أبحاثالفلسفة والشريعة

مُقَاربَة نَقدِيّة في فَلْسَفة المنْهَج ومأْزق العُلوم الإنسانيّة المُعَاصِرة

مُقَاربَة نَقدِيّة في فَلْسَفة المنْهَج ومأْزق العُلوم الإنسانيّة المُعَاصِرة

A critical approach to the philosophy of method and the predicament of contemporary human sciences

د. مُحمّد عَبْد العَزيز يُوسف([1])

Dr.Mohammad Abdul Aziz Yousef

تاريخ الاستلام 12/ 11/ 2025                                 تاريخ القبول 24/ 12/2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

المُلخّص

لقد اعتمد التفكيرُ طويلًا على البرهان الرّياضيّ، إذ عُدَّ في الأصل النّموذج الأمثل لكلّ بحث علميّ، بالانتقال من البديهيّات إلى النّتائج الضّروريّة، غير أنّ الفكر العلميّ الحديث تجاوز هذا الإطار، إذ وجد أنّ النّموذج الرّياضيّ غالبًا ما يكون غير كافٍ لاستنباط الحقائق عن العالم التّجريبيّ.

أمّا العلوم الطّبيعيّة فترسخ مناهجها الخاصّة، بالاعتماد على المُلاحظة والتّجربة والاستقراء للكشف عن قوانين الطّبيعة، في مُقابل النّهج العقليّ البحتْ الذي يركز على الفكر وحده.

ويُبرز النصّ التّبايُن بَيْن العلوم الطّبيعيّة والعلوم الإنسانيّة، فبَيْنَما تخضع الظّواهر الطّبيعيّة لقوانين ثابتة، فإنَّ الظّواهر الإنسانيّة أكثرُ تعقيدًا وديناميكيّة، ومرتبطة بسياقاتٍ تاريخيّةٍ وثقافيّةٍ وذاتيّةٍ (كالقِيَم والغايات).

كذلك فإنّ منهج البرهان الرّياضيّ الصّارم غيرُ صالحٍ لفهم الواقع الإنسانيّ، إذ يحتاج هذا الأخير إلى مناهج تُراعي الأبعاد الاجتماعيّة والتّاريخيّة لفهم الإنسان وأفعاله. وهكذا تعجز الرّياضيّات البحتة والحتميّة الطبيعيّة عن الإحاطة الكاملة بمصادر التّجربة البشريّة.

كلمات مفتاحيّة:  المنهج -البُرهان – التّفسير الغائيّ- الظّاهرة الإنسانيّة- المرجعيّة الماديّة

Abstract

The method of thinking has long relied on mathematical proof, which was originally considered the model for all scientific inquiry, moving from primary truths (axioms) to necessary results. However, modern scientific thinking has moved beyond this, finding that the mathematical model is often inadequate for deducing truths about the empirical world.

The natural sciences establish their own ground and methods, relying on observation, experimentation, and induction to uncover the laws of nature. This contracts with a purely rational approach that focuses solely on the mind.

The central contrast is drawn between natural sciences and human sciences. Unlike natural phenomena, which are governed by fixed laws, human phenomena are complex, dynamic, and tied to historical, cultural and subjective contexts (like values, purposes).

Therefore, the rigorous, fixed-law approach of mathematical reasoning is fundamentally unsuitable for analyzing human reality, which requires methods focused on understanding social, historical, and experiential context to truly grasp the human being and their actions. Thus, the methodologies of pure mathematics and natural determinism fail to fully comprehend or trace the sources of human experience.

Keywords: Method -Demonstration-Teleological explanation -The human phenonmenon –Materialist reference framework

المقدّمة

لقد لَبِث النّاسُ حقبًا طوال وَهُم على ظنّ بأنّ المنهج في التّفكير واحد لا يتعدّد. فقد استحوذ البرهان الرّياضيّ على التّفكير العلمي، كائنًا ما كانت مادّة العلم. هذا المنهج الّذي يقوم على الاستدلال الرّياضيّ، حيث يبدأ من قضايا يُسلّم بها، ويسيرُ إلى قضايا أخرى تنتجُ عنها بالضّرورة، دون التجاءٍ إلى تجربة. فالعلم الرّياضيّ لا يَدلّ بذاته على الواقع الخارجيّ، ولكن صحّته مُنحصرة في صحّة الاستدلال من الفروض المُسَلّم بها.

ولو تقدّم صاحب فكرة إلى النّاس بفكرته، وأراد النّاسُ التّثبّت من صوابها، طالبوه بأن يردّ فكرته تلك إلى الأصول الّتي استخرجها منها.

إلى أن بدأت العلوم الطّبيعيّة تتّخذ لنفسها مكانًا لم يكن لها منذ بدء التّاريخ. هنا وُلد علمٌ جديدٌ ومنهج علمي جديد، وأصبحت الأَسناد الّتي يستندون إليها فيما يقرّرونه عن الكائنات والظّواهر، ليست هي أن يرتدّوا إلى نصّ في كتاب، بل هي أن يرجعوا إلى ما يُمكن مشاهدته في الظّواهر الطّبيعيّة كما تدركها الحواس. حيث نَبْدَأ من موضوعات تفرض نفسها من الخارج على العقل أوّلًا، وعلى هذا العقل – بعد ذلك – أن يُفسّرها أو يصفها، وتُمنح الأولويّة فيها للتّجربة وتحصر دور العقل في التّحليل والتّركيب وضرورة وقوف البحث العلميّ عند حدّ الكشف عن العلاقات الّتي تربط الظّواهر، أي القوانين.

إلّا أنّ هذه المناهج عجزت عن قراءة أو تحليل الظّاهرة الإنسانيّة، ظاهرة الإنسان الإنسان، هذا الكائن الإلٰهي المحفوف بالغموضِ والأسرار. حيث يمتلك إرادة حُرّة يمكنه بها أن يُغيّر المسار السّببيّ للأشياء، فكيف نتصوّر بعد ذلك أنّه هو نفسه خاضع للرّوابط السّببيّة…

بناء على ذلك، فإنّ للعلوم الإنسانيّة – كما للظّواهر الطّبيعيّة تمامًا – ظروفًا خاصّة تحول بينها وبين اصطناع المناهج العلميّة المعروفة في باقي العلوم، منها أنّ الاطّراد في الحياة الإنسانيّة أقلّ ظهورًا من الاطّراد في ظواهر الطّبيعة.

وإذا كان العلم الطّبيعيّ قد تجاوز منذ زمانٍ طويلٍ التّفسير الغائيّ للكون، فإنّنا لا نستطيع أن نتجاوز هذا في العلوم الإنسانيّة لأنّ الإنسان والمجتمع يتّبعان غايات، ويتحرّكان وفقًا لقيم. وثمّة مناهج أخرى في مقابل الاختزال الوضعيّ للمنهج العلميّ الرّياضيّ أو الطّبيعيّ، ثمّة مناهج أخرى للمعرفة العلميّة تبدأ من المُلاحظة امتدادًا إلى الحسّ التّاريخي والوعي الذّاتيّ، والبصيرة والحدس، والفهم الكَيْفيّ في السّياق الثّقافيّ الاجتماعيّ التّاريخيّ والخبرة الإنسانيّة.

وعليه، إذا كانت الظّواهر الطّبيعيّة تنشأُ عن علّةٍ أو عللٍ يسهل تحديدها وحصرها، ويسهل بالتّالي تحديد أثر كلّ علّة في حدوثها وتحديد هذا الأثر تحديدًا رياضيًّا، وإذا كان الاستدلال الرّياضيّ يصل إلى نتائج انطلاقًا من مقدّمات مُسَلّمٍ ومقطوع بصحّتها، فإنّ الظّواهر الإنسانيّة يصعبُ تحديد وحصر كلّ أسبابها.

 

المبحث الأوّل: قراءة في فلسَفَة المنهج

المنهج، هذا اللّفظ كلمة يستعملها أفلاطون بمعنى البحث أو النّظر أو المعرفة، كما هي موجودة كذلك عند أرسطو أحيانًا كثيرة بمعنى “بحث”، والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدلّ على الطّريق أو المنهج المؤدّي إلى الغرض المطلوب. و”لكنه لم يأخذ معناه الحالي، أي بمعنى أنّه طائفة من القواعد العامّة المصُوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم، إلّا ابتداءً من عصر النّهضة الأوروبيّة، حيث تمّت الخطوة الحاسمة في سبيل تكوينه (أي المنهج)([2]).

فيكون في كتابه “الأورغانون الجديد” صاغ قواعد المنهج التّجريبي بكلّ وضوح. وديكارت حاول أن يكتشف المنهج المؤدّي إلى حُسْن السَّير بالعقل، والبحث عن الحقيقة في العلوم كما يدلّ على ذلك نفس عنوان كتابه “مقال في المنهج”. وأتى أصحاب “منطق بور رويال” فعنوا بتحديد المنهج بكلّ وضوحٍ على أنّه “فنَّ التّنظيم” الصّحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إمّا من أجل الكشف عن الحقيقة، حين نكون بها جاهلين (التّحليل)، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين، حين نكون بها عارفين (التّركيب)([3]).

لقد كان عصرُ النّهضة الأوروبيّة بالفعل الحدّ الفاصل – مع استثناءات قليلة ظهرت في جماعة من العلماء العرب – في تشكُّل فكرة “المنهج” حيث كان طريق البُرهان الرّياضي مُستحوذًا على التّفكير العلميّ، كائنًا ما كانت مادّة العلم، لا فرق في ذلك بَيْن علمٍ يبحثُ في الهندسة وثانٍ يبحث في الكيمياء وثالثٍ يبحثُ في طرائق السّلوك البشريّ، ففي كلّ هذه الحالات جميعًا، لا بُدَّ أن يكون بَيْن أيدينا مجموعة من المسلّمات الّتي نقبلها كما نقبل الأساس الّذي يُقام عليه البناء، ثمّ تأتي بعد ذلك عمليّة التّفكير العلميّ، وهي أن نستنبط من تلك المُسلّمات ما يجوز لنا استنباطُه، وما دامت المُسلّمات الأولى مقطوعًا بصحّتها، فالنّتائج الّتي نستنبطها منها تكون مقطوعًا بصحّتها كذلك. وفي إطار هذا المنهج الوحيد، لو “تقدّم صاحب فكرة إلى النّاس بفكرته، وأراد النّاس التثبّت من صوابها، طالبوه بأن يردّ فكرته تلك إلى الأصول الّتي استخرجها منها، شريطة أن تجيء تلك الأصول من المُسَلّمات الّتي يضعها هؤلاء النّاس من أنفسهم موضع التّسليم، ومهما تكثر الخطوات الّتي يرتدّ بها المحقّق من الفكرة المزعومة إلى أصولها الأولى، فلا بُدَّ أن تكون الرّابطة وثيقة بَيْن كلّ خطوة والخطوة السّابقة عليها، إلى أن يبلغ المُحقّق نُقطة الابتداء من المُسَلّمات، وليس علمًا ما يقوله قائل بغَيْر إسنادٍ من هذا القبيل”([4]).

فماذا عن المنهج الرّياضيّ إذًا؟

البُرهان أو المنهج الرّياضيّ هو دائمًا ردّ النتيجة المراد البرهنة عليها إلى الأصل الذي استخرجناها منه، حيث لا بُدَّ لعلماء الرّياضة أن يسلكوا الطّريق الّذي يبدأ بالمُسَلّمات ثمّ يخرج منها بالنّتائج. كما هي الكثرة الغالبة من أصحاب التّفكير العلميّ من رجال الفقه ورجال علوم اللّغة، ومن علماء الكلام ومن أصحاب المذاهب الفلسفيّة. كلّ هؤلاء لا بُدَّ أن ينتهجوا الطّريق نفسه في التّفكير، وهو التّفكير الّذي يبدأ بما ليس هو موضوعًا لجدل، لينصرف جهدُهم في استخلاص النّتائج فقط دون إمكان الشّكّ في الأصول الّتي انتزعت منها النّتائج. وهذا يُشبه من يسيرُ في أرضٍ راسخةٍ مستوية وفي طريق مُمَهّل مستقيم يراهُ أمامه في سعته بكلّ وضوح، إلى غايةٍ معلومةٍ إلى حدّ ما.

الاستدلال الرّياضيّ إذًا، هو البُرهان الذي يبدأُ من قضايا يُسَلّم بها، ويسير إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضّرورة، دون التجاء إلى التّجربة، وهذا السّير إمّا بواسطة القول أو بواسطة الحساب. فالرّياضيّ الّذي يُجري عمليّات حسابيّة دون إجراء تجارب، يقوم بعمليّة استدلال. والاستدلال كمنهج “هو عبارة عن التّسلسل المنطقيّ المُنتقل من مبادئ وقضايا أوليّة إلى قضايا تُستخلصُ منها. وذلك في مقابل المنهج الاستقرائيّ أو التّجريبيّ القائم على المُلاحظة والتّجربة، والطّابع المُميّز الرئيسي في كلّ استدلالٍ هو الدّقّة”([5]).

في هذا السّياق، لا بُدَّ من التّمييز بَيْن الاستدلال والبرهنة. فـ”الاستدلال عمليّة منطقيّة فيها ننتقل من قضايا منظورًا إليها في ذاتها (بصرف النّظر عن صدقها أو كذبها) إلى قضايا أخرى ناتجة عنها ووفقًا لقواعد منطقيّة خالصة، أمّا البرهنة فأخصّ من الاستدلال، إذ هي استدلال يُراعَى فيه التّسليمُ بصدق المُقدّمات، وبالتّالي يرمي إلى إثبات صحّة النّتيجة”([6]).

فالاستدلال لا يُحدثنا عن صدق النّتائج، وإنّما عن صدورها ضرورة عن مقدّمات معلومة، أمّا البرهنة فتخبرنا بصدق ما نصل إليه من نتائج لأنّها تقوم على التّسليم بصدق المقدّمات. وفي كلتا الحالتَيْن “لا رَيْبَ في إمكان العَوْدة للبديهيّات الّتي صدرت عنها الاستدلالات”([7]).

بالإضافة إلى ذلك، إنّ وحدة التّفكير الرّياضيّ (القائم على الاستدلال) تحليليَة، فالعلوم الرياضيّة إذن قائمة على بنية تحليليّة. أي إنّ المعادلة الرياضيّة – مثلًا – لا تذكر في شطرها الآخر إلّا ما كانت ذكرته في شطرها الأوّل، مع اختلافِ الرّموز المُستخدمة في كلّ من الشّطرَيْن، اي إنّ الشّطر الآخر من المعادلة الرّياضيّة هُو هُو الشّطر الأوّل بعد أن استبدل ثوبًا بثوب برغم اختلاف الرّموز الدّالّة على الحقيقة الواحدة في الحالتَيْن. فإذا سأل سائل وقال: “ما الذي أدرانا أنّ هذه معادلة صحيحة كان الجواب في هذه الحالة في أن نراجع معه الطّريقة الّتي حلّلنا بها أحد الشّطرَيْن تحليلًا يضع عناصره بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ في الشّطر الآخر”.

ويتميّز التفكير الرّياضي بوضع فروض يُطلب التّسليم بها، و”تقوم على أساس الابتداء من عددٍ من الموضوعات والقضايا من أجل تركيب موضوعات جديدة موجودة منطقيًّا، بواسطة العمليّات المنطقيّة وحدها، ومن أجل استنتاج قضايا جديدة”([8]). أقول إنّ الباحث يُريد أن يُقيم على تلك الفروض نتائجه، بحيث لا يجوز للنّاقد بعد ذلك أن يوجّه نقده إلى الفروض نفسها، بل عليه أن يحصر نقده عندئذٍ في طريقة استدلال النّتائج من تلك الفروض، فإذا لم يكن البناء الفكريّ كلّه مقبولًا عند ناقديه، فسبيلهم هو أن يعيدوا هُم البناء على فروض أخرى يضيعونها ليخرجوا منها نتائج مُختلفة عن نتائج البناء المرفوض. والفروض الّتي يضعها صاحب التّفكير الرّياضيّ، ليست هي محلّ النّقاش والجدل، بل هي بمثابة قولنا “إذا” كان الأمر كذا وكذا فإنّ النّتائج تكون كيت وكيت، والجملة المسبوقة بأداة الشّرط “إذا” لا يدّعي قائلها أنّها دالّة على حقيقة فعليّة، فقولك مثلًا: “إذا نزل المطر فسأضطر إلى المُكث في منزلي”، يُرتّب نتيجة على فرض نزول المطر، دون أن يزعم بأنّ المطر قد نزل أو أنّه سوف ينزل حتمًا، بل إنّ النتيجة مرهونة بحدوث هذا الفرض “إذا” حدث.

فالعلم الرّياضيّ لا يدلّ بذاته على الواقع الخارجيّ، ولكنّ صحّته مُنحصرةٌ في صحّة الاستدلال من الفروض المُسلّم بها، مع إمكان تغيير تلك الفروض إذا أردنا أنْ نُقيم بناءً رياضيًّا ثانيًا، ثمّ تغييرها مدّة أخرى لنُقيم بناءً رياضيًّا ثالثًا، فرابعًا، فخامسًا. فـ”الرّياضيّون إذًا لا يدرسون موضوعاتٍ، بل إضافات ونسبًا بَيْن الموضوعات، لذلك لا يعنيهم أن يستبدلوا بهذه الموضوعات غيرها، فالمادّة لا تعنيهم، إنّما الصّورة وحدها هي الّتي تهمّهم”([9]). وليس هذا المنهج الرّياضيّ مقصورًا على العلوم الرّياضيّة بالمعنى الضّيّق للعبارة، بل إنّه منهج يستخدمه العقل البشريّ في مجالات أخرى كثيرة، من شأن الباحثين فيها أن يبدأوا السّير ممّا هو مُسلّم بصوابه، إمّا تسليمًا قائمًا على مجرّد افتراض، أو تسليمًا قائمًا على أسسٍ أخرى، ثُمّ يصرف هؤلاء الباحثين جهودهم الفكريّة بعد ذلك في عمليّة استخراج النّتائج الّتي تلزم عن تلك البداية التي كانت موضع التّسليم أوّل الأمر.

وبعد، لقد لبث النّاسُ فتراتٍ طوالٍ وهُم على ظنّ بأنّ المنهج في التّفكير العلميّ واحد لا يتعدّد حتى سلخ التّاريخ من شوطه نحو عشرين قرنًا، أي منذ أرسطو في القرن الرّابع قبل الميلاد، حتّى ما يقرب من القرن السّادس عشر الميلادي، مع استثناءات على الطّريق كالّتي حدثت على أيدي نفرٍ من عُلماء العرب. وبدأت العلوم الطّبيعيّة، منذ عصر النّهضة الأوروبيّة – كما ورد سابقًا بشكل تقريبيّ – تتّخذ لنفسها مكانًا لم يكن لها منذ بدء التّاريخ.

هُنا وُلد علمٌ جديد ومنهج علمي جديد، وكان موضع الجدّة هو أن استبدل العلماء قراءة الطّبيعة بقراءة الصّفحات، وأصبحت الأسناد الّتي يستندون إليها فيما يُقرّرونه عن الكائنات والظّواهر، ليست هي أن يرتدّوا إلى نصّ في كتاب، بل هي أن يرجعوا إلى ما يُمكن مشاهدته في الظّواهر الطّبيعيّة كما تدركها الحواس. وهذا هو المنهج التّجريبي موضوع وقفتنا التّالية.

لقد تبيّن لنا في الحديث عن المنهج الاستدلالي أنّه يقوم على أشياء من خلق العقل وأنّه تحصيل حاصل مُستمرّ، وأنّ الصُّوريّة المنطقيَّة هي الطّابع الحقيقيّ للرّياضة وبالتّالي للاستدلال الرّياضيّ. بينما نجدُ على العكس من ذلك أنّنا في حالة العلوم الطّبيعيّة نبدأ من موضوعات تُوجد في التّجربة الخارجيّة أي لا تُقنص من العقل بل تفرض نفسها من الخارج على العقل أوّلًا، وعلى هذا العقل – بعد ذلك – أن يُفسّرها أو يَصفها، فمن المُمكن التّمييز بَيْن كِلَا المنهجَيْن على أساس أنّ المنهج التّجريبي موضوعه الوقائع الخارجيّة، بينما المنهج الاستدلالي موضوعه المخلوقات العقليّة إن صحّ هذا التّمييز. فالمنهج التجريبي بمعنى عام هو المنهج المُستخدم عن البدء من وقائع خارجة عن العقل، سواء أكانت خارجة عن النّفس إطلاقًا، أم باطنة فيها كذلك كما في حالة الاستبطان لكي نصفَ هذه الظّواهر الخارجة عن العقل ونفسّرها. وفي تفسيرها نهيبُ بالتّجربة باستمرار، ولا نعتمد على مبادئ الفكر وقواعد المنطق الصُّوريّة وحدَها. ويقوم المنهج التّجريبي أوّل ما يقوم على مشاهدة ما يجري في عالم الواقع، ليقترح العلماء نظريّات في ضبط الطّريقة الّتي تطّرد بها أحداث ذلك العالَم الواقعيّ فتكون منها قوانين العلوم.

بصيغةٍ أخرى، للمنهج التّجريبيّ خطواتٌ ثلاث، فالخطوة الأولى: تُسمّى خطوة التّعريف والتّصنيف أو مجرّد الوصف البسيط، أي هي ما اصطلح عليه بعبارة “الملاحظة”. والخطوة الثّانية: هي ألّا يقتصر الإنسانُ على أن يعرّف حالة الشّيء بل ينتقل منها إلى بيان الرّوابط والإضافات الموجودة بَيْن طائفة من الظّواهر المتشابهة. هنالك يقوم العالِمُ بعمليّة تفسير لا تقتصر على مجرّد الوصف كما في الخطوة السّالفة، فهذا التّفسير يقتضي منه أوّلًا أن يُشاهد هذه الظّواهر وأن يتلو هذه المشاهدة بوضع الفروض التي يُمكن أن تكون قضيّة تفسيريّة لمجموع هذه الظّواهر. وثالثًا: عليه بعد ذلك أن يمتحن صحّة هذه الفروض بإجراء التّجارب الّتي إمّا أن تثبت هذه الفروض مباشرة أو أن تؤدّي إلى إثبات قضيّة تكفي صحّتها لإثبات صحّة الفروض المطلوب امتحان الصحّة فيها. فالمُلاحظة والفروض والتّجريب هي إذن الفقرات الثلاث المكوّنة لسلسلة المنْهَج التّجريبيّ.

وبعد، لقد “قام المنهج التّجريبيّ على نقطةٍ بديهيّة هي أن الحواس مصدر للمعرفة وأنّ صدق الحكم في مطابقته للواقع من خلال الحواس، وبالتّالي تمّ التّوجّه إلى كلّ ما يُمكن التّحقّق من صدقه في الواقع المشاهَد والعالَم المُدرَك”([10]).

والمنهج التّجريبيّ يصوغ معظم فرضيّاته صياغة رياضيّة، وعلى العالِم أن ينتقل وسط صياغات رياضيّة معقّدة تنتهي به على نتيجة يُمكن أن تخضع للملاحظة. وهنا يتّضح دور المُلاحظة والتّجربة في مُطابقة آخر ما وصلنا إليه من نتائج مُستنبطة من الفرضيّات مع الوقائع، فـ”إذا ما تحقّقت الفرضيّة فإنّها لا تتّسم بالضّرورة باليقين، وإنّما تُوصف بأنّها أفضل تفسير مُمكن في الوقت الحاضر لظاهرةٍ مُعيّنة، وما دام هذا مُمكنًا فهو احتماليّ بمعنى أنّنا نميل إلى تصديقه أكثر من إنكاره”([11]). والعالِم المستوفي لكلّ شروط العلم – إن صحّ التّعبير – هو ذلك الّذي يجمع بَيْن النّظريّة والتّطبيق التّجريبي في نفس الوقت. أيّ يُلاحظ واقعةً ما، وتولدُ فكرةٌ مُعيّنة في ذهنه بصدد هذه الواقعة، ثمّ يفكّر انطلاقًا من ذلك ويُقيم بتجربة، ثمّ تنتج عن هذه التّجربة ظواهر جديدة تفرض على العالِم مُلاحظتها من جديد وهكذا دواليك. ولا قيمة للمُلاحظة والتّجربة من النّاحية المنهجيّة إلّا إذا وُجدت الفرضيّةُ الّتي تنظم الظّواهر موضوع المُلاحظة والتّجربة وتفسّرها تفسيرًا علميًّا. فالفرضيّة عبارة عن مُحاولة للتّفسير تربط بَيْن عددٍ من المُلاحظات والتّجارب، وتكشفُ عن بعض العلاقات الثّابتة بَيْن تلك المُلاحظات الّتي يتضمّنها سلوك مجموعة من الظّواهر أو الوقائع.

بعد إثبات صحّة الفرضيّة تبدأ عمليّة التّجريب بالمعنى الدّقيق، و”يُصبح موضوع التّجريب هنا هو بحث وبيان العلاقة بَيْن حالاتٍ جزئيّة وصدق الفرضيّة والوصول للقانون، ويتمّ التّحقّق من صدق الفرضيّات بالطّرق الاستقرائيّة الّتي تعتمد على المُلاحظة والتّجربة كأساسٍ لها”([12]).

ولعلّه ليس من باب التّرف الوقوف عند إسهامات علماء عرب في التّأسيس لهذا المنهج. فقد استخدمه ابن الهيثم حيث يقول وهو بصدد بحث كيفيّة الإبصار: “نبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفّح أحوال المبصرات، وتمييز خواص الجزئيّات، ونلتقط باستقراء ما يخصّ البصر في حال الإبصار، وما هو مطّردٌ لا يتغيّر، وظاهر لا يشتبه من كيفيّة الإحساس. ثمّ نترقى في البحث، والمقاييس على التّدريج والتّرتيب، مع انتقاد المقدّمات، والتّحفّظ في النتائج. ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفّحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرّى في سائد ما نُميّزهُ وننتقدهُ طلب الحقّ لا المَيْل مع الآراء، فلعلّنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحقّ ونصل بالتّدريج والتّلطّف إلى الغاية الّتي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النّقل والتّحفظ بالحقيقة الّتي يزول معها الخلاف ويتجسّم بها مواد الشبهات”([13]). لقد حدّد إبن الهيثم الشّرط الأساسيّ في البحث العلميّ الحديث، وهو أن يكون غرض الباحث طلب الحقيقة دون تأثّر برأي أو عاطفة سابقة، وأنّ على العالِم الّذي يستخدم هذا المنهج – التّجريبيّ – أن يقوم بالتّجارب. كما يؤكّد أهميّة هذا المنهج كذلك جابر بن حيّان عندما يقول: “… فمن كان دربًا، كان عالِمًا حقًّا، فمن لم يكن دربًا، لم يكن عالِمًا. وحسبك بالدّربة في جميع الصّنائع”([14]). والدُّربة عند جابر بن حيّان تعني التّجربة.

 

وهذا “روبر بيكون” ينقل منهجيّة العلم العربيّ فيُشيد بالتّجربة وينصح معاصريه بقراءة كتب الفارابي الّذي كان يضعه إلى جانب بطليموس وإقليدس، في صفّ واحد. وهذا “ويتليو” يصنف كتابًا في البصريّات عام 1270 يعتمد فيه اعتمادًا كليًّا على إبن الهيثم.

لقد كان العرب يُمثّلون في القرون الوسطى التّفكير العلميّ والحياة العلميّة، ولم يُهملوا المُختبرات العلميّة والتّجارُب الصّبورة. وقد “ورثت أوروبا عنهم – إلى حدّ ما – ما ترغب أن تُسمّيه بـ”روج بيكون” التي تطمحُ إلى توسيع حكم الإنسان على الطّبيعة”([15]). وقد ظلّت العلوم العربيّة سائدة في أوروبا، تُشكّل جزءًا ممّا وصلت إليه المعرفة البشريّة، لمدّة ستة قرون، من القرن العشر إلى  القرن السّابع عشر وأجزاء من القرن الثامن عشر.

وبعد، لقد جاء المنهج التّجريبيّ ليُبَيّن مدى قُدرة الإنسان على تفسير ظواهر الطّبيعة تفسيرًا يتّسق على الأقل، مع مُعطيات الواقع، إنْ لم يُعبّر عن حقيقته وجوهره حيث تُمنح الأولويّةُ فيه للتّجربة ويُحصر دور العقل في التّحليل والتّركيب وضرورة وقوف البحث العلميّ عند حدّ الكشف عن العلاقات الّتي تربط الظّواهر، أي القوانين.

غير أنّ القضيّة العامّة الّتي يصل إليها الباحث التّجريبيّ، أو المبدأ الّذي يستند إليه، يبقيان نِسبِيّين ومُؤقّتين، لكونهما يُعبّران عن علاقات مُعقّدة ليس في وسع الباحث قط الجزم بأنّه مُسلّم بهما تمام الإلمام. ومن هنا يظلّ الاستنتاج في العلوم التّجريبيّة، مهما كان مُتماسِكًا من النّاحية المنطقيّة، عُرضة للشّكّ، كما يبقى المبدأ الّذي يستند إليه غير يقيني لأنّه ليس صادرًا، كما هو الشّأن في المنطق والرّياضيّات، عن مُطابقة الفكر لنفسه. ولذلك كان من الضّروري، بالنّسبة للباحث في الطّبيعة، الرّجوع إلى التّجربة للتأكّد من صحّة ما أسفر عنه استدلاله من نتائج.

المنهج التّجريبي، إذًا، هو عبارة عن مسلسل من الأفكار والإجراءات العمليّة التّجريبيّة يهدفُ إلى الانتقال، تجريبيًّا ومنطقيًّا، بالفرضيّة إلى القانون. إنّه يبدأ – كما ورد – بجملةٍ من الفروض لينتهي عبر المُلاحظة والتّجربة والمُحاكمة الذّهنيّة إلى جملة من النّتائج يعبّر عنها تعبيرًا رياضيًّا، في الغالب، على شكل قانون علميّ.

وعليه فإنّ المنهج التّجريبيّ في أرقى صُوَره، بل في صورته الحقيقيّة، هو عبارة عن خطوات فكريّة وعمليّة تبدأ بافتراض فروض وتنتهي إلى إخضاع النّتائج التي تُستخلص منها، منطقيًّا، للتّجربة قصد التّأكّد من صحّتها، أي صحّة تلك الفروض.

كما أنّه منهج المادّة والطّبيعة حيث يعجز أحيانًا عن قراءة أو تحليل الظّاهرة الإنسانيّة، ظاهرة الإنسان، الكائن الإلٰهي المحفوفِ بالغموضِ والأسرار.

 

المبحث الثّاني: سُؤال المنهج في العلوم الإنسانيّة

لدى مجموعةٍ من فلاسفة العلم وجهة نظر تقول إنّ للعلوم الإنسانيّة ظروفًا خاصّة تحول بَيْنَها وبَيْن اصطناع المناهج العلميّة المعروفة في علوم الطّبيعة، منها أن الاطّراد في الحياة الإنسانيّة أقلّ ظهورًا من الاطّراد في ظواهر الطّبيعة، فلئن كانت ظواهر الطّبيعة تقع على أنماط يُمكن إدراكها واستخراج القوانين العلميّة الّتي تحكمها، فإنّ أفراد البشر ومُجتمعاتهم لا يطّرد سيرها على مثل هذا المنوال المُتجانس، ومنها أنّه من المُمكن لعلماء الطّبيعة أن يُعيدوا حدوث الظّاهرة الّتي يضعونها مَوْضع بحث، وقتما يَشاءون في معاملهم. وأمّا الظّواهر الإنسانيّة فكثيرًا ما تنفرد بالحدوث مرّة واحدة ثمّ لا تعود ولا هي ممّا يُمكن إعادته.

كما تقول وجهة النّظر هذه أيضًا أنّ للإنسان إرادةٌ حُرّة يُمكنه بها أن يُغيّر المَسار السَّببيّ للأشياء، فكيف نتصوّر بعد ذلك أنّه هو نفسه خاضع للرّوابط السّببيّة، وأنّ التّجارب التي نُجريها في المعامل على الجماد والنّبات والحيوان، مُحال – كما تقول وجهة النّظر هذه – أن نجري مثلها على الإنسان، وأنّ الإنسان حتى لو ضبطنا قوانين سلوكه، فإنّما نضبطها في مجال حضارة بعينها، وعصرٍ مُعيّن، ومُجتمع مُعيّن، بحيثُ لا نستطيع التّوسّع في تطبيقها لتشمل العالمين جميعًا في كلّ مكان وفي كلّ عصر من الزّمان. كما يؤكّد أصحابُ وجهة النّظر ذاتها أنّ الّذي ساعد العلوم الطّبيعيّة على التّقدّم والدقّة، هو الأجهزة القياسيّة الّتي عن طريقها يُمكن تحويل المُدركات إلى أرقام وصِيَغ رياضيّة، وأنّ ذلك كلّه مستحيل بالنّسبة إلى الإنسان.

إذا كانت مقوّمات العالَم هي الذرّات الّتي يُريد العلم أن يحسب مقاديرها ليضعها في دالاتٍ رياضيّة، فأين عسانا أن نضع في عالم كهذا معاني كالحريّة والمُساواة، وأين نضع المثل العليا الّتي يصبو الإنسانُ إلى تحقيقها؟

يقول أنصار المنهج العلميّ إنّه لا بُدَّ من صياغة القوانين الّتي تُتيح لنا أن نتنبَّأ بما سوف يقع في الظّروف المُعيّنة، وأن تُتيح لنا إيجاد ما نُريد إيجاده بعد أن لم يكن، أفيكون معنى ذلك أنّه لا جديد يُضاف إلى الإنسان وإلى العالَم ممّا يَستحيل اليوم أن نتنبَّأ به على أساس ما قد كان؟

ليس الإنسان عقلًا كُلّه، بل هو مزيجٌ من عقل ولا عقل – كالوجدانيّات والرّغبات والشّهوات – ولكلّ من العقل واللّاعقل أهمّيته. وإنّ غاية الغايات الّتي ينشدها إنسانٌ لنفسه هي أن يكون كائنًا حُرًّا، وهذه الحُرّيّة النّفسيّة إنّما يوصل إليها عن الطّريقَيْن كِلَيْهِما: العلم والوجدان، فبالعلم نعرف قوانين الظّواهر الطّبيعيّة فنمسك بزمامها لتكون طوع ما نُريده منها. وبالوجدان نفكّ قيودًا أُخرى لنتحرّر، فالتّسامي فوق حدود الأنانيّة الضّيّقة، والتّرفّع – إذا شاءت عزيمتنا – عن قيود الحاجة، كالصّوم حينًا عن الطّعام والشّراب، والإنفاق في سبيل الخير العام، وما إلى ذلك من نواحٍ إيمانيّة في حياتنا، كلّ ذلك ضروبٌ من الحرّيّة تحقّقها لنا نوازع أُخرى في قلوبنا غير العقل ومنهجه.

لذلك، يُمكن القول بأنّ مُقاربة الظّواهر الإنسانيّة يجب أن تجمع بَيْن المُلاحظة الإمبريقيّة واللّحظة الحدسيّة، وبَيْن التّراكم المعرفيّ والقفزة المعرفيّة، وبَيْن المُلاحظة الصّارمة والتّخيّل الرّحب، وبَيْن الفهم الحدسيّ للكلّ والدّراسة التّجريبيّة للأجزاء والتّفاصيل، وبَيْن الحياد والتّعاطف، والانفصال والاتصال. وهذا يفتح مجال البحث العلميّ من خلال الخيال الإنسانيّ، ومقدرته على التّركيب، وعلى اكتشاف العناصر والعلاقات الكامنة، لكن في الوقت نفسه يجب كبح جماح هذا الخيال بجعل النّتائج خاضعة لاختبار.

رُبّما لا يكون ذلك كفيلًا بأن يضع حلًّا للمُشكلة الّتي تواجه العلوم الإنسانيّة، أي الإفراط في تصديق الحدس الذّاتي المُنفصل عن أيّ واقع، أو العكس، أي الإفراط في الاهتمام بالتّفاصيل والجزئيّات المُنعزلة عن أي مفهوم للكلّ. إنّ ذاتيّة الحدس ليست كافية، تمامًا مثل موضوعيّة التّجريبيّة، إذ لا بُدَّ أن يكون هناك تفاعل بَيْن الذّات والموضوع وبَيْن الكلّ والجزء وبَيْن الحدس المُباشر من جهة، ومن جهة أخرى التّحليل العقليّ والرصد الموضوعيّ الصّارم.

إنّ المنهج ليس مُجرّد آليّات وإجراءاتٍ مُجرّدة بريئة، بل هو آليّات وإجراءات تتضمّن تحيّزات مُحدّدة وأعباء إيديولوجيّة. فالباحث الّذي لا يؤمن باختلاف الإنسان عن الطّبيعة يقوم برصد الظّواهر الإنسانيّة كما يرصد الظّواهر الطّبيعيّة، فهو لا يُفرّق بَيْنهما، وهو في العادة يؤمن بما يُسمّى وحدة العلوم، وأنّ المناهج المُستخدمة في رصد الإنسان لا تختلف عن تلك المُستخدمة في رصد عالم النّحل والفِئران. أمّا الباحث الذي يؤمن باختلاف الإنسان عن الطّبيعة فإنّه يعرف أنّه حينما يرصد سلوك جماعة من الدّجاج فإنّ هذا يختلف تمام الاختلاف عن رصد سلوك أسرة بشريّة، وأنّ رصد سقوط حجر من الطّابق الرّابع يختلف عن رصد سقوط طفل من الدّور نفسه. وحينما يدرس باحثٌ ماركسيّ حقبة ما فإنّه سيركّز على عناصر بعينها دون غيرها، وحينما يقرأ “جاك دريدا” نصًّا أدبيًّا مُتّبعًا المنهج التّفكيكيّ، فإنّ هذه القراءة ستختلف تمام الاختلاف عن قراءة ناقد يتّبع المنهج البنيويّ، وقراءة هذا الأخير ستختلف عن قراءة ناقد أدبي يتّبع المنهج الإنسانيّ الهيومانيّ، أيّ الّذي يرى مركزيّة الإنسان في الكون. فالباحث يُبقي ويُهمّش ويستبعد انطلاقًا من المنهج الّذي يستخدمه.

لذا يجب أن نُخضع المنهج الّذي نستخدمه لعمليّة تقييم حتى نكتشف تحيّزاته ونُنقّي آليّاته منها، أو على الأقلّ نطوّعها بحيث يُمكن توظيفه وتوظيف آليّاته داخل إطارنا المعرفيّ. فيُمكن أن أستخدم المنهج البنيويّ في التّحليل دون أن أُصبح بنيويًّا مُعاديًا للإنسان، وأن أستخدم المنهج التّفكيكيّ دون أن أصبح تفكيكيًّا عدميًّا. فحينما أنظر إلى نصّ فإنّني أقوم بتفكيكه في المرحلة الأولى، ولكنّني بعد ذلك أقوم بإعادة بنائه بطريقة أكثر تفسيريّة، وبذا أكون قد استخدمت آليّات المنهج التّفكيكيّ دون أن أسقط في العدميّة.

حينَ يُلغي الباحث ذاكرته ووجدانه وضميره باعتبارها أمورًا تؤثّر في عمليّة الإدراك وتُشكّل عائقًا في طريق التّلقّي الموضوعي (السّلبي) والرصد الفوتوغرافي، فهذا يعني إلغاء فعاليّة العقل وإبداعه، ممّا يعني أن يقف المرءُ يرصد الواقع ويُسجّله بعناية فائقة وسلبيّة بلهاء. كُلّ هذا يعني في واقع الأمر أنّه لا يُوجد فرق بَيْن الإنسان والطّبيعة (المادّة) أو بَيْن الإنسان والأشياء وأنّه لا يوجد فرق بَيْن العلوم الطّبيعيّة والعلوم الإنسانيّة. وهذا أيضًا من ميراث حركة الاستنارة التي قرّرت استبعاد أي عناصر غير ماديّة ومن ثمّ استبعدت كلّ العناصر الّتي تتجاوز سطح المادّة، أي استبعدت كلّ ما يميّز الإنسان كإنسان وانتهى الأمر باستبعاد الطّبيعة البشريّة ذاتها بوصفها نقطة مرجعيّة. وتمّ تأكيد أنّ البحث العلميّ الحقيقيّ لا بُدَّ أن يستبعد الذّات والخيال والقِيَم، فهو يجب أن يكون موضوعيًّا ومنفصلًا عن القيمة. ومثل هذه المُقاربة للبحث العلميّ تُهمل علاقة الجزء بالكلّ، والواقعة بالنّمط، والظّاهر بالباطن. فالكلّ والنّمط والباطن لا توجد في الواقع، وإنّما هي أطر يجرّدها العقل الفعّال. وقد أدّى هذا التّصوّر إلى ظهور “المعلوماتيّة” في العلوم الإنسانيّة، وهي الفكرة الّتي تذهب إلى أنّ المعلومة مُهمّة في حدّ ذاتها، لا بسبب علاقتها بالموضوع الكلّي أو النمط المُتكرّر، أو بسبب دلالتها الّتي تظهر إن وضعت داخل نمطٍ وسياق.

في هذا الإطار يُصبح البحث العلميّ والمعرفة في العلوم الإنسانيّة بمجموعها هو حشد أكبر قدْرٍ من المعلومات، بغضّ النّظر عن عدم ترابطها وعدم وجود بُؤرة مركزيّة لها. والافتراض الكامن أنّه كلّما زادت المعلومات زادت درجة الاقتراب من الواقع. وهي واحدة من عدّة إشكاليّات تُواجه العلوم الإنسانيّة اليوم.

يفترض المُشتغلون بالدّراسات الإنسانيّة أنّه بمقدور هذه العلوم الإمساك بالحقائق العلميّة الموضوعيّة، والوصول إلى صياغة قوانين دقيقة ومُنصفة، حتّى التزم الباحث بمجموعة من القواعد والآليّات المنهجيّة الصّارمة، التي تتّصف بالتّجرّد والنّزاهة والحياد، حيث يكون الباحث مجرّد مرآة تنعكس فيه حقائق الكون والوجود كانعكاس الأشياء في صفحة المرآة.

لكنّ الواقع يؤكّد أنّ المناهج الموضوعة والآليّات المُتّبعة في دراسة الظّواهر الإنسانيّة المُعاصرة، ليست مُجرّد أبنية نسقيّة فارغة أو آلة صمّاء تعصمُ فكر الباحث من الوقوع في الزّلل، بل هي في حقيقتها تحمل أبعادًا خفيّة ورغبات وميول نفسيّة دفينة وغائرة، تُعبّر عن رؤى الإنسان الباحث وتعكس إلى حدّ ما قِيَمِهِ ومُعتقداتِهِ وتَحيُّزاتِهِ الثقافيّة والمعرفيّة والحضاريّة، حيث إنّ المرء لا يُدرك الواقع بشكلٍ مادي مباشرة، فالواقع لا ينعكس على صفحة عقله البيضاء وإنّما يُدركه من خلال نموذج إدراكيّ معرفيّ مُحمَّل بالأوهام والأهواء والذّكريات والأساطير والمصالح. ولو “أَلْقَيْنَا نظرةً على الغَرْب، لاكتشفنا أنّ المناهج الّتي يتسمّ استخدامها في العلوم الغَربيّة ليست مُحايدة تمامًا كما يظنّ كثيرون، فهي تُعبّر في غالب الأمر عن مجموعة من القِيَم الكامنة المُسْتَترة في النّماذج المعرفيّة والوسائل والمناهج البحثيّة التي تُحدّد مجال الرّؤية ومَسار البحث وتُقرّر كثيرًا من النّتائج مُسبقًا، وهذا هو ما اصطلح عليه بالتّحَيُّز، أي وجود مجموعة من القِيَم المُسْتَترة الكامنة في الأنساق المعرفيّة والوسائل المنهجيّة البحثيّة، وفي اللّغة المُستخدمة الّتي توجّه الباحث دون أن يشعر بها”([16]).

ولم تظهر الحاجة إلى منهج للعلوم الإنسانيّة، إلّا حينما استقلّت علوم الإنسان مع بدايات القرن التّاسع عشر عن الفلسفة، وقتها فقط حاول باحثوها إيجاد منهجٍ مُلائمٍ لها، لا هو بالمنهج الاستنباطيّ الخاصّ بالعلوم الرّياضيّة، ولا هو بالمنهج الاستقرائيّ الخاصّ بالعلوم الطّبيعيّة ذلك لأنّ الإنسان محور دراسة العلوم الإنسانيّة ليس عددًا أو شكلًا ممّا تدرسه علوم الرّياضة، كما أنّه ليس مادّة من مواد علوم الطّبيعة، إنّه رُوح بالأصالة، روح لا تقبل الكمّ أو القياس ولا تخضع للمُلاحظة أو التّجريب.

وفي قراءة تاريخيّة نجد أنّ الإغريق أوّل من قدّم عرضًا تحليليًّا ومنطقيًّا في العلوم الإنسانيّة. ونحن ندين لهم حتى اليوم بالكثير من المصطلحات المُتعلّقة بموضوعات الاقتصاد والسّياسة والأخلاق، والتّاريخ وعلم الاجتماع.

و”يُفسّر “ماكس فيبر” حماس أفلاطون في كتابه “الجمهوريّة” على أساس الحقيقة القائلة بأنّه قد تمّ الاكتشاف الواعي لدلالة وأهميّة إحدى الوسائل الكُبْرى الّتي تستخدمها كلّ معرفةٍ علميّةٍ وهي “المفهوم”. وسُقراط هو الّذي اكتشف المفهوم بما ينطوي عليه من دلالة ومغزى”([17]). وعلى يدَيْه توصّل الإغريق لأوّل مرّة إلى هذه الأداة الّتي في متناول الإنسان. ولو تسنّى للمرء العثور على المفهوم الصّحيح، فإنّه يتمكّن من إدراك الحقيقة ولو نسبيًّا. وهذا الإدراك بدوره يشقّ الطّريق أمام المعرفة لِمَا يلي: كيف يتصرّف الإنسان على النّحو الصّحيح في الحياة، وبخاصّة كيف يسلك الإنسان بوصفه مواطنًا في دولة؟ فهذا السّؤال كان محور كلّ شيء بالنّسبة للإنسان الإغريقيّ في تفكيره المُتشرّب كليّة بالسّياسة والموسوم بطابعها الشّامل، وعلى هذا الوجه جاء انخراطه في المشروع العلميّ للعلوم الإنسانيّة.

كذلك نجد أرسطو في مراحل لاحقة ورغم أنّ منهجهُ كان استقرائيًّا إلى مدى بعيد، فقد أقام آراءه السّياسيّة في كتابه “السّياسة” على نظريّات ذات طابع ميتافيزيقيّ أو أخلاقيّ يُمكن افتراضه – أي هذا الطّابع – مؤسّسًا لعلوم محورها الإنسان. ويقول ليفي بريل: “إنّ أرسطو الّذي يُعدّ مؤسّس علم الاجتماع قد صاغ المبدأ العام لهذا البحث ولخّصه في العبارة الآتية: “إنفصال في الوظائف وتوحيد في الجهود”، فبدون انفصال الوظائف لا يكون هناك مجتمع، بل توجد مجموعة من الأُسر، غير أنّ انفصال الوظائف يجب أن يُقابله بالضّرورة توحيد الجهود ومعنى ذلك وجود فكرة عامّة توجه هذه الجهود هي التي تتلخّص في كلمة واحدةٍ هي الحكومة”([18]). كما “أنّ أرسطو هو الّذي وصف “الدّيناميكا” الاجتماعيّة وصفًا واضحًا بعد أن كان أفلاطون قد تصوّرها بعض الشيء في “الجمهوريّة”. ولم يَقْنَع أرسطو بأن يُبَيّن لنا فقط كيف تتكوّن الجماعة السّياسيّة، بل أيضًا كيف أنّ هذه الجماعة مُتحرّكة أي خاضعة للتّغيّر والانتقال من طورٍ إلى آخر. فهي مَلَكيّة في أوّل الأمر ثمّ أرستقراطيّة ثمّ خاضعة لحكم الفرد، ثمّ ديمقراطيّة. والحكومات صورة من صُوَر الجماعة لا تنتقل ولا تتحوّل إلّا بانتقال الجماعة وتحوّلها”([19]). وليس من ناقل الذّكر القولُ بأنّ هذه الموضوعات قد أصبحت في العصور اللّاحقة مادّة غنيّة للعلوم الإنسانيّة منهجًا وموضوعًا.

وإذا انتقلنا إلى العصر الوسيط، فقد كان أهمّ ما يحصل قيمة هو ما نجده عند مفكّري الإسلام([20]). ويُعتبر ما قدّمه الفارابي في القرن العاشر الميلادي إلى المشروع العلميّ في دراسة الإنسان إضافة ولو ضئيلة، وهو تلك الصّفحات القليلة من مقالة “إحصاء العلوم”. وقد كرّست هذه الصّفحات لفصلَيْن، الأوّل في علم اللّسان، و”لا شكّ أنّه يقصد به اللّغو الّذي يُعدّ وحده لدى كلود ليفي – شتراوس العلم الوحيد الّذي يُمكن وضعه على قدم المُساواة مع العلوم الطّبيعيّة والمضبوطة. وعلم اللّسان عند الفارابي ضربان، أحدهما حفظ الألفاظ الدالّة عند أمّة ما، وعلم ما يدلّ عليه شيءٌ ما، والثّاني علم قوانين تلك الألفاظ”([21]). أمّا الفصل الآخر فهو الذي خصّص الفارابي بعضه للحديث عن “العلم المدنيّ” الذي “يفحص عن أصناف الأفعال والسّنن وعن الملَكات والأخلاق والسّجايا الّتي تكون عنها تلك الأفعال والسُّنن. وعن الغايات الّتي لأجلها تُفعل”([22]). ثمّ يسترسل في التّقسيم والتّمييز على نحو يكشف عن النّضج في فهم السّلوك الإنسانيّ الفرديّ والاجتماعيّ.

أمّا الإسهام العلميّ الأصيل للمسلمين في العلوم الإنسانيّة فهو “مُقدّمة ابن خلدون” الّتي جاءت من بعض الوجوه امتدادًا وتطبيقًا لمناهج مفكّري الإسلام الّتي نجد قواعدها صريحةً مُحدّدة فيما يُسمّى بمنطق الأصوليّين. بحيث أصبح المنطق عند هؤلاء الأصوليّين، منطقًا عمليًّا يجمع بَيْن الخبرة الحسيّة والاستدلال العقليّ وهُما معًا يؤلّفان في نهاية الأمر جوهر المنهج العلميّ. ويتميّز هذا المنطق([23]) من حيث إنّ “القياس” فيه يرجع إلى نوع من الاستقراء العلميّ القائم على فكرتَيْن أو قانونَيْن، الأوّل هو فكرة أو قانون السّببيّة. وتتلخّص في أنّ لكلّ مُسَبَّب سَببًا. والثّاني فكرة أو قانون الاطّراد في وقوع الحوادث، ومؤدّاهُ أنّ السّبب الواحد إذا وُجد تحت ظروف مُتماثلة، أنتج مُسَبَّبًا مُتماثِلًا.

وفي حين كان المحتوى العرفانيّ لمنطق الأصوليّين الّذي كان يجري عليه قياسهم محتوى دينيًّا خالصًا، فإنّ أصحاب النّزعة العلميّة من العرب والمُسلمين استطاعوا أن يُضيفوا إليه ويستكملوه ويُحوّلوه إلى منهج للبحث العلميّ. وجاء ابن خلدون وقد أُتيح له إلمامٌ واسع بالتّراث الإسلاميّ والعربيّ وما ترجم إليه من مؤلّفات، فقدّم نقدًا منهجيًّا مُمَهّدًا لمُحاولةٍ في تأسيس العلوم الإنسانيّة من ثنايا اهتمامِه الخاصّ بالتاريخ. ولا يعنينا إن كانت جهوده قد انصرفت إلى إنشاء التاريخ العِلمي أو إلى إبداع علم جديدٍ هو علم الاجتماع، بل ما يعنينا هو ما قدّمه نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه العلم في الدّراسات الإنسانيّة والاجتماعيّة. والتاريخ أو علم الاجتماع ينطويان بطبيعة الحال تحت هذا النّموذج بوصفهما علومًا إنسانيّة. فالنّظر في الاجتماع البشريّ وتمييز ما يلحقه من الأحوال لذاته (أي قوانينه) تسوّغ في رأي ابن خلدون قيام علم حقيقي لدراسة الإنسان والمجتمع يفترق عمّا درج عليه القدماء ومعاصروه على تسميته بالعلوم مثل علم الخَطابة “لأنّ موضوعها هو الأقوال المُقنعة النّافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أو صدّهم عنه، ولا هو أيضًا علم السّياسة المدنيّة إذ هي تدبير بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة…”([24])، وكلّ ذلك من أجل حملِ الجمهور على منهاجٍ يكون فيه حفظ النّوع وبقاؤه.

ومهما يكن من اتفاق الباحثين أو اختلافهم حول ابتكار ابن خلدون لعلم جديد هو علم الاجتماع، فإنّ الّذي لا خلاف حوله أنّه قدّم مُحاولة ناجحة في تأسيس العلم في مجال دراسة الإنسان والمُجتمع.

عرضنا بسردنا بعض محطّات التّقدّم على طريق العلوم الإنسانيّة كانت عبارة عن مُحاولات لتشييد أنساقٍ لوضع الأساس المنهجيّ والمحتوى النّظري للعلوم الإنسانيّة على السّواء. ولم تكن الغاية سرد تاريخيّ لجميع مراحل مُحاولات العلماء في الشّرق والغرب لوضع أسسٍ من هذا النّوع.

لم تكن الطّريق مُمهّدة أمام من حاولوا تأسيس العلوم الإنسانيّة، فثمّة عقبات كان ينبغي لهم أن يتخطّوها، وتحدّيات لم يكن ثمّة صفر من التّصَدّي لها خصوصًا في المراحل الزّمنيّة السّابقة حيث كانت الأبستمولوجيا العلميّة الموضوعيّة هي السّائدة، وكانت هي أيضًا التي صاغت طرق مُعالجة الظواهر المُختلفة في العلوم الإنسانيّة. وهكذا تمّ التعامل مع الظّاهرة الإنسانيّة بمنحى كمّي أو بمنحى رصدي يُحاول ردّها إلى إطار محدّد، ثمّ تحديده من خلال نموذج تفسيريّ يفترض أن يتبع قواعد التّجريبيّة الموضوعيّة. فضلًا عن أنّ العلوم الإنسانيّة تبنّت رؤية فصل الواقع عن كلّ القِيَم الدّينيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، حتى تُصبح تلك العلوم مُحايدة، خالية من القيمة. وأنّ الخطاب التّحليليّ السّائد في تلك العلوم الإنسانيّة إلى اليوم خطابٌ مادّي سَيْطرت عليه فكرة “وحدة العلوم”، ومن ثَمّ فقد اتّجهت العلوم الإنسانيّة نحو النّماذج الماديّة، لتركّز الاهتمام على تلك الظّواهر التي توجد داخل هذا النّطاق وحسب. ومن هذا المنظور ثَمّ تقويض مفهوم الإنسانيّة المُشتركة ثمّ انتهى بأنْ تبَنّت هذه العلوم الإيمان بحتميّة التّقدّم، وبأنّ العقل المادّي لا نهائي قادرٌ على تسجيل كلّ شيء. وبالتّالي سَيْطرت رؤية واحدة على منطلقات العلوم الإنسانيّة، الرّؤية التي تتناول مُعطيات الواقع المادّي بكلّياته وجُزئيّاته. ووسيلتها هي منهج المُلاحظة المُباشرة والتجربة المُتكرّرة والمُتنوّعة وذلك بهدف تفسير الظّاهرة من خلال التّوصّل إلى تعميمات وقوانين تحقّق الانتقال من الخاصّ إلى العام، وتكشف عن العلاقات المطّردة الثّابتة بَيْن الظواهر. وهذه القوانين يتمّ التّعبير عنها عن طريق تحويل صفات الكَيْف (التي لا تُقاس) إلى صفات كمّ بحَيْث يتمّ التّعبير عنها برموزٍ رياضيّة. غير أنّ هكذا منهج لا يُسْعِف الباحثين في العلوم الإنسانيّة إلى حدّ ما، فإدخال متغيّر مُعيّن – على سبيل المثال – إلى ظاهرة إنسانيّة، قد يؤدّي إلى تعديل لا يقبل عكس مساره في المتغيّرات المناطة. فتكرار التّغيّر لمعرفة ما إذا كانت آثار المُشاهدة ثابتة سيقع دومًا على مُتغيّرات لم تعد في أوضاعها الأصليّة عند كلّ مُحاولات التّكرار. وما دُمنا على غير يقين في عزونا للثّوابت أو التّغيّرات المُشاهدة في الآثار والنّتائج إلى الحالات الأصليّة للمتغيّرات أو إلى الاختلافات في الملابسات الأخرى للتّجربة، فمن المستحيل علينا أن نقرّر بالوسائل التّجريبيّة ما إذا كان تعديل أو تحويل مُعيّن في ظاهرة إنسانيّة يُمكن أن نُنسبه، بثقة إلى نمط مُعيّن من التغيّر في عامل أو مُتغيّر في عَيْنه. و”قد يتغلّب الباحثون على هذه الصّعوبة في موضوعات الدّراسة غير الإنسانيّة باستخدامهم لعيّناتٍ جديدة في كلّ مُحاولة من التّكرار على شريطة أن تكون العيّنات الجديدة مُتجانسة من جهة الجوانب المناطة مع العيّنة الأصليّة. بينما يتعذّر ذلك في العلوم الإنسانيّة لأنّ العيّنات، على فرض وجود قدرٍ كافٍ منها، قد لا تكون مُتماثلة في الخواص المطلوبة”([25]).

فالاّطّراد في المجال الإنساني أقلّ ظهورًا منه في الظّواهر الطّبيعيّة وذلك لأنّ درجة التّركيب والتّعقيد في الظّواهر الإنسانيّة أكبر منها في الظواهر الطّبيعيّة، ممّا يصعّب معه أن نعزل جانبًا واحدًا من جوانب الموقف التّجريبيّ عزلًا يُمكّننا من تتبّع ذلك العامل أو المُتغيّر وحده في تكرار وقوعه. فـ”إذا نحن اقتصرنا على مشاهدة الظّواهر في حالة تركيبها وتعقيدها دون تحليلها إلى عناصرها وجدنا تلك الظّواهر ذوات طابع فريد لا يحتمل لها أن تتكرّر بالقدر الّذي يُتيح لنا أن نُشاهد الاطّراد فيها. فالباحث في العلوم الإنسانيّة ليس في وسعه أن يُعيد الظّاهرة الّتي يدرسها كلّما أراد أن يُخضعها للمُشاهدة لأنّها تجيء مرّة واحدة ثمّ تمضي”([26]).

إنّ الصّعاب التي تُواجه العلوم الإنسانيّة لا تنشأ فحسب عن التعقّد الهائل للظّواهر الإنسانيّة، بل وأيضًا – بالدّرجة الأولى – لأنّ الأفعال الإنسانيّة واعية وتصدر عن رويّة وتدبّر وبالتّالي فهي عُرضة للتّعديل والتّبديل على أساسٍ من الفهم والتبصّر. وهنا نواجه صعوبة تنفرد بها طبيعة موضوعات الدّراسة في العلوم الإنسانيّة، وهي أنّ القِيَم جزء جوهريّ من الوقائع الّتي يدرسها الباحث، ولكن ليس بالمعنى الّذي يجعلها الالتزامات الخاصّة بالباحث، بل بوصفها التزامات باطنة في الظّاهرة الإنسانيّة نفسها. ولقد تجاوز العلم الطّبيعي منذ زمان طويل التّفسير الغائيّ للكون الذي كنّا نجده لدى “أرسطو” في إلحاحه على “العلّة الغائبة”، غير أنّنا لا نستطيع أن نتجاوز هذا في العلوم الإنسانيّة لأنّ الإنسان والمُجتمع يتّبعان غايات، ويتحرّكان وفقًا لقِيَم. بل، إنّ أكثر العلوم تقدّمًا مثل الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع تقوم على افتراضات قِيَميَّة وغائيّة مثل القولِ “بالمنفعة” و”التّكامل” و”المصلحة” و”الاتّزان” و”التّكيّف” و”الانحراف” وغيرها. فالإنسان في كلّ جوانب حياته موجّه بالغايات الّتي بموجبها يفاضل بَيْن الوسائل ويُقوّمها من أجل بلوغها. والجماعة الإنسانيّة تؤدّي وظيفتها ككلّ متى كان لدى أعضائها التزام قيميّ أساسيّ مُشترك، وعندما يكونون عازمين جماعيًّا وفرديًّا على تحقيق هذه القِيَم وصَونها.

ومن هنا كانت صُعوبة التّخلّص من التّفسيرات الغائيّة في العلوم الإنسانيّة. ويُضاف إلى ذلك اصطباغ تحليلات هذه العلوم بالطّابع الكيفيّ، وتُعدّ التّفسيرات الغائيّة والتّحليلات الكيفيّة عقبات رئيسيّة في طريق صوغ القوانين العامّة في علوم الإنسان، فعلى خلاف قوانين الفيزياء والكيمياء – مثلًا – ليس لتعميمات العلوم الإنسانيّة سِوَى مَدى شديد الضّيق تُحدّده الظّواهر الإنسانيّة التي تحدث أثناء حقبة تاريخيّة قصيرة وفي نطاق أوضاع خاصّة. فـ”قانون “سنل snell” عن انكسار الضّوء يُحدّد العلاقات بَيْن ظواهر ثابتة في كلّ أرجاء الكون، بَيْنما تتنوّع الطّريقة الّتي تتمّ بها مراقبة الولادة الإنسانيّة بتنوّع المكانة الاجتماعيّة في مُجتمع محلّي في وقت معلوم، وهي بذلك تختلف بوجه عام عن الطّريقة الّتي ترتبط بها تلك الأمور في مجتمع محلّي آخر، أو حتّى في نفس المجتمع في وقتٍ آخر”([27]). وعلى الرّغم من انطواء الأفعال الإنسانيّة على عمليّات فيزيائيّة فسيولوجيّة لا تتباين قوانين عملها في كلّ المجتمعات، إلّا أنّ الطّريقة التي تُشبع بها الجماعة  الإنسانيّة حاجاتها البيولوجيّة الأساسيّة لا تتعيّن فحسب بالوراثة البيولوجيّة أو الطّابع الفيزيائيّ للبيئة الجغرافيّة لأنّ تأثير هذه العوامل على الفعل الإنسانيّ تتوسّطه تقاليد ثقافيّة خاصّة تُساهم الغايات والقِيَم الإنسانيّة في صوغها.

وهذه القِيَم والغايات الّتي يلتزم بها الباحثون في الظّواهر الإنسانيّة تتحكّم أحيانًا في تقدير الشّواهد والبيّنات الّتي تؤسَّسُ عليها النّتائج. وطالما اختلف الباحثون في التزاماتهم القيميّة، فإنّ ما يُسمّى “بالحياد القيميّ” أمر يوشك أن يكون مستحيلًا في العلوم الإنسانيّة. ولهذا ذهب بعض المفكّرين إلى القول بأنّه من العبث أن نتوقّع من العلوم الإنسانيّة أن تُقدّم إجماعًا أو اتفاقًا حول الوقائع وتفسيراتها. وتدور مبررّات تأثير أحكام القيمَة في البحث العلميّ للظّواهر الإنسانيّة حول العمليّات والجوانب التي تتّصل بانتقاء المشكلات، وتعيين مُحتويات النّتائج المُستخلصة، وتمييز الوقائع وتحديدها، وتقدير أو وزن الشّواهد والأدلّة. فالثّقافة مثلًا، كما يقول ماكس فيبر “لا تغدو واقعًا تجريبيًّا إلّا بقدر، أو بسبب ما نعزوها إلى أفكار قيميّة، فالحوادث أو الوقائع الثّقافيّة تفترض سلفًا توجهًا قيميًّا. وتتضمّن الثّقافة تلك الجوانب من الواقع التي أصبحت هامّة وذات دلالة بالنّسبة للباحث لأنّها مناطة بالقِيَم”([28])، ومن هنا تكون جديرة بالدّراسة عن الباحث. ومُقابل الاختزال الإمبريقي الوضعيّ للمنهج العلميّ الطّبيعيّ، ثمّة مناهج أخرى للمعرفة العلميّة – في هذا الميدان – تبدأ من المُلاحظة امتدادًا إلى الحسّ التّاريخي والوعي الذّاتي، والبصيرة والحدس، والفهم الكيفيّ في السّياق الثّقافي الاجتماعيّ التّاريخيّ والخبرة الإنسانيّة. وليس بالضّرورة أن تلجأ تلك المناهج إلى البيانات الرقميّة والقياس، إذ إنّ تلك الأدوات كثيرًا ما تشوّه المعرفة والفهم النّوعي للواقع، فضلًا عن قصورها عن فهم القِيَم وديناميّات الدوافع والأخلاق. فهذه الأساليب والأدوات المعرفيّة تُصبح علميّة ما دامت شواهدها منطقيّة ومُتّسقة في نموذج مفاهيمي. وتتدعّم علميّتها مع اختبارها وتقييمها على أرض الواقع ومن خلال الممارسة، وقد تتدعّم فيما بعد بجوانب كميّة للتّوضيح والتّعزيز. ومن هنا فإنّ على العلوم الإنسانيّة أن تُعنى بمعالجة القضايا النّوعيّة والقيميّة المُستمدّة من الخبرة الإنسانيّة ومجالاتها. وفي قضايا التّربية والاجتماع وعلم النّفس مساحات عريضة لجدوى توظيف مناهج متنوّعة بنا فيها من ضبط وتنظيم وقابليّة للمراجعة والتّنفيذ والتّطوير.

وبعد، فإنّ هذا الاختلاف في مقاربة المناهج لا شكّ أنّه يرتكز إلى أساسٍ واحدٍ وهو الاختلاف في المسائل والظّواهر الّتي يدرسها هذا المنهج أو ذاك. فالظّواهر الإنسانيّة تختلف تمامًا عن الظّواهر الطّبيعيّة التي لا عقل ولا إرادة لعناصرها، والّتي ينمّ مظهرها عن مخبرها، لأنّها أحاديّة النّسق، تحكمها كلًّا أو جزءًا قوانين ونظريّات واحدة لا تتبدّل، ولذلك نجد أنّ كلًّا من الملاحظة الحسيّة، أي المشاهدة، والملاحظة العقليّة، أي التّأهّل والاستبصار، وجميع خطوات التّجريب الّتي عليها – بوصفها ظواهر طبيعيّة أحاديّة النّسق – تستوعبها كلّها في جميع مظاهرها، لأنّ ظاهرها لا يختلف عن باطنها في شيء، لدرجة وجود ارتباط عضويّ شامل مُتكامل بَيْن الظّاهر والباطن، في حين أنّ الظّواهر الإنسانيّة عنصرها الأساسيّ هو الإنسان العاقل ذو الإرادة، فتختلف هذه الظّواهر في أنّها ثُنائيّة النّسق. فكما أنّ للإنسان جوانيّة وبرّانيّة، فهي بالمثل ذات نسقَيْن، أحدهما جوّاني أي باطن، والآخر برّاني أي ظاهر.

وإذا كانت الظّواهر الطّبيعيّة تنشأ عن علّة أو علل يَسْهل تحديدها وحصرها، ويَسْهل بالتّالي تحديد أثر كلّ علّة في حدوثها وتحديد هذا الأثر تحديدًا رياضيًّا، فإنّ الظّاهرة الإنسانيّة يصعب تحديد وحصر كلّ أسبابها، وقد تُعرف بعض الأسباب لا كلّها، ولكن الأسباب تكون في العادة مُتداخِلة مُتشابِكة، ولذا يتعذّر في كثير من الحالات حصرها وتحديد نصيب كلّ منها في توجيه الظّاهرة التي ندرسها. وبعبارة أخرى، إنّ الظّاهرة الطّبيعيّة وحدة مُتكرّرة تطّرد على غرارٍ واحدٍ وبغَيْر استثناء: إنْ وُجدت الأسبابُ ظهرت النّتيجة. ومن ثمّ، فإنّ التّجربة تُجرى في حالة الظّواهر الطّبيعيّة على عيّنةٍ منه ثمّ يُعمّم الحكم على عناصرها في الحاضر والماضي والمستقبل. في حين أنّ الظّاهرة الإنسانيّة لا يُمكن أن تطّرد بدرجة الظّاهرة الطّبيعيّة نفسها، لأنّ كلّ إنسان حالة مُتفرّدة، ولذا نجد أنّ التّعميمات، حتّى بعد الوصول إليها، تظلّ تعميمات قاصرة ومحدودة ومُنفتحة تتطلّب التّعديل في أثناء عمليّة التّطبيق من حالة إلى أخرى.

ولعلّ من أبرز الفروق، أنّه بعد دراسة الظّواهر الطّبيعيّة والوصول إلى قوانين عامّة، يُمكن التّثبّت من وجودها بالرجوع إلى الواقع. ولأنّ الواقع الطّبيعي لا يتغيّر كثيرًا، فإنّ القانون العام له شرعيّة كاملة عبر الزّمان والمكان. بينما الأمر مُختلف بالنّسبة للظّواهر الإنسانيّة، إذْ يصل الإنسان في دراستها إلى تعميمات، فإن هو حاول تطبيقها على مواقف إنسانيّة جديدة فإنّه سيكتشف أنّ المواقف الجديدة تحتوي على عناصر جديدة ومكوّنات خاصّة، إذ من غير المُمكن أن يحدث في الحقل الإنسانيّ ظرفان مُتعادلان تمامًا، ومُتكافئان من جميع النّواحي.

ولكلّ ما تقدّم، فإنّ من الممكن إجراء التّجارب المُباشرة المُنضبطة المُتكرّرة على العناصر الطّبيعيّة، ويُمكن – كما ذكرنا – قياسها بمقاييس كميّة رياضيّة، فهي تخلو من الاستثناءات والتّركيب والخصوصيّات، ويُمكن التّوصّل إلى قوانين عامّة تتّسم بالدقّة وتنطبق على الظّاهرة في كلّيّتها وفي جوّانيتها وبرّانيتها. أمّا الظّاهرة الإنسانيّة، فلا يُمكن إجراء التّجارب المُباشرة المُنضبطة عليها ويستحيل تصويرها بالمُعادلات الرّياضيّة الدّقيقة. إذ لا تخلو من الاستثناءات والتّركيب والخصوصيّات، ولذا لا يُمكن التّوصّل إلى قوانين عامّة، وإن تمّ التوصّل إلى قوانين فلا بُدَّ أنّه تعوزها الدقّة والضّبط.

لقد اكتشف كثير من العلماء في العالم الغَربيّ، قُصور وتهافت الرّؤية التّجريبيّة والوضعيّة الّتي تُصدّ على مبدأ “السّببيّة” المُطلقة، والّتي ذهبت إلى أنّ قوانين التّاريخ والمُجتمع الإنسانيّين تُشبه قوانين الطّبيعة وحاولت اكتشاف هذه القوانين وصياغتها بطريقة “علميّة” دقيقة كميّة، وأصرّ هؤلاء العلماء الذين رفضوا مثل هذه الرّؤية – أي التّجريبيّة والوضعيّة – على ضرورة التّمييز بَيْن العلوم الإنسانيّة والعلوم الطّبيعيّة وعلى ضرورة رفض فكرة وحدة العلوم وواحديّتها.

ويقول أحد هؤلاء العلماء الّذين رفضوا تلك الرّؤية، وهو “ياسبرز”، إنّ الحياة النّفسيّة الإنسانيّة لا يُمكن دراستها من الخارج، كما إنّ الحقائق الطّبيعيّة لا يُمكن دراستها من الدّاخل. ولا يُمكن فهمها من خلال النّفاذ النّفسي، أمّا الثّانية فيُمكن شرحها من خلال دراسة العلاقة الموضوعيّة الماديّة. وقارَن “ياسبرز” بَيْن دراسة حجر يسقط من عال من جهة ودراسة علاقة تجارب الإنسان في طفولته ببعض الأمراض النّفسيّة في شبابه وشيخوخته من جهة، فالأوّل لا يُمكن أن نراه إلّا بشكل برّاني في إطار قانون الجاذبيّة، أمّا الثّاني فيتطلّب عمليّات فكريّة وعقليّة أكثر تركيبًا.

لذا، إذا كان من المُمكن شرح وفهم الظّواهر الطّبيعيّة في إطار شبكة السّببيّة المُطلقة ومن خلال المُلاحظة المُباشرة، فلن يكون هذا كافيًا بالنّسبة للإنسان، والمُحاولة الوضعيّة السّلوكيّة لوصف وفهم عالَم الإنسان من خلال سلوكه الخارجيّ محكوم عليها بالإخفاق، فهي بإصرارها على ضرورة الشّرح البرّانيّ الموضوعيّ ستستبعد قضايا إنسانيّة أساسيّة مثل انشغال الإنسان بمصيره وتجربته في الكون وإحساسه بالاغتراب. ولكن هذا لا يعني أنّ السّلوك الإنسانيّ لا يخضع لأيّة سببيّة، وإنّما يعني أنّ الرّصد الشّكلي الخارجي لا يكفي، والمطلوب هو عمليّة تفسير من خلال الفهم العميق والتّعاطف المُستمر والإدراك المُبدع لتركيبيّته الدّوافع الإنسانيّة وغموضها.

وعليه، فإنّ العلوم التي تدّعي أنّها إنسانيّة وتدور في نطاق المرجعيّة الماديّة تنطلق من الإيمان بأنّه لا توجد عناصر إنسانيّة أو بشريّة ثابتة ومُستقرّة خاصّة، فما يوجد هو مُمارسات وعَقائِد لا ينتظمها إطار. وكما يقول “فوكو”: لا يوجد ذات إنسانيّة ثابتة في التّاريخ، ولا يوجد حالة طبيعيّة إنسانيّة، ولا يوجد شيء في الإنسان – حتى جسده – ثابت بما فيه الكفاية يُصلح أساسًا ليتعرّف الإنسان على ذاته وليفهم الآخرين. وكما يُتداول اليوم في الغَرْب، فإنّ كلّ الأمور، بما في ذلك الإنسان، ماديّة ونسبيّة وخاضعة لقوانين المادّة الّتي تسْري على الطّبيعة والإنسان معًا. هذا يعني في واقع الأمر أنّه لا توجد معياريّة إنسانيّة. وما يحدث هنا هو إلغاء ثنائيّة الجنس البشري/الأشياء، ليسود عالم الكمّ والأرقام والنماذج الاختزاليّة البسيطة الّتي تفكّك الإنسان تمامًا. وليس من قبيل الصّدفة أنّ الفلسفة السّائدة، الآن في الغرب هي الفلسفة التّفكيكيّة الّتي تهدف إلى تصفية كلّ الثّنائيّات.

ولكن هناك النّموذج الآخر الّذي يرى الإنسان ظاهرة مُنفردة لا يُمكن مُساواته أو تسويته بالكائنات الطّبيعيّة. وهذا الإنسان يملك ما يتحدّى به التّجريب وما لا يُمكن معرفته ولا يُمكن استيعابه داخل مبدأ السّببيّة. ولذا، إنّ الإنسان لا يُشرح ولا يُفسّر كما نفعل مع الظّواهر الطّبيعيّة، وإنّما يُفهم ويُؤوّل.

إنّ مسألة أنْسَنَة العلوم ترتكز إلى استرجاع مفهوم الطّبيعة البشريّة بوصفه كيانًا مُرَكّبًا لا يُمكن أن يُردّ للنّظام الطّبيعيّ، ولا أن يُسوّى مع الأشياء الطّبيعيّة. وإنْ تمّ استرجاع مفهوم الطّبيعة البشريّة، فإنّه سيتمّ معه استرجاع القِيَم الإنسانيّة والأخلاقيّة كقِيَم أساسيّة في عمليّات البحث العلميّ في مجال الطّبيعة والإنسان، فاستبعاد هذه القِيَم هو الّذي أدّى إلى تسوية الإنسان بالحيوان وإلى انفصال التّجريبيّ العلميّ المادّيّ عن العقلانيّة الإنسانيّة.

 

الخاتمة

المنهج هو طائفة من القواعد العامّة المُصوّغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم. وفي البدايات لم يكن هناك فرقٌ بَيْن علمٍ يبحث في الهندسة وثانٍ يبحث في الكيمياء وثالثٍ يبحث في طرائق السّلوك البشريّ، ففي كلّ هذه الحالات جميعًا، لا بُدَّ أن يكون بَيْن أيدينا مجموعة من المُسَلّمات التي نقبلها كما نقبل الأساس الّذي يُقام عليه البناء، حيث كان البرهان أو المنهج الرّياضي هو دائمًا ردّ النتيجة المُراد البرهنة عليها إلى الأصل الّذي استخرجناها منه. وهو كذلك قائم على التّفكير الّذي يبدأ بما ليس هو موضوعًا لجدل، لينصرف الجهدُ في استخلاص النّتائج فقط دون إمكان الشكّ في الأصول الّتي انتزعت منها النّتائج. وهذا المنهج يقوم على أشياء من خلق العقل وأنّه تحصيلٌ حاصل مُستمرّ وأنّ الصّوريّة المنطقيّة هي الطّابع الحقيقيّ للرّياضة وبالتّالي للاستدلال الرّياضيّ.

وقد جاء المنهج التّجريبيّ ليُبَيّن مدى قدرة الإنسان على تفسير ظواهر الطّبيعة تفسيرًا يتّسق على الأقل، مع معطيات الواقع، إن لم يُعبّر عن حقيقته وجوهره.

ولئن كانت ظواهر الطّبيعة تقع على أنماطٍ يُمكن إدراكها واستخراج القوانين العلميّة الّتي تحكمها، فإنّ أفراد البشر ومُجتمعاتهم لا يطّرد سيرهم على مثل هذا المنوال المُتجانس، فالظّواهر الإنسانيّة كثيرًا ما تنفرد بالحدوث مرّة واحدة ثمّ لا تعود ولا هي ممّا يُمكن إعادته. وإذا كانت مقوّمات العالَم هي الذرّات التي يُريد العلم أن يحسب مقاديرها ليضعها في دالاتٍ رياضيّة، فأين عسانا أن نضع في عالم كهذا معاني كالحُريّة والمُساواة؟ وأين نضع المثل العُليا الّتي يصبو الإنسان إلى تحقيقها؟

إنّ المنهج ليس مُجرّد آليّاتٍ وإجراءاتٍ مُجرّدة بريئة، بل هو آليّات وإجراءات تتضمّن تَحيُّزات مُحدّدة وأعباء إيديولوجيّة. فالباحث الّذي لا يؤمن باختلاف الإنسان عن الطّبيعة يقوم برصد الظّواهر الإنسانيّة كما يرصد الظّواهر الطّبيعيّة، فهو لا يُفرّق بَيْنهُما. كما إنّ هذا المنهج ليس عبارة عن مُجرّد أبنية نَسَقيَّة فارغة أو آلة صمّاء تعصم فكر الباحث من الزلل، بل هي في حقيقتها تحمل أبعادًا خفيّة ورغبات وميول نفسيّة دفينة وغائرة، تُعبّر عن رؤى الإنسان الباحث وتعكس إلى حدّ ما قِيَمهُ ومُعتقداته وتَحيُّزاته الثّقافيّة والمعرفيّة والحضاريّة، وهذا يُترجم غالبًا وجود مجموعة من القِيَم المُستَتِرَة الكامنة في الأنساق المعرفيّة والوسائل المنهجيّة البحثيّة، وفي اللّغة المُستخدمة الّتي توجّه الباحث دون أن يشعر بها.

ولأنّ الإنسان محور دراسة العلوم الإنسانيّة ليس عددًا أو شكلًا ممّا تدرسه علوم الرّياضة، كما أنّه ليس مادّة من مواد علوم الطّبيعة، إنّه روح بالأصالة، روح لا تقبل الكمّ أو القياس ولا تخضع للملاحظة أو التّجريب. ولا تقبل تحويل صفات الكيف – الّتي لا تقاس – إلى صفات كمّ يتمّ التّعبير عنها برموزٍ رياضيّة.

من أجل ذلك، رُبّما نشهد تهافُت الرّؤية التّجريبيّة والوضعيّة التي تُصرّ على مبدأ “السّببيّة” المُطلقة، والّتي ذهبت إلى أنّ قوانين التّاريخ والمُجتمع الإنسانيّين تُشبه قوانين الطّبيعة. لكنَّ هذا لا يعني أنّ السّلوك الإنساني لا يخضع لأيّة سببيّة، إنّما يعني أنّ الرّصد الشّكلي الخارجي لا يكفي، والمطلوب هو الفهم العميق والإدراك المُبدع لتركيبيّة الدّوافع الإنسانيّة وغموضها. لذلك، إنّ الإنسان لا يُشرَح ويُفسَّر كما باقي الظّواهر، وإنّما يُفهَم ويُؤَوَّل.

 

 

المصادر والمراجع

1- بدوي، عبد الرحمٰن، مناهج البحث العلميّ، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977.

2- بريل، ليفي، فلسفة أوغيست كونت، ترجمة: محمود قاسم، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1952.

3- بوانكاريه، هنري، العلم والفرضيّة، ترجمة: حمادي بن جاء بالله، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 2002.

4- بوبر، كارل، نظريّة المعرفة في ضوء المنهج العلميّ، ترجمة: محمد محمد قاسمي، دار المعرفة الجامعيّة، 1986.

5- حسين، طه، في مقدّمته لترجمته نظام الأثينيّين لأرسطا طاليس، لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر، القاهرة، 1921.

6- حنفي، حسن، قضايا العلوم الإنسانيّة، إشكاليّة المنهج، الهيئة العامّة لقصور الثّقافة، سلسلة الفلسفة والعلم، 1996.

7- راندل، جون هرمان، تكوين العقل الحديث، ترجمة: جورج طعمة، ج1، دار الثّقافة، بيروت، 1955.

8- روجييه، لوي، تركيب النّظريات الاستدلاليّة، باريس، 1921.

9- شفاليه، كلود، الدّقّة والمنهج البديهيّ، مباحث فلسفيّة، د.ت.

10- الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، دار الفكر العربيّ، مطبعة الاعتماد، القاهرة، 1949.

11- فيبر، ماكس، صنعة العلم، ترجمة: أسعد رزّوق، دار الحقيقة، بيروت، 1965.

12- محمود، زكي نجيب، أُسس التّفكير العلميّ، مؤسّسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017.

13- محمود، زكي نجيب، المنطق الوضعيّ، ج2، مكتبة الأنجلو المصريّة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، ط4، 1981.

 

14- المسيري، عبد الوهاب، الثّقافة والمنهج، دار الفكر، دمشق، 2013.

15- مقدّمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، 2004.

16- النشّار، علي سامي، مناهج البحث عند مُفكّري الإسلام واكتشاف المنهج العلميّ في العالم الإسلامي، دار النّهضة العربيّة، 1984.

– المصادر الأجنبيّة:

1- E. Naglel, the structure of science, Harcourt, brace and world, New York, 1961.

2- M. Weber, The Methodology of the social sciences, henry A, Edward A. Shils, the free press of Glencoe, Illinois, USA, 1949.

 

 

 

1- دكتوراه فلسفة في التّاريخ الحديث والمعاصر المعهد العالي للدّكتوراه – الجامعة اللّبنانيّة

 

[2]– عبد الرحمٰن بدوي، مناهج البحث العلميّ، وكالة المطبوعات، 1977، الكويت، ص4.

[3]– المصدر نفسه، ص4.

[4]– زكي نجيب محمود، أسس التّفكير العلميّ، مؤسّسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017، ص11.

[5]– كلود شفاليه، الدقّة والمنهج البديهيّ، مباحث فلسفيّة، د. ت، ص261.

[6]– عبد الرحمٰن بدوي، مناهج البحث العلميّ، المرجع السّابق، ص83.

[7]– هنري بوانكاريه، العلم والفرضيّة، ترجمة: حمادي بن جاء باللّٰه، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 2002، ص79.

[8]– لوي روجيه، تركيب النّظريات الاستدلاليّة، باريس، 1921، ص63.

[9]– هنري بوانكاريه، العلم والفرضيّة، المرجع السّابق، ص33.

[10]– حسن حنفي، قضايا العلوم الإنسانيّة، إشكاليّة المنهج، الهيئة العامّة لقصور الثقافة، سلسلة الفلسفة والعِلم، 1996، ص52.

[11]– كارل بوبر، نظريّة المعرفة في ضوء المنهج العلميّ، ترجمة: محمد محمد قاسمي، دار المعرفة الجامعيّة، 1986، ص115.

[12]– كارل بوبر، المصدر نفسه، ص132.

[13]– علي سامي النشّار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النّهضة العربيّة، 1984، ص346.

[14]– المصدر نفسه، ص337.

[15]– جون هرمان راندل، تكوين العقل الحديث، ترجمة: جورج طعمة، ج1، دار الثّقافة، بيروت، 1955، ص314.

[16]– عبد الوهاب المسيري، الثّقافة والمنهج، دار الفكر، دمشق، 2013، ص306.

[17]– ماكس فيبر، صنعة العِلم، ترجمة: أسعد رزّوق، دار الحقيقة، بيروت، 1965، ص36.

[18]– ليفي بريل، فلسفة أوغست كونت، ترجمة: محمود قاسم، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1952، ص25.

[19]– طه حسين، في مقدّمته لترجمته نظام الأثينيّين لأرسطا طاليس، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1921، ص33.

[20]– في المبحث السابق تمّ التّطرّق لإسهامات العرب في تكوين ونشأة المنهج التّجريبيّ.

[21]– الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، دار الفكر العربي، مطبعة الاعتماد، القاهرة، 1949، ص66.

[22]– المصدر نفسه، ص130.

[23]– الّذي لجأ إليه ابن خلدون.

[24]– مقدّمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، 2004.ص45.

[25]– E. Naglel, the structure of science, harcourt, brace and world, new york, 1961, p.451.

[26]– زكي نجيب محمود، المنطق الوضعيّ، مكتبة الأنجلو المصريّة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1981، ج2، ط4، ص308.

[27]– Naglel, p.460.

[28]– M. Weber, the methodology of the social sciences, p76.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى