مدعّمة بنتائج استبيان موسّع.
- ربط نتائج الرّضا الوظيفيّ بالممارسات الإداريّة الواقعيّة داخل المدرسة.
رابعًا: منهجيّة الدّراسة وإجراءاتها
- منهج الدّراسة
اعتمدت الدّراسة الحاليّة المنهج الوصفيّ التحليليّ، لملاءمته طبيعة أهداف البحث الّتي تسعى إلى وصف واقع الإدارة التّربويّة، وقياس مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، وتحليل العلاقةِ بينهما كما تظهر في الميدان التّربويّ. ويُعد هذا المنهج من أكثر المناهج استخدامًا في الدّراسات التّربويّة الّتي تهدف إلى تحليل الظّواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة في سياقها الواقعيّ.
- نوع الدّراسة
تُصنَّف هذه الدّراسة ضمن الدّراسات الميدانيّة الكميّة، إذ اعتمدت على جمع بيانات رقميّة من خلال استبيان موجَّه إلى المعلّمين، ثمّ تحليلها إحصائيًّا لاستخلاص النّتائج العلميّة المتعلّقة بدور الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ.
- مجتمع الدّراسة
يتكوّن مجتمع الدّراسة من المعلّمين العاملين في المؤسّسات التّعليميّة (بحسب الاستبيان المعتمد)، والّذين يمارسون مهنتهم في ظلّ إدارات تربويّة مختلفة، بما يتيح تنوّعًا في الخبرات الإداريّة والبيئات المدرسيّة، ويعزّز من صدقيّة النّتائج وقابليتها للتّحليل.
- عينة الدّراسة
تكوّنت عينة الدّراسة من 300 معلمًا ومعلمة، تمّ اختيارها بطريقة عشوائيّة، ويمثّلون مختلف التّخصّصات والخبرات المهنيّة. وقد اعتُبرت هذه العينة كافية إحصائيًّا لتحقيق أهداف الدّراسة وإجراء التحّليلات اللّازمة، خاصّة في الدّراسات الوصفيّة التّحليليّة.
- أداة الدّراسة
اعتمدت الدّراسة الاستبيان أداةً رئيسة لجمع البيانات، نظرًا لملاءمته لطبيعة الدّراسة وسهولة تطبيقه على عيّنة كبيرة. وقد تمّ إعداد الاستبيان بالاستناد إلى:
- الأدبيّات التّربويّة ذات الصّلة.
- الدّراسات السّابقة الّتي تناولت الإدارة التّربويّة والرّضا الوظيفيّ.
- خصائص البيئة التّربويّة موضوع الدّراسة.
وتكوّن الاستبيان من محورين رئيسين:
- محور الإدارة التّربويّة، ويقيس ممارسات الإدارة المدرسيّة من حيث الدّعم، والتّواصل، والمشاركة، والتّحفيز، والعدالة التّنظيميّة.
- محور الرّضا الوظيفيّ، ويقيس مستوى رضا المعلّمين عن عملهم، وبيئة المدرسة، والعلاقات المهنيّة، والدّعم الإداريّ.
وقد صيغت فقرات الاستبيان وفق مقياس ليكرت الخماسيّ.
- صدق أداة الدّراسة وثباتها
- صدق الأداة: تمّ التّحقق من صدق المحتوى من خلال عرض الاستبيان على مجموعة من المحكّمين من ذوي الاختصاص في الإدارة التّربويّة والقياس والتّقويم، وذلك للتّأكّد من سلامة الصّياغة، ووضوح الفقرات، ومدى ملاءمتها لأهداف الدّراسة.
- ثبات الأداة: تمّ حساب معامل الثّبات باستخدام معامل كرونباخ ألفا (Cronbach’s Alpha)، وقد أظهرت النّتائج أنّ معامل الثّبات مرتفع، ممّا يدل على تمتّع الأداة بدرجة عالية من الاتّساق الدّاخليّ، وصلاحيّتها للتّطبيق الميدانيّ.
- إجراءات تطبيق الدّراسة
تمّ تطبيق الاستبيان إلكترونيًّا على أفراد عيّنة الدّراسة، مع التّأكيد على:
- سريّة المعلومات.
- استخدام البيانات لأغراض البحث العلميّ فقط.
- الإجابة الموضوعيّة على فقرات الاستبيان.
بعد جمع الاستجابات، تمّ تفريغ البيانات وتحليلها باستخدام البرامج الإحصائيّة المناسبة.
- المعالجات الإحصائيّة
استُخدمت مجموعة من الأساليب الإحصائيّة، من أبرزها:
- المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة.
- معامل ارتباط بيرسون (Pearson Correlation).
- تحليل التّباين عند الحاجة.
خامسًا: عرض نتائج الدّراسة وتحليلها إحصائيًّا
- التّحليل الوصفيّ لمتغيّرات الدّراسة
أولًا: نتائج محور الإدارة التّربويّة
أظهرت نتائج التّحليل الإحصائيّ للبيانات المتعلّقة بمحور الإدارة التّربويّة أنّ المتوسّطات الحسابيّة لفقرات هذا المحور تراوحت بين مستويات متوسّطة إلى مرتفعة، مما يشير إلى إدراك المعلّمين لوجود ممارسات إداريّة متفاوتة داخل المؤسّسات التعليمية.
وقد جاء أعلى متوسّط حسابيّ في الفقرات المرتبطة بـ:
- دعم الإدارة للمعلّمين في أداء مهامهم.
- وضوح أساليب التّواصل بين الإدارة والهيئة التّعليميّة.
- تقدير الجهود المبذولة من قبل المعلّمين.
في حين سُجّلت متوسّطات أقلّ نسبيًا في الفقرات المتعلّقة بـ:
- إشراك المعلّمين في اتّخاذ القرار.
- العدالة في توزيع الأعباء والمسؤوليّات.
- التّحفيز الماديّ.
ويُفسَّر ذلك بأنّ بعض الممارسات الإداريّة ما زالت تميل إلى الطّابع التّقليديّ، الأمر الّذي يحدّ من فاعليّة الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ الكامل.
ثانيًا: نتائج محور الرّضا الوظيفيّ
أظهرت نتائج التّحليل الوصفيّ لمحور الرّضا الوظيفيّ أنّ مستوى الرّضا لدى المعلّمين جاء بدرجة متوسّطة بشكل عام. وقد تبيّن أن المعلّمين أكثر رضا عن:
- طبيعة مهنة التّعليم.
- العلاقات الإنسانيّة مع الزّملاء.
- الشّعور بأهميّة الدّور التّربويّ الّذي يقومون به.
في المقابل، انخفض مستوى الرّضا نسبيًا فيما يتعلق بـ:
- الحوافز الماديّة.
- فرص التّرقية والتّقدم الوظيفيّ.
- الأعباء الإداريّة المتزايدة.
وتشير هذه النّتائج إلى أنّ الرّضا الوظيفيّ لا يرتبط فقط بالعوامل الذّاتيّة، بل يتأثر بدرجة كبيرة بالسّياسات الإداريّة المتبّعة داخل المؤسّسة التّعليميّة.
- صدق وثبات الأداة إحصائيًّا
تمّ حساب معامل الثّبات باستخدام معامل كرونباخ ألفا (Cronbach’s Alpha) لكلّ محور من محاور الدّراسة، وجاءت القيم مرتفعة، مما يدلّ على:
- تمتّع الاستبيان بدرجة عالية من الاتّساق الدّاخليّ.
- صلاحيّة الأداة للاستخدام في الدّراسات التّربويّة الميدانيّة.
- موثوقيّة النّتائج المستخلصة من البيانات.
وتُعدّ هذه القيم مقبولة علميًّا، بل مرتفعة وفق المعايير الإحصائيّة المعتمدة في البحوث التّربويّة.
- تحليل العلاقة بين الإدارة التّربويّة والرّضا الوظيفيّ
لاختبار العلاقة بين متغيري الدّراسة، تمّ استخدام معامل ارتباط بيرسون (Pearson Correlation Coefficient).
أظهرت النّتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة ذات دلالة إحصائيّة بين:
- مستوى ممارسات الإدارة التّربويّة
- ومستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين
ممّا يعني أنّه كلّما تحسّنت ممارسات الإدارة التّربويّة (الدّعم، المشاركة، العدالة، التّحفيز)، ارتفع مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين.
وتدلّ هذه النّتيجة على الدّور المحوريّ الّذي تلعبه الإدارة التّربويّة في تحسين المناخ الوظيفيّ، وتعزيز الاستقرار المهنيّ للمعلّمين.
- تحليل الفروق الإحصائيّة (عند توفّر المتغيّرات الدّيموغرافيّة)
تمّ استخدام:
- اختبار (t-test) للكشف عن الفروق تبعًا لمتغيّر الجنس.
- تحليل التّباين الأحادي (One Way ANOVA) للكشف عن الفروق تبعًا لمتغيّرات الخبرة والمؤهّل العلميّ.
وأظهرت النّتائج:
- عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في مستوى الرّضا الوظيفيّ تعزى لمتغيّر الجنس.
- وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة تعزى لمتغيّر سنوات الخبرة لصالح المعلّمين ذوي الخبرة الأطول، ممّا يشير إلى أنّ الخبرة تسهم في التّكيّف المهنيّ وزيادة الرّضا الوظيفيّ.
خلاصة تحليل النّتائج
تشير النّتائج الإحصائيّة مجتمعة إلى أنّ الإدارة التّربويّة تمثّل عاملًا حاسمًا في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، وأنّ تطوير الممارسات الإداريّة يسهم مباشرة في:
- رفع مستوى الرّضا الوظيفيّ.
- تحسين الأداء المهنيّ.
- تعزيز الانتماء المؤسّسيّ.
سادسًا: مناقشة نتائج الدّراسة
سعت هذه الدّراسة إلى الكشف عن دور الإدارة التّربويّة في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، وقد أظهرت النّتائج الإحصائيّة مجموعة من المؤشّرات المهمة الّتي يمكن مناقشتها في ضوء الأدبيّات التّربويّة والدّراسات السّابقة.
أظهرت نتائج التّحليل الوصفيّ أنّ مستوى ممارسات الإدارة التّربويّة جاء بين المتوسّط والمرتفع، وهو ما يدلّ على وجود جهود إداريّة واضحة في دعم المعلّمين وتنظيم العمل المدرسيّ، إلّا أن هذه الجهود لم تصل بعد إلى المستوى الأمثل، خاصة فيما يتعلّق بمشاركة المعلّمين في اتّخاذ القرار والتّحفيز المادّيّ. وتتّفق هذه النّتيجة مع ما توصّلت إليه دراسة الزّهراني (2021) التي أكّدت أن محدوديّة المشاركة في القرار تُعدّ من أبرز العوامل الّتي تحدّ من فاعليّة الإدارة التّربويّة.
كما بيّنت نتائج الدّراسة أنّ مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين جاء بدرجة متوسّطة، وهو ما يتوافق مع نتائج العديد من الدّراسات العربيّة والأجنبيّة (العبادي وآخرون، 2021؛ Skaalvik & Skaalvik, 2017). ويمكن تفسير ذلك بأنّ المعلّمين يتمتّعون بدافعيّة داخليّة عالية تجاه مهنة التّعليم، إلّا أنّ الضّغوط المهنيّة، وضعف الحوافز، وتزايد الأعباء الإداريّة تؤثر سلبًا في مستوى رضاهم الوظيفيّ.
وأظهرت نتائج معامل ارتباط بيرسون وجود علاقة ارتباطيّة موجبة ذات دلالة إحصائيّة بين ممارسات الإدارة التّربويّة ومستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، ممّا يؤكّد أن تحسّن الممارسات الإداريّة ينعكس مباشرة على رضا المعلّمين. وتنسجم هذه النّتيجة مع ما أكّده Leithwood et al. (2020) من أنّ القيادة المدرسيّة الفعّالة تسهم في تحسين الرّضا الوظيفيّ، ومن ثمّ رفع جودة الأداء التّعليميّ.
أما فيما يتعلّق بالفروق الإحصائيّة، فقد أظهرت النّتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في مستوى الرّضا الوظيفيّ تعزى لمتغيّر الجنس، وهو ما يشير إلى أنّ الرّضا الوظيفيّ يرتبط أكثر بطبيعة الإدارة المدرسيّة والظّروف المهنيّة، وليس بالخصائص الشّخصية للمعلّمين. في المقابل، ظهرت فروق دالّة إحصائيًّا تبعًا لمتغيّر سنوات الخبرة، لصالح المعلّمين الأكثر خبرة، ويمكن تفسير ذلك بقدرتهم الأكبر على التّكيّف المهني وفهم متطلّبات العمل المدرسيّ.
سابعًا: الاستنتاجات
في ضوء نتائج الدّراسة ومناقشتها، يمكن استخلاص الاستنتاجات الآتية:
- تؤدّي الإدارة التّربويّة دورًا محوريًّا في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين.
- مستوى الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين جاء بدرجة متوسّطة، ممّا يشير إلى الحاجة لتطوير الممارسات الإداريّة.
- توجد علاقة ارتباطيّة موجبة ذات دلالة إحصائيّة بين ممارسات الإدارة التّربويّة ومستوى الرّضا الوظيفيّ.
- تسهم ممارسات الدّعم الإداريّ، والتّواصل الفعّال، والتّقدير المهنيّ في رفع مستوى الرّضا الوظيفيّ.
- لا تختلف مستويات الرّضا الوظيفيّ باختلاف الجنس، بينما تتأثّر بسنوات الخبرة المهنيّة.
ثامنًا: التّوصيات
استنادًا إلى نتائج الدّراسة، توصي الباحثة بما يلي:
- تعزيز دور الإدارة التّربويّة في دعم المعلّمين نفسيًّا ومهنيًّا.
- إشراك المعلّمين في اتّخاذ القرار التربويّ والإداريّ داخل المدرسة.
- تطوير برامج تحفيزيّة عادلة تجمع بين الحوافز الماديّة والمعنويّة.
- تحسين بيئة العمل المدرسيّة بما يحدّ من الضّغوط المهنيّة.
- تنظيم برامج تدريبيّة لمديري المدارس تركّز على القيادة التّربويّة الدّاعمة.
- اعتماد سياسات إداريّة مرنة تراعي احتياجات المعلّمين وخبراتهم.
- إجراء دراسات مستقبليّة تربط الرّضا الوظيفيّ بمتغيّرات أخرى مثل الأداء التّدريسيّ أو الالتزام المهنيّ.
تاسعًا: الخاتمة
خلصت هذه الدّراسة إلى أنّ الإدارة التّربويّة تمثّل عنصرًا أساسيًّا في تحقيق الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين، وأنّ تحسين الممارسات الإداريّة يُعد مدخلًا فاعلًا للارتقاء بجودة التّعليم. فالمعلم الرّاضي عن عمله أكثر قدرة على العطاء، وأكثر التزامًا برسالته التّربويّة، ممّا ينعكس إيجابًا على المتعلّمين والمؤسّسة التّعليميّة ككلّ. وعليه، فإنّ الاستثمار في تطوير الإدارة التّربويّة يُعد استثمارًا مباشرًا في تحسين مخرجات التّعليم وتحقيق التّنمية التّربويّة المستدامة.
عاشرًا: قائمة المراجع
الأفندي، م. (2012). الرّضا الوظيفيّ وعلاقته بأداء المعلّمين في المدارس الثّانويّة الحكوميّة. فلسطين.
الزّهراني، ع. (2021). الإدارة التّربويّة ودورها في تحسين الرّضا الوظيفيّ لدى المعلّمين. الرّياض: دار النّشر التّربويّ.
العبادي، و.، الفرّوخ، أ.، ومحافظة، س. (2021). الرّضا الوظيفي لمعلّمي المدارس الثّانويّة الحكوميّة وعلاقته بأدائهم التّدريسيّ. مجلّة جرش للبحوث والدّراسات، 22(2)، 1143–1179.
Bush, T. (2020). Theories of educational leadership and management (5th ed.). London: Sage.
Day, C., Gu, Q., & Sammons, P. (2016). The impact of leadership on student outcomes. Educational Administration Quarterly, 52(2), 221–258.
Hoy, W. K., & Miskel, C. G. (2018). Educational administration: Theory, research, and practice (10th ed.). New York: McGraw-Hill.
Judge, T. A., Weiss, H. M., Kammeyer-Mueller, J. D., & Hulin, C. L. (2017). Job attitudes, job satisfaction, and job affect: A century of continuity and change. Journal of Applied Psychology, 102(3), 356–374.
Leithwood, K., Harris, A., & Hopkins, D. (2020). Seven strong claims about successful school leadership. School Leadership & Management, 40(1), 5–22.
Skaalvik, E. M., & Skaalvik, S. (2017). Teacher stress and teacher self-efficacy as predictors of engagement, emotional exhaustion, and motivation. Teaching and Teacher Education, 67, 152–160.



