أبحاثاللغة والأدب والنّقد

المأزق الوجوديّ في روايات “سمير قسيمي”

المأزق الوجوديّ في روايات “سمير قسيمي”

The Existential Predicament in the Novels of Samir Kacimi

د.عبير محمّد حجازي[1]

Dr. Abir Mohammad Hijazi

        تاريخ الاستلام 8/ 11/ 2025                                    تاريخ القبول 25/ 12/2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

المُلخّص

يعالج هذا البحث المأزق الوجوديّ الّذي يعاني منه “المجتمع”، كما بدا، من خلال بعض روايات سمير قسيمي. ترتكز هذه المعالجة، بدايةً، على تبيان الأزمة الّتي يعاني منها المُثقّف من ناحية انكفائه وعدم قدرته على القيام بدوره الرّيادي في خدمة المجتمع، والأخذ بيده نحو الرّقيّ والتّقدّم.

يدرس بعد ذلك، العقليّة العربيّة المتردّية، من ناحية الإيمان بالسّحر والتّنجيم و”نبوءات” بعض الأفراد الّذين لا يملكون مقوّمات التّفكير السّليم.

ينهض بعدها، مرتكزًا على المأزق الحضاريّ الّذي تعرّيه العلاقة بالغرب، ونظرة الغرب إلى المجتمع الرّوائيّ لدى قسيمي، وعلى الموقف الانهزاميّ الّذي يسجّله ذلك المجتمع.

الكلمات المفتاحيّة: مأزق، وجوديّ، أزمة، حضارة.

Abstract:

This research addresses the existential impasse experienced by society, as depicted in some of Samir Kacimi’s novels. The study focuses on revealing the crisis faced by the intellectual, particularly in terms of his withdrawal and inability to fulfill his leading role in serving society and guiding it toward progress and development.

It then examines the deteriorating Arab mindset, especially the belief in magic, astrology, and the “prophecies” of certain individuals who lack the foundations of rational thinking.

The research also explores the civilizational impasse exposed through the relationship with the West, the Western perception of the society portrayed in Kacimi’s fiction, and the defeatist stance taken by that society in response.

Keywords: Impasse, Existential, Crisis, Civilization.

 

مقدّمة

نعني بالمأزق الوجوديّ، تلك الأزمة شبه المُستعصية، القائمة على وعيٍ مُربكٍ لحالةٍ حضاريّةٍ لا تُرضي النّاظرَ في عمقِها. يرتبطُ المأزقُ الوجوديُّ بمعنى الحياة، وبثنائيّة الجدوى والعبثيّة على مستوى الفرد والجماعة. وهو أيضًا، شديد الالتصاق بالقلق الواضح حول إمكانيّة التّطوّر لتحصين الذّات الحضاريّة العامّة بين الأمم والمجتمعات.

وبناءً عليه، تتمحور إشكاليّة هذا البحث حول كيفيّة معالجة “سمير قسيمي”[2] لهذا المأزق، في بعض رواياته، إذ تُطرَح عبر أسئلةٍ كثيرة ومعقّدة، منها سؤالان اثنان نراهما أكثر أهميّةً من غيرهما:

كيف تمظْهرت جوانب المأزق الوجوديّ، عبر جزئيّاتها، في بعض رواياته؟ وهل رأى أنّها من طبيعة “العقل” لدينا، أم من نتائج هيمنة الآخرين؟

نفترض، أوّلا، أنّه عالجها انطلاقًا من أزمة المثقّف، ومن هزيمته، ومن العقل الغيبيّ القائم على الإيمان بالخرافة والسّحر والتّنجيم، ومن فهم الذّات وتقييمها من خلال نظرة الغرب إليها.

أمّا المنهج الّذي ارتأينا اختياره، ووجدناه الأكثر ملاءمةً لاستكمال هذا البحث، فهو المنهج الثّقافيّ، كونه يقوم على ربط النّصّ بمحيطه الثّقافيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ والاقتصاديّ والتّاريخيّ. لذلك، يرى النّاقد الثّقافيّ النّصّ ظاهرةً ثقافيّةً مُضمَرةً، فيربطه بسياقه الثّقافيّ غير المعلن[3].

وما يميّز المنهج الثّقافيّ، ارتباطه بحركات فكريّةٍ وثوريّة كحركة الصّراع بين الحضارات والثّقافات، وغيرها ممّا يقع في باب الخطاب المُضمَر في النّصّ[4]. وهو، فضلًا عن ذلك، “يعرّي ثقافة المؤسّسة لتتساوى معها الثَّقافة الشَّعبيَّة المهمّشة”[5]، ويخدم الإنسان، ويلتزم بقضايا الشّعوب[6].

وبناءً على مقاربة ذلك المأزق في روايات قسيمي، يمكن أن يوزّع البحث على ثلاثة أقسام: الأوّل بعنوان “عجز المثقّف”، والثّاني بعنوان “العقل الغيبيّ”، والثّالث بعنوان “هيمنة الآخر الغربيّ وشعور الدّونيّة”.

 

أوّلًا: عجز المثقّف

يحاول المُثقَّفُ، عمومًا، أن يرسّخ حمولةً أيديولوجيّة، ويسعى لإيصالها إلى المجتمع. لذا، غالبًا ما نراه يعيش في صِراعٍ حادٍّ مع الأيديولوجيّات المضادّة، الّتي يمكن أن تكون مُهيمنة. يُمكن أن يكون عجز المثقّف، وتاليًا أزماته، ناتجةً عن التّبعيّات الّتي تفرضها بعض الأنظمة، فتشدّد على المُثقَّفين، وتخنق دورهم الفكريّ.

ينطلق قسيمي من هذا الواقع، فيصوّر عجز المثقّف وأزمته، وربّما هزيمته.

يعاني “الرّاوي المُثقَّف”، في رواية “الحالم”، على سبيل المثال، من المُجتمع والسّلطة، فيعبّر عن أزمته بوضوح: “كنتُ كأيّ نكرة يكتبُ (…) ومع ذلك لم أكُن كمعظمهم مِمَّن يخال أنَّ الأدب لا يزيد عن كونه مُفتاح بابٍ يُدخله إلى عالم السّياسة أو المال، أو على الأقلّ طريقٌ مُختصرة نحو الاستقرار، كنت كالغبيّ أتبع قلبي فيه. كنتُ أُحبّ الكتابة”[7].

هو يعبّر عن بعض غربته واختلافه عن المجتمع، وقد يكون السّبب الأوّل لهذه الغربة، سيطرة الحالة الانهزاميّة على الواقع. فقد تُولّدُ هذه الحالة نوعًا من المازوشيّة، تدفعه إلى جَلد الذّات، والانضمام إلى طائفة المُنهزمين الخائبين: “حين فُجِعتُ، قرَّرْتُ الانسحاب (…) وأن أصبح كأيّ واحدٍ مِمَّن أراهم عادة في الشّارع، كأيّ مخلوقٍ يولد، يكبر، يعمل، يتزوَّج، يُنجب، وفي النّهاية يموت”[8]. إذن، يصرّح “الرّاوي المُثقّف” بوضوحٍ أنّه خسر دوره الرّياديّ والقياديّ، ويعلن عن حصاره وانكفائه؛ لقد تخلّى عن حلمه في أن يكون كاتبًا مؤثّرًا ومعروفًا، لهذا نجده يعترف بإخفاقه وتراجعه، ثمّ بهزيمته: “كان فشلي أمرًا أكيدًا، حتّى أنّ الأمل الَّذي كثيرًا ما تملّكني مِن قبل، خبا مرّةً واحدة (…) هذا الَّذي كُنتُ أُسمّيه وقتَها الحلم، أقصد وهمي الَّذي أخذ منّي عُمري، من دون أن يمنحني شيئًا”[9].

لقد شكَّل بموقفه هذا، علامةً بارزةً من علامات الإخفاق والخيبة. بعد ذلك، قرّر أن يكتب باللّغة الفرنسيّة، لغة المحتلّ، “لغة النّخبة الثَّقافيّة”، فاتّخذ لنفسه اسمًا فرنسيًّا جديدًا: “ريماس إيمي ساك”، واعترف بأنّ واقعه كان مُذلًّا[10]. لقد قلب المعادلة، فتوقّف عن المقاومة الفكريّة، ما أدّى إلى فقدانه لحريّته، ولقيمة وجوده الفكريّ والإنسانيّ. يبدو أنّه وصل إلى هزيمته الكبرى الّتي يُعاني منها – على الأغلب – كلُّ مُثقَّفٍ عربيٍّ، إذ إنّه مع “تدنّي مكانة الفكر والمُفكِّرين لحساب استفحال الملكيّة والتّملّك (…) يُخصى الذّهن، ويُفرض التّطفيل، بمعنى الرّدّ إلى حالة التّبعيّة الطّفليّة، وبالتّالي يُهدر الكيانُ”[11].

كثُرت بعد هذه “الحالة”، في روايات قسيمي، نماذج المُثقّفين الّذين يردّدون الشّعارات بهدف الحصول على مكانةٍ اجتماعيّةٍ وأدبيَّةٍ مُميَّزة، أو على الأمان المُزيَّف، فيكمل الرّاوي التّعبير عن نفسه كونه واحدًا منهم: “لم يكُن ثمّةَ من خلاص، إلّا أن أجلس وأُفكِّر في أيّ حلٍّ، على الأقلّ أن أختار بين أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن أترك البياض، أو أُسوِّد أيَّ كذبة”[12].

لقد وصل أخيرًا إلى ذروة العجز عن فعل ما يجب أن يفعله، عبر لجوئه إلى ما هو مُلْتوٍ وكاذب وعبثيّ: “عشتُ أربعًا وثلاثين سنةً في جلْد غيري، حتّى لم أعُد قادرًا على التّمييز بيننا نحن الاثنين. أنا وهو المدعوّ ريماس إيمي ساك، هذا الَّذي قرّرت أن يحيا لأموت من أجل أن أحيا من خلاله”[13].

إنّ ما ذهب إليه قسيمي عبر هذا ” المثقّف”، كان من أقسى ما يمكن أن نراه، فهو لم ينسحب من دائرة الفعل المجدي الّذي يجب أن يبدع فيه، بل ذهب إلى الجهة الأخرى المقابلة “مُستترًا وراء الأقنعة”[14]، لهذا، تُطرح من خلاله إشكاليّة الجدوى من وجوده أصلًا، “ولعلَّ أكثر أسئلته فتكًا، سؤاله المُتعلِّق بجدوى بقائه حيًّا”[15]. هكذا تتعاظم أزمة المثقّف العاجز عن الفعل والتّغيير؛ لقد ذهب إلى ذروة التّشكيك بكلّ شيء: التّشكيك “بمعنى الوجود، بالقيم كلّها، بقيم الحياة والإنسان والعقل والأخلاق”[16]. وما فاقم عجزه عن الفعل، عيشُه في ازدواجيّةٍ عميقة، أظهرتها ثُنائيّة اللّغة، الّتي كشفت عن ازدواجيّته المؤْلمة، وانشطاره الدّاخليّ، وتاليًا تشظّي “أناه”؛ فـ”الأنا العربيّة”، تعرّضت معه إلى إخفاقاتٍ مُتعدِّدةٍ، ومع ذلك، لم يستطع التّخلّي عنها بالمعنى الوجدانيّ، بينما “الأنا الفرنسيّة”، القائمة على اسمه الجديد وعمله الجديد، كانت تتمتّع بحقوقٍ وامتيازات، في بلد عربيّ، على حساب “الأنا العربيّة”. إنّه من دون شكّ “منطقٌ” ملتوٍ يعيهِ المُثقّف جيّدًا، الأمر الّذي يجعله يعيش في صراع دائمٍ ومستمرّ مع واقعه.

إلى جانب هذا الأنموذج من المثقّفين، يطالعنا في الرّواية عينها، أنموذجٌ آخر من المثقّفين العاجزين، تجسّده شخصيّة “رضا خبّاد”، المثقّف الّذي اختار الصّمت، فعطّل بِصمتِهِ دوره الاجتماعيّ، واكتفى بالمراقبة: “لم يكُن بحثي عن وظيفة إلاّ لأوهِمَ نفسي بأنّني أنفّذ قراري بالانسحاب من عالم الأدب. كانت تلك طريقتي لأبتعد قدر ما أمكن عن عالمٍ بقدر ما أسعدني وجودي فيه، بقدر ما جعلني أشعر بتفاهتي، وبقدر ما كان خلاصًا لي، بقدر ما جعلني ألِجُ أكثر العوالم نفاقًا وأذىً على الإطلاق”[17]. يمثّل “رضا” شخصيّة الإنسان المُدرِك والواعي لواقعه، وفي الوقت نفسه، الإنسان الّذي يقف عاجزًا عن حلّ أزماته المصيريّة. لقد فضّل “رضا” الصّمت، واختار الانسحاب لصالح المُنافقين والمُتملّقين “”المُتسلّقين شجرة الأدب”[18]، ليصل بذلك إلى ذروة الهزيمة. تُظهِر هذه الصّورة استسلام المُثقّف وعجزَه عن تغيير الواقع، وهو بذلك، يكون قد أثبت الحالة القهريّة الّتي يعاني منها أبناءُ جيله من الّذين قُضي على أحلامهم بمُقتضيات الضّرورة، فيزداد الفِكر ترنّحُا، والمثقّف ضياعًا.

تزخر روايات قسيمي بشخصيّات المثقّفين الّذين يعانون من ضياع الرّؤية، وغشاوة الفكر، كما هي حال “أحمد مولاي” الّذي يعرّف عن نفسه قائلًا:

“الاسم: أحمد، اللّقب: مولاي، السّن: خمسون عامًا، الشّهادة: مُهندس دولة في الميكانيكا العامّة، اللّغات: العربيّة، الفرنسيّة، الأمازيغيّة، الإنجليزيّة. المهنة الحاليّة: سيكون رائعًا لو ملأت الفراغ وكتبت المهنة الحالية: رئيس ورشة، أو حتّى عامل في ورشة”[19]. على الرّغم من حيازة “أحمد” لشهادةٍ جامعيّة، وامتلاكه لكفاءات مُتعدِّدة، إلّا أنّه يقف، في البداية، عاجزًا عن إيجاد عملٍ يناسب تخصّصَه، ويحلم بالحصول على أيّ عمل، ليفاجئَنا لاحقًا بقوله: “يُمكنني الآن أن أكتب بكلّ فخر: المهنة الحاليّة: مُشرف على مرحاض عموميٍّ”[20]. يصطدم “أحمد” بواقع مرير، ويصوّر أزماته بسخرية مؤلمة؛ أزمته الأولى كانت في البحث عن وظيفة تليق بمستواه العلميّ والثّقافيّ، وأزمته الثّانية تجلّت في حصوله على عمل لا يصبو إلى قدر طموحاته وتطلّعاته. إنّ انسحاق “أحمد” على هذا النّحو، هو انسحاقٌ حقيقيّ للمُثقفين وأصحاب الشّهادات العليا، الّذين رضخوا للأمر الواقع، فاندثرت بذلك أيُّ إمكانيّةٍ لتأثيرهم المُجدي في المجتمع.

أمّا “قدّور”، في رواية “هلابيل”، فهو المُثقَّف الّذي يسعى إلى الكشف عن الحقيقة، لكنّه يُواجهُ الكثير من العقبات والتّحدّيات. لقد عارض أمر “الشّيخ” يومًا، فأمر الأخير “صِبيته بإضرام النّار في الدّار، ففعلوا”[21].

إنّ حرق “بيته” لهو فعلٌ بدائيّ يشير إلى أزمةٍ حادّة ٍتُهدِّدُ وجود المُثقَّفين في بيئتهم. لا يمكن “للمثقّف” أن يواجه “المقدّس” في مجتمع لا يعي الفارق بينهما؛ ففي هذه الحالة، يصبح المُفكّرُ رهينةً لسلطةٍ شموليّة، تفرض عليه أن يجابه “بتعبئةٍ نفسيّة (…) ويأخذُ العدوان عليه طابع التّشفّي والبطش والتّشهير؛ ويتحالفُ الكلّ للنّيل منه”[22].

يصطدم المثقّف في “مجتمع” قسيمي الرّوائيّ بالسّلطة، سياسيّةً كانت أو اجتماعيّة، وغالبًا ما كان يخرج من معركته معها منهزمًا. تطرح هذه “الحقيقة” إشكاليّةً وجوديّة جادّة، تتعلّق بدور المثقّف في تطوير مجتمعه، ومدى قدرته على إعادة صناعة الوعي اللّازم، وبناء المفاهيم الجوهريّة للأخذ بأسباب التّطوّر والتّقدّم، وتاليًا تحقيق الإرتقاء المجتمعيّ.

يواجه المثقّفُ، بالإضافة إلى انسحاقه وهزيمته، في تلك الرّوايات، حملاتِ تضليل ثقافيّة، فنراه يُخفق في القضاء على فاعليّة الذّهنيّة المتخلّفة لدى بعض الفئات، الأمر الّذي يؤدّي إلى فقدانه لدوره الأساسيّ، فيزداد المجتمع إيغالًا في أزماته المتعلّقة بمعنى وجوده.

 

ثانيًا: العقل الغيبيّ

العقل الغيبيّ في روايات قسيمي، لا يعني العقل الدّينيّ؛ فلا أزمة في الدّين نفسه. إنّ الأزمة الّتي تُسيء حتّى إلى الدّين، إنّما تكمن في “الدّين الشّعبي” المتفشّي لدى العامّة، ذلك الدّين المضادّ للعقل، والمتمثّل بالتّنجيم والعرّافين، والإيمان بالسّحر وممارسته.

أ – الإيمان بالتّنجيم وبالعرّافين

في بعض روايات “قسيمي”، هناك من ينصاع للتّنجيم، ويؤمن بما يقوله المنجّمون ولو كذبوا! نجد مثالًا على ذلك في روايته “تصريح بضياع”. يخبرنا الرّاوي عمّا قالته العرّافة ويسمّيه: “النّبوءة الّتي “تنبّأت” بها العرّافة لِوالدته: “تزيدي تسعة رجال فيهم أربعة، واحد ظالم، والآخر عالِم، واحد أعمى، والآخر يرفدو ألمًا”[23].

تكمن المشكلة في إيمان الرّاوي المُطلَق بنبوءات العرّافة، فنراه قد ربط حياته بها منذ طفولته: “حلقةٌ مُفرغة من المُحاولات البائسة، جميعها تترصّد حلمًا غريبًا روادني منذ الصّغر، حلم أنْ أُحقّق نبوءة امرأة عجوز، دقّت باب بيتنا ذات مساء من عام 1954”[24]. تتجلّى المفاجأة الكبرى هنا، في كون الرّاوي أستاذًا جامعيًّا مرموقًا، إلّا أنّ ثقافته لم ترقَ به إلى مصافِّ التّفكير العلميّ البعيد من ذاك التّردّي الفكريّ العقيم؛ فهو يتحرّك في دائرة شعبيّة، تأصّلَ في أذهان أهلِها ذاك الإيمانُ بالتّنجيم. لقد وقع الرّاوي أسيرَ ما تنبّأت به المرأة، فآمن بأنّ الأزمات الّتي تتعرّضُ لها عائلتُه، ما هي إلّا نتيجة حتميّة لما قالته تلك العرّافة، وقد صحّ فيه قول قائلٍ بوجود: “وحشٍ خُرافيٍّ مُتربّص بالذّهن العربيّ، على استعداد للانطلاق وهدم كلّ ما أقامته الجامعات الشّهيرة في ذهن المُتعلّم العربيّ[25].

لم يكن الرّاوي وحده من يؤمن بنبوءات العرّافة، بل سبقته إلى ذلك “أمُّه”، الّتي داومت على ربط أحداث حياتها وحياة عائلتها بهاجس ما قالته العرّافة لها، ويبدو أنّ لوالدته الأثر الأكبر في إيمانه بالعرّافين والمنجّمين، إذ صرّح مُعترفًا: “ظهرت النّبوءة قبل ميلادي بنحو عشرين سنةً، ومن فرط ما ردّدتها أمّي ثلاثين عامًا على مسامعي، آمنتُ بها، لينتهي بي المطاف إلى هكذا حالة، جسدٌ مُمدَّدٌ على فِراشٍ من الإسفنج، وجهٌ شاحِب مُصفرٌّ، وعينان جاحظتان تُبحْلقان في السّماء[26].

إذًا، أصبح الأمر بمثابة “معتقدٍ”، تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل، مع غياب أيّ احتمالٍ لإمكانيّة تخطّيه عبر عقلانيّةٍ ما. يظهر في هذا السّياق، عمق الهشاشة النّفسيّة والفكريّة الفاعلة في تكوين المأزق الوجودي؛ فـ”حسابات العقل والمنطق في هذه الحالات، تُشير إلى خسارة وجوديّة محضة (…) نظرًا لِما فيها من اختلال توازن الكائن في الدّنيا”[27].

يربط الرّاوي تفاصيل حياته “بنبوءة العرّافة”، لكثرة ما توالت عليه الأزمات، فأوقفت عقله عن التّفكير العقلانيِّ، وفصَلته عن الواقع. اِنصرف إلى رصد العلامات الّتي تحملُ “الدّلائل” على “نبوءة العرّافة”، فآمن بأن “لا حول ولا قوّة في ما سيؤول إليه وضعه، فهو جبريٌّ، مستسلم”[28]، ولم يعد يملك بسبب الأزمات المُتلاحقة، أيَّ نوع من السّيطرة الواعية على الأحداث، فسلّم بحتميّتها، وتوسّل الخرافةَ علّها تسعفه بما يوهمه بالسّلام الدّاخليِّ لمواجهة حالات القهر والحرمان.

لقد توسّل “آليّاتِ دفاعٍ” غير مُجديةٍ وغير منطقيّة، من شأنها أن توهمه بتخطّي الخسارة. قد يصل به الأمر، في ظلّ هذه المجريات، إلى الإحساس الفادح بانعدام المعنى الوجوديّ.

تُشكِّل هذه الحالة، جزءًا من الوضعيّة القهريّة الّتي تعتريه، فتترك في أعماق ذاته آثارًا نفسيّة فادحة؛ “وضعية من هذا النّوع، تُفجّر القلق المصيريَّ بالطّبع”[29].

يسيطر الإيمان “بالنّبوءة” على البِنية الذّهنيّة للجماعة، فيتغذّى دائمًا من أشكال التّظافر للعقل الغيبيّ، الفاعل بِدورِهِ في تشكُّل المأزق الوجوديّ.

يصوّر قسيمي، في رواية “الحالم”، حالة أخرى من حالات “الإيمان بالنّبوءة”، تتجلّى في صورة “عائلة الرّاوي”، الّتي كانت تؤمن “بنبوءة وليٍّ صالح”، فتنصاع لها، وتورّث الأمر إلى الجيل التّالي؛ يتناقلون الأخبار السّارّة الّتي “حصلت” لهم بفضل “نبوءته” بفرح عظيم: “هذا رجلٌ كلُّه خير، كنتِ أنتِ أوّلَ خيره”[30]. يكشفُ هذا الإيمان العميق بالنّبوءة، عن قناعةٍ راسخةٍ، تتوضّحُ أسبابها عندما يُخبرهم هذا الوليُّ الصّالح بأحداثٍ ستحصُل لهم في المستقبل. وللمفارقة، فقد استطاعت هذه القناعة أنْ تتحكّم لاحقًا بسلوكهم، وبمجريات حياتهم، حتّى صاروا يوقّعون سلوكهم تبعًا للنّبوءة، سعيدةً كانت أو حزينة، حتّى عندما كانت المصائبُ تتعاقب على العائلة، كانت تلجأ أيضًا إلى علم “الغيب”، علّها بذلك توهم نفسها بالخلاص. لقد قدّم لها “الوليُّ الصّالح” ما تحبّ أن تسمعه لتُخفّف من فداحة خسارتها، فهي لا تملك أيَّ وسيلة منطقيّة، تدفعها إلى عدم تصديقه.

تلك هي سطوة “العقل الغيبيّ”، الّذي يسيطر على عقول النّاس. لقد أفلتت من أيديهم القدرةُ العمليّة على الإمساك بمجريات حياتهم، فتوسّلوا “الغيبَ” للقبض عليها.  آمَنوا بما يقوله “المُتنبِّئون”، ثمّ آمنوا بعد ذلك بالخرافة.

 

ب: الإيمان بالسّحر ومُمارسته

ينمو الإيمانُ بالسّحر عندما تشتدُّ الأزمات، ويعجز الإنسان عن استيعابها أو إيجاد حلولٍ لها، وتغذّيه الأوضاع المتردّية للجماعات العاجزة عن الإمساك بمصيرها.

يسهم الإيمان بالسّحر، عمومًا، وعبر الثّقافات الموروثة للشّعوب، في نشر الوهم بإمكانيّة وجود قوّةٍ خارقة، قادرة على التّحكّم بمصائر البشر والسّيطرة عليها. قد يتبلور هذا الأمر، على الصّعيدين الثّقافيّ والفكريّ، كحاجةٍ دفاعيّة “تحمي” المؤمن به. يندفع الإنسان المقهور بقوّة إلى هذه المُمارسات، إيمانًا منه بقدرتها على تغيير وضعه المأساويّ، أو قدرتها في التّحكّم بمصير الآخرين خدمةً لمصالحه الشّخصيّة.

تمظهر الإيمان بالسّحر في رواية “الحالم” عبر شخصيّة “الجدّة لويزة”، فبرز حين مات ابنُها، الّذي “لم يعلم أحدٌ سبب وفاته (…) ومع ذلك كان للجدّة لويزة تفسير(…) كانت، وهي تبكي فلذة كبِدها، تصرخ: “فعلتها السّتوت، فعلتها يامنة”[31]. يكشف هذا الخطاب عن الإيمان المطلق للجدّة “لويزة” بالسّحر، الأمر الّذي دفعها لإنزال حكمها المباشر على “يامنة”، متّهِمةً إيّاها بأنّها من سحَر لابنها، فمات. أصدرت حكمها هذا، لِعجْزِ عقلها المنكوب عنِ استيعاب المأساة الّتي حلّت بها، ولأنّها – ربّما – لم تجد أسبابًا منطقيّةً لما أصاب ابنها، فردّته إلى السّحر.

يُمعن قسيمي في تعرية هذا الإيمان، فيذكر الأدوات الّتي يستخدمها السّحرة والمُشعوذون أثناء ممارساتهم لأعمال السِّحر، إذ تتغذّى هذه الوسائلُ والأساليب على كيان الإنسان المقهور، بعدما عجز عن الاستمرار الطّبيعيِّ في الحياة، نتيجة أسبابٍ تتعلّق بجوهر وجوده إنسانًا. لقد ضعف، فضعفتْ قدراتُه المنطقيّة، الأمر الّذي دفعه للسّقوط في هوّة اللّامنطق، تحت تأثير قوّة السّحر والشّعوذة، متوهّمًا أنّها القوّة الوحيدة القادرة على خلاصه من مآسيه، وتخطّي أزماته، من دون أن “يكلّف نفسه عناءَ البحث عن مسبّباتها الحقيقيّة والمنطقيّة”[32]؛ فـ”يامنة”، في الرّواية عينها، أخفقت هي الأخرى في تخطّي أزمتها، فما كان أمامها سوى اللّجوء إلى الشّعوذة، إلّا أنّ أخاها كشف أمرها إذ رآها: “تنتفُ شعرة من رأس نور الدّين، سحبتها وقرأت عليها شيئًا، ثُمَّ أخذت بيضة مسلوقة وشطرتها بالشّعرة إلى نصفين، أكلت نصفها وألقت النّصف الآخر”[33]. لقد أرادت “يامنة” أن تقتل طفلًا رضيعًا عبر “السّحر”. لقد تخلّت عن إنسانيّتها، وانجرفت في تيّار الشّرّ، فوصلت إلى ذروة التّخلّي عن المبادئ الأخلاقيّة والقيم الإيجابيّة.

يحيلنا هذا الواقع إلى الصّراع النّفسيِّ الّذي تخوضه الذّات المقهورة عندما تقترب من الانهيار، فتُقرِّر أن تسترجع السّيطرة على المصير، عبر وسائلَ رهيبةٍ في أشكالها ومضامينها. تكشف تلك الحالة عن وجدان المُشعوذ، فتُرينا حدودَ وعيه في دائرة أزمته الآنيّة، بصرف النّظر عن أيّ نتائج ممكنة. كلّ ما يهمّه، آنيًّا، هو أن يجد الوسيلة المُناسبة، ليشفي بها جرحه المُتضخِّم: “إنّ العجز عن التَّصدّي العقلانيّ الموضوعيّ للمُشكلات والأزمات الحياتيّة، يدفع المرءَ إلى النّكوص إلى المُستوى الخُرافيّ، إلى الحلول السّحريّة والغيبيّة، وهذه بدورها، حين تتأصّل في النّفسيّة، تعمل على إضعاف أواليّة التّحليل العقلي والنّظرة النّقديّة إلى الأمور”[34].

من القضايا الأخرى الّتي تسلّط الضّوء على المأزق الوجوديّ للإنسان في بيئته، تلك المتعلّقة بالموقف من المرأة، وفي النّظرة إليها، وكيفيّة التّعامل معها. قد يفلح المجتمع في تهميشها وحصارها، فيُمعن في ملاحقة سلوكها وترسيخ السّيطرة عليها عبر أنماطٍ سلوكيّة اجتماعيّة مختلفة، منها آليّة اللّجوء إلى السّحر، حيث ترتكز هذه الآليّة على مسائلها الحسّاسة، خصوصًا مسألة الزّواج. هذا ما لمسناه عند “يامنة” في رواية الحالم، الّتي لم تستطِعْ أن تنسى الماضي، فعزمت على متابعة انتقامها من عائلة “الجدّة لويزة”، ووجَّهت رغبتها في الانتقام ناحية “جميلة”، حفيدة “لويزة”. قد لا يستغرب أحدٌ من أن تتعمّق هذه الأفكار الشّرِّيرة في عقل “يامنة”، لأنّ عالمها الضّيّق مليءٌ بمُؤشّرات تخلّفها؛ فهي لم تُعطَ فُرصتَها في الحياة، فتراكمت عليها الأزمات: ظهرت أزمتُها الأولى في عدم قدرتها على الإنجاب، ثمّ نبذ عائلتها الوحيدة لها، وتاليًا نبذها من قِبَل مجتمعها، كالكثيرات ممّن يعانين مثلها، فوجدت نفسها مضطّرّةً للّجوء إلى ما هو “ملتوٍ” ومنحرف، ظنًّا منها بأنّ سلوكها هذا، سيساعدها في استعادة ذاتها، والتّمسّك بها من جديد.

بهذه الطّريقة، عبّرت “يامنة” عن عدوانيّتها ومآسيها في آنٍ معًا، فسيطرت عليها الرّغبةُ الانتقاميّة. يبدو أنّ “يامنة” قرّرت أن تواجه مأزقها الحقيقيَّ، وظنّت – حسب أوهامها – أنّها لن تتحرّر منه إلّا بعدما تنال ما تريد: “كانت مسألة تزويج الاثنين مفروغًا منها في ذهن يامنة، وهي تُدرك أيّ فرصة منحتها لها الصُّدف لتطعن “لويزة”، وإن كانت في قبرها، لن تنسى فجيعتها في حرمانها من رؤية أخيها وهو يحتضر”[35]. لم تستطع المرأة أن تحلّ مشاكلها بطُرُقٍ سويّة، ولم تشعر بفاعليّتها الوجوديّة، ولا بكيانها الإنسانيّ، فاستخدمتِ “السّحر والشّعوذة” كأواليّة دفاعيّة للخروج من مأزقها، والحفاظ على وجودها.

لقد شكَّل السّحر عندها، مُؤشِّرًا حيويًّا من مؤشّرات تصدّع الذّهنيّة المُتخلِّفة، فتوسّلت الوهم وسيلةً للسّيطرة على المصير والتَّحكُّم بالآخرين، في ظِلِّ الأوضاع المُزرية، والواقع المأزوم. هي ليست فردًا واحدًا، ولا تمثّل ذاتها الشّخصيّة عبر ما آلت إليه، إنّما هي رمزٌ، يمثّل عقليّةً ونمطًا سلوكيًّا غير سويّ، تهيمن عليه الأوهام. تشكّل وضعيّة “يامنة”، إشارة واضحة إلى تخلخل عميقٍ هزّ بنية الإحساس الوجوديِّ، وقوّض حضوره.

أشار قسيمي، في معظم رواياته، إلى المأزق العقليّ الفاعل في بناء المأزق الوجوديّ عبر الإيمان بالعرّافين “والنّبوءة”، وعبر الإيمان بالسّحر وكيفيّة ممارسته. لجأ بعضهم إلى هذه الآليّات للتّخفيف من شدّة الحالة النّفسيّة الّتي عصفت بحياتهم، فظهرت في صورة تجاربَ لا ترحم. تعمّق الأمر وانتشر عند اشتداد الأزمات، ومع فقدان السّيطرة على المصير. أوهم اللّجوءُ إلى السّحر والشّعوذة، والاستعانةُ بالعرّافّين، بالشّعور الكاذب بالرّاحة والسّيطرة، ولكنّه ظلّ مؤشّرًا واضحًا على تردّي الوضع العامّ في بعض المجتمعات.

 

ثالثًا: هيمنة الآخر الغربي وشعور الدّونيّة

نظر قسيمي إلى المأزق الوجوديّ لمجتمعه الرّوائيّ، من ناحية حضوره وغيابه، في سياق اختلال التّفاعل بين الشّرق والغرب. عالج بعمقٍ ظاهرة الاستشراق الفرنسيّ الرّاغب في السّيطرة على الشّرق، والهادف إلى تحقير العقل العربيّ، خصوصًا أنّ معظم الشّعوب الغربيّة تنظر إلى الشّرقيين على أنّهم من الشّعوب الأكثر همجيّةً وتخلّفًا[36]، ليس هذا فحَسْب، بل غالبًا ما كان الغربيُّ يعمد إلى تهميش الفكر العربيّ، وإهمال معرفته؛ هذا ما يؤكّده خطابُ إحدى الشّخصيّات في رواية “كتاب الما شاء”: “طوال مُدَّة دراستي لأعمال المُستشرقين الفرنسيين في نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم أقع أبدًا على عملٍ لهؤلاء يُعنى بالأدبيّة في اختيار العنوان أو في صياغة الموضوع[37]. واللّافت في هذا المجال، موقفُ إحدى الشّخصيّات الغربيّة، الّتي وصفت المستشرقين بأنّهم “جواسيس ثقافة (…) وأنَّهم آلة كولونياليّة تُمهِّد للاستعمار إلى حين يحصل، وكُتّاب تاريخٍ مُزيّف (…) واعتبروا المجلّة الإفريقيّة وسيلة دعائيّة لتبرير لا إنسانيّة الاستعمار ببحوثٍ إنسانيّةٍ”[38]. تكشف هذه الصّورة عن أيديولوجيّة الفكر الغربيّ، وأهدافه الحقيقيّة، السّاعية خلف السّيطرة على الحياة الفكريّة والثّقافيّة والتّاريخيّة للإنسان العربيّ، والمُهدِّدة لوجوده. ولا يخفى على أحد، أنّ أولى نزعات الغرب الهادفة إلى معرفة مكامن القوّة في بلاد الشّرق، قد تجلّت في الرّؤية الاستشراقيّة، الّتي سهّلت ولادة “وتنفيذ الفكرة الاستعماريّة”[39].

في موازاة ذلك، لم يتمكَّن الإنسانُ العربيُّ، بحسب قسيمي، من أن يتصالح مع هويّته العربيّة، فظلَّ يُعاني من آثار الاستعمار الفكريّ الغربيّ له، حيث حرص الغرب على توظيف الفُرص المتاحة كافّة، الَّتي من شأنها أن تضمن بقاءه في هذه الحالة المأزومة، والمأساويّة.

سعى قسيمي في رواية “تصريح بضياع”، إلى إبراز أزمةٍ وجوديّة جوهريّة، تجلّت في اختلال الهويّة العربيّة وضياعها، خصوصًا في مجتمعه الجزائريّ، المتأرجح بين العروبة والتّفَرنُس. من شأن هذا الاختلال أن يغذّي التّفاعل السّلبيَّ بين العالمَين الشّرقيّ والغربيّ، ويعمل على استمراره، وتاليًا استمرار الطّعن بتاريخ الجزائر، وِفق مسوّغاتٍ ثقافيَّة خاصَّة تُعزّز الحضور الغربيّ[40]؛ فوجود شارع في قلب الجزائر، يحمل اِسم “ميسونيي”، المقتبس من اسم السّفاح “فرناند ميسونيي” جلّاد الجزائر[41]، لهو خير دليلٍ على تعزيز الحضور الغربيّ وسيطرته.

لم يكتفِ الغرب بذلك، بل حاول جاهدًا تشويهَ الثَّقافة العربيَّة، وتاليًا تقويضها، فـ”قدَّم ثقافته، بل فرضها ثقافةً عالميَّة، ثقافة للعالم المُتحضِّر”[42] حسب زعمه.

يتلقّف قسيمي هذه الأزمة، فيعبّر عنها بلسان شخصيّاته: “بعيدًا من الحروب والمجاعات وسقوط الأنظمة والأيديولوجيّات، واختراع كلماتٍ وألفاظ جديدة، وظهور الأنترنت، وقيام الثّورات، واختفاء مدن وظهور أخرى، فإنّ أهمَّ شيءٍ لم يُواكبْه عثمان بو شافع اختراعُ اسم العولمة، وهو شيء لو سأل عنه لاحقًا، لعلم أنّه يُشبه نزْع جِلد الوجه ولكنْ بألمٍ مُؤجَّلٍ إلى حين”[43].

تلك هي معاناة الإنسان العربيِّ، الّذي التحق فكريًّا وعلميًّا بالغرب. ولا شكّ أنّ هذا الالتحاق القسريّ، شكّل مأساةً عزّزت من شعوره بالاغتراب الوجوديّ، ولم يَترك له أملًا في إثبات حضوره الفاعل في المشهد الحضاريّ العامّ.

في ظلّ استمرار هذا التّفوّق التّقنيِّ والإلكترونيِّ، تفاقمت أزمة العلاقة بالغرب، فأصابت الشّخصيّة العربيّة بالانشطار، وبِتنا نرى المثقّف، في روايات قسيمي، كأنّه “مُنقطعٌ عن تراثه، يلجأ إلى رفد أفكاره بعقائدَ مُستوردةٍ، يُبلبِلُه زخم الغرب، والأدهى أنَّ هذا الزّخم يخلُق فيه حالةً فكريَّة، وأخلاقيّة مُضطربةً وغير مُطمْئنة”[44].

يبذل قسيمي أقصى جهوده لإظهار “العنف الفرنسيّ” الّذي عانت منه بلاده الجزائر. يظهر ذلك في روايته “الماشاء”، الّتي كشفت عن بعض أشكال ذاك العنف؛ فـ”بعد مذبحة العوفيّة لم أعُد قادرًا على البقاء في هذه الأرض، ولم يعُد إيماني بنُبل الأُمَّة الفرنسيّة راسخًا كما كان من قبل تلك المذبحة. أصبح واضحًا أنَّ قدومنا إلى هذه الأرض لم تكُن غايته إلّا استئصال أصحابها، والحلول محلَّهم. ومع هذا كُنتُ آمل لوجود رجالاتٍ لا زالت مبادىءُ الأخلاق تسري في عروقهم، وأن تنظُر فرنسا إلى عوراتها وتسترَها قبل أن تنحلَّ إلى الأبد”[45].

مقابل هذا الظّلم والاستبداد، الّذي كان يتعرّض له أبناء الجزائر أيّام الهيمنة الفرنسيّة، كشف قسيمي عن الضّعف الّذي عانت منه بلاده في مقاومة تلك العنجهيّة الغربيّة، وعجزها عن مواجهة المحتلّ. أظهرت روايته “هلابيل” هذا الأمر، من خلال الخطاب الّذي ورد على لسان “أحمد باي”، مؤكّدًا عجز الجزائريين عن المجابهة والتّصدّي؛ فـ”الحاج عبد القادر، مُؤمنٌ بقدرة الشَّعب على التَّحرّر وطرد الفرنسيين (…) ولكنَّه، وهذا أمرٌ أكيد، سيستفيق ذات ليلة ويُدرك أَّن حلمه لم يكُن أكثر من وهم”[46].

يكشف هذا الخطاب عن الرّوح الانهزاميّة التي سيطرت على الجزائريين، وقد حلَّ الرّضوخ محلّ التّمرّد والمقاومة، ما رسّخ إيمانهم بضعفهم، فتخطّت بذلك فكرة الاستسلام حدود الأعمال العسكريّة، والقدرة على القتال، لتصبح ذات فاعليّةٍ عالية ساهمت في تصدّع  الذّات على مسرح وجودها الإنسانيّ. لقد أدّت هذه الفكرة إلى إجهاض الفعل المقاوم، وتهاوي الثّقة بالذّات لدى الجزائريّين، ودفعتهم إلى الاعتراف بالهزيمة: “إنَّ “أحمد” أعقل من أن يتصوَّر أنَّه بمفرده سيتغلَّب على فرنسا بكلّ جبروتها، لا لأنَّها تقهر، بل لأنَّها جاءتنا مُتوحِّدةً شعبًا وحكومةً للنّيل منّا، أمّا نحن فنُقاومها بفُرقتنا وخلافاتنا (…) لهذا لم أحزن، ولم أُدهشْ لسقوط عنّابة، كما لن أدهشَ أيضًا لو سقطت الجزائر بكلّ بيالكها في يومٍ واحدٍ”[47].

يشرّع قسيمي الباب على مصراعيه ليسلّط الضّوء على أزمة “المقاومة”، فيثير إشكاليّة الحضور أو التّلاشي لمجتمع صار ممزّقًا على مستويات مختلفة.

ويبدو أنّ فرنسا استغلّت هذه الأزمة، فلجأت إلى وسائل مُتعدّدةٍ لتطمس تاريخ الجزائر، وتقضي على شخصيّتها، وتقطع ارتباط أهلها بأرضهم وبمجتمعهم، حتّى تسهّل أمامها مجالَ التّشتيت والتَّهجير، أو الاستسلام والتّملّك والاستغلال، خصوصًا أنّ أبناءها لم يجدوا رفيقًا يدعمهم، أو مُعترضًا يقف في وجه ذلك التّعسّف، فكانت تدابيرُ فرنسا ضدّهم رهيبةً مضمونًا وتنفيذًا”[48].

يتوقّف قسيمي، في روايته “هلابيل”، عند هذا التّدمير المعنويّ، بناءً على تهديد الفرنسيّين لقبيلة “الرّبيعة”، الّتي عوضًا من أن تتصدّى لهذا التّهديد، نجدها قد انكفأت عن المواجهة، لا لعجزها النّابع من عدم قدرتها على المواجهة المادّيّة، بل ممّا سيطر عليها من تقهقُرٍ معنويٍّ ونفسيّ: “أنت تعلم أنَّ قبيلتنا لا تعرف من أعمال الحرب والقتال إلّا ما تسمع عنها، لم نرث من أجدادنا إلّا المعاول والفؤوس والمناجل، فلم نكُن نحتاج لنزرع أرضنا لأكثر من هذه، أمّا السّيف والبارود فتركناهما منذ قرون. (وعندما سأل من يمثّلهم عن جديّة التّهديد الفرنسيّ): وماذا إن كان جادًّا في وعيده؟ (أجاب): يكون هذا قضاء الله.(وعندما سأل عن عاقبته): وتقبلُ الموت لقومك! (أجاب مستسلمًا): أقبله، ما دام قضاءَ الله”[49].

قد لا نجد انكفاءً أكثر خطورةً من هذا الانكفاء. إنّها هزيمة الإنسان من الدّاخل، وانكسار النّفس البشريّة، الّتي تُحيل كلّ ما يقع عليها من مآسٍ، إلى الإرادة الالهيّة، فلا تتطلّع إلى ما يمكن أن تمتلكه من قدراتٍ تؤهّلها لأن تصبح ذاتًا مقاومة، قادرةً على الهجوم والتّصدي، عوض أن تبقى ذاتًا متأهّبة دومًا لتلقّي الضّربات، ممّا يُغَيّب عنها أيّ فرصة محتملة للانتصار. هي هزيمة على مستوى تحديد الدّور الوجوديِّ “للذّات الحضاريّة”.

استغلّ الفرنسيّون هذا الوضع، فعمدوا إلى “طمس” الجزائر عن طريق القتل والفتك وتدمير المعالم الحضاريّة. توثّق رواية الما شاء هذا الواقع الأليم، فتُبرزه في الآراء المتطرّفة لـ”الدّوق”، الّذي “يطالب بإبادة الجزائريين عن بكرة أبيهم، ويقول مبتسمًا إنّنا لا نزيد عن الثّلاثة ملايين، يمكن إبادتنا واستبدالنا بعشرة ملايين أوروبيٍّ، ويدعم رأيه بما حدث ويحدث في القارّة الجديدة”[50].

وعدا عن فكرة “الإبادة الماديّة” الّتي تحدّث عنها المحتلّ الفرنسيّ، تولّدت لديه فكرة الإبادة “الثّقافيّة”، وطبّقها في تدنيسه للمقامات الدّينيّة والعبث بمحتوياتها: “حاولتُ جُهدي ألّا يُؤرقَني ما شهِدتُه من تدنيسٍ في حقّ الرّبِّ، حين أمر الكونتُ بتجريد المسجد من كلّ موجوداته وتحميلها إلى سفينته لِتُصبِح زاوية (…) سيدي فرج بعد ساعتين من دخولها، نصف ردم، بعدما كانت وقت وصولنا إليها تُحفةً من العمران”[51].تكشف هذه الصّورة عمّا هو أبعد من بسط نفوذ، أو سيطرةٍ سياسيّة وعسكريّة، وأبعد من سرقة ثروة، أو قتل المئات أو حتّى الآلاف. إنّها ببساطة، تفضح رغبة الغربيّ، ومحاولاتِه الحثيثةَ، تدميرَ حضارةٍ عريقة، وطمْسَ وجودها طمسًا كليًّا.

يعرف الفرنسيّون حقّ المعرفة ما يعنيه المسجد، سواء على مستوى رسم الهويّة، أو على مستوى الوعيّ بالذّات، لذلك استهدفوا – عن سابق تصميم وتصوّر – وجود هذه الرّموز بهدف تدمير تلك الذّات، والقضاء على الوعيّ بها.

هذه كانت واحدة من أساليبهم الكثيرة، الهادفة إلى تشويه الثّقافة العربيّة عمومًا، والإسلاميّة خصوصًا، فسعوا إلى إزالتها كليًّا والتّخلّص منها، لأنّهم – ربّما – رأوا فيها تهديدًا حقيقيًّا لوجودهم، فكثّفوا جهودهم في العمل على تعميق شعور الشّرقيّ بعجزه أمام جبروتهم. ولعلَّ هذا هو السّبب، الّذي ساهم في إخفاق الإنسان العربيّ، ومنعه من تطوير ذاته فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، فبقي عالقًا أمام عتبة التّغيير، بل أمام إخفاقاته في إثبات ذاته ووجوده.

 

الخاتمة

لا شكّ أنّ قسيمي حاول رسم ملامح المأزق الوجوديّ، الّذي يعاني منه مجتمعه، من خلال بيّناتٍ شديدة الدّلالة عليه. بدأ رسمه بمرارة، فبيّن انهزام المثقّف، وانسحابه، وانكفاءَه الكلّيَّ عن القيام بدوره الّذي يجب أن يؤدّيه للمساهمة في النّهوض العامّ. لقد انهزم المثقّف أمام السّلطات السّياسيّة والاجتماعيّة، وأمام سلطة التّقاليد الرّاسخة.

وتوسّع في إظهار العقل الغيبيّ، القائم على الإيمان بالسّحر، والتّنجيم والتّنبّؤ، وسيطرته على عقول فئاتٍ مختلفة من أبناء مجتمعه، فأغرقَ هذا الإيمانُ المجتمعَ في دوّامة من الأفعال البعيدة كلّ البُعد عن الأفعال القائمة على المنطق والعقل، وكشف أزمة الانسحاق الكلّيِّ أمام الأزمات والهزائم.

أظهر أخيرًا موقع “مجتمعه” الحضاريّ العامّ من خلال علاقته بالآخر الغربيّ، وشعوره الدّائم بالدّونيّة، وتسليمه بالهزيمة. تلك هي أسوأ أمارات التّدليل على مأزقه الوجوديّ. يطرح عبرها أسئلةً تتخطّى الحاضر إلى المستقبل، أكثرها إلحاحًا: هل سنبقى على هذه الحالة، أم سنخرج منها يومًا ما؟

المصادر والمراجع

– إبراهيم، صالح، أزمة الحضارة العربيّة في أدب عبد الرحمن منيف، المركز الثّقافيّ العربيّ للنّشر، بيروت لبنان، ط 1، 2004 م.

– الجابري، محمد عابد، إشكاليّات الفكر العربيّ المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت – لبنان، ط 7، 2016 م.

– الجنابي، حمزة عبيس، رؤية في النّقد الثّقافيّ، مقال في مجلّة جامعة المستقبل الإلكترونيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم الإعلام، العراق، 05/ 03/ 2022 م.

– الغرباوي، ماجد، النّقد الثّقافيّ… قراءة في المفهوم والدّلالات، صحيفة “المثقّف” الإلكترونيّة، 29 تشرين الثّاني 2020 م.

–            الهويّة والفعل الحضاريّ، مؤسّسة المثقّف العربيّ، سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة، دمشق – سوريا، ط 1، 2019 م.

– المعوش، سالم، الأدب وحوار الحضارات، المنهج والمصطلح والنّماذج، دار النّهضة العربيّة، بيروت – لبنان، ط 1، 2007 م.

– برادة، محمّد، الذّات في السّرد العربيّ، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2003 م.

– حجازي، مصطفى، الإنسان المهدور، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت – لبنان، ط 4، 2016 م.

–                  التّخلّف الاجتماعيّ، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت – لبنان، ط 4، 2016 م.

– حجازي، ياسر، ما بعد الثّقافة، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت – لبنان، ط 1، 2014 م.

– سلمان، نور، الأدب الجزائريّ في رحاب الرّفض والتّحرير، دار العلم للملايين، ط 1، 2010 م

– شرابي، هشام، أزمة المثقّفين العرب، دار نلسن، بيروت – لبنان، ط 1، 2002 م.

– عبيد، محمد صابر، المتخيّل الاستشراقيّ، الأنا والآخر في سرديّات سلطان بن محمّد القاسميّ، الدّار العربيّة ناشرون، بيروت – لبنان، ط 1، 2015 م.

– فيّاض، حسام الدّين، حول مفهوم النّقد الثّقافيّ: محاولة للتّأصيل، مجلّة “القنّاص”، بابل – العراق، 4 تشرين الثّاني   2025 م.

– قسيمي، سمير، الحالم، الدّار العربيّة، بيروت – لبنان، ط 1، 2012 م.

–                  تصريح بضياع، الدّار العربيّة، بيروت – لبنان، ط 2، 2010 م.

–                  كتاب الما شاء، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، بيروت – لبنان، ط 1، 2016 م.

–                  هلابيل، الدّار العربيّة، بيروت – لبنان، ط 1، 2010 م.

– مروّة، حسين، دراسات نقديّة في ضوء المنهج الواقعيّ، مكتبة المعارف، بيروت – لبنان، ط 1، 1988 م.

[1] – باحثة جامعيّة.

[2] – قسيمي، سمير: روائيّ جزائريّ، من مواليد العام 1974 م. في الجزائر، حاصل على إجازة في الحقوق، ويعمل محرّرًا عامًّا. له مؤلّفات عديدة، منها: “هلابيل”، “في عشق امرأة عاقر”، تصريح بضياع”، أمّا روايته “الحالم”، فقد وصلت إلى القائمة الطّويلة لجائزة الشّيخ زايد في دورة 2013 م.

[3] – الغرباوي، ماجد، الهويّة والفعل الحضاريّ، مؤسّسة المثقّف العربيّ، سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة، دمشق – سوريا، ط 1، 2019، ص. 197 وما بعدها. / الغرباوي، ماجد، النّقد الثّقافيّ… قراءة في المفهوم والدّلالات، صحيفة “المثقّف” الإلكترونيّة، 29 تشرين الثّاني 2020 م.

[4]  –  الغرباوي، ماجد، الهويّة والفعل الحضاريّ، مؤسسة المثقّف العربيّ، سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة، دمشق – سوريا، ط 1، 2019، ص. 197 وما بعدها. / الغرباوي، ماجد، النّقد الثّقافيّ… قراءة في المفهوم والدّلالات، صحيفة “المثقّف” الإلكترونيّة، 29 تشرين الثّاني 2020 م.

[5] – فيّاض، حسام الدّين، حول مفهوم النّقد الثّقافيّ: محاولة للتّأصيل، مجلّة “القنّاص”، بابل – العراق، 4 تشرين الثّاني   2025 م.

[6] – الجنابي، حمزة عبيس، رؤية في النّقد الثّقافيّ، مقال في مجلّة جامعة المستقبل الإلكترونيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم الإعلام، العراق، 05/ 03/ 2022 م.

[7] – قسيمي، سمير، الحالم، الدّار العربيّة، بيروت – لبنان، ط 1، 2012، ص. 280.

[8] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ن. ص. 281.

[9] – م. ن. ص. 281.

[10] – م. ن. ص. 281.

[11] – حجازي، مصطفى، الإنسان المهدور، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت – لبنان، ط 4، 2016، ص. 168.

[12] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 282.

[13]  – م. ن. ص. 275.

[14] – برادة، محمّد، الذّات في السّرد العربيّ، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2003، ص. 391.

[15] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 59.

[16]  – مروّة، حسين، دراسات نقديّة في ضوء المنهج الواقعيّ، مكتبة المعارف، بيروت – لبنان، ط 1، 1988، ص. 147.

[17]  – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 300.

[18]  – م. ن. ص. 300.

[19] – قسيمي، سمير، تصريح بضياع، الدّار العربيّة، بيروت – لبنان، ط 2، 2010، ص. 197.

[20] – م. ن. ص. 197.

[21] – قسيمي، سمير، هلابيل، الدّار العربيّة، بيروت – لبنان، ط 1، 2010، ص. 113.

[22] – حجازي، مصطفى، التّخلّف الاجتماعيّ، المركز الثقافي العربي، بيروت – لبنان، ط 4، 2016، ص. 108.

[23] – قسيمي، سمير، تصريح بضياع، م. س. ص. 35.

[24]  – م. ن. ص. 7.

[25]  – حجازي، مصطفى، التّخلّف الاجتماعي، م. س. ص. 74.

[26] – قسيمي، سمير، تصريح بضياع، م. س. ص. 7.

[27] – حجازي، مصطفى، الإنسان المهدور، م. س. ص. 308.

[28] – حجازي، مصطفى، التّخلّف الاجتماعيّ، م. س. ص. 156.

[29] – م. ن. ص. 155.

[30] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 235.

[31] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 236.

[32] – إبراهيم، صالح، أزمة الحضارة العربيّة في أدب عبد الرّحمن منيف، المركز الثّقافيّ العربيّ للنّشر، بيروت – لبنان، ط 1، 2004، ص. 109.

[33]  – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 236.

[34] – حجازي، مصطفى، التّخلّف الاجتماعيّ، م. س. ص. 74.

[35] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 238.

[36] – المعوش، سالم، الأدب وحوار الحضارات، المنهج والمصطلح والنّماذج، دار النّهضة العربيّة، بيروت – لبنان، ط 1، 2007، ص. 155.

[37] – قسيمي، سمير، كتاب الما شاء، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، بيروت – لبنان، ط 1، 2016، ص. 17.

[38]  – م. ن. ص. 18.

[39]  – عبيد، محمد صابر، المتخيّل الاستشراقيّ، الأنا والآخر في سرديّات سلطان بن محمد القاسمي، الدّار العربيّة ناشرون، بيروت – لبنان، ط 1، 2015، ص. ص. 59 – 60.

[40] – حجازي، ياسر، ما بعد الثّقافة، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت – لبنان، ط 1، 2014، ص. 69.

[41] – قسيمي، سمير، تصريح بضياع، م. س. ص. ص. 8 – 9.

[42]  – الجابري، محمد عابد، إشكاليّات الفكر العربيّ المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت – لبنان، ط 7، 2016، ص. 32.

[43] – قسيمي، سمير، الحالم، م. س. ص. 88.

[44] – شرابي، هشام، أزمة المثقّفين العرب، دار نلسن، بيروت – لبنان، ط 1، 2002، ص. 89.

[45] – قسيمي، سمير، الما شاء، م. س. ص. 133.

[46] – قسيمي، سمير، هلابيل، م. س. ص. ص. 185 – 186.

[47] – قسيمي، سمير، الما شاء، م. س. ص. 132.

[48] – سلمان، نور، الأدب الجزائريّ في رحاب الرّفض والتّحرير، دار العلم للملايين، ط 1، 2010، ص. 34.

[49] – قسيمي، سمير، هلابيل، م. س. ص. 169.

[50] – قسيمي، سمير، الما شاء، م. س. ص. 122.

[51] – قسيمي، سمير، هلابيل، م. س. ص. 136.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى