البعد التّداوليّ للعنوان: من الوظيفة التّسمويّة إلى الوظيفة التّأويليّة

البعد التّداوليّ للعنوان: من الوظيفة التّسمويّة إلى الوظيفة التّأويليّة
(الطنطوريّة لرضوى عاشور أنموذجًا)
The Pragmatic Dimension of the Title: From the Naming Function to the Interpretive Function
(Al-Tantouriyya by Radwa Ashour as a Case Study)
د.غادة علّوه
Dr. Ghada Allaw
تاريخ الاستلام 4/ 11 / 2025 تاريخ القبول 21/ 12 /2025
ملخّص
حظي العنوان بمكانة بارزة في الدّراسات اللّسانيّة الحديثة، إذ ينظر إليه بوصفه فضاءً دلاليًّا وإمكانًا تأويليًّا متعدّد الأبعاد؛ وانطلاقًا من هذا التّصوّر، تناول البحث دراسة دور العنوان في تأويل الخطاب، من خلال الكشف عن العلاقة بين العنوان والمتن الخطابيّ في رواية الطّنطوريّة (أنموذجًا تطبيقيًّا)، استنادًا إلى المنهج التّداوليّ. وقد سارت الدّراسة في المجال المتعلّق ببنية العنوان ودلالاتها، ثمّ المجال المتعلّق بالتّفاعل الدّلاليّ بين العنوان والمتن الخطابيّ الذي تضمّن مراحل حياة الرّاوية “رقيّة”، وتوصّلت إلى أنّ العنوان/الطنطوريّة أدّى دورًا مباشرًا في إبراز انتماء الخطاب الرّوائيّ إلى الفضاء المرجعيّ والتّاريخيّ لمجزرة الطنطورة، وفي توجيه التّلقّي القرائيّ للسّياقات الدّلاليّة المستخلصة من المتن، للكشف عن مقصديّة محدّدة، تمثّلت في: تحميل فعل الانتماء وحقّ العودة عبر الأجيال، من خلال حماية الذّاكرة من الطّمس والنّسيان؛ وهكذا اتّضح أنّ قيمة العنوان في الجمع بين الوظيفة التّسمويّة التي تعرّف الخطاب وتؤطّره في سياق محدّد، والوظيفة التّأويليّة التي تمنحه عمقًا دلاليًّا ممتدًّا في المتن الخطابيّ.
الكلمات المفاتيح: العنوان – الخطاب – الوظيفة التّسموية – الوظيفة التّأويليّة – السّياق – القصديّة – الذّاكرة – الانتماء.
Abstract
The title has gained a prominent position in modern linguistic studies, as it is regarded as a semantic space and a multi-dimensional interpretive possibility. Based on this conception, the research addresses the role of the title in interpreting discourse, by revealing the relationship between the title and the discursive text in the novel Al-Tantouriya (as an applied model), within a pragmatic framework. The study proceeds first through the domain related to the structure of the title and its meanings, and then through the domain related to the semantic interaction between the title and the discursive text, which encompassed the stages of the narrator Ruqayya’s life. The study concludes that the title Al-Tantouriya played a direct role in highlighting the affiliation of the narrative discourse with the referential and historical space of the Tantoura massacre, and in directing the reader’s reception of the semantic contexts derived from the text, to uncover a specific intentionality: carrying the act of belonging and the right of return across generations, by protecting memory from erasure and oblivion. Thus, it becomes clear that the value of the title lies in combining the naming function, which defines the discourse and frames it within a specific context, with the interpretive function, which grants it an extended semantic depth throughout the discursive text.
Keywords: Title – Discourse – Naming function – Interpretive function – Context – Intentionality – Memory – Belonging.
مقدّمة
اكتسب العنوان في الدّراسات اللّسانيّة، أهمّيّته التّداوليّة والخطابيّة، انطلاقّا من وصفه مدخلًا لفهم الخطاب وتفسيره، ووسيلة للغور في أعماقه، من أجل استجلاء دلالاته، واستخلاص قصديّته، لما يحمله من طاقة إيحائيّة وتداوليّة تفتح أفق القراءة، وتقيم علاقة تفاعليّة بين القارئ والخطاب؛ فالخطاب “لا يحمل في ذاته دلالة جاهزة ونهائيّة، بل هو فضاء دلاليّ، وإمكان تأويليّ. ولذا هو لا ينفصل عن قارئه، ولا يتحقّق من دون مساهمة القارئ، فكلّ قراءة تحقّق إمكانًا دلاليًّا لم يتحقّق من قبل، وكلّ قراءة هي اكتشاف جديد”[1]. والتّحليل التّداوليّ[2] للعنوان يسعى إلى الكشف عن دوره في بناء المعنى، انطلاقًا من موقعه كبنية لغويّة مشبّعة بالسّياق، وكفعل كلاميّ يتضمّن قصدًا تواصليًّا ضمن سياقات إنتاجه وتلقّيه.
من هنا تنبع إشكاليّة هذه الدّراسة التي ركّزت على معالجة السّؤال الآتي: كيف ينتقل العنوان الرّوائيّ من كونه أداة تسمية، إلى فاعل تداوليّ يؤثّر في تأويل الخطاب ويوجّه قراءته؟
وتستند الدّراسة إلى تحليل تطبيقيّ لرواية (الطنطوريّة)[3]، للكاتبة رضوى عاشور[4]، وبذلك تدخل إشكالية هذه الدّراسة، في التّساؤل عن كيفيّة تحوّل العنوان في (الطنطوريّة) من اسم متعلّق بمكان إلى أفق تأويليّ يحكم القراءة، ويوجّه السّرديّة ويُعيد إنتاج دلالات الخطاب؛ فيتفرّع من هذه الإشكاليّة تساؤلات فرعيّة، هي: ما الوظائف التي تؤدّيها بنية العنوان/الطنطوريّة؟ وكيف يتحقّق انتقال العنوان من الوظيفة التّسمويّة إلى الوظيفة التّأويليّة، عبر امتداده في المتن الرّوائيّ؟ وما القصديّة المتكشّفة من السّياقات المستخلصة؟
انطلاقًا من هذه الأسئلة، تفترض الدّراسة أنّ العنوان الرّوائيّ لا يقوم على أساس دلالته السّطحيّة فحسب، بل يُدرس كجزء من استراتيجيّة تواصليّة تعتمد على القصد والسّياق والتّفاعل بين المؤلّف والخطاب والمتلقّي، كما تفترض أنّ للعنوان قدرة على إنتاج المعنى لا تقلّ أهمّيّة عن عناصر السّرد نفسها، نظرًا لما تتيحه من مفاتيح أوّليّة، وتوقّعات تأويليّة؛ وبذلك تفترض في الأنموذج التّطبيقيّ، أنّ العنوان/الطنطوريّة، لا يكتفي بدور التّسمية، بل ينفتح على دور تأويليّ أعمق؛ إذ يؤطّر قصديّة الرّوائيّة التي لا تروي سيرة فرديّة وحسب، بل تستحضر مأساة جماعيّة، وتحفظ ذاكرة مكان مهدّد بالنّسيان.
للوصول إلى هذه الفرضيات، يعتمد البحث المنهج التّداوليّ بوصفه إطارًا نظريًّا وتحليليًّا، مستنيرًا بمفاهيم السّياق والقصديّة[5]، في تحليل العنوان الرّوائيّ ضمن بنيته العامة وعلاقته بالمتن السّرديّ، مستندًا إلى جمع العنوان بين المكان والزّمن؛ لأنّ التّلميح بالمكان/الطّنطورة يحمل أبعادًا تدلّ على زمن معيّن، “فالمكان مؤثّر سيميائيّ كبير، يُخبر عن العصر الذي حدثت فيه القصّة، وعن البيئة التي جرت فيها، وعن عادات الشّخص الذي سكن بها، وطرق عيشه وتفكيره”[6].
وهكذا تسعى هذه الدّراسة إلى “تحليل العنوان على مستويين، الأوّل: مستوى يُنظر فيه إلى العنوان بعدّه بنية مستقلّة لها اشتغالها الدّلائليّ الخاصّ، والثّاني: مستوى تتخطّى فيه الإنتاجيّة الدّلاليّة لهذه البنية حدودها متّجهة إلى العمل، ومشتبكة مع دلائليّته، دافعة ومحفّزة إنتاجيّتها الخاصّة بها”[7]؛ فسارت الدّراسة في مجالين: الأوّل هو المجال المتعلّق ببنية العنوان ودلالاتها، والثّاني هو مجال التّفاعل الدّلاليّ بين العنوان والمتن السّرديّ الذي تضمّن مراحل حياة الرّاوية “رقيّة”، من أجل استخلاص دلائليّة العنوان في المراحل التي سردتها الرّاوية: مرحلة الحياة داخل الوطن، ومرحلة التّهجير القسريّ (إلى لبنان، ثمّ الخليج والإسكندريّة)، ومرحلة العودة إلى لبنان وفلسطين (العودة الجزئيّة).
أوّلًا: الوظيفة التّسمويّة والتّأويليّة للعنوان
تًعدّ الوظيفة التّسمويّة من أبرز وظائف العنوان، لما تؤدّيه من دور محوريّ في تعريف النّصّ وتحديد هويّته المرجعيّة والدّلاليّة؛ فالوظيفة التّسمويّة تُعنى أساسًا بكون العنوان تسمية للنّصّ، تلخّص في كلمة أو عبارة هويّته الجوهريّة، فتجعله مميّزًا في مدوّنة النّصوص، ويصبح بنية دلاليّة تحمل في طيّاتها إشارات أوّليّة توجّه توقّعات القارئ؛ فهو يقوم أوّلًا بوظيفة التّعريف والتّعيين، ثمّ يؤسّس لعلاقة بين القارئ والخطاب على قاعدة التّسمية المرجعيّة.
في هذا المجال، نسعى إلى مقاربة الوظيفة التّسمويّة للعنوان من منظور تداوليّ، وينطلق تحليلنا من تفكيك العنوان على مستويات عديدة تفتح النّصّ على شبكة من المعاني الثّقافيّة والرّمزيّة، لدراسة سمات البنية اللّغويّة، وقراءتها كعلامات دالّة:
- 1. المستوى الصّوتيّ: تتكوّن البنية الصّوتيّة للعنوان/الطنطوريّة من خمسة مقاطع صوتيّة، نستطيع استخلاصها مع دلالاتها، استنادًا إلى تصنيف الصّوامت والصّوائت العربيّة[8]، وهي:
- اط (لام أل التّعريف أدغمت في الطّاء): مقطع مؤلّف من همزة وصل (صامت انفجاريّ مجهور)، والطّاء (صامت انفجاريّ مهموس)؛ والصّائت قصير منفتح، يفتح الكلمة على الامتداد، فيوحي ببداية قويّة تحمل الرّغبة بجهر وتفجير أمر ما.
- طَن: مقطع مؤلّف من الطّاء (صامت انفجاريّ مهموس) والصّائت القصير المنفتح، جاء مع النّون (الصّامت المجهور الأغنّ) فخفّف من حدّة الطّاء، ومنح الكلمة رقّة ودلالة الرّغبة بجهر أغنّ يشبه الأنين.
- طو: تكرّر صوت الطّاء؛ ليرسّخ الجذر الصّوتيّ، مع الصّائت الطّويل (المضموم الطّويل بواو المدّ)، فأعطاه مدى أوسع من الانفجار بما يُهمس به؛ هذا التّناغم الصّوتيّ الذي حمل معاني الجهر والانفجار، أوحى بتوقّع سياق يتضمّن انفجارًا لكبت ما يُراد الإفصاح عنه عاليًا، كما منح الكلمة ثقلًا ووقعًا قويًّا في الأذن، فيوحي بالقسوة والصّلابة والثّبات، وهذا يتناسب مع طبيعة المكان (الطنطورة) كرمز للصّمود أمام النّسيان؛ أمّا تكرار صوت الطّاء، فأعطى العنوان بعدًا إيقاعيًّا مميّزًا، جعله شبيهًا بشعار يُستعاد لفظه بسهولة، لقربه من الذّاكرة السّمعيّة للقارئ.
- ريْ: الرّاء (الصّامت المجهور) مع الصّائت القصير المكسور، خلق توازنًا بين الصّوامت الانفجاريّة، وبين رقّة صوامت الجهر، فعكس البعد المزدوج للمكان: القسوة (قسوة التّهجير) من جهة، والحنين (حنين الذّاكرة) من جهة أخرى.
- يّة: المقطع مؤلّف من الياء (الصّامت المجهور)، مع الصّائت القصير المفتوح، منح الكلمة أيضًا الرّغبة بالجهر بأمر ما، وقد ساعد وجود التّاء المغلقة (الصّامت المهموس) في الدّلالة على توقّع سياق داخليّ، يُراد تعريف الآخرين به، كما إنّ هذه النّهاية (يّة) للعنوان (الطّنطوريّة)، أضافت نعومة صوتيّة لطّفت وقع الكلمة، وربطتها بدلالة أنثويّة: فالأحداث تُسرد بصوت امرأة، فتُعمّق حضور الصّوت الأنثويّ في السّرد.
نستنتج أنّ العنوان/الطّنطوريّة حمل على مستواه الصّوتيّ شحنة مزدوجة من الصّلابة واللّيونة، فكشف قصديّة الكاتبة في جعل المكان حاضرًا بقوّة في وجدان القارئ، من خلال الجهر بما احتواه المتن الخطابيّ.
وهكذا يحملنا ما تقدّم، على البحث عن السّياقات الدّلاليّة التي تربط ما يحمله العنوان من دلالات بسياق ما يتعلّق بقرية الطّنطورة من ناحية، وبشخصيّة “رقيّة” الطّنطوريّة المنتسبة إليها تارّة أخرى؛ وهذا يعني أنّ توظيف العنوان، في التّحليل التّداوليّ للخطاب الرّوائيّ، يكشف التّعالق الدّلاليّ بينه وبين المتن الرّوائيّ، ويبيّن تأثيره في حبك قصديّة الكاتبة؛ لأنّ العنوان “يؤسّس أوّلًا، لعلاقة العنوان بخارجه، سواء كان هذا الخارج واقعًا اجتماعيًّا عامًّا أم سيكولوجيًّا، وثانيًا، لعلاقة العنوان ليس بالعمل فحسب، بل بمقاصد المرسِل من عمله أيضًا، وهي مقاصد تتضمّن صورة افتراضيّة للمستقبل، على ضوئها _ كاستجابة مفترضة – يتشكّل العنوان لا كلغة، ولكن كخطاب”[9].
- المستوى النّحويّ والصّرفيّ: يتكوّن العنوان من كلمة واحدة، هي صيغة نسبة مؤنّثة مفردة، تدلّ على الانتساب إلى اسم علم/الطّنطورة، وهذا الاستخدام نقل الدّلالة من (اسم مكان) إلى (الانتماء إليه)؛ فالعنوان حدّد مبدئيًّا قصد المرسِل المحتمل لعلاقة العنوان بالمكان الطّنطورة التي شهدت مجزرة أشارت إليها الرّاوية في آخر الكتاب[10]؛ وبذلك نستطيع أن نربطها بالحقبة الزّمنيّة التي تعود إلى نكبة سنة 1948م، حين احتلّها الصّهاينة، وقتلوا وشرّدوا أهلها.
والطّنطورة هي قرية في فلسطين، فتوحي بعلاقة الجزء بالكلّ، ويعني الدّخول في الفضاء الرّوائيّ من الجزء إلى الكلّ، أي من الخاصّ إلى العامّ؛ وهذا الاختصار باسم واحد بلا إضافة أو وصف، جعل العنوان أكثر خصوصيّة، وميّزه كعلامة فرديّة لشخصيّة مركزيّة، وترك مساحة للتّأويل، فجعل المكان مفتوحًا بين المكان والشّخص، وجعل العنوان بطاقة هويّة للنّصّ: لفظة تختزل الذّاكرة والتّاريخ والوجع؛ وهكذا تحوّلت (الطّنطوريّة) من نسبة مكانيّة إلى رمز للمرأة/الذّاكرة أو للمرأة/الوطن.
- المستوى المعجميّ: بناء على ما تقدّم على المستوى النحويّ، نجد أنّ العنوان/ الطّنطوريّة ينتمي إلى حقلين معجميّين متداخلين، هما: حقل المكان/ الجغرافيا: أي قرية الطّنطورة، وحقل الهويّة/ الانتماء: أي الإنسان المنتمي إلى الطّنطورة؛ وبذلك تحوّل العنوان إلى هويّة سرديّة تختصر سيرة امرأة/ قرية/ وطن، فلا يبقى مجرّد اسم مكان، بل صار تعبيرًا عن سرديّة جماعيّة في شخص واحد.
4.المستوى البلاغيّ: العنوان/ الطّنطوريّة لا يشير فقط إلى امرأة من الطّنطورة، بل هو مجاز يدلّ على الذّاكرة والمأساة الجماعيّة، وهو يحمل إيحاءً بالثّبات (الانتماء إلى مكان محدّد)، في مقابل التّحوّل والتّهجير.
فالعنوان/ الطّنطوريّة هو رمز مركّب؛ إنّه في آن واحد: المكان (الطّنطورة)، والإنسان (رقيّة)، والقضيّة الفلسطينيّة عمومًا؛ أمّا من حيث التّركيب الإسناديّ[11]، فنحن أمام احتمالين: العنوان/الطّنطوريّة هو مسند أو مسند إليه.
- العنوان هو مسند (خبر لمبتدأ محذوف يمكن أن يُقدّر: هي؛ فتكون الوظيفة التّداولية: تثبيت هويّة الشّخصيّة بأنّها مرتبطة جوهريًّا بمكانها، وليست مجرّد امرأة عاديّة؛ فيصبح العنوان موقفًا وجوديًّا وتاريخيًّا، فهو لا يعرّف فقط الرّاوية، بل كلّ امرأة فلسطينيّة تنتمي إلى الطّنطورة، فيوحي بأنّ الرّواية كلّها شهادة من (هي= امرأة واحدة تمثّل الجميع)، إلى (الطّنطورة= المكان والذّاكرة الجماعيّة).
- العنوان/ الطّنطوريّة هو مسند إليه، والمسند هو خبر محذوف تقديره حسب السّياق الذي تكشفه الرّواية أو الخطاب السّرديّ لاحقًا، أي هو ما يلخّص كلّ تاريخها؛ وهكذا يؤسّس العنوان انتظارًا تداوليًّا عند المتلقّي، يقرأ الطّنطوريّة، ويسأل: ماذا عن الطّنطوريّة؟ أو من هي الطّنطوريّة؟ فتأتي الرواية لتجيب كلّها عن هذا السّؤال (ضمنًا) عبر السّرد، ويتحوّل الخطاب الرّوائيّ برمّته إلى خبر (مسند) مكمّل للمبتدأ/ العنوان (المسند إليه).
إنّ استخدام هذا المركّب الإسناديّ النّاقص، هو أسلوب يُستخدم من أجل لفت انتباه القارئ وتشويقه لقراءة المتن واستخلاص المُسند، وهذا الاستغناء عن ذكر المسند (الخبر للمبتدأ/ الطّنطوريّة) يرتبط مع أحد مبادئ التّداوليّة: “الاستلزام الحواريّ”[12]، وهو دافع للبحث عن صفات الطّنطوريّة في المتن الروائيّ؛ فكلمة الطّنطوريّة تتضمّن وصفًا معنويًّا لعاقل كما ورد سابقًا، فتعني أنّ المتن الرّوائيّ يحمل تعريفًا بالشّخصيّة المقصودة، وبأحداث مرتبطة بها، أي بهويّتها وانتمائها، وهذا يمثّل سياق المسندات العائدة إلى المسند إليه (الطّنطوريّة).
وهكذا شكّل العنوان/ الطّنطوريّة نقطة التقاء بين الوظيفتين المركزيتين (التّسمويّة والتّأويليّة)، فالعنوان:
- حمل دلالة مباشرة إلى قرية الطّنطورة التي تعرّضت للنّكبة، فصار أداة فعّالة لتأطير السّرد تاريخيًّا وجغرافيًّا.
- انفتح على أبعاد رمزيّة ونفسيّة تتّصل بالهويّة والذّاكرة والانتماء.
- اكتسب، على المستويات الصّوتيّة والمعجميّة والنّحوية والبلاغيّة، إيقاعًا ودلالة تتجاوز الوظيفة التّسمويّة؛ ليصبح عتبة تأويليّة تعبّر عن قصديّة السّرد في ترسيخ الذّاكرة الفلسطينيّة الجماعيّة، وتحويلها في وعي الأمّة إلى ذاكرة جمعيّة.
ثانيًا: السّياقات الدّلاليّة للعنوان في المتن الرّوائيّ
بيّنت دلالات بنية العنوان، أنّها متعلّقة بأطر مكانيّة وزمنيّة ونفسيّة واجتماعيّة وسياسيّة، ومن الطّبيعيّ أن يكون لها امتداد في المتن السّرديّ؛ لأنّ للعنوان خصائص دلاليّة مقتبسة من العمل الأدبيّ الذي يحيل إليه أيضًا، فهو كما أوضح النّاقد الأدبيّ الفرنسيّ رولان بارت: “أنظمة دلاليّة سيميائيّة تحمل في طيّاتها قيمًا أخلاقيّة واجتماعيّة، وأيديولوجيّة، وهي وسائل مسكوكة مضمّنة بعلامات دالّة مشبعة برؤية العالم، يغلب عليها الطّابع الإيحائيّ”[13]؛ وهذه القيم يستخلصها المتلقّي من الخطاب، بسبب التّعالق الدّلاليّ بين العنوان والمتن؛ لأنّ العنوان “هو الظّاهر الذي يدلّ على باطن النّصّ ومحتواه”[14]، فما السّياقات التي تضمّنت هذه الدّلالات؟ وكيف تجلّت فيها انعكاسات العنوان؟
شكّل المتن السّرديّ مراحل عديدة من حياة البطلة رقيّة الطّنطوريّة، فأمكن استخلاص السّياقات الدّلاليّة حسب تلك المراحل:
- السّياقات الدّلاليّة لمرحلة الحياة في الوطن: بدأت هذه المرحلة، بسرد الفصل الأوّل (طرح البحر)، عن الفتى (يحيى) الذي خرج من البحر، وتعرّفت إليه الرّاوية رقيّة[15]، وقد كانت صغيرة، لم تكمل السّنة الرّابعة عشرة من عمرها[16]؛ فكشف مطلع هذا الفصل استراتيجيّة القراءة بين الماضي والحاضر، حيث وضعت الرّاوية القارئ، أمام مشهدين استذكاريّين من قريتها، تنظر فيهما بعين الحاضر من غربتها.
المشهد الأوّل (هي أمام طرح البحر): “خرج من البحر، أي والله، خرج من البحر كأنّه منه، وطرحته الأمواج. لم تحمله كالأسماك أفقيًّا، انشقّت عنه..”[17]؛ تجلّى في المشهد سياق نفسيّ وجدانيّ يتضمّن الثّبات والقوّة وعدم الانكسار أمام الأمواج، وفيه إشارة إلى معجزة تشبه معجزة انشقاق البحر للنّبيّ موسى: ﴿ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كلّ فِرْق كالطّود العظيم﴾[18]، وفيه تجلّى سياق دينيّ؛ فالبحر هنا ليس فقط عنصرًا طبيعيًّا، بل هو كائن عموميّ، يلد الفتى، ينشقّ عنه، كما انشقّ البحر للنّبيّ موسى، وهذا المشهد عكس سردًا تجاوز التّوثيق، نحو بناء أسطورة شخصيّة.
والمشهد الثّاني الذي سردته: هي في البيدر تنتقد نفسها لبقائها عند الشّاطئ، بعد خروج الفتى من البحر: “لكنّني حين أسترجع المشهد، أرى نفسي في البيدر، بين أعواد القمح، أتلصّص عليه، وهو غافل عنّي… تراودني الرّغبة في الهرب، ولا أهرب. أنا التي بادرته بالكلام، سألته فأجاب: اسمي يحيى، من عين غزال”[19].
دلّ هذا المشهد على الخجل الذي تشعر به حين تسترجع المشهد (في الحاضر)، على الرّغم من الانبهار بالشّابّ والانجذاب إليه، حيث لم تهرب حين حدّثتها نفسها بذلك، بل هي التي بادرت بتوجيه السؤال إليه. وقد دلّ ذلك، من منظور الافتراض المسبق في التّداوليّة[20]، على إجابتها على الأسئلة التي توقّعت أن يطرحها المتلقي: كيف وقفت أمام شاب عارٍ لا يستره سوى سروال مشدود على خصره؟ وكيف استرسلت بوصف حبّات الماء على وجهه وكتفيه؟ وكيف أمعنت في وصف شعر رأسه وصدره وذراعيه المستقرّ لامعًا في البلل؟ وما غاية هذا الوصف؟ لذلك استدركت وصف حالتها حين الاسترجاع، والسّبب “أنّنا، في حالة التّكلّم، نعمد إلى إنجاز بعض الأفعال المجتمعيّة وأغراضنا ومقاصدنا من هذه الأفعال، حيث تتغيّر معرفة المخاطب تبعًا لأغراض المتكلّم تغييرًا ملحوظًا”[21]؛ فوصفت احتماءها بين أعواد القمح، متلصّصة عليه من بعيد؛ لتعيدنا إلى حالة الخجل أو الخوف التي شعرت بها في تذكّرها ذلك اللّقاء؛ فوضعتنا أمام مشهد من براءة الطّفولة، حيث شعرت بالخجل الذي تحدّثت عنه: “-وماذا جاء بك عندنا؟ – البحر! تضرّج وجهه بحمرة حياء انتقل كالعدوى إليّ، أو استبدّ بي الوجل، فاستبدّ به من بعدي. ألقيتُ عليه تحيّة متلعثمة وابتعدت”[22]. تجلّى هنا، السّياق النّفسيّ- الوجدانيّ الذي تضمّن شعور رقيّة بالخجل عند استرجاع لقائها بيحيى، وانبهارها به أوّلًا، ثمّ إعادة تأويل الموقف لاحقًا؛ فنلاحظ هنا استخدام الرّاوية النّدم والخجل والذّهول، لإعادة بناء صورة الذّات أمام المتلقّي.
هذا السّياق النّفسيّ الوجدانيّ يقودنا إلى السّياق الثّقافيّ- القيميّ الذي تمثّل في التّقاليد؛ كأنّ الرّاوية تفترض جمهورًا لديه معرفة مسبقة بهذه القيم، فتبني خطابها بتوقّع الاعتراض عليه، فتقوم بتلطيف الحدث وتبريره. كما وضعتنا أيضًا، أمام مشهد (من الماضي) تنظر إليه من بعد (في الحاضر)، حيث تعيش بعيدة عن شاطئ بلدها، فتقرّب القارئ من حالة الغربة التي تعيشها بعيدة عن بيئتها، حيث الحرمان من أحلامها، ومن العيش في الوطن.
هنا تجلّى سياق نفسيّ داخليّ في إظهار إحساسها بالخوف والذّنب، في الحالتين، لتخطّيها حدود دارها أمام يحيى الغريب، ولتخطّيها حدود الدّار والأرض بسبب التّهجير القسريّ في أرض غريبة، إضافة إلى ما قدّمه المشهدان من تهيئة عاطفيّة لتاريخ العلاقة بالبحر والوطن والذّاكرة.
وقد بيّنت الرّاوية في سردها، تميّز بحر بلدها، وعلاقتها القويّة به: “البحر حدّ البلد، يعيرها أصواته وألوانه، يلفّها بروائحه، نشمّها حتى في رائحة الطّابون… لاحقًا وبعد سنوات، قصدت المدن السّاحلية. قلتُ بحر بيروت وبحر الإسكندريّة هو نفسه، ولم يكن. بحر المدينة يختلف، تطلّين عليه من شرفة عالية، أو تمشين على طريق الإسفلت ويكون البحر هناك، يفصلكِ عنه هوة وسياج. وإذا قرّرتِ الذهاب إليه تأتينه كالغريبة… بيتنا كغيره من بيوت البلد، متداخل في البحر. أذهب إليه بلا كُلفة أو انتباه، خطوتان في مائه… يحوّلني إلى مخلوق رمليّ… أسبح وألعب، وحدي أو مع الأولاد والبنات… وفي بحرنا بئر سكّر… نقيم أفراحنا على الشّاطئ… يفترش العرس شاطئ البحر. يتوسّع، تنوّره الزّغاريد والأهازيج وحلقات الدّبكة ورائحة الخراف المشوية والمشاعل…”[23].
تجلّى هنا السّياق المكانيّ، حين قارنت الوطن/ الطّنطورة بالغربة/ بيروت والإسكندريّة؛ فظهر في الطّنطورة أنّ البحر هو امتداد للطّفولة والحنين، في حين إنّ البحر في بيروت والإسكندرية، محاط بالطّرقات والأسوار. وقد أظهر لنا، أنّ الرّاوية استخدمت المكان كأداة لفعل تعبيريّ عن إحساس الاقتلاع والفقد، فأدّى إلى الإيحاء بالمنفى الدّائم عبر تفاصيل المكان، وأظهر أيضًا، تغيير النّبرة والوظيفة اللّغويّة: في الطّنطورة، اللّغة تصويريّة حميمة (بئر سكّر… متداخل في البحر… أسبح وألعب… يحوّلني إلى مخلوق رمليّ…)، وفي التّهجير، اللّغة وصفيّة جافّة، شبه توثيقيّة (طريق الإسفلت… تفصلك عنه هوّة وسياج… تأتينه كالغريبة…)؛ هذا الانتقال ساعد في تبيان تفكّك الهويّة المكانيّة، وتبيان تأثيرها في النّفس.
وتضمّن الفصل الثّاني، أخبارًا عن أمّها وأبيها؛ كيف يفكّران وما كان يدور بينهما من أحاديث تتعلّق بها، كرفض الأمّ تزويج رقيّة إلى بلد بعيد عن بلدها، ومشاكسة كلّ منهما الآخر[24]؛ وهكذا نلاحظ أنّ الفصلين الأوّل والثّاني شهدا انتقالًا من سرد الماضي (ذكرياتها في بلدها)، إلى سرد الحاضر (في بلاد الهجرة)؛ ففي الفصل الأوّل، تحدّثت عن الاختلاف بين الذّهاب إلى بحر بلدها، والذّهاب إلى بحر بيروت وبحر الإسكندرية[25]؛ أمّا في الفصل الثّاني فقد أنهت سرد أخبار والديها وانتقلت إلى سرد محادثاتها مع أحفادها، وعن عيشها قرب البحر في الإسكندريّة[26]، فتجلى السّياق الزّمنيّ في سرد الحكاية، منذ استرجاع زمن الطّفولة في الطّنطورة الذي بدأ قبل الاحتلال الصّهيونيّ لبلدها (أي قبل نكبة سنة 1948)، وهي لم تكمل الرّابعة عشرة من عمرها[27]، إلى زمن السّرد، بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر القصف الصّهيونيّ على بيروت، وزمن التّهجير المتنقّل بين صيدا والإسكندريّة، وهي في السبعين من عمرها[28].
وبذلك جمعت الرّاوية بين الجيل الأوّل/ جيل والديها والجيل الرّابع/ جيل أحفادها، وهذا التّقاطع الزّمنيّ هو أداة تأطير لسرد الذّاكرة، أسّس لقصديّة التّوثيق، من خلال الاسترجاع المرتبط بالعاطفة والسّياسة في آن معًا.
كما تجلّى سياق اجتماعيّ ظهر من خلال تصوير المجتمع الفلسطينيّ قبل النكبة، حيث الحياة التّقليديّة متجذّرة ومحكومة بعلاقات بين الأهل ومع القرية؛ أمّا بعد النّكبة، فقد تجلّى، من خلال تصوير واقع سياسيّ قهريّ أنتج فقدانًا لأرض الوطن، وتهجيرًا مع ارتباط برموز الوطن كالبحر، فساعد على تبيان القصد التّواصلي للرّاوية: نقل حكاية فرديّة، لكن بما يجعلها ذاكرة جمعيّة فلسطينيّة، تقترن فيها الطّفولة بالجمال تارّة، وبالتّهجير والمأساة تارّة أخرى.
واستمرّت الرّاوية بسرد ذكرياتها في بلدها الطّنطورة، حتّى الفصل السّادس، حيث تحدّثت عن سقوط المدن والقرى الفلسطينيّة المجاورة لبلدها، وعن أحاديثها مع أبيها…[29]؛ ثمّ انتقلت إلى سرد حكاية رحلة التّهجير القسريّ، بعد مغادرتهم بيتهم، عند احتلال العدوّ بلدهم، فوصفت قفل الباب بالمفتاح سبع مرّات: “غادرنا البيت، طبقت أمّي البوّابة، وأغلقتها بالمفتاح الكبير. استغربتُ، فلم أرَ باب بيتنا مغلقًا أبدًا، ولا رأيتُ المفتاح: “كان حديديًّا كبيرًا، أدارته أمّي في القفل سبع مرّات، وضعته في صدرها”[30]. ثمّ سردت نقلهم إلى الشّاطئ، وتقسيمهم إلى مجموعات، وتفتيش النّساء، وأخذ المجنّدات ما لديهنّ[31]، وكذلك نقلهم باتّجاه المقبرة[32]؛ فتابعت الرّاوية تصوير المجازر ومراحل رحلة التّهجير القسريّ حتى وصولهم إلى صيدا، ووصفت اختلاط رائحة بلدها الغريبة برائحة البحر والزّنبق التي بقيت في أنفها بعد مغادرتها بلدها.
ومن الملاحظ تجلّي سياق نفسيّ مرتبط برائحة بحر بلدها التي انتقلت معها أينما توجّهت، فدلّت على تعلّقها بوطنها، وعلى عدم نسيانه؛ لأنّ الرّائحة لا تحتاج إلى رؤية بالعين، وهي ترتبط بمشاعر تتعلّق ببلدها، فتنقلها المشاعر إليه. وهذا يؤكّد حضوره الدّائم معها، على الرّغم من التّهجير، لما يحويه من ذكريات افتتحت بها السّرد، كما مرّ سابقًا؛ وهنا تجلّى السّياق النّفسيّ، حيث العلاقة القائمة بين الجسد والذّاكرة والمكان، من خلال تحويل الرّائحة إلى علامة تفاعليّة بين الزّمن الحاضر والماضي، فأثبت أنّ الزّمن الفلسطينيّ ليس خطّيًّا، بل دائريًّا عاطفيًّا.
وهكذا تجلّى في هذه المرحلة، سياق زمنيّ، تحرّك فيه السّرد بين زمنين: زمن الطّفولة والعيش في الوطن (قبل النّكبة)، حيث الطّمأنينة والألفة والبحر والبيت والأسرة، وزمن السّرد بعد النّكبة (التّهجير والشّتات)، حيث الحرب والمقابر والاضطراب والخوف والشّروخ والفقد والغربة والتّهجير. وقد لازم السّياق الزّمنيّ، السّياق السّياسيّ، من خلال سرد أخبار القتل والتّهجير القسريّ بسبب الاحتلال الصهيونيّ للقرى الفلسطينيّة، وسرد مسار الهجرة القسريّة من الطّنطورة إلى صيدا، فصار الخطاب فعلًا إخباريًّا توثيقيًّا يحمل في طيّاته بعدًا احتجاجيًّا.
- السّياقات الدّلاليّة لمرحلة حياة الهجرة القسريّة
تنقسم مرحلة الهجرة القسريّة إلى اثنتين؛ الأولى تتعلّق بالهجرة إلى لبنان، والثّانية تتعلّق بالهجرة إلى خارج لبنان (الخليج والإسكندريّة).
أ. السّياقات الدّلاليّة للهجرة الأولى: بدأت مع سرد حكاية وصول رقيّة وأهلها إلى صيدا، في أوّل شهر شباط من العامّ التّالي[33]؛ نلاحظ المقاربة بين بدء المرحلة الأولى بلقاء بين رقيّة ويحيى على شاطئ الطّنطورة، وبين بدء الثّانية بلقاء بين رقيّة وعزّ على شاطئ البحر، في صيدا، مع ملازمة وصف رائحة البحر ومقارنة بين بحر قريتها وبحر صيدا: “رائحة البحر واضحة في المدينة، وإن اختلطت في البلدة القديمة بروائح أخرى، ولكنّنا إذ نقترب من الشّاطئ تزداد الرّائحة تمكّنًا من المكان حتى تنفرد به. خلعنا نعلينا وخضنا في الرمل، ثمّ تربّعنا متجاورين. قال عزّ: بحر صيدا مثل بحر بلدنا. تطلّعت، قلت: بحر بلدنا أحسن…”[34].
ظهرت هنا بنية حواريّة بيّنت أنّ كلام عزّ عن المشابهة بين البحرين، دلّ على محاولة تخفيف من الهجرة، في حين إنّ رقيّة رفضت تلك المشابهة (بحر بلدنا أفضل..)، فدلّت على انحيازها إلى البحر الأوّل، وعلى رفض استبدال الوطن؛ فنلاحظ كيف برز السّياق الزّمنيّ والمكانيّ؛ الزّمن: بداية الهجرة الأولى، أي الانتقال القسريّ من الطّنطورة إلى صيدا، وهو انتقال يعكس تحوّلًا وجوديًّا في حياة رقية. أمّا المكان/ البحر في صيدا، فهو يقابل بحر الطّنطورة، لكن ليس تكرارًا، بل مراوحة بين مكان الطّفولة والحلم ومكان التّهجير والشّتات، كما نلاحظ اقتران المكان/ صيدا برائحة البحر الذي ينقلها إلى وطنها، إلى البحر الذي يحتضن أحلامها في الوطن، وقد أكّدت أنّ علاقتها بالبحر ليست مرتبطة بالفتى يحيى، بل بما يحتويه من الأحلام؛ وذلك حين بيّنت في سردها، أنّها لم ترتح لكلام عمّها عن يحيى، وأشارت إلى أنّها لم تذهب باتّجاه صورته أو فكرته، منذ غادروا البلد[35].
كما بيّنت ما يجسّده البحر لها من مشاهد الطّفولة والأحلام، حين تنظر إليه: “الآن أنظر من بعيد: ولد وبنت يتربّعان على الرمل. لا يعلم إلّا الله ما الّذي ينتظرهما من مخبّآت الغيب. صغيران على شاطئ وعر، ومن أمامهما البحر صاخب تتواصل أمواجه… ما لم يعشه معها على بحر الطّنطورة قبل أربعين سنة، يعيشه على بحر صيدا. كأنّ التّاريخ يكرّر نفسه ويعيد، وإن كبر المشهد. الخلق أكثر، أكثر بكثير، والعسكر أكثر، والسّلاح والسّيارات المدرّعة. كيس الخيش تناسخ…”[36].
هنا تظهر العلاقة بين المكانين: الوطن وبلد الهجرة لبنان، من حيث متابعة الحلم الطّفوليّ، أو من حيث امتداده من بلدها الطّنطورة إلى لبنان/ صيدا، فدلّ على نوع من الالتقاء الجغرافيّ والتّرابط العاطفيّ بين فلسطين/ الطّنطورة ولبنان/ صيدا؛ كما عكس بقاء الحلم، على الرّغم من الانتقال من سياق الاستقرار والرّاحة إلى سياق الشّتات، ونلاحظ متابعة تفعيل الزّمن الدّائريّ في الخطاب، من خلال استدعاء الطّفولة لتأكيد فشل الزّمن الحاضر في إصلاح ما كُسِر؛ وهنا تجلّى السّياق التّاريخيّ السّياسيّ الذي ربط بين الاحتلال الإسرائيليّ للطّنطورة والوجود الفلسطينيّ في صيدا الّذي يحملنا إلى أنّ القصد ليس فقط رواية حدث شخصيّ، بل جعل هذا الحدث أنموذجًا وجوديًّا سياسيًّا جمعيًّا.
وارتبطت رائحة البحر بالأشخاص القادمين من الوطن، كربطها بين وصال بنت قيساريّة القادمة من جنين ورائحة البحر[37]؛ فتحوّل البحر هنا إلى مرجع دلاليّ مركزيّ، تخطّى حدوده الفيزيائيّة؛ ليصير حاملًا للهويّة، وذاكرة للمكان، ومرآة للأحلام والخذلان، وهذا ما تضمّنه السّياق المكاني الذي دلّ على استمرار العلاقة بالمكان الأصليّ (الوطن/ فلسطين)، على الرغم من الفقد والشّتات، كما نستطيع أن ندرجه ضمن السّياق الاجتماعيّ والثّقافيّ لارتباط رائحة البحر بالعلاقات الاجتماعيّة.
وتضمّنت هذه المرحلة حكايات كثيرة، كحكاية زواجها من أمين[38]، فدلّ على انتقالها، من سياق الطّفولة، إلى سياق الزّواج، ثمّ سياق الأمومة مع ولادة جيل جديد/ أولادها (الجيل الثّالث بعد جيلها وجيل والديها وعمّها، وتبعه الجيل الرّابع/ جيل أحفادها)، فظهر نضجها النّفسيّ والاجتماعيّ ضمن السّياقات الزّمنيّة والمكانيّة، وطول المدّة الزّمنيّة لحالة الشّتات التي يعيشونها.
ومن الحكايات، حكاية مفاتيح الدّور في وطنها فلسطين، والتّحدّث عن الاحتفاظ بمفتاح دارهم، بعد استلامه من أمّها إثر وفاتها، فدلّت على توارث قضيّة العودة إلى الوطن، على الرّغم من حالة الإقصاء الذي يعيشونه: “مسحت خالتي دموعها، ثمّ قامت. دخلت غرفة أمّي، وعادت. مدّت لي يدها بمفتاح حديديّ كبير، قالت: – مفتاح داركم يا رقيّة.- غريب، لم أره منذ غادرنا الدّار. أين كانت تخبّئه؟ – كانت تعلّقه في رقبتها، لا تخلعه حتى حين تنام أو تتحمّم… مفتاح حديديّ قديم، داكن اللّون صقيل. يملأ الكفّ، وله ثِقَل، تحسّسته بأصابع يدي اليمنى، فتعرّفتُ عليه لمسًا بعد أن عرفته بالنّظر. فجأة ابتسمتُ وقرّرتُ أنّني غبيّة، أبحث عن البعيد والبسيط الواضح أمام عينيّ. أمسكتُ بالحبل الدّقيق بكلتا يديّ، ورفعته، ثمّ أدخلتُ رأسي فيه. صار المفتاح معلّقًا في رقبتي. أمسكتُ به ورحتُ أتأمّله من جديد، ثمّ أدخلته تحت الثّوب. شعرتُ بملمسه الحديديّ على لحم الصدر. مثل أمّي سيبقى المفتاح معلّقًا في عنقي. في الصّحو والمنام. لا أخلعه حتى في الحمّام. وكلّما تهرّأ الحبل، استبدلتُ به حبلًا جديدًا”[39].
برز في السّرد السّياق الاجتماعيّ والعائليّ؛ فاستلام رقيّة المفتاح من أمّها، فيه إيحاء قويّ بالاستمراريّة العائليّة، والتّمسّك بالوطن والارتباط بالذّاكرة الجماعيّة التي توارثتها الأجيال.
المفتاح هنا يحمل رمزيّة التّمسّك بالدّيار، والإصرار على العودة إليها، وإن طال الوقت؛ فالمفتاح صار قديمًا، لكنّه كبير بما يحمله من المعاني الكثيرة الظّاهرة للعيان بحجمها الكبير، وثقيل بما يترتًب على حمله من مسؤوليّة، له إحساس خاصّ مؤثّر في النّفس واللّمس، لارتباطه بالدّيار.
وتكرّر ذكر مفتاح الدّيار في السّرد: “… مدّت أمّ إبراهيم يدها في صدرها، وأرتني المفتاح المعلّق في حبل حول رقبتها… وإن لم أرَ المفتاح. وأحيانًا لا ألمحه، ولا تشير إليه السّيّدة، ولكنّني أعرف أنّه هناك، تحت الثوب”[40]. المفتاح حاضر في أعناق النّساء؛ فالنّساء رمز الأمومة الحاضنة لقضيّة العودة، ورمز التّمسّك بالدّيار وتوارث القضيّة جيلًا بعد جيل. وتبليغ القارئ عن طقس اجتماعيّ متكرّر، دلّ على الرّسوخ الجماعيّ لحقّ العودة إلى الوطن؛ فالمفتاح من الأشياء الحسّيّة التي دلّت على استمرار العلاقة بالمكان، ومن القيم التي برزت ضمن السّياقين الزّمنيّ والمكانيّ. كما أنّ المفتاح في التّراث العربيّ هو رمز للأمان، وللدّخول إلى البيت، بوصفه المجال الحميم والخاصّ، فأصبح عند النّساء اللّاجئات بمثابة تعويذة الهويّة الجمعيّة. وقد ظهر في سياق النّكبة والشّتات مع النّساء حاملات الذّاكرة، فصار رمزًا مركزيًّا لحقوق الملكيّة والهويّة الجغرافيّة والحقّ القانونيّ والتّاريخيّ، ضمن السّياق السّياسيّ.
وقد التقى سياق الاحتفاظ بالمفتاح مع سياق الانتظار؛ فتجلّى في كلام رقيّة عن عمّها المنتظِر في محطّة القطار: “كان يقف على محطّة القطار، ينتظر الرّكوب عائدًا من حيث أتى، فأيّ عبث مطالبته بتسجيل وقفته والحصول على بطاقة هويّة للانتظار…”[41].
إنّه انتظار النّظر في قضيّة العودة إلى الدّيار، ومحاولة تلخيص حكاية طويلة يصعب تلخيصها؛ نلاحظ الإشارة إلى طول الحكاية وأهمّيّة تفاصيلها، خلال السّرد؛ فسياق الانتظار هو سياق اجتماعيّ سياسيّ: انتظار اعتراف، وانتظار انتهاء الاحتلال، وانتظار عودة.
وقد كرّرت الكلام على طول الحكاية، وعدم قابليّة تلخيصها[42]، وتوقّفت عند معنى الانتظار، وتبيان صعوبته: “الانتظار. كلّنا يعرف الانتظار. أن تنتظر ساعة، يومًا أو يومين، شهرًا أو سنة، أو ربّما سنوات. تقول طالت، ولكنّك تنتظر. كم يمكن أن تنتظر؟”[43].
كلام على الانتظار يبيّن الفكر الوجوديّ الفلسطينيّ الخاصّ بالانتظار، أثبتت فيه أنّ الحياة في الشّتات ليست توقّفًا، بل هي استمرار بوجود إحساس دائم بالتّعليق الزّمنيّ. وأعقب ذلك سؤال تحفيزيّ يدعو القارئ إلى مراجعة الموقف الأخلاقيّ والسّياسيّ من الانتظار (كم يمكن أن تنتظر؟).
وتحدّثت عن الخوف الذي رافق الانتظار:”ثمّ ما موقع الخوف من وقفة الانتظار؟ الخوف المُضمر كمياه جوفيّة مقيمة في الصّحو والمنام، والخوف الصّريح لحظة ترتجّ المدينة فجأة…”[44]. إنّه خوف باطنيّ وخوف ظاهر، ثابت وحقيقيّ، دلّ على تأكيد الطّابع النّفسيّ الوجوديّ للمنفى، حيث أصبح الخوف ملازمًا للعيش.
وعلى الرّغم من طول الانتظار، بقيت قضيّة الوطن موضوعًا أساسًا في تربية الأجيال الجديدة؛ فتحدّثت الرّاوية عن ترسيخ موقع الوطن/ الطّنطورة على الخريطة، عند الجيل الجديد، من خلال طلب أبي أمين من ابن رقيّة (حسن) رسم الخريطة، ومساعدته في تحديد البلدات والقرى الفلسطينيّة عليها[45]، فدلّ السّرد على تنشئة الجيل الجديد على حبّ الوطن، وعلى التّمسّك بقضيّته.
ومن الشّواهد على ترسيخ حبّ الوطن في نفوس الأجيال، وإحياء تراثه: التّشجيع على إنشاد الشّعر الذي يتغنّى بالوطن، من أجل تحريك الحسّ الجمعيّ بالقضيّة والهويّة، وتعميق الرّابط العاطفيّ مع الوطن/ فلسطين:
“موطني موطني
الجلال والجمال والسّناء والبهاء…”[46]
ولأنّ التّمسّك بقضيّة الوطن، يعني عدم النّسيان؛ فقد تجلّى الاهتمام بالذّاكرة، من خلال وصفها لها: “الذّاكرة ربّما، ذاكرة الفقد، كلاب مسعورة تنهش بلا رحمة، لو أطلقت من عقالها”[47]؛ فارتبطت الذّاكرة لديها، بمآسي الماضي، فهي متعلّقة بذاكرة مليئة بالزّمن الذي أفقدها أحبّتها (أباها وأخويها) ووطنها، وما سبّبه لها من ألم بلا رحمة.
إنّه التّعلّق بالوطن، بكلّ تفاصيله، وحضوره الدّائم في الذّاكرة، على الرّغم من التّهجير القسريّ، فلقد أرادت الرّاوية نقل حمولة شعوريّة كبيرة لتفعيل مشاركة القارئ عاطفيًّا في التّجربة؛ لذلك قدّمت الذّاكرة كعبء نفسيّ رهيب لا يمكن كبحه، مع التّعبير عن وجع الفقد والحرمان؛ وهذا ما يندرج ضمن السّياق الاجتماعيّ.
ومن مظاهر حضور الوطن في أرض التّشرّد، الشّعور بالتّلاحم العائليّ مع أهالي مخيم شاتيلا: “صارت لي عائلة أخرى ممتدّة، أطفال، صبايا، نساء في مثل سنّي. ختاير كلّ ختيارة منهنّ مثل أمّي تعلّق مفتاح دارها بحبل حول رقبتها…الرجال منخرطون في الفصائل…”[48].
نلاحظ التّشابه بحمل مفتاح الدّيار الذي يرمز إلى العودة، فدلّ على تعمّد تبيان الرّابط بينهنّ: المفتاح رمز الإصرار على العودة، ورمز القضيّة الّتي تجمعها بهنّ؛ فكانت علاقتها قويّة مع ختيارات المخيّم، في حكايات لا تنتهي[49]. ونلاحظ تشابه بداية الحكايات (الاستحلال – التشرّد)، والإنصات لصاحباتها، فدلّ على بناء ذاكرة جمعيّة نسائيّة تندرج ضمن السّياقين السّياسيّ والاجتماعيّ، وتصبح المرأة شجرة، أو لكلّ شجرة اسم امرأة، حيث الحكايات تتشابه وتختلف[50]، فيؤكّد التّرابط بين المرأة والأرض والذّاكرة، وقد تجلّى ضمن السّياقين الاجتماعيّ والثقافيّ الرمزيّ (المرأة/ الشّجرة)، ونستطيع إدراجه ضمن السّياق الهويّاتيّ، حيث تنكشف الهويّة الجمعيّة (التّاريخيّة والجغرافيّة والاجتماعيّة والثقافيّة).
وبيّنت الرّاوية ما يجمعها بهنّ، وما يعانين من قضايا معيشيّة[51]، فنلاحظ حكايات المعاناة في المخيّم، من احتلال العدوّ أرضهم تارّة، إلى الحرمان من حرّيّة التّنقّل في المخيّم تارّة أخرى، فظهرت أرض المخيّم كحضن على الرّغم من المعاناة، من أجل إثبات الاحتواء الاجتماعيّ في المخيّم، على الرّغم من القهر، كما ظهر التّأكيد على تفاصيل من الحياة اليوميّة في المخيّم، من أجل تعزيز الموقف السّياسيّ منها؛ وهذا ما يندرج ضمن السّياقين الاجتماعيّ/ المعيشيّ والسّياسيّ، غايته: تبيان حالة اللّجوء والمحافظة على قضيّة الهويّة.
وهكذا زخرت هذه المرحلة من التّهجير، بالأحداث الاجتماعيّة والسّياسيّة الّتي جرت مع رقيّة في لبنان، ونذكر أيضًا: حادثة اغتيال غسّان كنفاني[52]، ومحاولة اغتيال أنيس صايغ[53]، والمظاهرات[54]، والاضطرابات والطّرق المقطوعة[55]، والحرب الأهليّة[56]، والقصف على بيروت، وحصار المخيّم[57]، ودخول العدوّ مستشفى عكا، والقتل والتّخريب، وفقدان زوجها أمين[58]؛ فعبّرت في سردها عمّا فُرض عليهم؛ كعدم السّماح ببعض التّغييرات في المخيّم[59]، وتجلّى سياقان: سياسيّ واجتماعيّ، أظهرا ما تعرّضوا له من قهر وألم وتشرّد بسبب فقد الوطن.
وعلى الرّغم من القيود المفروضة وتأثير الحرب، فقد كشفت الرّاوية عن عدم رغبتها بمغادرة بيروت (أي بالهجرة الثّانية)، على الرّغم من شعورها بالغربة في المكان، وبعدم رغبة المكان بهم، فدلّ على تعلّقها ببيروت/ المكان القريب (المحاذي) لوطنها: “لن أرحل عن بيتي. لن أترك بيروت…”[60].
وبيّنت أنّ تعلّقها ببيروت، سببه تعلّقها بالبحر؛ فبحر بيروت هو الرّابط ببحر بلدها، وتمسّكها بالبقاء في بيروت جزء من تمسّكها بما يربطها ببلدها، فصارت بيروت بوابة رمزيّة نحو الوطن، والبحر صلة خفيّة بين الماضي والحاضر: “كأنّ شاطئ بيروت يقودني إلى شاطئ بلدنا، كأنّ شاتيلا عند طرف شارع، إن سلكته وسرتُ في خطّ مستقيم أصل الطّنطورة. مجرّد شارع ممتدّ. خطّ واحد كالخطّ بين الطّنطورة وحيفا، أو الطّنطورة وقيساريّة، بلد وصال. وربّما كان الأمر أبسط من ذلك: كرهتُ أن أترك حياتي، وأرحل كما رحل الشّباب، رحلوا اضطرارًا. أمرتهم قيادتهم فغادروا. لم يأمرني أحد، فلماذا أرحل؟”[61].
وهنا نلاحظ السّرد الذي تجلّى ضمن السّياق الوطنيّ الرّمزيّ من ناحية، وضمن السّياق النّفسيّ الوجوديّ، حيث الشّعور بالرّفض من المدينة مع الإصرار على البقاء، والانتماء العميق على الرّغم من الغربة، والشّعور بالاحتواء على الرّغم من قسوة الظّروف القاسية التي عاشوها في بيروت؛ هذا التّمسّك بالقضيّة والبقاء، دلّ على المقاومة الصّامتة التي تجلّت داخلها.
وقد تضمّنت هذه المرحلة اقتراح أمين مواصلة رقيّة دراستها[62]، فدلّ على السّياق الاجتماعيّ الذي ظهر فيه نضج رقيّة وتوجّهها نحو متابعة الدّراسة، على الرّغم من الظّروف القاسية، وتضمّنت أيضًا، تاريخ بدء كتابة الحكاية (حكاية الطّنطوريّة)، بطلب من ابنها حسن، فمثّل مركز انطلاق السرد: “هل أحكي حكايتي حقًّا، أم أقفز عنها؟ …. قال: يهمّني جدًّا أن أسمع منك ما حكاه لك جدّي، لكنّني أريد الآن، شهادتك عن الخروج من البلد. كان حسن يجمع شهادات أهالي قرى السّاحل الفلسطينيّ، عن التّهجير في العام 1948”[63].
نلاحظ تجلّيّات السّياق التّوثيقيّ النّضاليّ، من خلال تدوين الحكاية كتثبيت للهويّة الوطنيّة، وتجذير الحقّ بالأرض، فدلّت على غاية السّرد: تقديم الرّاوية حكايتها للآخرين، وتحويل الحكاية الفرديّة إلى شهادة تاريخيّة ورمز مشترك بين الجيل القديم والحديث، وبين الفرديّ والجماعيّ.
وقد أشارت إلى الصّعوبة في كتابة حكايتها: “حسن هو الذي اقترح عليّ كتابة حكايتي … قال: احكي الحكاية، اكتبي ما رأيته وعشته وسمعته، وما تفكرين فيه … اكتبي ما يعنّ لكِ، واحكي بالطريقة التي تريدين. قلتُ: ليتني أعرف كيف. ثمّ إنّ الحكاية صعبة، لا تُحكى. متشعّبة ثقيلة. كم حرب تتحمّل حكاية واحدة؟ كم مجزرة؟ ثمّ كيف أربط الأشياء الصغيرة على أهميّتها بأهوال ما عشناه جميعًا”[64].
بيّن هذا السّرد الدّافع لكتابة الحكاية، فشكّل سياقًا تاريخيًّا سياسيًّا، وظيفته تسجيل شهادة واقعيّة عمّا عاناه الشّعب الفلسطينيّ، من تشرّد ومجازر، وأهوال، وتبيان صعوبة تسجيل أحداث الحكاية، بعيدًا عن نقل المشاعر التي رافقتها، كما بيّنت الرّاوية سبب تسمية الرّواية بالطّنطورية: “فاجأني ذات مساء، بدفتر كُتب على غلافه، عبارة الطّنطوريّة. قال اكتبي أيّ شيء، اكتبي عن بلدنا، عن البحر، عن الأعراس … أعيدي بعض ما حكيته لنا، ونحن صغار. أمّا الكوارث فاكتبي منها ما تطيقين، والإشارة حتى الإشارة تفي بالغرض”[65].
نلاحظ هنا أنّ عمليّة الكتابة متعلّقة بما تحتمل رقيّة على كتابته، ولو بالإشارة، فتعني أنّ السّرد انتقاء محطّات من حياة الرّاوية خاضعة لقدرتها على تسجيلها، وهذا يندرج ضمن سياق توثيقيّ وجدانيّ؛ وقد بيّنت الغاية من كتابتها لاحقًا، بصوت ابنها حسن: “إنّي أردتُ أن يسمع الآخرون صوتكِ، صوت رقيّة الطّنطوريّة. نحن أولادكِ الأربعة، نعرف هذا الصّوت؛ لأنّنا تربّينا عليه. نعرفكِ ونعرف أنّ لديكِ الكثير الذي تنقلينه للنّاس. ليست الحكاية هي وحدها ما يشغلني، أطمع في الصّوت، ولأنّني أعرف قيمته، أريد أن يتاح للآخرين أن يسمعوه”[66].
سرد يؤكّد الغاية من نقل قضيّة الطّنطورة، بلسان الفرد/ رقيّة للتّأثير في المتلقّي، انطلاقًا من نموذج فرديّ، وبذلك يكون الانتقال من الفرديّ إلى الجمعيّ، إلى القضيّة الفلسطينيّة، قضيّة سلب الأرض من أهلها وقتلهم وتشريدهم، ونستطيع إدراجه ضمن السّياق التّاريخيّ السّياسيّ الملازم للسّياق الاجتماعيّ النّفسيّ.
وهكذا مثّلت هذه المرحلة سياق الانتقال من الوطن المسلوب بالقوّة إلى اللّجوء القسريّ في مكان مؤقّت محاصر سياسيًّا واجتماعيًّا، أي من سياق الانتماء الأصليّ (الطّنطورة/ فلسطين) إلى سياق النّفي والاقتلاع (المخيّمات في بيروت وصيدا)، حيث تحوّل الوطن إلى ذكرى، والهويّة إلى صراع يوميّ للبقاء والتّذكّر.
ب. السّياقات الدّلاليّة للهجرة الثّانية (إلى الخليج والإسكندريّة): تبدأ هذه المرحلة، مع الفصل الرّابع والثّلاثين الموسوم بعنوان (…على الخليج)، حين قبلت رقيّة فجأة، بعد مراوغتها طوال أربع سنين، أن تنتقل مع ابنتها مريم، إلى الخليج، حيث يعيش ابنها صادق مع عائلته[67]؛ وعلى الرّغم من انتقالها القسريّ إلى مكان جديد، بقيت علاقتها بالبحر، مع ملاحظتها اختلاف البحر في الخليج عن بحر بلدها المجاور لبيتهم، فتقصد البحر برفقة ابنها صادق: “وفي شهري الشّتاء، حين يتراجع القيظ والرّطوبة، يقود صادق سيارته إلى بقعة من الشّاطئ، يمكننا أن نمشي على الرّمل. نخلع نعالنا، ونسير متجاورين، أحيانًا تنفكّ عقدة لساني، وأحكي لصادق، وهو يحكي لي”[68].
نلاحظ السّياق المكانيّ/ البحر، فعلى الرّغم من اختلافه عن بحر وطنها، يبقى رمز الارتياح، فجعل السّياق المكانيّ متلازمًا مع السّياق النّفسيّ، حيث المكان/ البحر الذي يُطلق لسانها بالفضفضة عمّا في النفس؛ لأنّه مرتبط بوطنها.
وذكرت تعلّقها بزيّ بلدها التّراثيّ، فالزّيّ دلالة على البلد، والدّفاع عنه هو دفاع عن بلدها؛ لأنّ الثّوب يدلّ على انتمائها وهويّتها الفلسطينيّة؛ فحين رآهم رجل (سمير)، وظنّ أنّهم من إسرائيل، بسبب ارتداء صديقتها وصال الزّيّ الفلسطينيّ، دافعت وصال عنه، مبيّنة أنه ثوب فلسطينيّ فلّاحيّ، طرّزته بيدها[69]؛ وهذا الدّفاع هو دفاع عن الهويّة الفلسطينيّة، وعن الانتماء إلى الأرض، على الرّغم من احتلالها من قبل العدوّ، وطردها مع أهلها منها؛ لأنّ الزّيّ يرمز إلى التّراث؛ وهنا تجلّى السّياق الهويّاتيّ، حيث التّمسّك بالأصل، على الرّغم من الغربة.
وتابعت الرّاوية ضمن هذه المرحلة، سردها عن رموز ثقافيّة؛ فوصفت شخصيّة الرسام ناجي العلي الّذي خلق شخصيّة حنظلة، ليحمي روحه[70]… فذكرت تعريف مريم به، حسب ما يمثّله بالنّسبة إلى أمّها: أمّها رقيّة تتابع رسومه في بيروت؛ لأنه قريبها وابن بلدها، ولأنه يعبّر عن أشياء تريد أن تقولها[71]؛ وعبّرت الرّاوية رقيّة عن نظرتها إليه: “لم يكن ناجي العلي قائدًا سياسيًّا أو عسكريًّا كصلاح الدّين. لم يكن متوقّعًا أن يقودنا في معركة ننتصر فيها على أعدائنا ونحرّر فلسطين، ولكنّ رسومه تعبّر عنّي، تجعلني أكتشف مشاعري والأشياء التي تثقل عليّ وتؤلمني، والأشياء التي أرغب في تحقيقها. رسوم ناجي العلي تعرّفنا بأنفسنا. وعندما نعرف نستطيع. ربّما لذلك اغتالوه”[72]؛ لقد تكشّف هنا سياق ثقافيّ دلّ على أنّ ناجي العلي بالنّسبة إليها، هو رمز من رموز الوطن، وهو إشارة إلى تعلّقها بهويّتها الفلسطينيّة، وإلى وظيفة الفنّ في تشكيل الوعي.
وذكرت احتفاظها بالسّلسال الذي أهداه لها ابنها عبد، والذي صمّمه صديقه العراقيّ “مصطفى كردي”، فيه حلية فضّيّة محفور عليها بخطّ كوفيّ كلمة (الطّنطوريّة)[73]، فأشار إلى تمسّكها بانتمائها إلى الطّنطورة؛ فالسّلسال مثّل رمز الهويّة والانتماء الجغرافيّ، وقد تجلّى ضمن السّياق الهويّاتيّ.
وكذلك ذكرت أغنية مريم لها: يا طنطوريّة…[74]، دلالة على حضور الوطن في حياتهما، وتغنّيهما به، وإشارة إلى الرّاحة النّفسيّة التي يبعثها في نفسيهما؛ فتراب الطّنطورة تحضن أيضًا، جسد أخويها: الصّادق وحسن[75]، وربطت مريم بين الأمكنة؛ فقارنت بين القاهرة والطّنطورة[76]، وذكرت اختيار مريم الإسكندريّة لا القاهرة؛ لأنّ أمها تحبّ البحر[77]، وتحدّثت عن استنشاق رائحة البحر دائمًا، والاستماع إلى هديره في الإسكندريّة: “أستنشق رائحته، وإن حال الظّلام دون رؤيته. لا أراه. أسمع هديره واصطدام موجه بالكسّارات الحجريّة على الشّاطئ. من أين أتت الصّحراء؟”[78].
وتابعت أخبارها مع البحر، أينما توجّهت: “أحيانًا أنزل إلى الشّاطئ. أخلع نعليّ وأخوض بقدميّ العاريتين في الرّمل، أقطعه في خطّ عموديّ مستقيم باتّجاه الماء. ثمّ أقف. أسلّم نفسي لرائحة البحر ووشيش أمواجه، ولما ينثره على وجهي وجسمي من ملح ورذاذ. يتسلّل لا أدري كيف، إلى طرف اللّسان. أظلّ واقفة، هكذا أنظر. أو أتراجع خطوتين وأتربّع، أو لا أتراجع. أقرفص كما كنتُ أفعل وأنا صغيرة في الثّالثة، لم أتجرّأ بعد على القفز في الماء. أقرفص عند باب البحر، أو أمشي شاردة لا أعي ولا أفكّر في أيّ شيء. فقط رمل مبلّل تنغرس فيه قدماي، وزرقة مطرّزة بالزّبد، وهواء مشْبع برائحة أليفة يتسلّل عبر الثّوب إلى جسمي”[79].
إنّها العلاقة الخاصّة بالبحر، علاقة مرتبطة بالحواس: البصر، والسّمع، والشّمّ، واللّمس، والذّوق (حين أشارت في الفصل الأوّل أنّه بئر سكّر، وهنا ذكرت أنّه ينثر الملح)، وهنا أيضًا إشارة إلى علاقتها بالبحر الذي أعادها إلى طفولتها في قريتها/ وطنها، فتكشّف السّياق المكانيّ والزّمانيّ الذي تضمّن تفاصيل هذا السّرد، وأظهر الفرق بين سكّر بحر بلدها وملح بحر الغربة.
وفي هذه المرحلة، أشارت إلى العودة، بمنطق الطّير، إلى الطّنطورة، حين سمعت بقصّة الرّجل المسنّ الذي عاد إلى فلسطين: “أعود مثله. لا على متن حمار، بل بمنطق الطير”[80]؛ وقد ذكرت ذلك حين أعطتها فاطمة الصّور وقرصًا مدمّجًا وضعته مريم في الكمبيوتر، فرأت الطّنطورة والشّاليهات، وذكرت طلبها من فاطمة زيارة الطّنطورة، والتقاط صور[81]، فقالت: “أتطلّع في الصّور، أتملّاها. هل تغذّي الصّور منطق الطّير؟”[82]؛ وهنا برز السّياق النّفسيّ الوجدانيّ مع السّياق المكانيّ، حيث محاولة استعادة الوطن رمزيًّا وروحيًّا، حتى لو لم يتحقّق ماديًّا، من خلال السّفر الدّاخليّ العميق؛ فالصّور نقلتها إلى الطّنطورة، وأعادتها عودة وجدانيّة إليها عبر الذّاكرة والرّوح، كما الطّيور الباحثة عن الحقيقة على الرّغم من الألم، في كتاب (منطق الطّير)[83].
أمّا على الصّعيد السّياسيّ، فقد ضمّنت الرّاوية هذه المرحلة، الحديث عن مشروع رفع قضيّة سلب أرض فلسطين للقضاء الأوروبيّ، على يد ابنها عبد الرّحمن[84]، وذكرت بقلم ابنها حسن، من مقالة له، بعنوان (شهادة)، أخبار اقتحام مكتب منظمّة التّحرير ومركز البحوث الفلسطينيّ، ومصادرة الوثائق والمستندات[85]، والمذابح في المخيّمات[86]، ورواية نيوجرسي[87]؛ فتكشّف هنا السّياق السّياسيّ التّوثيقيّ: توثيق الواقع التّاريخيّ، وإثبات الحقّ الفلسطينيّ قانونيًّا وتاريخيًّا.
وذكرت أخبار تحرير جنوب لبنان في العام 2000م مع مشاعرها: “غريب، من أين جاءت كلّ هذه الدّموع؟ لماذا ترتبط الدّموع بالحزن والهموم؟ دموع فرح إذن؟ لا، لا حزن ولا فرح، شيء أكبر، أبعد غورًا..”[88]؛ فتجلّى سياق مكانيّ زمنيّ تلازم معه سياق وجدانيّ حمل مشاعر الفرح الملتبس بالحزن، لتأكيد التّلازم بين المعاناة والأمل.
ونقلها منظر الأمّهات المحتفلات بالعيد، إلى التّفكير بالوطن: “التّلفزيون ينقل مشهد التّحرير مباشرة على الهواء، الأمّهات في التّلفزيون يشبهن أمّي وخالتي، يزغردنَ، يهاهينَ، ينثرنَ الأرز وأوراق الورد على القادمين. سأقيم هناك، أجاور قبر أمّي وعمّي أبي الأمين. وحين يأتي الميعاد، أستقرّ بجوارهما، ويومًا ما ربّما ينقلوننا جميعًا إلى هناك”[89]؛ وهنا ظهر سياق مكانيّ وزمنيّ متلازمًا مع سياق الحنين والذّاكرة الذي يعبّر عن تلازم الذّاكرة والهويّة، على الرّغم من الشّتات الذي يعيشونه.
وما لبثت أن سجّلت قلقها تجاه ما كتبته لحسن، في الحكاية المطلوبة: “… وتحرير عام 2000 تابعه النّاس على الشّاشات ووصفته آلاف التّقارير في الصّحف، وكتب عنه المتخصّصون وغير المتخصّصين… تتسارع دقّات قلبي… وأنا أشاهد الأهالي وهم يعودون إلى قراهم بعد عشرين عامًا”[90]. إنّها عاطفة تعبّر عن مقاربة مشهد عودة أهالي جنوب لبنان بعودة أهالي فلسطين، عودة ترجو تحقيقها؛ وهنا برز سياق تاريخيّ تأمّليّ، وظيفته سؤال الذّات عن جدوى العاطفة مقابل التّوثيق، ورغبة في توازن العاطفة والشّهادة، فالرّاوية هنا، ما اكتفت بالتّأريخ للتّهجير والفقد، بل وظّفت السّرد لتثبيت شهادة تاريخيّة وجدانيّة، جعلت من الحنين والعاطفة جزءًا أصيلًا من الشّهادة، فأعادت وصل الفرديّ بالجماعيّ، عبر الرّموز، وأصبحت الذّاكرة هنا ليست مجرّد تسسجيل، بل فعل مقاومة مستمرّ.
وهكذا تضمّنت هذه المرحلة سياقات مكانيّة وزمنيّة وسياسيّة وتاريخيّة ونفسيّة ووجدانيّة، مشكّلة سياق التّهجير، أي الانتقال من الاغتراب في المكان المؤقّت (لبنان)، المكان المجاور للوطن، إلى الاغتراب الجغرافيّ الأبعد في المنافي (الخليج/ الإسكندريّة)؛ إنّه سياق الانتقال من غربة المكان القريب، إلى منفى المكان البعيد، بالتّوازي مع سياق الحنين والانتماء.
أمّا مرحلة التّهجير بشكل عامّ، فقد مثّلت سياق وعي الشّخصيّة على وقع الاقتلاع والانفصال القسريّ عن الجذور، وبرزت فيه السّياقات المترابطة الآتية: سياق افتقاد الأهل، وسياق العيش في مخيّمات تتعرّض للقمع والرّقابة، وسياق التّمسّك بالهويّة (من خلال بعض الرّموز، مثل: المفتاح، وناجي العلي، والثّوب، والسّلسال)، وسياق التّواتر بين الحنين للوطن والتّأقلم القسريّ مع واقع اللّجوء.
ثالثا: السّياقات الدّلاليّة لمرحلة العودة (إلى لبنان وفلسطين)
تضمّنت هذه المرحلة عودة رقيّة إلى صيدا، وعودة ابنها حسن إلى فلسطين[91]، في الفصول الأخيرة (السّادس والخمسين، والسّابع والخمسين، والثّامن والخمسين)، بدأتها الرّاوية بالسّرد عن عودتها إلى صيدا؛ فجاء في حوار مع ابنها عن صيدا: “- على حالها. البحر والقلعة وخان الإفرنج، والحارة القديمة وسوق الخضار. لحظة صمت، ثمّ أضيف: -وبنايات جديدة من طوابق متعدّدة – والمخيّم؟ أسكت. يكرّر السؤال:- وضعه صعب”[92]؛ فذكرت الرّاوية مجدّدًا مع عودتها إلى صيدا، العودة مجدّدًا إلى البحر، حيث العلاقة الخاصّة به مع أناس يربطها بهم زمن فلسطين، فحضر في السّرد، سياق مكانيّ وزمنيّ دلّ على العودة إلى صيدا بثباتها وتغيّرها، لازمه سياق اجتماعيّ دلّ على الوضع الصّعب الذي يعيشه المخيّم الفلسطينيّ.
وقد مهّدت لسكنها في صيدا، وهي تعدّ نفسها للعودة من الإسكندريّة إلى لبنان، إلى البيت السّابع والأخير: “نعم، سيكون البيت السّابع والأخير. أقعد فجأة، بعد أن كنتُ أرقد على الفراش بين اليقظة والنّوم. أعدّ على أصابعي: بيتنا في البلد، بيت عمّي أبي الأمين في صيدا القديمة، بيت الزّوجيّة مع أمين، أيضًا في صيدا. بيت الطّريق الجديدة في بيروت، ثمّ أبو ظبي فالإسكندريّة. البيت السّابع سيكون هناك في صيدا، عند الباب أحبّ الرّقم سبعة، لعلّه خير. أتحسّس المفتاح المعلّق في رقبتي وهديّة عبد: الحلية الفضّيّة التي صنعها الكرديّ”[93].
هنا نلاحظ السّياق التّاريخيّ الذي تضمّن تعداد البيوت، أظهر توثيق تاريخ رحلة الشّتات الفلسطينيّة عبر الأمكنة والأجيال، وهو توثيق تاريخ عائليّ مرتبط بتاريخ قضيّة الوطن، والبيت السّابع الذي تحدّثت عنه الرّاوية، تجلّى ضمن سياق نفسيّ وجدانيّ، عبّر عن الأمل بانتهاء الشّتات والعودة إلى الوطن.
وانتقلت الرّاوية إلى ذكر تفاصيل المكان، فسردت أخبار جولتها مع مريم في طرقات صيدا القديمة[94]، حيث تجلّى السّياق المكانيّ الوجدانيّ من خلال وصف الأزقّة والأسواق والبيوت والبحر، فأكّد العلاقة الوجدانيّة بالمكان الّذي عاشت فيه بعد التّهجير الأوّل، وساعد على إحياء المكان وربطه بالطّفولة والذّاكرة الجماعيّة.
وضمن ذكرياتها في صيدا، سردت رقيّة حكاية البنّورة التي أعطاها لها ولد في شاتيلا، واحتفاظها بها: “ما زلتُ أحتفظ بها… أرى الولد الذي أعطاها لي… أتأمّل بنّورته، فأرى أشياء وأرى نفسي وربّما أرى الماضي أو المستقبل. أغلق يدي عليها بحرص، وأعيدها إلى مكانها”[95]؛ وهنا تجلّى سياق وجدانيّ نفسيّ، من خلال التّأمّل في البنّورة كرمز، بين استعادة الماضي والتّحصّن ضدّ النّسيان، والتّواصل العاطفيّ مع الذّات والذّكريات.
كما سردت حكاية عمارة جاد وقصّة “ميرا” الفتاة التي أحبّها حسن، وقد أخبرها بها عبد ومريم[96]؛ وهنا تكشّف سياق اجتماعيّ، بيّن حضور الحكايات الخاصّة كجزء من البناء العائليّ للذّاكرة، وهذا يساعد في ترسيخ الذّاكرة الفرديّة، لتصبح ذاكرة جمعيّة.
وذكرت الرّاوية الظّروف التي حالت دون لقائها بابنها حسن، بعد عودتها إلى لبنان، بسبب زيارته فلسطين[97]؛ هنا حضر سياق نفسيّ عاطفيّ ضمن سياق سياسيّ قانونيّ، عبّر عن الخيبة وحلول الصّمت كأداة للتّعبير عن الثّقل والخذلان، كما عبّر عن لغة التّألّم من المأزق السّياسيّ العميق.
وتحدّثت عن عبد الذي حضّر لعرض قضيّة فلسطين في المحاكم البلجيكيّة، مبيّنًا القوانين والأحكام المُلزمة دوليًّا ومعاهدة روما وما تلاها من قرارات، والدّول الأوروبيّة التي التزمت بها[98]؛ فعلّقت رقيّة على الموضوع في سردها: “هل يعيش عبد وهمًا؟ هذه القضايا التي انهمك في الإعداد لها منذ سنين. هل تعيد حقًا لقتيل؟..”[99].
تجلّى هنا سياق قانونيّ حقوقيّ، حاول إبراز دور القانون الدّوليّ كمسار مقاومة غير مسلّح، والتّأكيد على تنوّع وسائل النّضال، فبيّن أنّ القضيّة حيّة حتّى في ساحات القضاء؛ وتجلّى كذلك سياق وجدانيّ، أظهر التّوتّر النّفسيّ بين الحلم والواقع، وبين الأمل في العدالة والخيبة منها، وتجلّى كذلك سياق توثيقيّ اجتماعيّ، كشف الإصرار على المقاومة بالذّاكرة والأوراق، ونقل صورة جيل جديد، لم يتعب من المحاولة على الرّغم من معرفة صعوبة الطّريق.
وتحدّثت عن زيارة الحدود اللّبنانيّة الفلسطينيّة، احتفالًا بتحرير أرض جنوب لبنان؛ فوصفت قدوم الباصات من صيدا وصور إلى الحدود، وهتاف الأهالي والغناء والأهازيج من الدّاخل[100]، كما وصفت لقاءها بأرض فلسطين[101]، فتجلّى في سردها سياق تاريخيّ احتوى التقاء الفرح الجمعيّ بتحرير الجنوب مع الحنين للوطن الأمّ، وخلق مشهد وحدة وجدانيّة بين أهالي الدّاخل الفلسطينيّ وأهالي المخيّمات والجنوب اللّبنانيّ، فأبرز التّضامن الشّعبيّ والاجتماعيّ الذي تخطّى الأسلاك والحدود، وبيّن الوحدة الوجدانيّة التي لا يستطيع الاحتلال محوها، وتجلّى كذلك سياق وصفيّ حسّيّ للحدود بين الوطن والأرض المحتلّة، أظهر أثر الرّؤية المباشرة لأرض الوطن، وتعزيز الشّعور بالتّناقض بين جمال الأرض ووجود الاحتلال كجدار مادّيّ رمزيّ.
وصفت كذلك، لقاء أبناء الوطن من جانبي السّلك الشّائك: اللّافتات، الأعلام، تبادل التّحيّة، التّعريف بقراهم وبمخيماتهم، تبادل النّساء الطّعام بين جانبي السّلك[102]؛ فتجلّى سياق هوياتيّ أكّد الانتماء الجمعيّ عبر الأسماء والبلديات الأصليّة، فقام بتحويل الحدود السّياسيّة إلى نقطة لقاء رمزيّ وهويّة فلسطينيّة موحّدة، وبرز معه سياق نسويّ تضامنيّ بيّن التّضامن الأنثويّ كجزء من المقاومة اليوميّة والذّاكرة الحيّة، وقدّم النّساء كحاملات للذّاكرة والحنين والوصل بين الأجيال.
ونقلها لقاؤها بامرأة من عين غزال إلى ذكرياتها في الوطن قبل التّهجير، فعرفت منها أخبار يحيى[103]؛ فتجلّى سياق اجتماعيّ تداخل فيه الماضي بالحاضر، من أجل المقارنة بين الماضي (الخطبة القديمة من يحيى الغزال)، والحاضر (يحيى صار أستاذًا جامعيًّا في عمّان، وكلّ منهما متزوّج من شخص آخر)، فكشف أثر النّكبة في مسارات الحياة الفرديّة، وربط الماضي بالمصير الحاضر (إحياء الماضي الفرديّ كجزء من التّاريخ الجمعيّ)، وأكّد على استمراريّة العلاقات على الرّغم من التّشريد.
واستوقفها مشهد الاحتفال (إطلاق البالونات والحمام بألوان العلم وأسماء القرى)[104]؛ فتجلّى سياق تاريخيّ سياسيّ، أكّد حضور الوطن في الوجدان، على الرّغم من الاحتلال، وساعد في إحياء الأمل بالعودة، فجعل الاحتفال فعلًا رمزيًّا يحيي الأرض في الوعي الجمعيّ، ولازمه سياق نفسيّ وجدانيّ كشف التّوتّر الدّاخليّ للسّاردة ، من خلال تساؤلها “هل يُنهك الفرح؟ هل هو فرح أو شيء أعقد ويأتي من بعيد؟”[105]، فعبّر عن الوجع المختلط بالفرح في مشهد التّحرير، ووضّح التّعقيد العاطفيّ بين الفرح والحزن في حالة الشّتات.
وذكرت تحقّق لقائها بابنها حسن عند السّلك الحدوديّ، وشعورها في ذلك الوقت[106]؛ فتجلّى سياق اجتماعيّ عائليّ، أظهر أنّ الانتماء العائليّ لا يتأثّر بالمسافات ولا بالسّياسة، بل يقوّى في لحظات اللّقاء، فجسّد قوّة الرّوابط العائليّة على الرّغم من الحدود والصّعاب.
وبعدها تعرّفت إلى زوج ابنها حسن وأولاده، وحملت طفلته الصغيرة رقيّة: “(رقيّة الصّغيرة) يقول حسن بصوت عالٍ: ما الذي أهديه لرُقيّة؟ أحمّل الصّغيرة لامرأة تقف بجواري، أمدّ يدي إلى صدري قاصدة أن أهديها الحلية التي تحمل اسمها، حلية الكرديّ، صديق عبد. ألمس الحلية، أتحسّسها، ألمس المفتاح، أرفع الحبل من رقبتي، أضعه حول رقبة الصّغيرة، أقبّل جبينها، أعطيها للرّجل الطّويل، فيعيدها عبر السّلك إلى حسن، فتأخذها أمّها منه. قلتُ بصوت عالٍ: مفتاح دارنا يا حسن، أهديه إلى رقيّة الصّغيرة. أرى دموع حسن. أسمع امرأة تقف بجواري تزغرد”[107]؛ تجلّى هنا سياق هويّاتيّ؛ فإهداء المفتاح للحفيدة رقيّة الصّغيرة، يرمز إلى نقل الذّاكرة، وترسيخ الوعي بالانتماء لدى الجيل الجديد، وتربيته على التّمسّك بحمل القضيّة.
ووصفت مغادرة الأهالي الحدود، وعودتهم إلى منازلهم[108]، ووصفت اللّقاء بالرّسام الصّغير ناجي بين اليقظة والنّوم، قبل أن تفتح عينيها وتغادر الباص؛ فذكرت أنّه يعمل ويساعد أهله على الرّغم من صغر سنّه، وهو تلميذ في الصّفّ الثّاني الإعداديّ، من مخيّم عين الحلوة، وأصله من الجليل؛ رسمها في رسمتين بالثّوب الفلّاحيّ: في الرّسمة الأولى تحمل طفلة في الأقمطة على وشك أن تحمّلها لشاب في الجانب المقابل من السّلك، يرفع يديه باتّجاه الطّفلة، على صدر الطّفلة مفتاح كبير عتيق يغطّي ثلثي جسمها. وفي الرّسمة الثّانية، رسمها وهي نائمة مع وشم واضح تحت الأنف وجديلتين[109]؛ فتجلّى هنا سياق ثقافيّ/ فنّيّ رمزيّ أبرز دور الإبداع والفنّ في نقل الذّاكرة، وتحويل الواقع إلى رمز.
وختمت الرّاوية بتساؤل حول احتمال التقاء حفيدتها الطّفلة رقيّة بالرّسام الصّغير ناجي الخارج من حلمها أو من الحقيقة في مخيّم عين الحلوة: “بين النّوم والصّحو في سريري يلتبس عليّ الأمر. أقول هل كان ناجي يجلس بجواري أم كان طيفًا في المنام؟ هل أجده صباح الغد في عين الحلوة؟ هل نلتقي ويسمح لي أن أتعرّف عليه أكثر، وأتابعه يومًا بعد يوم، وهو يكبر؟ هل يلتقي ناجي برقيّة الصّغيرة ذات يوم، عبر السّلك أو من دونه؟ سأنام. أرهقني اليوم بأحداثه الكثيرة. سأنام لأصحو مبكرًا وأذهب إلى المخيّم لأبحث عن ناجي، وأتأكّد أنّه هناك”[110].
تجلّى في السّرد سياق زمنيّ كشف مقاربة بين لقاء الرّاوية رقيّة بيحيى (في أوّل الرّواية)، وبناجي الصّغير (في آخر الرّواية)، واحتمال التقاء رقيّة الصّغيرة بناجي الصّغير في المستقبل، فأظهر أنّ الرواية تبني تسلسلًا زمنيًّا ينتقل من الماضي إلى الحاضر، ثمّ إلى المستقبل؛ فيحيى يجسّد الماضي المفقود، وناجي الكبير يرمز إلى الحاضر بالذّاكرة المتجلّية في الفنّ، وناجي الصّغير يشير إلى الأمل والاستمراريّة.
وهكذا حوّلت السّاردة كلّ مشهد في مرحلة العودة، إلى خطاب رمزيّ ربط الحاضر بالماضي والمستقبل، فصار الاحتفال واللّقاء والفنّ أدوات مقاومة رمزيّة ضدّ النّسيان، مشكّلة سياقًا دلاليًّا، وظيفته: توثيق الذّاكرة الجمعيّة عبر التقاء أهل الشّتات وأهل الدّاخل الفلسطينيّ، وتأكيد استمراريّة الهويّة الفلسطينيّة عبر الأجيال والنّساء خاصّة.
استنتاج
تبيّن من خلال هذه الدّراسة، أنّ العنوان/ الطّنطوريّة لا يقتصر على كونه إطارًا شكليًّا للرّواية، بل يمثّل هويّة خطابيّة تؤطّر السّرد، وتوجّهه عبر مساراته المتعدّدة؛ ففي بعده التّسمويّ، قدّم تعريفًا أوّليًّا بالخطاب الرّوائيّ، من خلال ربطه مباشرة بفضاء جغرافيّ/ تاريخيّ محدّد، هو قرية الطّنطورة ضمن سياق النّكبة والتّهجير القسريّ؛ وفي بعده التّأويليّ، انفتح على دلالات رمزيّة تجاوزت حدود المكان، فتحوّل من دالٍ على هويّة فرديّة (تمثّلت في رقيّة الطّنطوريّة)، إلى دالٍّ على هويّة جمعيّة (تختزل معاناة الفلسطينيّين بسبب التّهجير القسريّ والشّتات).
وعبر تتبّع حياة الرّاوية، من خلال التّحليل، لاستخلاص السّياقات المتداولة في الخطاب الرّوائيّ (الزّمنيّة والمكانيّة والاجتماعيّة/ النّفسيّة والسّياسيّة/ التّاريخيّة والثقافيّة/ الهوياتيّة)، تكشّف أنّ العنوان امتدّ فيها، فعكس دلالات الانتماء في السّياق السّرديّ:
- في مرحلة الحياة في الوطن: حضر بوصفه جذر الهويّة، ومرجعيّة الذّاكرة الأولى.
- في مرحلة التّهجير القسريّ: تحوّل إلى رمز للغربة القسريّة، وللذّاكرة في مواجهة النّسيان.
- في مرحلة العودة: استعاد بعده الرّمزيّ، كهويّة باقية على الرّغم من الاحتلال، مؤكّدًا أنّ الانتماء ليس جغرافيًّا فقط، بل وجوديًّا ومعرفيًّا.
هذه السّياقات الممتدّة للعنوان في الخطاب الرّوائيّ، أظهرت لنا أنّ الرّواية تبني سرديّتها على ثلاثيّة وجوديّة، هي: الوطن كمنطلق للهويّة، والتّهجير كذاكرة تعيش الشّتات وتشكيل الذّات، والعودة كإصرار على البقاء ومقاومة المحو والنّسيان؛ فتبيّن أنّها سياقات متكاملة تتقاطع في قصديّة محدّدة، تتمثّل في: تحميل فعل الانتماء وحقّ العودة عبر الأجيال، من خلال حماية الذّاكرة من الطّمس والنّسيان؛ فالعنوان/ الطّنطوريّة هو خطاب انتماء وذاكرة ومقاومة، يوجّه السّرد ويوازيه ويكمّله؛ لتغدو الرّواية شهادة وجوديّة على أنّ الكلمة التي تمثّل الذّاكرة الجمعيّة، تكتسب القدرة على مقاومة الاحتلال، بما تتيحه من استعادة للمكان المفقود وصونه من التّلاشي.
وبذلك تتّضح قيمة العنوان في الجمع بين الوظيفة التّسمويّة التي تعرّف النّصّ وتؤطّره في سياق محدّد، والوظيفة التّأويليّة التي تمنحه عمقًا دلاليًّا في المتن الخطابيّ؛ من هنا، يغدو العنوان نقطة انطلاق لدراسات أوسع تتناول وظائفه في ضوء السّرديّات الحديثة وعلاقته بالمتلقّي، في سياق ثقافيّ وتاريخيّ متحوّل، فيصبح أفقًا تأويليًّا مفتوحًا.
المصادر والمراجع
المراجع العربيّة
- الأحمر (فيصل): معجم السّيميائيّات، ط1، الجزائر: منشورات الاختلاف، 2010.
- الجزار (د. محمد فكري): العنوان وسميوطيقا الاتّصال الأدبيّ، لا ط.، القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1998.
- حرب (علي): نقد الحقيقة، ط2، بيروت: المركز الثّقافيّ العربيّ، 1995.
- الحميداني (حميد): بنية الخطاب السّرديّ من منظور النّقد الأدبيّ، ط3، الدّار البيضاء: المركز الثّقافيّ العربيّ،، 2000.
- خليل (د. حلمي): مقدّمة لدراسة اللّغة، لا ط، الإسكندريّة: دار المعرفة الجامعيّة، 2000.
- رحيم (عبد القادر): علم العنونة، ط1، دمشق: دار التّكوين للتّأليف والتّرجمة والنّشر، 2010.
- الشّهري (عبد الهادي بن ظافر): استراتيجيّات الخطاب- مقاربة لغويّة تداوليّة، ط1، بيروت: دار الكتاب الجديد المتّحدة، 2004.
- عاشور (رضوى): الطّنطوريّة، ط2، القاهرة: دار الشّروق، 2011.
- عتيق (د. عبد العزيز): علم المعاني، لا ط، بيروت: دار النّهضة العربيّة، 1985.
- الكريم (عبد الله جاد): التّداوليّة في الدّراسات النّحويّة، ط1، القاهرة: مكتبة الآداب، 2014.
المراجع المترجمة
- أرمينكو (فرانسواز): المقاربة التّداوليّة، ترجمة د. سعيد علّوش، لا ط، الرّباط: مركز الإنماء القوميّ، 1986.
- دايك (فان): النّصّ والسّياق، ط.1، ترجمة عبد القاهر قنيني، المغرب: دار أفريقيا الشّرق، 1999.
- دلاّش (الجيلانيّ): مدخل إلى اللّسانيّات التّداوليّة، ترجمة محمّد يحياتن، لا ط، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعيّة، 1992.
- العطّار النّيسابوريّ (فريد الدين النّيسابوريّ الهمداني المتوفّى:627 ه): منطق الطّير، ترجمة وتقديم بديع محمّد جمعة، ط1، بيروت: دار الأندلس للطّباعة والنّشر والتّوزيع، 2002.
[1] حرب (علي): نقد الحقيقة، ط2، بيروت: المركز الثقافي العربيّ، 1995، ص 9.
[2] انظر: أرمينكو (فرانسواز): المقاربة التداولية، ترجمة د.سعيد علّوش، لا ط.، الرباط: مركز الإنماء القوميّ، 1986.
[3] عاشور (رضوى): الطنطوريّة، ط2، القاهرة: دار الشروق، 2011.
[4] رضوى عاشور، قاصّة وروائيّة وناقدة أدبيّة وأستاذة جامعيّة مصريّة، ولدت في العام 1946، وتوفيت في العام 2014، من أعمالها الأدبيّة والنقدية البارزة: ثلاثية غرناطة، تقارير السيدة راء، الطنطوريّة، الحداثة الممكنة.
[5] الشهري (عبد الهادي بن ظافر): استراتيجيّات الخطاب-مقاربة لغويّة تداوليّة، ط1، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004، ص 40..52 وص 180..220.
[6] الحميداني (حميد): بنية الخطاب السردي من منظور النقد الأدبيّ، ط3، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربيّ،، 2000، ص 70.
[7] الجزار (د.محمد فكري): العنوان وسميوطيقا الاتصال الأدبيّ، لا ط.، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998. ص 8.
[8] خليل (د.حلمي): مقدّمة لدراسة اللغة، لا ط.، الإسكندريّة: دار المعرفة الجامعيّة، 2000، ص 61…66.
[9] الجزّار (د. محمّد فكري): العنوان وسيميوطيقا الاتّصال الأدبيّ، لا ط.، القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1998، ص 21.
[10] عاشور (رضوى): الطّنطوريّة، ص 460.
[11] عتيق (د.عبد العزيز): علم المعاني، لا ط.، بيروت: دار النهضة العربية، 1985، ص 130…158.
[12] الكريم (عبد الله جاد): التّداوليّة في الدراسات النحويّة، ط1، القاهرة: مكتبة الآداب، 2014، ص 45.
[13] الأحمر (فيصل): معجم السيميائيات، ط1، الجزائر: منشورات الاختلاف، 2010، ص 26.
[14] رحيم (عبد القادر): علم العنونة، ط1، دمشق: دار التّكوين للتّأليف والتّرجمة والنّشر، 2010، ص 43.
[15] عاشور (رضوى): الطّنطوريّة، ص 7 و8.
[16] نفسه، ص 12.
[17] نفسه، ص 7.
[18] سورة الشعراء:63.
[19] عاشور (رضوى): المصدر السابق، ص 7.
[20] دلاّش (الجيلانيّ): مدخل إلى اللّسانيّات التّداوليّة، ترجمة محمّد يحياتن، لا ط.، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعيّة، 1992، ص 43.
[21] دايك (فان): النّصّ والسّياق، ط.1، ترجمة عبد القاهر قنيني، المغرب: دار أفريقيا الشّرق، 1999، ص 292.
[22] عاشور (رضوى): الطّنطوريّة، ص8.
[23] نفسه، ص 9 و10 و11 .
[24] نفسه، الفصل الثاني.
[25] نفسه، ص9 .
[26] نفسه، ص 16…22 .
[27] نفسه، ص 12 .
[28] نفسه، ص 235.
[29] نفسه، ص54 و55
[30] نفسه، ص 59 .
[31] نفسه، ص 60.
[32] نفسه، ص 61.
[33] عاشور (رضوى): الطنطوريّة، ص 67 .
[34] نفسه، ص68 و69 .
[35] نفسه، ص 73 .
[36] نفسه، ص 73 و74.
[37] نفسه، ص 200.
[38] نفسه، ص 79…83.
[39] عاشور (رضوى): الطنطوريّة، ص 91 و92.
[40] نفسه، ص 93.
[41] نفسه، ص 113.
[42] نفسه، ص 114 و115.
[43] نفسه، ص 113.
[44] نفسه، ص 115.
[45] نفسه، ص 120.
[46] نفسه، ص 121 و122.
[47] نفسه، ص 125.
[48] نفسه، ص 146.
[49] نفسه، ص 148.
[50] نفسه، ص 149.
[51] نفسه، ص 152.
[52] عاشور (رضوى): الطنطوريّة، ص 140.
[53] نفسه، ص 141.
[54] نفسه، ص 158 و159 و160.
[55] نفسه، ص 164.
[56] نفسه، ص 173.
[57] نفسه، ص 224…230.
[58] نفسه، ص 246…254.
[59] نفسه، ص 239.
[60] نفسه، ص 259.
[61] نفسه، ص 260.
[62] نفسه، ص 138.
[63] نفسه، ص 84 و85.
[64] المصدر نفسه، ص 204 و205.
[65] المصدر نفسه، ص 206.
[66] نفسه، ص 234.
[67] نفسه، ص 276 و277.
[68] نفسه، ص 288.
[69] نفسه، ص 321… 324.
[70] نفسه، ص 327 و328.
[71] نفسه، ص 336 و337.
[72] نفسه، ص 337.
[73] نفسه، ص 361 و362 و363.
[74] نفسه، ص 378 و379.
[75] نفسه،ص 393.
[76] نفسه، ص 395.
[77] نفسه، ص 385.
[78] نفسه، ص 397.
[79] نفسه، ص 398.
[80] نفسه، ص 417.
[81] نفسه، ص 411 و 418.
[82] نفسه، ص 419.
[83] العطّار النيسابوريّ (فريد الدين النيسابوري الهمداني المتوفّى:627 ه): منطق الطير، ترجمة وتقديم بديع محمد جمعة، ط1، بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 2002.
[84] عاشور (رضوى): الطنطوريّة، ص 352 ..359.
[85] نفسه، ص 366..370.
[86] نفسه، ص 370..375.
[87] نفسه، ص 404…409.
[88] نفسه، ص 426 و427.
[89] نفسه، ص 427.
[90] نفسه، ص 427.
[91] عاشور (رضوى): الطنطوريّة، ف 56…58.
[92] نفسه، ص 430 و431.
[93] نفسه، ص 427 و428.
[94] نفسه، ص 436 و437 و438.
[95] نفسه، ص 439 و440.
[96] نفسه، ص 441 و442 و443.
[97] نفسه، ص 431 و432 و433.
[98] نفسه، ص 440.
[99] نفسه، ص443 و444 و445.
[100] نفسه، ص 447.
[101] نفسه، ص 448.
[102] نفسه، ص 448 و449 و450.
[103] نفسه، ص 451 و452.
[104] نفسه، ص 452.
[105] نفسه، ص 452.
[106] نفسه، ص 452 و453.
[107] نفسه، ص 453 و454.
[108] نفسه، ص 454.
[109] نفسه، ص 456 و457 و458.
[110] نفسه، ص 459.


