الحواريّة في القرآن الكريم بين الصّراع وتقبّل الآخر

الحواريّة في القرآن الكريم بين الصّراع وتقبّل الآخر
Dialogicality in the Qur’an: Between Conflict and the Acceptance of the Other
الشيخ محمد عباس حشوش
Mohammed Abbas Hashoush
تاريخ الاستلام 20/ 8/ 2025 تاريخ القبول 30/ 9/2025
ملخّص
يسعى هذا البحث إلى الكشف عن طبيعة الحوار في القرآن الكريم، من خلال تحليل جدليّة الصّراع وتقبّل الآخر، بوصفهما ركيزتين تؤسّسان لفهمٍ متوازن لمنهج القرآن في إدارة الاختلاف الإنسانيّ، وتنطلق الدّراسة من الإشكاليّة المركزيّة التي تتعلّق بسوء توظيف مفهوم الصّراع في بعض القراءات المعاصرة، وما نتج عنه من ممارسات عنفٍ وإقصاء، في مقابل الرّؤية القرآنيّة الأصيلة التي تجعل الحوار فعلًا إصلاحيًّا يتدرّج من النّصح والإرشاد والمجادلة بالحسنى، إلى ممارسة القوّة المنظّمة ضمن حدودها الشّرعيّة لحماية العدل ودفع العدوان.
وتعتمد الدّراسة منهجًا مركّبًا يجمع بين الوصفيّ التّحليليّ والموضوعاتيّ، مع الاستفادة من أدوات تحليل الخطاب؛ فرصدت البنية اللّغويّة للحوارات القرآنيّة، وتتبّعت الأفعال الكلاميّة، وحلّلت أدوار المتكلّمين، وتعدّد الأصوات داخل النّصّ.
كما تتناول الدّراسة مستويات الصّراع من بُعده الوجوديّ بين الحقّ والباطل، إلى تجلّياته البشريّة في صراعات الأنبياء مع سلطات دينيّة أو سياسيّة، وصولًا إلى أنماط الصّراع الفكريّ بين التّقليد والتّجديد؛ وتفترض الدّراسة أنّ كلّ أشكال الصّراع في القرآن ذات وظيفة إصلاحيّة تهدف إلى تهذيب النّفوس، وإقامة العدل، وترسيخ قيم الكرامة الإنسانيّة، وأنّ الحوار يشكّل الآليّة الأساس لتحقيق هذا المقصد.
وتخلص النّتائج إلى أنّ القرآن يقدّم نموذجًا حواريًّا أخلاقيًّا، ومعرفيًّا متكاملًا يجمع بين ثبات المبدأ ومرونة الأسلوب، ويعلي من شأن الحجّة والبرهان، ويؤسّس لثقافة التّفاهم والتّعايش بديلًا من ثقافة الصّدام والإلغاء؛ وبذلك يسهم القرآن الكريم في بناء رؤية حضاريّة تُعيد تنظيم العلاقة مع الآخر على قاعدة الاعتراف، والعدل، ومسؤوليّة الإصلاح الإنسانيّ.
الكلمات المفتاحيّة: الحوار القرآنيّ- منهجيّة الحوار- أساليب الخطاب- الحياد في القرآن- الإقناع في القرآن- ضرب الأمثال- المحاجّة.
Abstract
This study seeks to explore the nature of dialogism in the Qur’an by examining the dialectic between conflict and the acceptance of the Other—two foundational dimensions that shape a balanced understanding of the Qur’anic approach to managing human difference. The research addresses a central problem concerning the misappropriation of the concept of conflict in some modern readings, which has at times resulted in practices of violence and exclusion, in contrast to the Qur’an’s authentic vision that frames dialogue as a restorative act that progresses from counsel, guidance, and argumentation in the most courteous manner, to the regulated use of force within its legitimate boundaries to uphold justice and repel aggression.
The study adopts a composite methodology that combines descriptive-analytical and thematic approaches, while also drawing on tools from discourse analysis. It examines the linguistic structures of Qur’anic dialogues, tracks speech acts, analyzes speaker roles, and investigates the multiplicity of voices within the text. The analysis further considers conflict at its various levels—from its existential dimension between truth and falsehood, to its human manifestations in the struggles of prophets against religious or political authorities, and finally to its intellectual expressions in debates between tradition and renewal.
The study posits that every form of conflict in the Qur’an serves a reformative function aimed at refining the human soul, establishing justice, and reinforcing the values of human dignity, and that dialogue constitutes the primary mechanism for achieving these aims. The findings conclude that the Qur’an offers an ethical and epistemological model of dialogism that harmonizes principled steadfastness with methodological flexibility, privileging reasoned proof and argumentation, and promoting a culture of understanding and coexistence over one of confrontation and exclusion. Thus, the Qur’an contributes to constructing a civilizational vision that reconfigures the relationship with the Other on the basis of recognition, justice, and the shared responsibility of human moral reform.
Keywords: Quranic Dialogue; Dialogue Methodology; Discourse Styles; Neutrality in the Quran; Persuasion in the Quran; Quranic Analogies; Argumentation in the Quran.
المقدّمة
قد لا نجافي الصّواب إذا قلنا إنّ أزمة صدمات الأمّة، وتطاحنات المجتمع، وتمزّق طوائفه، وتقطّع أوصاله هو غياب قيم الحوار، وأدبيّاته، وجانبه التّحسينيّ الجماليّ، سواء على المستوى العموديّ (بين الحاكم والمحكوم)، أم على المستوى الأفقيّ (بدءًا بالأسرة، وبين فئات ونخب المجتمع المدنيّ من مختلف توجّهاته الاجتماعيّة، ونخبه السّياسيّة، وتيّاراته الفكريّة، وملله ونحله الإيديولوجيّة، وهيئاته النّقابيّة، وتنظيماته الحركيّة)…
إنّ غياب قيم الحوار هذه تكاد تضعّف وحدة المجتمع، وتفقده رشده؛ ليزداد بذلك تشظّيًا وتجزئة وتشرذمًا، وتمزّق الأمّة نفسها من جديد في نكد التّاريخ، وتباريح الأمّة؛ والذّاكرة لا تنسى أنّ بعض محطّاته كانت عبئًا- إلى يوم النّاس هذا- على تاريخنا الإسلاميّ والسّياسيّ، في لحظة كان يمكن تجاوز ذلك لو كان لبعض اللّقطات في التّاريخ رجل رشيد، يسمو بنفسه عن هذه الجراحات، ويتعالى عن استدعاء معارك التّاريخ الّتي لم نكن جزءًا منها، ويتصدّى لمعارك الحاضر، واستشراف المستقبل في وقت تتعرّض فيه الأمّة لكثير من الهزّات العرقيّة والطّائفيّة، ويجعل نصب عينيه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[1].
ولمّا كان القرآن الكريم هو المرجع المشترك، والأرضيّة العقديّة والفكريّة للفكرة الموحّدة بين المسلمين، منه وإليه يحتكمون، ويؤصّلون، ويبنون، وينظرون، ويحرّرون مواطن الخلاف في مساحات التّاريخ المسكوت عنها، يحسمون في شأن المشاحنات الاصطلاحيّة، والمفاهيم المطاطة الرّجراجة… فإني أجعله- بحول الله- منطلقًا لبناء صرح جماليّة الحوار فيما سأدبّجه في هذه الأسطر.
أوّلًا: أسباب اختيار الموضوع
ما شجّعني على اختيار دراسة إشكاليّة الحوار في القرآن الكريم بين الصّراع وتقبّل الآخر موضوعًا للدّراسة والتّحليل أسباب عديدة؛ لعلّ أبرزها:
– سوء تفسير معنى الصّراع في القرآن واستخدامه افتراءً، لأجل نشر دعوات القتل والإلغاء.
– القناعة الرّاسخة بإمكان تصويب المواقف الهدّامة، وأنماط السّلوك العنيف التي أفضت إلى المجازر والدّمار، وذلك عبر الحوار الصّادق، وفهم الآخر.
– انتشار هذا الموضوع على مساحة واسعة في القرآن الكريم، بما فيه من أنواع وتشعّبات، ولما له من نتائج مهمّة وفعّالة تلقي الضوء على منهجيّة التّواصل مع الآخر قرآنيًّا.
– هذا الموضوع يُعدّ ظاهرة تمسّ كلّ مجتمع إنسانيّ، وتتجلّى بأشكال متعددة تبعًا لأحوال البشر، وميولهم، ورغباتهم، ونوازعهم؛ فالحوار داخل بنية الصّراع القرآنيّ يعكس حالةً من الدّيناميّة والتّفاعل بين أفراد الجسد الاجتماعيّ.
ثانيًا: الإشكاليّة
يظهر الحوار في القرآن الكريم ضمن إطارٍ إلهيٍّ إرشاديٍّ وتقويميّ، يجعل منه فعلًا إصلاحيًّا وبنائيًّا في مواجهة جميع أنماط الرجعيّة والظلام؛ ويتدرّج هذا الحوار في مستوياته من الأساليب السلميّة القائمة على النّصح، والإرشاد، والمجادلة بالحسنى، والتّنبيه، والتّحذير؛ إلى الأساليب القتالية المُنظَّمة التي تمثّلها مصطلحات الجهاد، والقتال، والقصاص، والجزية، بوصفها إجراءات تُمارَس عند حدودها الشّرعيّة الدّقيقة؛ وفي مقابل ذلك، تبرز حملات التّشويه، والتّأليب القائمة على الاتّهامات، والافتراءات المدفوعة بالأحقاد، والمصالح السّياسيّة، والاستعماريّة التي سعت إلى تصوير الإسلام دين عنف، وإرهاب، وقمع، وتجريده من رسالته الإصلاحيّة، وتصويره عبئًا على الإنسانيّة؛ ومن هنا ينهض السؤال المحوريّ:
هل يدعو النّصّ القرآنيّ إلى العنف، والقتل من غير سببٍ، أو هدفٍ تطهيريٍّ، وبنائيّ، بحيث يُصبح الشّرع مُلطَّخًا بدم الأبرياء، وتُرفَع فوقه رايات الإرهاب؟ أم أنّ القرآن يقوم على تهذيب النّفوس، وفهم الآخر، وإشاعة منطق الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن؟
ويتفرّع عن هذا السّؤال تساؤلات عدّة؛ هل تُعدّ هذه الصّراعات نمطًا تاريخيًّا عابرًا، أم أنّها تستمرّ بتجدّد الوجود الإنسانيّ المتّسم بالمرونة والتمرّد والحركة؟ وهل يتجسّد هذا النّمط الصّراعيّ في واقعنا المعاصر؟ وما منهجيّة الإسلام في التّفاعل مع المختلف؟ وهل الإسلام دين عنفٍ وإكراه، أم دين تسامح وقبول للآخر؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي التفريق بين المواضع التي تُستدعى فيها آليّات المسامحة والمجادلة بالحسنى، وبين المواضع الّتي يُلجأ فيها بالقوّة إلى الحفاظ على العدل، وصيانة المجتمع، ودفع العدوان، تحقيقًا للمقصد الإصلاحيّ والإنسانيّ للشّريعة.
ثالثًا: الفرضيّات
نفترض أنّ القرآن هو الحقّ، وفيه كمال العدل، والمنهج الإنسانيّ المتكامل الذي يقود البشريّة نحو التّطور والارتقاء، والقرآن بكلّ أحكامه وموضوعاته عنوانًا للحقيقة الكاملة والسّعادة المطلقة؛ ومن هذه المعادلة، ننظر إلى مفهوم الصّراع والعنف في القرآن الكريم ضمن دائرة الكمال، وفعل الارتقاء، ومنهج الإصلاح والتّغيير، ومقاومة الرّجعيّة، والظّلام، والانقلاب على الموروث الرّجعيّ، ومواجهة المعتقد الفاسد؛ والحوار في دائرة الصّراع في المنظور القرآنيّ له موجباته البنيويّة والبنائيّة التّي التزم بها المنهج الإلهيّ لخير البشريّة دنيا وآخرة؛ وانطلاقًا من المبدأ القرآنيّ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[2]، يمكن أن نوظّف أشكال الحوار القرآنيّ وآليّاته لخدمة الإنسان، وبذلك سينقلب العنف إلى إرادة تفاهم، ومحاولة تكامل مع الآخر.
ونفترض أيضًا أنّ مفهوم الحوار ضمن الصّراع القرآنيّ يتدرّج من الإطار الأعمّ إلى الأخصّ، من الصّراع الوجودي بين الخير (الله) والشّرّ (الشّيطان) كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾[3].
ومن ثمّ، يتجلّى هذا المعنى على المستوى البشريّ في الحوارات الإصلاحيّة التي قادتها نخب المجتمع الثقافيّة والفكريّة والعسكريّة، كما يظهر في الصّراع العالميّ الذي خاضه ذو القرنين مع العديد من التّجمّعات البشريّة، بهدف تحقيق السّيطرة والنّظام في المعمورة بأسرها؛ فيتنوّع الحوار بتنوّع خلفيات المتحاورين وانتماءاتهم، فإن كان الحوار دينيًّا ستكون السّلطة المواجهة دينيّة، كالحوار ضمن الصّراع الدّينيّ بين المسيح وسلطات المعبد من رجال الدّين اليهود، كما يشير إلى ذلك القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِۖ فآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، وصراع النّبي محمّد مع السّلطة السّياسيّة في قريش المتمثّلة بزعماء قريش المتستّرين بالدّين (عبادة الأوثان والأصنام).
ونفترض أيضًا استمراريّة الصّراع باستمراريّة تطوّر العقل البشريّ الذي لا ينكفي عن المواجهة عندما يتخم المجتمع بالموروثات في مختلف أنواعها، فيبقى الحوار ضمن الصّراع متوثّبًا حتّى يصل إلى خلاص النّفس الإنسانيّة كالصّراع بين التّقليد والتّجديد، فنرى التّقليد الموروث يحاور التّجديد والإبداع، والسّماء تحاور الأرض، في عبادة الأصنام لدى كفّار قريش، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾[4]، والتّجديد في دعوة التّوحيد والإسلام كما في قوله تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾[5].
ونفترض أخيرًا أنّ كلّ أشكال الصّراع في النّصّ القرآنيّ لا تتمحور حول العنف والقتل، بل هدفها إصلاحيّ بامتياز.
رابعًا: منهج الدّراسة
يعتمد هذا البحث منهجًا مركّبًا يجمع بين الوصفيّ التّحليليّ والموضوعاتيّ، مع الاستفادة من بعض آليّات تحليل الخطاب؛ وذلك بهدف الكشف عن طبيعة الحوار في القرآن الكريم بوصفها إطارًا يوازن بين منطق الصّراع ومنطق تقبّل الآخر.
ويقوم المنهج الوصفيّ التّحليليّ على رصد أنماط الحوارات القرآنيّة، وتتبّع مؤشّراتها اللّغويّة والأفعال الكلاميّة فيها، وتحليل بنية الخطاب وأدوار المتكلّمين وتعدّد الأصوات داخل النّصّ؛ أمّا المنهج الموضوعاتيّ فيركّز على بناء ثنائيّة البحث الرّئيسة، من خلال دراسة الحوارات التي تجلّت في سياق المواجهة بين الحقّ والباطل، مقابل الحوارات التي ترسّخ قيم الاعتراف بالآخر، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويُستعان بأدوات تحليل الخطاب للكشف عن طرائق بناء الحجّة، واستراتيجيّات الإقناع، وتنوّع الأساليب من استفهام، وأمر، ونهي، وتوجيه، واحتجاج، بما يبيّن كيف يُعيد القرآن تشكيل العلاقات بين المتحاورين.
المبحث الأوّل: منهج الحوار في القرآن الكريم
أوّلًا: القرآن الكريم دعوة إلى الحوار لا إلى إقصاء الآخر
لقد قرّر القرآن الكريم في ثناياه الدّعوة إلى التّعارف بين البشر كافّة، موجّهًا الخطاب إلى “النّاس” كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[6]؛ واللّفظ هنا شامل لكلّ البشر، سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، داخل الدّائرة أم خارجها؛ ويؤكّد القرآن في آخر الآية أنّ قيمة هذا التّعارف وغايته تكمن في التّعارف الرّوحيّ الذي يؤدّي إلى التّعاون على الخير ونشر المعروف، لا التّعارف على المنكر الذي تظهر مظاهره في سلوكيّات مثل الوقاحة، والانحراف عن الأخلاق السّليمة.
ويستلزم الحوار الاعتراف بالطّرف الآخر، وبحقّه في الوجود، وبحقّه في التّعبير عن رأيه، وبحقّه في الاختلاف مع الآخر؛ ولعلّ أهمّ مؤشّر دالّ على حضور الحوار في النصّ القرآنيّ هو تصرّف مادّة القول، أي فعل “قال” ومشتقّاتها؛ إذ تتكرّر في القرآن 1722 مرّة، وتتوزّع على تسعة وأربعين تصريفًا واشتقاقًا؛ ولو أنّ فعل “قال” جاء بتصريف واحد منسوب إلى الذّات الإلهيّة فقط ـ كـ “قال” أو “يقول” أو “قلنا” ـ لكان ذلك مؤشّرًا على خطابٍ أحاديّ يقوم على التلقين وعلى التّعالي، وعلى الصوت الواحد والفكر الواحد. ولكن توزّع المادّة على تسعة وأربعين اشتقاقًا تشمل كلّ أطراف المقام الحواريّ، من متكلّم، ومخاطب، ومستمع، ومحاور، ومقاطع، وغائب، وحاضر، ومذكّر، ومؤنّث، ومثنّى، وجمع يشهد على اتّساع المقام الحواريّ في القرآن.
والحال إنّ النّص القرآنيّ كلام الله نصّ متعال بطبيعته؛ لأنّه من ربّ خالق، وهو القائل: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[7]؛ وقال جلّ في علاه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[8]؛ ولكنّه مع ذلك -جلّ في علاه- يكسر قاعدة المقام والمقال، وينزل مقاميًّا ومقاليًّا؛ ليخاطب، ويحاور المخلوق، والعبد على اختلاف رتبته ومستواه، الصّالح والطّالح، المتواضع والمتكبر، الجميل والقبيح الخسيس، التّائب والعاصي المتمرّد، الصّادق والكاذب، المؤمن والكافر، المهتدي والضّال، ثمّ بعد ذلك يحكي مقالاتهم على اختلاف مستويات شغبها وقبحها، وضلالاتها، وتشويشها، وانحرافاتها، ومتعلّقاتها في فتح فتنة خالدة متكرّرة، متجدّدة بتجدّد الأجيال، صبغتها أن تفسد الفكر تصوّرًا وممارسة… بل الأكثر من ذلك أن يجعلها خالدة في كتابه.
فنجد في القرآن الكريم كلام الملحدين الّذين ينكرون وجود الله: ﴿وقالوا ما هي إلّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّا الدّهر﴾[9]، وكلام اليهود: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾[10]، وكلام النّصارى: ﴿ لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة ﴾[11]، وكلام ذوي الشّبهات: ﴿يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء﴾[12]، وكلام المندسّين تحت شبهة القضاء والقدر: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾[13].
ثانيًا: الحياديّة في القرآن الكريم
لا يزال المتأمّل في القرآن الكريم يكتشف جماليّة حواره، فآياته تظهر في أكثر من موضع، وقوفه على منتصف الطّريق في الحوار، منها قوله تعالى: ﴿وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾[14]؛ قال سيّد قطب –رحمه الله-: “وهذه غاية النّصف والاعتدال والأدب في الجدال؛ أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين: “إنّا أحدنا لا بدّ أن يكون على هدى، والآخر لا بدّ أن يكون على ضلال، ثمّ يدع تحديد المهتدي منهما والضّال، ليثير التّدبّر والتّفكّر في هدوء لا تغشى عليه العزّة بالإثم، والرّغبة في الجدال والمحال، فإنّما هو هاد ومعلم يبتغي هداهم وإرشادهم، لا إذلالهم وإفحامهم، لمجرّد الإذلال والإفحام”[15].
ثمّ لا يزال عليه الصّلاة والسّلام محافظًا على المنهج، متمسّكًا بالمقصد نفسه الّذي رسمه القرآن، وهو ابتغاء هداية المخاطَبين، فيقترب منهم أكثر فأكثر، ويبسُط لهم يده، ويستنطق ما في أعرافهم من قيم إيجابيّة، ويثمّن ما تختزنه ذاكرتهم وتاريخهم من فضائل إنسانيّة مشتركة. وقد قال عليه الصّلاة والسّلام: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”[16]؛ لأنّه كان تجسيدًا عمليًّا لتصوّرات القرآن ومنهجه واستراتيجيّته في الحوار؛ فهو أبعد ما يكون عن تكريس خطاب العنف، أو إرهاب الفكر؛ فقد كان يؤمن إيمانًا راسخًا بمشروعه الحضاريّ: “ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ اللّيل والنّهار، ولا يترك الله عزّ وجل بيت مدر ولا وبر، إلّا أدخله الله هذا الدّين، بعزّ عزيز، أو بذلّ ذليل عزًّا يعزّ الله به الإسلام، وذلًّا يذلّ الله به الكفر”[17]؛ ولا يمكن أن يحقّق مشروعه الحضاريّ، إلّا بلغة حضاريّة، وحوار حضاريّ يؤلّف ولا ينفر، يحشد ويحشر، ولا يفرّق، يرغّب، ولا يرهّب، يطمئن، ولا يفزّع، يبشّر، ولا ينفّر، ييسّر، ولا يعسّر.
وقد امتدّ هذا الإنصاف الحواريّ إلى عمق البنية القرآنيّة شكلًا ومضمونًا، وتجلّى على ثلاثة مستويات رئيسة:
الأوّل: “القرآن الكريم يفسح صدره ويفتح ذراعيه للرّأي المخالف ويعطيه نصف مساحة القول، وهي نفس المسافة الّتي يعطيها الله لنفسه في القول، ولذلك نجد عدد اللّفظ “قل” بالصّيغة المتضمّنة لأمر الله 330 مرّة؛ وهو نفس العدد المعطى للرّأي المخالف”[18].
الثّاني: استحضاره لرأي الآخر رغم شناعته وقبحه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾[19]؛ وهو قول في غاية الوقاحة؛ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾[20].
الثاّلث: القرآن الكريم لا يبتر رأي الآخر بل يأتي به كاملًا، ويتركه يأخذ مداه.
“ولا يقف القرآن الكريم عند حدود الإنصاف والتّسوية في الحوار، بل يرتقي في هذه الآداب إلى مستوى الإحسان قال تعالى: ﴿ قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾[21]، فسمّى عمل الآخر عملًا بصفة محايدة، وسمّى عمل المؤمنين إجرامًا بصفة قدحيّة، التفاتة منه إلى إيقاظهم إلى التّأمل، والتّدبر، والتّفكر… واستماتة، واستبصارًا منه إلى استمراريّة جسور الحوار والتّواصل، ومواصلة الطّريق على الرّغم من حجم الإعراض الكبير الّذي يلاقيه منهم، حرصًا منه على الوصول إلى الهدف”[22].
ولا يكتفي القرآن الكريم بالتّخلّق بذلك، بل يأمر أتباعه من المؤمنين بالتّحلي بهذه الأخلاق العالية؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[23]؛ فهو يعلي من إحسانيّة هذه الأخلاق حينما يتعلّق الأمر بالحوار مع الآخر؛ لأنّه إذا كان تصرّف الإنسان مع أبناء أمّته عمومًا يستدعي أخلاقًا معيّنة –أي عملًا تعارفيًّا مخصوصًا- فإنّ تصرّفه مع غيره من الأمم الأخرى يتطلّب منه أخلاقًا تعلوها رقّة وتنوّعًا –أي عملا تعارفيًّا أكبر- فوجوه الاختلاف بين أمّته وأممهم تكون أظهر وأشدّ، وحيثما اتّسعت دوائرُ الاختلاف تعاظمت الحاجة إلى العمل التَّعارُفيّ، القائمِ في جوهره على تبادُلِ المعروف، وترسيخِ أسسِ التّفاهم.
ثمّ وجدنا أنّ القرآن الكريم يعطي القدوة والنّموذج منه، فما ادّعى دعوى إلّا وكان له في نفسه عليها دليل؛ فالقرآن يأمر بالعدل والإحسان، وهو يمارس العدل والإحسان؛ ويأمر بالزّينة عند كلّ مجلس، وهو يتزيّن بجمال البلاغة؛ ويقول: «هاتوا برهانكم»، وهو يقدّم برهانه؛ ويدعو إلى الإقناع، وهو ينهج منهج الإقناع؛ ويحثّ على التّسامي عن الضّغائن، وهو يتسامى عن الضّغائن؛ ويدعو إلى الهداية، وهو يمارس الهداية في كلّ حين ومقام.
ثالثًا: انتفاء الشّخصنة في الحوار القرآنيّ
وبعيدًا عن منطق الشَّخصنة الذي من شأنه أن يربط القرآن الكريم بظرفٍ زمنيٍّ، أو مكانيٍّ محدّد، أو بأشخاصٍ مقصورين بعينهم، لجأ النَّصّ إلى استعمال الاسم الموصول في سياقات الحوار؛ ليمنح الخطاب قدرةً على التَّجريد، ويُمايز بين الشَّخص والحدث، ويتيح للفرد إمكان الانتقال من موقفٍ إلى نقيضه. فلو جاء القرآن مُشخَّصًا، يذكر أشخاصًا بأسمائهم وما اتّصفوا به من صدودٍ، وعنادٍ، ومقاومةٍ للدعوة، ثم أسلم هؤلاء، لأضحى الخطاب غير قابلٍ للاستمرار حتّى في زمن نزوله ومكانه؛ لذلك صيغت قوانينُه على نحوٍ كُلِّيٍّ؛ قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾[24]، وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾[25]؛ وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾[26] قوانين عامّة لا يكاد يجد الإنسان إشارة صريحة إلى الحدث، إلّا عندما يقرأ ذلك في كتب التّفسير التي هي حاشية على النّصّ القرآنيّ بمساعدة علوم نقليّة هي أسباب النّزول، والمكّيّ والمدنيّ، ثمّ النّاسخ والمنسوخ… والقرآن في كلّ هذا ينطلق من الواقعة ثم يتجرّد عنها.
ويعضّد هذا ما تنبّه إليه علماء الشّريعة حين صاغوا قواعد تفسيريّة تنسجم مع هذه الرّوح الكلّيّة، وجعلوها ضوابط حاكمة للتّفسير، من أبرزها قاعدة: “العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب”؛ لبيان أنّها قوانين عامّة، لا تنحصر، ولا تموت، ولا تجمد عند الحدث.
إذًا، فالقرآن الكريم ينسجم نسقيًا في استعمالاته ونتائجه مع هذا التوجه العالمي، متحرّرًا من كلّ ما هو خصوصيّ من خلال استعمال الاسم الموصول 1446 مرّة؛ ليُجرّد النّصّ من الأسماء الخاصّة، وينعتق من قيود التّاريخ والجغرافيا والدّيموغرافيا، فيسبح في فضاء المواقف والأعمال والاختيارات، رابطًا بين أحكامه وسننه وحكمه.
ولا يقيّد النّصّ القرآنيّ نفسه بالقبائل أو الأشخاص، ولا بالمناطق أو الدّول، ولا بالملل أو الطّوائف، ولا بالنّحل أو الأجناس، ولا بالألوان أو الشّعوب، أو الجماعات، أو السّلالات؛ أي إنّه يرفض كلّ تخصيص وامتيازات، ويعتمد على ثلاثة تصنيفات مرنة مفتوحة يدخلها كلّ من شاء، ويخرج منها من شاء: “الذين كفروا”، و”الذين آمنوا”، و”الذين نافقوا”، وهي تعكس الأعمال والاختيارات التي يُحاسب عليها كل مكلّف.
وهذه القوانين والسّنن تشمل الجميع، بغضّ النّظر عن الانتماءات القوميّة، أو الثّقافيّة، أو اللّغوية، فلا تقتصر على العربيّ أو التّركي، بل تشمل الأمريكيّ والصّينيّ، وما عداه من اختلاف الألوان، والثّقافات، والميولات، والأذواق والاختيارات؛ فالإسلام في هذا السّياق لا يقيّد هذه الاختلافات، وإنّما يراها نعمًا، وآيات، وإبداعات؛ فالقرآن يخطّ قوانين وسننًا للحوار تتجاوز حدود الزّمان والمكان، متحرّرة من إسار جنس الإنسان، مراعية الخصوصيّة؛ لتسبح في عوالم لا يقيّدها التّاريخ، ولا الجغرافيا.
رابعًا: انتفاء العنصريّة في الحوار القرآنيّ
كثيرًا ما يُعلن القرآن الكريم بصراحة أنّه حلقة من سلسلة الكتب السماوية، متصلة بوحي السماء، كما يتضح في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾[27]؛ ومن اللّافت أنّه قبل أن يشير إلى كونه “مهيمنًا عليه”، قدّم القرآن ذاته بوصفه “مصدّقًا لما بين يديه من الكتاب”، فيربط بين الاستمرارية التأريخيّة للوحي والرّقابة الإلهيّة عليه، فيرسّخ فهم القرآن كجزء من سلسلة تشريعيّة متكاملة؛ وليست الهيمنة هنا إقصاء، وإنّما هو التّصحيح والتّنبيه إلى ما وقع من التّحريف في هذه الدّيانات، وردًّا لها إلى أصلها المشترك مع الدّيانة الإسلاميّة الّذي هو الأصل الإبراهيمي، أو الأصل الآدميّ. والدّليل على أنّ الهيمنة هنا هي مفهوم تكامليّ، وليست مفهومًا إقصائيًّا، هو ما نلمسه على مستوى التّصوّر والسّلوك النّبويّين. قال عليه الصّلاة والسّلام: “إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وضعت هذه اللّبنة؟ قال فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النبيئين”[28]. فجعل النّبي صلى الله عليه وآله وسلّم لدوره ولرسالته ولموقعه موقع لبنة صغيرة في ركن قصي من بيت كبير، وهذا ليس تكاملًا فقط، بل هو تواضع كبير، فلا يمكن لدين يرى نفسه مجرّد لبنة في بناء ضخم أن ينفي هذا البناء، أو أن يزيله من الوجود بأيّ شكل من أشكال العنف، لكي يجعل اللّبنة بديلًا للبيت .
وهذا التّعبير يُبرز أقصى درجات إنكار الذّات عند النّبيّ ﷺ، فالشّخصيّة الإسلاميّة الخاتمة لرسالات السّماء، المختارة بلا منازع، لا تلغي الخصوصيّة أو الذّاتيّة؛ إلّا أنّ حاجتنا إلى الحوار مع الآخر والتّفاعل معه، ومن ثمّ تحقيق التّكامل والانسجام، اقتضت هذا الانسلاخ المؤقّت من الأنا، لإفساح المجال للتّواصل البنّاء، والانفتاح على مختلف الأطراف.
المبحث الثّاني: أساليب الحوار القرآنيّ
يشتمل القرآن الكريم على مجموعة متنوّعة من أساليب الحوار؛ وهذه أبرزها مع الأمثلة التّوضيحيّة على النّحو الآتي:
أوّلًا: التّشويق وجذب الانتباه
وذلك من خلال بدء الحوار بأسلوبٍ يُمكن من خلاله جذب انتباه السّامع والقارئ؛ كالسّؤال أو النِّقاش، ثُمّ البدء بالحوار في أجواءٍ هادئة، كقول الله تعالى للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[29].
ثانيًا: التّوبيخ
ويُستعمل هذا الأُسلوب عند كثرة الأخطاء، وعدم الانتفاع من أُسلوب الرّفق واللّين، كتوبيخ الله تعالى لإبليس عندما عصاه ورفص السُّجود لآدم؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾[30].
ثالثًا: العِتاب
ويُستخدم بعد تنبيه الشّخص لأكثر من مرّة، ثُمّ وُقوعه في الخطأ نفسه، وقد يُستخدم معه أُسلوب التّوبيخ، كعِتاب الله تعالى لآدم بعد أكله من الشّجرة، وقد نبّهه على عدم طاعة الشّيطان، والأكل منها قبل ذلك، ولكنّه عصى أوامر ربّه، فأكل منها بعد وسوسة الشّيطان له، فقال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾[31].
رابعًا: الإقناع
وذلك من خلال استخدام الأدلّة الواضحة والقاطعة؛ للوصول إلى الحقيقة، وإقناع الأطراف الأُخرى، كقول الله تعالى لنبيّه إبراهيم -عليه السلام-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[32].
خامسًا: ضرب الأمثال
وذلك من خلال الإتيان بأمثِلَةٍ من الواقع المُعاصر؛ لتكون أقوى في الحُجّة، كقول النّبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- للأعرابيّ الّذي وَلدت له زوجته ولدًا أسود: “هلْ لكَ مِن إبِلٍ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ما ألْوانُها قالَ: حُمْرٌ، قالَ: هلْ فيها مِن أوْرَقَ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فأنَّى كانَ ذلكَ قالَ: أُراهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذا نَزَعَهُ عِرْقٌ”[33].
سادسًا: الاستفهام
وذلك لإشعار الطّرف الآخر بأهمّيّة الأمر، واستخراج القرارات السّليمة منه، فيرجع الإنسان إلى فطرته وحُبّه للخير من خلال أُسلوب الاستفهام، كسؤال النّبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- للرّجل الّذي جاء يستأذنه بالزّنا إن كان يرضى ذلك الأمر لأمّه، أو ابنته، أو خالته، أو عمّته، وكان الرّجل يجيبه عن كلّ مرّة: لا، فأقنعه النّبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بالبُعد عن الزّنا باستخدام أُسلوب الاستفهام.
وأيضًا عن طريق المُداراة: وذلك للأخذ بأقلّ المصالح ضررًا، كموقف الإمام عليّ بن أبي طالب ورفضه محو كلمة رسول الله أثناء كتابة صلح الحديبية، فسأله النّبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- عن مكان وجودها، ومحاها بنفسه.
والطريق المسدود: وهو الحوار الّذي يبدأ بإعلان النّتيجة، ولا يُهتمُّ فيه بالرّأي الآخر، كقصّة ابني آدم في قوله -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[34].
سابعًا: التّسفيه
وذلك من خلال التّوجّه إلى حصر الحقّ والصّواب في جِهةٍ واحدة، وتسفيه الأطراف الأُخرى، كقوله تعالى عن فرعون: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[35].
ثامنًا: التّعجيز
وذلك من خلال النّظر إلى سلبيّات الآخرين وإظهارها، وينتهي ذلك بإحباط الأطراف المُتحاورة؛ وبالتّالي عدم الوصول إلى نتائج، كقوله تعالى على لسان كُفّار مكّة للنّبي -عليه الصّلاة والسّلام-: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم﴾[36]؛ والتّسلُّط: وذلك من خلال استخدام الطّرف الأقوى لسُلطته في تهديد الطّرف الآخر، وإلغائه لآرائه وكيانه، كقول أبي إبراهيم لابنه إبراهيم -عليه السلام- في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾[37].
تاسعًا: التّبطين أو المُبطّن
من خلال استخدام بعض الألفاظ الخفيّة؛ للسُّخرية من الطّرف الآخر، وعادة ما يُستخدم بهذا الأسلوب ما يُسمّى بالتّوْرِية، كقول إبراهيم -عليه السّلام- لقومه: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾[38].
عاشرًا : السّطحيّة أو المُناورة
وهو الحوار الّذي يتمسّك به أحد الأطراف بِحُجَجٍ ضعيفةٍ وسطحيّة، كقوله تعالى على لسان الرّجل الّذي حاجّ إبراهيم -عليه السّلام-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾[39].
الحادي عشر: القصص
وتنوّع هذا الأُسلوب في القُرآن الكريم حسب الأشخاص، ومن الأساليب القصصيّة في القُرآن ما يأتي:
- المُناجاة
كقوله تعالى على لسان إبراهيم -عليه السّلام- لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ* الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾[40].
- الاستدراج
من خلال استدراج الطّرف الآخر للحقّ بألطف الألفاظ، كقول إبراهيم لأبيه: ﴿إِذ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغني عَنكَ شَيئًا* يا أَبَتِ إِنّي قَد جاءَني مِنَ العِلمِ ما لَم يَأتِكَ فَاتَّبِعني أَهدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾[41].
- الاستفهام
كقوله تعالى على لسان نبيّه مُحمّد -عليه الصّلاة والسّلام- عند مُحاورته لِكُفار قُريش: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّـهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾[42].
- الاستطراد
من خلال الخُروج عن الهويّة الحواريّة إلى التّعبير للطّرف الآخر وإجباره على الإصغاء، كقول الله تعالى على لسان موسى -عليه السّلام-: ﴿قالَ عِلمُها عِندَ رَبّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبّي وَلا يَنسَى* الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ مَهدًا وَسَلَكَ لَكُم فيها سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجنا بِهِ أَزواجًا مِن نَباتٍ شَتّى* كُلوا وَارعَوا أَنعامَكُم إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى* مِنها خَلَقناكُم وَفيها نُعيدُكُم وَمِنها نُخرِجُكُم تارَةً أُخرى﴾[43].
- الالتفات
من خلال التّنقّل بين الغيب والشّهادة؛ لجذب الانتباه والذِّهِن، كقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ* وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ* وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[44].”[45]
الثّاني عشر: التّقرير
“وذلك من خلال عرض الحقائق بصيغة المُسلّمات البديهيّة، وبطريقةٍ غير قابِلِةٍ الإنكار، كقوله تعالى: ﴿وَإِلى ثَمودَ أَخاهُم صالِحًا قالَ يا قَومِ اعبُدُوا اللَّـهَ ما لَكُم مِن إِلـهٍ غَيرُهُ قَد جاءَتكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُم هـذِهِ ناقَةُ اللَّـهِ لَكُم آيَةً﴾[46].
الثّالث عشر: التّلقين
من خلال توجيه الدُّعاة إلى ما يُمكن به ردّ الشُبُهات، والرّدّ على أصحابِهِا، وتنوّع الأساليب في ذلك؛ كالتّرغيب، والتّهديد، والتّحذير، كقوله تعالى: ﴿فَأتِياهُ فَقولا إِنّا رَسولا رَبِّكَ فَأَرسِل مَعَنا بَني إِسرائيلَ وَلا تُعَذِّبهُم قَد جِئناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾[47].
الرّابع عشر: المُحاجّة
من خلال إقامة الحُجّة على المُشركين بالأدلّة، والتّحاكُم إلى الأشياء التي يُمكن إدراكُها بِالعقل، أو التّجربة، كقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ* قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ* قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّون﴾[48].
الخامس عشر: التّذكير بِالنِّعَم والتّخويف من العَذاب
وذلك بِمُراعاة الطّبيعة البشريّة؛ بخوفها من العذاب، ورغبتها فيما تُحبّ من النّعيم”[49]؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ* يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾[50].
الخاتمة
يُعدّ منهج الحوار القرآنيّ بمثابة النّموذج الأمثل للتّواصل الفعّال بين البشر، حيث يجسّد أرقى صور الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر؛ وقد أكّدت الدّراسة أنّ هذا المنهج الإلهيّ لا يهدف إلى الانتصار للذّات، بل إلى انتصار الحقّ والهداية إلى الصّراط المستقيم؛ ويكمن دور هذا الحوار المحوريّ في تعزيز قيم التّعايش من خلال:
- قبول الآخر بغضّ النّظر عن اختلافاته الفكريّة والدّينيّة.
- بناء جسور التّواصل مع المختلفين عبر الحجّة والمنطق.
- تجاوز الذّاتيّة والتّحيّز لتحقيق الموضوعيّة في الطرح.
- إثراء الفكر الإنسانيّ عبر التّنوّع في الأساليب والحجج.
ويسهم هذا المنهج الحواريّ بشكل فاعل في:
- القضاء على العنف الفكريّ عبر ترسيخ مبدأ الحجّة والبرهان.
- تثبيت مبادئ الحقّ عبر الأدلّة العقليّة والمنطقيّة.
- تحقيق التّكامل المعرفيّ مع الآخر عبر فهم وجهات النّظر المختلفة.
- تعزيز ثقافة الحوار كبديل عن الصّراع والقطيعة.
لقد قدّم القرآن الكريم من خلال حواراته المتعدّدة نموذجًا حيًّا للتّواصل الحضاريّ، يجمع بين قوّة الحجّة وروح التّسامح، وبين ثبات المبدأ ومرونة الأسلوب؛ فهو منهج خالد لكلّ باحث عن الحقّ، ومرشد لكلّ راغب في بناء جسور التّفاهم بين البشر.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري (الطبعة السلطانية). (بيروت: دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 2001م).
- البيهقي، أحمد بن الحسين. السنن الكبرى. (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2003م).
- الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله. المستدرك على الصحيحين. (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 2002م).
- السويلم، إبراهيم بن عبد الرحمن. التكرار والتنوع في القرآن الكريم. (الدمام: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 2011م).
- قانا، نادية، ونبيلة قعمير. أساليب الحوار في القرآن الكريم: سورة طه نموذجًا. (الجزائر: كلية الآداب واللّغات، جامعة البويرة، د.ت).
- قراقيش، نجوى. ترشيد الخطاب الإسلامي من خلال أدب الحوار في القرآن الكريم. (الجزائر: المركز الإسلامي للأبحاث، الطبعة الأولى، 2014م).
- قطب، سيد. في ظلال القرآن. (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الثالثة، د.ت).
- الهويسين، خالد بن عبد العزيز. آداب الحوار في القرآن الكريم. (بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 2010م).
[1] البقرة: 13
[2] الإسراء: 70
[3] البقرة: 179
[4] الزخرف: 22
[5] البقرة: 163
[6] الحجرات: 13
[7] الحشر: 21
[8] فصلت: 11
[9] الجاثية: 24
[10] المائدة: 64
[11] المائدة: 73
[12] النحل: 93
[13] النحل: 35
[14] سبأ: 24
[15] سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط 3، 5/ 3396
[16] أحمد بن حسين البيهقي، سنن البيهقي الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ،1 2003، 6/ 360
[17] الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 3، 2002، 4/ 270
[18] إبراهيم بن عبد الرحمن السويلم، التكرار والتنوع في القرآن الكريم، الدّمام، المملكة العربيّة السّعوديّة، دار ابن الجوزي، ط 1، 2011، 4/ 227
[19] المائدة: 64
[20] يس: 47
[21] سبأ: 25
[22] خالد بن عبد العزيز الهويسين، آداب الحوار في القرآن الكريم، بيروت، مؤسّسة الرّسالة، ط 1، 2010، ص 232
[23] العنكبوت: 46
[24] النمل: 69
[25] البقرة: 258
[26] المجادلة: 1
[27] المائدة: 48
[28] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، الطبعة السّلطانية، بيروت، دار طوق النّجاة، ط 1، 2001، 4/ 108.
[29] البقرة: 30.
[30] الاعراف: 11 إلى13 .
[31] الأعراف: 22
[32] البقرة: 260
[33] صحيح البخاري عن أبي هريرة، ص 6847.
[34] المائدة: 27
[35] ق: 26
[36] الأنفال: 32
[37] مريم: 46
[38] الأنبياء: 63
[39] البقرة: 252
[40] الشعراء 75 إلى الآية 79
[41] مريم: 42 و43
[42] الأنعام: 19
[43] طه: 52 إلى 55
[44] آل عمران: 47 إلى الآية 49
[45] انظر: نادية قانا ونبيلة قعمير، أساليب الحوار في القرآن الكريم سورة طه نموذجًا، الجزائر، كلّيّة الآداب واللّغات جامعة البويرة، ص 18 – 20.
[46] الأعراف: 73
[47] طه: 47
[48] الشّعراء: 69 الى الاية 73
[49] انظر: نجوى قراقيش، ترشيد الخطاب الإسلامي من خلال أدب الحوار في القرآن الكريم، المركز الإسلاميّ للأبحاث، الجزائر، ط 1، 2014، ص 11و12.
[50] المائدة: 20 – 21



