فلسفة الثّنائيّات في شعر المهجر، التّشاؤم والتّفاؤل عند إيليا أبي ماضي أنموذجًا

فلسفة الثّنائيّات في شعر المهجر، التّشاؤم والتّفاؤل عند إيليا أبي ماضي أنموذجًا
The philosophy of dualities in diaspora poetry, pessimism and optimism in Elia Abu Madi as a model
د. فاطمة أحمد عبد القادر الزغول[1]
Dr. Fatima Ahmed Abdel Qader Al-Zaghoul
تاريخ الاستلام 10/9 / 2025 تاريخ القبول 11/ 10/2025
ملخص
يتناول البحث مظاهر فلسفة الثّنائيّات الضّديّة في شعر المهجر، مركزًا على ثنائيّة التّشاؤم والتفاؤل في شعر إيليّا أبي ماضي، أحد أبرز شعراء الرّابطة القلميّة في المهجر. لقد امتاز شعره بالميل إلى الفلسفة، وحبّ الطّبيعة، والجمع بين ثنائية التّشاؤم والتّفاؤل في دواوينه الشّعريّة، فمرّة نجده يدعو النّاس للتّبسم والتّفاؤل والأمل والإقبال على الحياة، وأخرى نجده يبحث عن ذاته بين أسرار الوجود، فلا يجد سوى اليأس والحيرة.
يتألّف البحث من مقدمة عرضت السّمات العامة لأدب المهجر، ومظاهر فلسفة الثّنائيّات الضّديّة عند شعراء الرّابطة القلميّة، كما تضمن ثلاثة مضامين فرعيّة، المضمون الأوّل: يبحث في مفهوم الثّنائيّات الضّديّة ومظاهرها في أدب المهجر، والمضمون الثّاني: يعرض ترجمة وجيزة للشّاعر إيليا أبو ماضي وآثاره الأدبيّة وسماته الأسلوبيّة.
أما المضمون الثّالث محور الدّراسة، فهو دراسة أسلوبيّة لمجموعة من الشّواهد الدّالة على مظاهر ثنائيّة التّشاؤم والتّفاؤل في شعر إيليا أبي ماضي.
وفي الختام تمّ استعراض ما توصل إليه البحث حول مظاهر التّشاؤم والتّفاؤل في شعر إيليا أبي ماضي وأثرها في الشّعر العربيّ الحديث.
الكلمات المفتاحيّة: الفلسفة، الثّنائيّات الضّديّة، التّشاؤم، التّفاؤل
Abstract
The research examines the manifestations of the philosophy of antithetical dualities in diaspora poetry, in which this phenomenon has emerged. It focuses on the duality of pessimism and optimism in the poetry of Elia Abu Madi, one of the most prominent poets of the Pen League abroad. His poetry is characterized by its inclination toward philosophy, a love of nature, and the combination of the duality of pessimism and optimism in his poetry collections. At one point, we find him calling on people to smile, be optimistic, hopeful, and embrace life. At another point, we find him searching for himself amidst the secrets of existence, only to find only despair and confusion
The research consists of an introduction that presents the general characteristics of diaspora literature and the manifestations of the philosophy of antithetical dualities among the poets of the Pen League. It also includes three subtopics: The first section examines the concept of antithetical dualities and their manifestations in diaspora literature. The second section presents a brief biography of the poet Elia Abu Madi, his literary works, and his stylistic characteristics
The third section, the focus of the study, is a stylistic study of a group of examples demonstrating the duality of pessimism and optimism in Elia Abu Madi’s poetry. In conclusion, the research findings on the manifestations of pessimism and optimism in Elia Abu Madi’s poetry and their impact on modern Arabic poetry were reviewed
Keywords: philosophy, dualisms, pessimism, optimism
المقدّمة
شكّل الأدب العربيّ في المهجر حلقة أساسيّة من حلقات النّهوض الأدبيّ الّتي شهدتها عصور النّهضة والإحياء، والّتي انطلقت بدافع الغيرة على الحالة الّتي وصل إليها الأدب العربي من التّخبّط والاضطراب نتيجة الأوضاع العامة في العالم العربي. فقد هاجر مجموعة من الشّباب العربيّ إلى الأمريكيّتين للبحث عن الحرية والحياة الكريمة، بعيدًا عن قيود الفقر والتّهميش والطّائفيّة، فوجدوا في تلك البلاد من الحرّيّة الفكريّة ما فجّر مواهبهم الشّعريّة والأدبيّة، ودفعهم إلى تأسيس رابطة تضم إبداعاتهم وتنمّيها، فتأسّست الرّابطة القلميّة في أمريكا الشّمالية، لتضمّ مجموعة من عيون الأدباء والشّعراء، كما تأسّست العصبة الأندلسية في أمريكا الجنوبيّة لتضمّ مجموعة أخرى لا تقلّ قدرًا ومكانة عن المجموعة الأولى.[2]
اتّسم الأدب المهجريّ منذ انطلاقته بالميل إلى الفلسفة، والعودة إلى الطّبيعة، ومحاولة تحطيم الثّنائيات الّتي فصلت العالم إلى نصفين متناقضين، فاتّخذت قصائدهم طريق الدّعوة إلى الوحدة الكونيّة، وإلى حياة الغاب وإلى تآلف الكائنات. لكنّهم سرعان ما وجدوا استحالة الخروج من النّظام الثّنائيّ للكون، فعادوا إلى بناء قصائدهم على الثّنائيّة، فبرزت في قصائدهم عديد من الثّنائيّات، مثل ثنائيّة الخير والشّر الّتي تبلورت في فكر ميخائيل نعيمة، كما نجد ثنائيّة العقل والقلب والصّراع بينهما في فكر جبران خليل جبران، وإيليّا أبو ماضي ، كما وجدت ثنائيّة النّفس والجسد صداها عند نسيب عريضة وغيره.[3]
أما ثنائيّة التّشاؤم والتّفاؤل فقد شكّلت محورًا بارزًا في شعر المهجر الّذي يعكس حالة الاضطراب الّتي عاشها الشّاعر المهجريّ، ما بين النّوازع الإنسانيّة والرّومانسيّة، وما بين الحنين إلى الوطن ومهد الصّبا، وبين الفكر الفلسفيّ الغربيّ والتعمّق في النّفس البشريّة، وعلاقتها بالطّبيعة والكون والصّراعات الإنسانيّة، فظهرت هذه الثّنائيّة بشكل بارز في شعر إيليا أبو ماضي، وبرزت في عدد من قصائده النّزعة التّفاؤليّة، وفي قصائد أخرى تبدو النّزعة التّشاؤميّة واضحة، وقد نلمح النّظرة التّشاؤميّة والتّفاؤليّة في قصيدة واحدة كقصيدة الطّلاسم.[4]
تسعى هذه الدّراسة إلى تلمّس مظاهر التّشاؤم والتّفاؤل في شعر إيليّا أبي ماضي من خلال استعراض عدد من الشّواهد في قصائده بعد الاطّلاع على الدّراسات السّابقة الّتي تناولت هذا الموضوع، ومنها: التّفاؤل والتّشاؤم في شعر إيليّا أبو ماضي للمؤلّف حاتم محمد علي عبد الرّحمن، وهي رسالة لنيل درجة الماجستير من جامعة الخرطوم، أشرف عليها الدّكتور عادل عثمان الهادي عام ٢٠٠٦م، وثنائيّة التّفاؤل والتّشاؤم في شعر إيليّا أبو ماضي، دراسة لنيل درجة الماجستير، لأميرة ناصر محمود حسن وهدان، والتّصوّرات التفاؤليّة في الأدب المهجريّ العربيّ، أشعار إيليا أبي ماضي أنموذجاً، بحث من إعداد ميرا محيي الدّين، ومقالة بعنوان التّشاؤم والتّفاؤل عند إيليّا أبو ماضي للدكتور سالم بن رزيق بن عوض نشرت في المجلّة الثّقافية الجزائريّة، بتاريخ ٣١/١٠/٢٠١٩م ، وغيرها من الدّراسات.
فلسفة الثّنائيّات في شعر المهجر
يعكس الشّعر واقع الشّاعر، وما يخالجه من شعور، مهما حاول الخروج من دائرة الذّات، إلى رحابة الكون، ومحاكاة الآخر، فالشّاعر أسير رؤيته الّتي تنجم عن نظرته إلى الأشياء وثقافته الذّاتيّة ، وصحّته النّفسيّة، فتولد لديه إمّا النّظرة التّفاؤليّة الّتي تتأمّل الأشياء بروح إيجابيّة تتوقّع الخير والأمل والفرح وسعة الوجود وإشراقة المستقبل، أو تراها بعين التّشاؤم الّتي تتوقّع السّوء والشّر واليأس، وترى الحياة بجانبها السّلبيّ.[5]
والثّنائيّات كما عرّفها المعجم الفلسفيّ هي: “الثّنائي من الأشياء ما كان ذا شقّين، والثّنائيّة هي القول بزوجيّة المبادئ المفسّرة للكون، كثنائيّة الأضداد وتعاقبها، أو ثنائيّة الواحد والمادّة، أو ثنائيّة الواحد وغير المتناهي”.[6]
تعدّ الثّنائيّات الضّديّة من أساسيّات الوجود الّتي تحتاج من المتأمّل نظرة عميقة، فثمّة علاقة عميقة بين كلّ متضادين، كالخير والشّر، والموت والحياة، واللّيل والنّهار، لا تعني علاقة تناقض؛ بل علاقة تواز وتقابل، فحقيقة الوجود تقوم على وجود تقابل بين طرفين متضادين.[7]
يمكن القول إنّ التّفاؤل والتّشاؤم من الثّّنائيات الّتي تتناوب في التّأثير على النّفس الإنسانيّة الواحدة، إذ يمكن للشّخصيّة الواحدة أن تبدو بمظهر متفائل بعض الوقت، ثمّ تتحوّل إلى حالة التّشاؤم في وقت آخر، وذلك مرتبط بالتّغيرات الّتي تحدث للشّخصيّة والمؤثّرات الّتي تتعرّض لها، فما هو التّشاؤم ؟ وما هو التّفاؤل ؟ وما انعكاسات هذه الثّنائيّة على شعراء المهجر؟
التّفاؤل لغة من الفأل ورد في معجم لسان العرب ” الفأل وهو ضدّ الطّيرة ، والجمع فؤول” [8]وقال الجوهري: الجمع أفؤل، وأنشد للكميت: ولا أسأل الطّير عما تقول. ولا تخالجني الأفؤل، والفأل أن يكون الرّجل مريضًا فيسمع آخر يقول يا سالم ، أو يكون طالب ضالّة فيسمع آخر يقول يا واجد، فيقول: تفاءلت بكذا، وتوجّه له ظنّه كما سمع أنه يبرأ من مرضه أو يجد ضالّته”[9]
أمّا التّشاؤم فهو من الفعل شأم “والشّؤم خلاف اليمن، ورجل مشؤوم على قومه والجمع مشائيم نادر وحكمه السّلامة”[10]
فالتّشاؤم والتّفاؤل من السّمات النّفسيّة الّتي عنيت بها الدّراسات النّفسيّة عناية فائقة ، وأكثر ما تجد النّزعات النّفسيّة صداها في نفوس الشّعراء المرهفة، الّتي سرعان ما تتأثّر بمظاهر الحزن والفرح، فتخرجه إلى الوجود فنًّا راقيًا ، فقد تأثّر العديد من الشّعراء في المهجر بهذه النّزعة الثّنائيّة، فمال شعر بعضهم إلى التّشاؤم، ونجد ذلك عند الشّاعر جبران خليل جبران، إذ تأثّر بالمعاملة القاسية من والده الّذي حاول صرفه عن طريق الأدب، ولم يتفهم شدّة تعلقه به، كما زادته الحياة قسوة وحزنًا وسوداويّة عندما أفقده مرض السّل معظم أفراد عائلته المقربين، في فترة زمنيّّة قصيرة، إذ فقد أخته وأمّه وأخاه، ما انعكس على شعره بالتّشاؤم والحزن والأسى،[11] ومن الشّواهد على ذلك هذه الأبيات:
” وقلّ في الأرض من يرضى الحياة كما تأتيه عفوًا ولم يحكم به الضّجر
لذاك قد حوّلوا نهر الحياة إلى أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا
فالنّاس إن شربوا سرّوا كأنهم رهن الهوى وعلى التّخدير قد فطروا“[12]
تبدو في هذه الأبيات النّزعة التّشاؤميّة الّتي تسيطر على الشّاعر، والّتي ينظر فيها إلى الحياة نظرة سوداويّة، نابعة من فلسفة تتعمّق في النّفس الإنسانيّة، لترى ما وراء الرّضى الظّاهر من بوادر الضّجر المتواري، فالنّاس في نظر الشّاعر يظهرون على غير حالتهم الحقيقيّة، فهم مخدّرون يتسترون بالوهم كي يتأتّى لهم التّماشي مع ضجر الحياة وسوئها.
وهذه النّظرة التّشاؤميّة لدى الشّاعر جبران نابعة من معاناة شديدة من سوء الأحوال الّتي قاساها، والّتي جعلته يرى النّاس من هذا الجانب المظلم، ويحاول الهروب منه إلى عوالم أخرى يشعر فيها بالتّوازن والتّصالح مع الطبيعة، فيجد ضالّته في الغاب، الّذي اعتبره العالم الأسمى للحياة الكريمة. ومن الشّواهد أيضًا:
“واللّطف في النّاس أصداف وإن نعمت أضلاعها لم تكن في جوفها الدّرر
فمن خبيث له نفسان واحدة من العجين وأخرى دونها الحجر”[13]
ومن الشّواهد أيضًا:
” وما السّعادة في الدّنيا سوى شبح يرجى فإن صار جسمًا ملّه البشر
كالنّهر يركض نحو السّهل مكتدحاً حتّى إذا جاءه يبطي ويعتكر”[14]
ففي هذه الأبيات تبدو النّزعة التّشاؤمية في النّظرة إلى النّاس، فهو لا يرى فيهم غير الجانب السّيّء المظلم، حتى لو بدت منهم جوانب الخير، فهي مجرد غطاء خارجيّ، ليس في داخله خير يرتجى، والسّعادة يراها مجرد شبح، فإن صارت حقيقة مجسّدة، ملّها النّاس، وكأنّ الشّقاء هو الحتميّة الّتي تفرض نفسها على إرادة الإنسان وطموحه، وكأنّه اعتاد على الشّقاء لدرجة الضّجر من السّعادة إن حلت به.
أمّا الجانب التّفاؤلي في حياة الشّاعر جبران، فهو ذلك الجانب المتمثّل في حياة الغاب، الّذي وجد فيه الحرية والحياة المثلى، بعيدًا عن مظاهر الحضارة الخادعة، وثنائيّاتها وقوانينها الصّارمة، ومن الشّواهد على تفاؤله بحياة الغاب:
” ليس في الغابات حزنٌ لا ولا فيها الهموم
فإذا هبّ نسيمٌ لم تجىء معه السّموم
ليس حزن النّفس إلّا ظلّ وهمٍ لا يدوم
وغيوم النّفس تبدو من ثناياها النّجوم
أعطني النّاي وغنّ فالغنا يمحو المحن
وأنين النّاي يبقى بعد أن يفنى الزّمن “[15]
في هذه الأبيات يبدو الشّاعر متفائلًا بشدة في حياة الغاب، فهو لا يرى فيها موطنًا للهموم أو الحزن، فالنّسائم العليلة غير محملة بالأدخنة والسّموم الّتي تمتلئ بها حياة المدينة، وحتّى لو اعترى النّفس حزن شفيف في الغابات، لن يكون سوى ظلّ وهم سرعان ما ينجلي مع جمال الطّبيعة، وسحرها الأخّاذ، فحتّى غيوم النّفس لا يمكنها أن تخفي النّجوم المضيئة بالفرح الّتي ستظهر من بين ثناياها، وكأنّ التّصالح مع الذّات، ومع العوالم الكونيّة، وجد سبيله في حياة الغاب الّتي صوّرها جبران في غاية التّفاؤل والنّقاء اللّامع كالنّجوم المتلألئة في سماء الكون.
ومن شعراء المهجر الّذين برزت في شعرهم الظّواهر الثّنائيّة، وخاصة نزعتي التّشاؤم والتّفاؤل، الشّاعر رشيد أيّوب الملقّب بالدّرويش، والشّاعر الشّاكي لكثرة ما شكا الزّمان، فقد كان يدمن الخمر، وأصيب بنكبة في ماديّاته في نيويورك، فتنقّل شعره ما بين التّشاؤم والحزن والألم، وما بين التفاؤل بالحب والغزل والحياة الرومانسية، ومن القصائد الّتي تبدو فيه النّزعة التّشاؤميّة في شعر رشيد أيّوب، هذه الأبيات من قصيدة: غروب شمس الحياة:
“دنت المنيّة وانقضى عمري ونسيت ما قد كان من أمري
غابت رسومٌ في مخيّلتي كانت تضيء كأنجم زهر
وخبا فؤاد كان مشتعلًا بالحبّ مثل النّار في صدري
ودويّ نفسي الآن خارجة مني دويّ الموج في البحر”[16]
في هذه الأبيات تظهر جليًّا حالة التّشاؤم والحزن وفقدان الأمل بالحياة الّتي ولدها شعور الشّاعر بدنو أجله، فاقتراب المنيّة أنساه ما كان عليه أمره، حتّى الرّسوم المضيئة الّتي كانت تزيّن حياته يشعر أنّها تلاشت من مخيلته، وخبت من قلبه شعلة الحبّ الّتي كانت تشعله كالنّار، فهو لا يشعر إلّا بدويّ خروج الرّوح من الجسد الّتي تشبه تلاطم موج البحر في شدّتها ونزاعها.
جسّد الشّاعر في هذه الأبيات قمّة فقدان الأمل بالحياة، وهل بعد شعور الموت أمل؟ فهو يشعر بتبدّد كلّ الرّغبات الّتي كانت كالنّار في توهّجها، لتصبح باهتة منطفئة تنتظر قدرها المحتوم الّذي لا ينفع معه التّأسّي ولا التّماسك والأمل .
أمّا النّزعة التّفاؤليّة في شعر رشيد أيّوب، فقد ظهرت في عديد من قصائده الّتي أراد فيها إظهار سمة التّأسّي، والزّهد في بهارج الحياة، والاكتفاء بالشّعور بالوئام النّفسيّ مع الشّعر الّذي أحبّه، كما يبدو في هذه الأبيات من قصيدة لست منهم:
“ورحت والشّعر دأبي ومنزل الوحي كنّي
إن جنّ ليلي أناجي أو ذرّ فجري أغنّي
بلى وربّة شعري كوخي كجنّة عدن”[17]
فالشّاعر رشيد أيّوب في هذه الأبيات يكتفي بالحياة البسيطة الّتي يعيشها في كوخه الّذي يراه قصرًا من شدّة التّصالح مع النّفس والشّعور بالاندماج الرّوحي، فهو فرح متفائل بالقليل الّذي يراه كثيراً لشعوره بالزّهد والكفاف والرّضى بالقليل.
ولو تتبّعنا السّمات الّتي تفرّد بها شعراء المهجر، وخاصّة شعراء الرّابطة القلميّة، لوجدنا عدّة من هذه النّماذج الشّعرية الّتي اتّجهت نحو التّعبير الفلسفيّ، والنّزعة التّأمليّة الّتي تتناوب فيها مظاهر التّشاؤم والتّفاؤل في شعر معظم شعراء المهجر، كنعيمة، ونسيب عريضة، والرّيحاني، وغيرهم، الّذين تأثّروا بمشاعر الحنين إلى الوطن، والرّغبة في التّجديد ومواكبة روح العصر، ورهافة الحسّ الرّومانسيّ، والبعد الفلسفيّ التّأمليّ، فكان لشعرهم صداه البالغ على مستقبل الأدب العربيّ الحديث.[18]
أمّا الشّاعر المهجريّ الذي جمع بين التشاؤم والتفاؤل في شعره بشكل لافت، فهو الشّاعر إيليّا أبو ماضي، أحد أبرز شعراء الرّابطة القلميّة، فقد جمعت قصيدته المطولة (الطّلاسم) بين النّزعة التّأملية الّتي يحاول فيها البحث عن ذاته بين أسرار الوجود، فلا يجد سوى الضّياع والتّشاؤم بفقدان الأمل، وفي مواقع أخرى عديدة يدعو إلى التّفاؤل والأمل والإقبال على الحياة.[19]
ترجمة وجيزة للشّاعر إيليّا أبي ماضي
يعدّ إيليا أبو ماضي أحد روّاد الأدب العربيّ في المهجر، فقد ترك إرثاً أدبيًّا خلّد اسمه بين كبار شعراء الأدب العربيّ الحديث بأحرف من نور.
“حطم أبو ماضي الثّنائيّات في الحياة، فلا خير ولا شر، ولا ذكاء ولا بلاهة، و” ذرّة الرّمل ككلّ الجبال، و” كالّذي عزّ الّذي هان” وآمن بالغاب، عالمًا مليئًا بالخير والفضيلة ثمّ كفر به، وتحدّث عن قلّة جدواه”[20]
في قرية من قرى لبنان الوادعة الرّابضة في أحضان الجبال المكلّلة بغابات الأرز الخضراء، ولد الشّاعر إيليّا ضاهر إيليّا طانيوس أبو ماضي سنة 1889، وقيل 1894، بقرية المحيدثة من قضاء المتن بلبنان، وكانت مدرسة القرية أول بيت علم دخله، ونال من علمه ما استطاع نيله، ولكن تلك الدّروس البسيطة، لم ترو ظمأه الشّديد إلى العلم والمعرفة، وهذا ما حذاه إلى أن يسير على قدميه مسافة ميلين كلّ يوم، وهو في التّاسعة من عمره، ليسترق السّمع من نافذة مدرسة كان يديرها العلّامة الشّيخ إبراهيم المنذر، ولمّا لاحظ صاحب المدرسة شدّة اهتمام أبي ماضي بالعلم والمعرفة، دعاه إلى دخول مدرسته والانضمام إلى صفوف طلّابها دون أيّ مقابل.[21]
انتقل أبو ماضي إلى الإسكندريّة لإكمال دراسته سنة ١٩٠١م، فدرس النّحو والصّرف ونظم الشّعر، وألّف ديوانه الأوّل ( تذكار الماضي)، ثمّ ترك مصر، وهاجر إلى أمريكيا بعد أحد عشر عامًا، وعمل محرّرًا في جريدة (الفتاة) وبعدها عمل في (مرآة الغرب).[22]
اتّصل أبو ماضي بأعضاء الرّابطة القلميّة عام ١٩٢٠م، وانضمّ إليهم، وعرّب بعض الرّوايات الأجنبيّة الّتي نشرها في جريدة السّمير، ثمّ عاد إلى لبنان عام ١٩٤٨ حيث مثّل صحافة المهجر في مؤتمر منظّمة اليونسكو، تقلّد في تلك الرّحلة وسامَي الاستحقاق، وعاد إلى نيويورك، وتوفّي في الرّابع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٥٧م، تاركاً سيرته الأدبيّة العطرة، وحصيلة من الشّعر الذي لا زال يحتلّ مكانة مرموقة لدى هواة الشّعر ونقّاده.[23]
صدر للشّاعر أبي ماضي مجموعة من الدّواوين أوّلها تذكار الماضي الّذي ذكر سابقًا، وديوان إيليّا أبو ماضي الجزء الثّاني، ثمّ الجداول الّذي يعدّ أفضل دواوينه، والخمائل، وتبر وتراب الّذي جمع بعد وفاته.[24]
أمّا عن شاعريّة أبي ماضي، فقد اكتملت بصدور ديوانه الجداول، وقبل ذلك كان يسير على نهج التّقليد، إذ قلّد الشّعر العبّاسيّ، وسار على طريق البارودي وإسماعيل صبري، وأحمد شوقي، ثمّ طوّر أسلوبه ليتحرّر من التّقليد شيئًا فشيئا ، ويكتسب سمته الفلسفيّة الخاصّة ، ويتّخذ أسلوبًا منفردًا حتّى عن أدباء المهجر، ثمّ عاد للتّقليد، فقلّد رباعيّات الخيّام في قصيدته الطّلاسم، وهي كبرى قصائده إذ تبلغ أبياتها ٢٨٤ بيتًا، وبموته انتهت مدرسة المهجر بشكل رسميّ.[25]
أمّا عن فلسفة ثنائيّة التّفاؤل والتّشاؤم، هذه الظّاهرة الّتي انعكست بشكل لافت على غالبيّة قصائد شعر إيليّا أبو ماضي، فستتمّ الإضاءة عليها من خلال مجموعة من الأمثلة في الجزئيّة التّالية.
مظاهر التّفاؤل والتّشاؤم في شعر إيليّا أبي ماضي
لم يكن الشّاعر لينطق إلّا بلسان حاله، ولم يكن ليعبّر سوى عن أحواله، فإن شعر بالفرح والبهجة صدح شعره بما يوحي بذلك، وإن ألمّ به يأس أو حزن بدت على شعره عوارض ذلك الحزن واليأس، والشّاعر إيليا أبو ماضي، تعاقبت عليه فصول الحياة، بربيعها وخريفها، بخيرها وشرّها، بفرحها وحزنها، ومن المألوف أن يتقلّب شعره ما بين هذه الفصول، فإذا كانت هذه التعدّدية في السّمات الموضوعيّة مألوفة عند شعراء المهجر، فهي عند أبي ماضي تظهر بجلاء أكبر، فهو من أكثر شعراء المهجر موازنة بين ثنائيّة التّفاؤل والتّشاؤم، إذ يبدو في بعض قصائده داعيًا للفرح والإقبال على الحياة، ثم نراه في قصائد أخرى حائرًا يبحث عن الحقيقة، وحزينًا يبحث عن البهجة.
التّفاؤل في شعر أبي ماضي
لعل من أكثر قصائد إيليّا أبي ماضي تفاؤلًا وإقبالًا على الحياة، قصيدة( ابتسم)، تلك القصيدة الحواريّة الّتي يحاور فيها الشّاعر شخصية متشائمة داعيًا لها إلى التّفاؤل ونبذ التّشاؤم، ولعلّه بذلك يحاول مقاومة شعور الخيبات ومصادر الأسى في داخله، قبل مقاومتها لدى الآخرين، فهو يعكس ما يراه من أسباب التّشاؤم على الشّخصيّة المتخيّلة في الحوار، وفيما يلي مقتطفات من قصيدة ابتسم:
” قال: السّماء كئيبة وتجهما قلت: ابتسم يكفي التّجهم في السّما
قال: الصّبا ولّى، فقلت له: ابتسم لن يرجع الأسف الصّبا المتصرّما
قال: الّتي كانت سمائي في الهوى صارت لنفسي في الغرام جهنّما
خانت عهودي بعدما ملّكتها قلبي، فكيف أطيق أن أتبّسما؟
قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها قضيت عمرك كلّه متألّما
قال: التّجارة في صراع هائل مثل المسافر كاد يقتله الظّما
أو غادة مسلولة محتاجة لدم، وتنفث، كلّما لهثت، دما!
قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها وشفائها، فإذا ابتسمت فربّما…
أيكون غيرك مجرمًا، وتبيت في وجل كأنّك أنت صرت المجرما؟
قال العدى حولي علت صيحاتهم أأُسرّ والأعداء حولي في الحمى؟
قلت: ابتسم، لم يطلبوك بذمّهم لو لم تكن منهم أجلّ وأعظما! “[26]
يستعرض الشاعر في هذه الأبيات مقوّمات الحياة النّفسيّة والاجتماعيّة الدّاعية إلى التّشاؤم على لسان الشّخصيّة المتخيّلة الّتي يحاورها، ومن هذه الأسباب ذهاب الصّبا، وخيانة المحبوبة، وكساد التّجارة، وظلم الأعداء واحتلالهم للبلاد، ثمّ يستعرض الشّاعر مقوّمات التّفاؤل المقابلة لها من خلال ردّه على شكوى تلك الشّخصيّة الحواريّة المتخيّلة، ففي البيت الأوّل يبدو انعكاس صفة التّشاؤم على البيئة المحيطة بالشّخصيّة، فهو يعكس صفة الكآبة على السّماء، ويبدي التّجهم نتيجة لذلك، ثمّ يعود ليطرح ما بداخله من أسباب التّشاؤم والتجهّم، وهي تتجسّد في ذهاب الصّبا، وخيانة المحبوبة ، فيردّ الشّاعر عليه بأن يبتسم ويتجاوز هذه النّظرة السّلبيّة للأشياء، وأخذها من جانبها المضيء، فإذا كانت السّماء كئيبة، فيكفي شعور النّاس بذلك التّجهم فيها، وعلى الإنسان أن يتجاوز هذا الشّعور ويستبدله بالابتسامة والفرح، فهو القوّة المؤثّرة فيما حوله، وعليه أن يتحلّى بالإيجابيّة، والتّفاؤل، كي يعكس ذلك على ما حوله.
يتحدّث الشّاعر بلسان الحكيم الّذي يقدر الحكمة وراء الأحداث، فعندما شكا الرّجل المتخيّل في الحوار من فقدان المحبوبة، خيانتها، ردّ الشّاعر عليه باعتبار ذلك خيرًا، فلو استمرت علاقتهما سيعيش معها في شقاء دائم بسبب صفاتها المخادعة الّتي تكشّفت له قبل التّورّط في إتمام العلاقة، وهذا جانب الخير فيما رآه الرّجل المحاور شرًّا، وهذه دعوة من الشّاعر أبي ماضي للبحث الفلسفيّ فيما وراء الأشياء، والتّبصر في مكامن الحكمة فيما يراه الإنسان شرًّا.
ومن القصائد الّتي تظهر فيها النّزعة التّفاؤليّة بصورة لافتة، قصيدة الشّباب أبو المعجزات، يقول الشّاعر إيليّا فيها:
“سلام عليكم رجال الوفاء وألف سلام على الوافيات
ويا فرح القلب بالنّاشئين ففي هؤلاء جمال الحياة
هم الزّهر في الأرض إذ لا زهور وشهبٌ إذ الشّهب مستخفيات
إذا أنا أكبرت شأن الشّباب فإن الشّباب أبو المعجزات”[27]
يتفاءل الشّاعر أبو ماضي في هذه الأبيات بالشّباب الّذين يراهم أمل الحياة، ومبعث السّرور، وصنّاع المعجزات، فالحياة تحلو بهم، وهم نورها وبهجتها إذا اختفت شهب السّماء.
والتّفاؤل بالشّباب والإيمان بدورهم السّامي في بناء البلاد، سمة إيجابيّة تدفع بهم إلى العطاء والثّقة بأهميّة العمل بمسؤوليّة، فالأبيات رغم خفّة ألفاظها، وبساطة أسلوبها، وخفّة وزنها، إلّا أنّها غنيّة بقيمة موضوعها الّذي يبعث السّمات الإيجابيّة لدى فئة الشّباب، ويبعث في النّفوس التّفاؤل بدورهم ورسالتهم.
ولأنّ الشّاعر مغمور بالرّوح الإيجابيّة المتفائلة، والمقبلة على الحياة نجده يبعث الطّمأنينة في نفوس الكائنات من حوله، ويقبل على الحبّ منشرحاً، باعثًا التّفاؤل والأمل في نفس المرأة الّتي يقّدر دورها وجهدها في العطاء لمن حولها، كما في هذه القصيدة بعنوان : ابسمي
” ابسمي كالورد في فجر الصّباء وابسمي كالنّجم إن جنّ المساء
وإذا ما كفّن الثّلج الثّرى وإذا ما ستر الغيم السّماء
وتعرّى الرّوض من أزهاره وتوارى النّور في كهف الشّتاء
فاحلمي بالصّيف ثمّ ابتسمي تخلقي حولك زهراً وشذاه
وإذا سرّ نفوسًا أنّها تحسن الأخذ فسرّي بالعطاء
وإذا أعياك أن تعطي الغنى فافرحي أنّك تعطين الرّجاء”[28]
يدعو الشّاعر في هذه الأبيات المرأة أن تبتسم وتتفاءل في كلّ الأوقات، وكلّ الأحوال، لتظلّ مزهرة كورود الفجر، ومهما عصفت بها رياح الخريف، وكفّن الثلج التّراب وأخفاه عن الأنظار، وسترت الغيوم السّماء واختبأتا، فعليها أن تبتسم لأنّ هذه الأحوال لن تدوم، فالرّوض الّذي تعرى من زهوره، سيعود للإزهار، والنّور الّذي واراه كهف الشّتاء، سيعود وضاء في الصّيف.
يدعو الشّاعر أبو ماضي المرأة الّتي تعطي بلا حدود دون أن تنتظر الأخذ، إلى التّفاؤل والفرح بعطائها، فهي مصدر الخير والأمل، وحتّى لو أتعبها جهد العطاء مع قلّة ذات اليد، فيكفيها أنّها تعطي الرّجاء والأمل.
ولعلّ نظرة متفحّصة في ديوان الشّاعر ابي ماضي، تكشف عديد من الشّواهد الدّالة على الرّوح التّفاؤليّة الّتي يتمتّع بها هذا الشّاعر، وسعيه الدّؤوب في بعث هذه الرّوح في كلّ من حوله، فهو متفائل بالرّضى بأحواله ومعيشته، ومتفائل بسحر الطّبيعة وجمالها الأخّاذ، كما أنّه متفائل بالشّباب والمرأة، ما جعل الشّباب يقبلون على شعره بنهم ورغبة قويّة.
التّشاؤم في شعر إيليّا ابي ماضي
رغم ما تمّ استعراضه من شواهد فيما سبق حول إقبال الشّاعر إيليّا أبو ماضي على الحياة، ودعوته للنّاس إلى الابتسام والتّّفاؤل، إلّا أنّ المتتبّع لقصائده يجد كثيرًا من النّصوص الشّعرية تحمل نظرة سوداويّة، مليئة بالوحشة، والخوف، والتّساؤلات حول أصل الإنسان، والكون والحياة، وما قصيدته الطّلاسم، إلّا خير شاهد على التّخبط والحيرة والتّشاؤم، فهو يبحث عن ذاته في هذا العالم الّذي وجد نفسه فيه مرغما على الوجود، لم يختر طريقه ولا يعرف من أين أتى، ثمّ يتساءل حول ما سمعه من الكهنة والمفسّرين لنشوء الإنسان وأصله، هل ما يقولونه صحيحًا؟ ام محظ ادّعاء؟ ويكرّر في كلّ مقطع من القصيدة: لست أدري..
يقول الشّاعر في قصيدة الطّلاسم:
“جئت، لا أعلم من أين، ولكنّني أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقًا فمشيت
وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!”
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسيرٌ في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنى أنّني أدري ولكن …لست أدري! [29]
لربّما تدور هذه التّساؤلات في ذهن معظم البشر، لكنّها في ذهن الشّاعر والأديب، تكون أكثر استرسالاً وعمقًا، فقضيّة الوجود ( الأنطولوجيا) مرتبطة بالأدب ارتباطا ً وثيقًا، فرغم وجود الاختلافات الجوهريّة بين الأدب والفلسفة، والغاية الّتي يرمي إليها كلّ من الأديب والفيلسوف، فإنّ الأدب قائم على التّصوّرات العقليّة والتّخييل، والإدراك العقليّ يبدا بالتّصوّر وهو الإدراك السّاذج، ثمّ يصل بعدها إلى الإدراك المنطوي على الحكم على الأشياء،[30] فالشّاعر إيليّا هنا يفكّر في وجوده بعمق فلسفيّ، يحاول إدراك الحقائق، لكنّه يفشل في الوصول إلى الإدراك الكامل لهذا الوجود القصريّ، ما يجعله يسير متخبّطاً على غير هدى.
فالتّشاؤم في نظرة الشّاعر أبي ماضي في هذه القصيدة منشأه عدم الإدراك لحقيقة الوجود، والتّشكيك في كلّ التّفسيرات الّتي يسمعها حول هذا الوجود، ما جعله يشعر أنّه في طلاسم لا تفسير لها، فراح يشكو إلى البحر لعلّه يجد جوابًا يريحه من عناء البحث، ويرشده إلى طريق الأمان، يقول الشّاعر أبا ماضي مخاطبًا البحر:
” قد سألت البحر يومًا هل أنا يا بحر منكا؟
هل صحيح ما رواه بعضهم عنّي وعنكا؟
أم ترى ما زعموا زورًا وبهتانًا وإفكا؟
ضحكت أمواجه مني وقالت:
لست أدري!
أيّها البحر، أتدري كم مضت ألف عليكا
وهل الشّاطئ يدري أنّه جاثٍ لديكا
وهل الأنهار تدري أنّها منك إليكا
ما الّذي الأمواج قالت حين ثارت؟
لست أدري!”[31]
يجسّد الشّاعر أبو ماضي البحر، ويجعل منه صديقًا يحاوره، ويسأله لعلّه يرشده إلى ضالّته، ويثير هنا تساؤلاً حول النّظريّات الّتي تحدثّت عن نشوء الكون وارتقائه، كنظريّة ( الانفجار الكونيّ) لآينشتاين، وأرسطو، أو نظريّة ( النّشوء والارتقاء ) لدارون[32]، هذه النّظريّات الّتي تقول: بإنّ أصل الكون واحد، ويتساءل مخاطبًا البحر عن مدى صحّة هذه النّظريّات، أو زيفها، فهل هو من أصل البحر كما زعموا ؟، أم إنّ الرّوايات المتعدّدة حول البحر والإنسان صحيحة، كما يتساءل عن صحّة العمر الزّمنيّ للكون، وكلّها أسئلة تهيم في عمق العالم الفلسفيّ بعيد المدى، تحاول أن تجد تفسيرًا مقنعًا يزيل عن بصيرة الشّاعر تلك المخاوف، والشّعور بالضّياع في هذا العالم المتلاطم كالبحر وأمواجه، لكنّه يسمع الجواب الصّارخ مع تلاطم الأمواج: لست أدري.
وتبقى تلك التّساؤلات تحوم في ذهن الشّاعر، حول أصل الكون، ومن أين أتى هو؟ وهل هو مسخّر ام مخيّر؟ وهل بيده اختيار مصيره، أم إنّه يسير خارج إرادته؟ ولا يسمع إجابة لهذه التّساؤلات سوى عدم المعرفة، ما يولد لديه اليأس والتّشاؤم، والخوف من المصير الّذي يجهله هو أيضًا، وهذه النّظرة الفلسفيّة في الشّعر العربيّ تعتبر من الخصائص المستحدثة في الشّعر العربيّ، فهي من مظاهر التّجديد عند شعراء المهجر، الّتي كان لها الأثر البارز في الشّعر العربيّ الحديث.[33]
تعدّدت القصائد الّتي تحمل نزعة تشاؤميّة في ديوان الشّاعر أبي ماضي، فكما تشاءم من أسرار الوجود، وما يخبّئ له الزّمن، نجده أيضًا يتشاءم من أسى الهجران، ولوعة الحب، ومن ذلك قصيدته: دموع وتنهّدات، الّتي يقول فيها:
” ألا ليت قلبًا بين جنبيّ داميا أصاب سلواً أو أصاب الأمانيا
أجنّ الأسى حتى إذا ضاق بالأسى تدفّق من عينيّ أحمر قانيا
تهيج بي الذكرى البروق ضواحكاً وتغري بي الوجد الطّيور شواديا
فأبكي لما بي من جوى وصبابة وأبكي إذا أبصرت في الأرض باكيا
فلا تحسباني أذرف الدّمع عادة ولا تحسباني أنشد الشّعر لاهيا
ولكنّها نفسي إذا جاش جأشها وفاض عليها الهمّ فاضت قوافيا
يشقّ على الإنسان خدع فؤاده وإن خادع الدّنيا وداجى المداجيا “[34]
يتمنّى الشّاعر أبو ماضي في هذه القصيدة أن يحظى بنسيان تلك الحبيبة الرّاحلة، الّتي لم ينل منها المنى، ولم يجد سوى الأسى والدّموع الّتي تقطر دماً قانياً، لشدّة ما به من ضيق وأسى، فلوعة الهجر هي سبب النّظرة التّشاؤميّة عند أبي ماضي في هذه القصيدة، فمعاناة الهجر والخداع ولوعة القلب، جعلته يتشاءم من صوت الطّيور الشّادية، والبروق المقبلة من ناحية أرض الحبيبة الغادرة، وهذا خلاف لطبيعة هذه الأشياء الّتي كان عليها أن تجلب له السّرور، ولكنّها تحولت في نظره إلى مصدر شؤم لارتباطها بالخداع الّذي وجده من محبوبته، الّتي تركته للأسى والحزن، فلا هو بمحقق أمنيته معها، ولا هو بناسيها.
يربط الشّاعر أبو ماضي قول الشّعر في الأبيات السّابقة بالحالة النّفسيّة الصّعبة الّتي يعيشها، فهو لا يقول الشّعر لاهيًا، وإنما يقوده على ذلك الهم الذي كلّما فاض به، فاضت قوافيه، وجاد بالشّعر الغزير، وكأنّه يجسّد مقولة الشّعر من الشّعور.
الخاتمة
وفي الختام، تبيّن من خلال استعراض مجموعة من القصائد المختارة من ديوان الشّاعر إيليّا أبي ماضي، كثرة الشّواهد الدّالة على جمع الشّاعر بين ثنائيّتي التّفاؤل والتّشاؤم في شعره، وذلك مرهون بالأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والنّفسيّة العامّة الّتي تتحكّم بالوضع النّفسيّ للشّاعر، فمن المواقف الّتي تثير في نفسه التّفاؤل: الرّضى بالقدر، وتقدير عواقب الأمور، بأنّ الإنسان لو علم الغيب لاختار الواقع ، كما جاء في قصيدة ابتسم الحواريّة، كما يتفاءل الشّاعر بالشّباب ويراهم أمل المستقبل، والشّعلة المضيئة الّتي تنير البلاد، وتجمّل الحياة، ويتفاءل بدور المرأة الّتي يراها عنصرًا معطاء، يعطي دون أن ينتظر الأخذ بالمقابل، ويتفاءل لأنّ التّشاؤم لا يغير الواقع، بل يزيده سوءًا، ورغم شعوره بمواقف الأسى الّتي يجسدها في حواراته مع شخصيّات متخيّلة؛ إلّا أنّه يدعو النّاس للتّفاؤل، لعلّ الخير يأتي مع الامل.
وفي الجانب المقابل، تعكس مجموعة أخرى من القصائد للشّاعر حالة اليأس، والحزن، والتّشاؤم الّتي تسيطر على الشّاعر في العديد من مواقف الحياة، والّتي لا يمكنه التأسّي معها، بل يجسّدها في شعره، ومن أبرز قصائده التّشاؤميّة ، الطّلاسم الّتي عبّر فيها عن حالة البؤس الّتي يعيشها الإنسان في تخبّطه بحثًا عن الحقيقة، فهو يتشاءم من غرابة الكون وأسراره، ويتشاءم بسبب خيانة المحبوبة، فتصبح أصوات الطّيور، وصوت الضّحك عنده مدعاة للتّشاؤم بدل التّفاؤل.
وعلى الرّغم من حدّة الفجوة بين التّفاؤل والتّشاؤم، لا يمكننا وصف الشّاعر بالتّناقض، فلكلّ قصيدة موقفها وشعورها الآني الّذي يتحكّم بالشّاعر، فيعكسه شعرًا، فرحًا كان، أم حزنًا.
المصادر والمراجع
- ابن منظور، جمال الدّين محمد بن مكرم، لسان العرب،( ١٤٠٥هـ)، م ١٢، باب اللام، فصل الفاء.
- أبو ماضي، إيليّا، ديوان إيليّا أبي ماضي ، (د، ت)، بيروت، دار العودة.
- الأزهري، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض مرعب، (د، ت) دار إحياء التراث العربي، بيروت ، ط١، ص ١٨٤٩.
- أيوب، رشيد : أغاني الدرويش( ٢٠١٤م)، القاهرة، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، د. ط.
- إحسان عباس و محمد يوسف نجم: الشّعر العربيّ في المهجر، أمريكا الشّمالية،( ١٩٨٢م)، ط٣.
- جبران خليل جبران، المجموعة العربية الكاملة لمؤلّفات جبران خليل جبران، تدقيق ميخائيل نعيمة ، دار صادر، بيروت.
- حدبون، محمد، نشأة الكون وفناؤه في القرآن الكريم ، دراسة في المنهج المعرفي على ضوء العلم الحديث،(٢٠١٣م)، الجزائر، كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والعلوم الإسلاميّة ، رسالة دكتوراه.
- الحسن، أردهان حسن، الثّنائيّات الضّديّة في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران،، المجلّة الدّوليّة لدراسات اللغة العربية وآدابها، دبي، الإمارات، تاريخ النّشر ٢٦/١١/٢٠٢٤،
- الخليفة الماحي الخليفة، أثر شعراء الرّابطة القلميّة في توجهات الشّعر العربيّ الحديث،( ٢٠١٤م)، جامعة النيلين.
- الدّيوب، سمر، الثّنائيّات الضّديّة، بحث في المصطلح ودلالته،(٢٠١٧)، المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة، ط١.
- السّويفان، صباح هابس، توظيف الثّنائيّات الضّديّة بين شارل بودلير وإيليّا أبي ماضي، دراسة أدبيّة مقارنة،( ٢٠٢٠م)، الكويت، جامعة الكويت.
- سلطان، محمود، إيليّا أبو ماضي بين التّشاؤم والتّفاؤل، البيان الكويتيّة، العدد ٧٢، تاريخ الإصدار ١مارس١٩٧٢.
- شاملي، نصر الله ، وصحبت الله حسنوند، المصادر الفلسفيّة لأدب المهجر الشّمالي، بحث منشور في مجلّة مركز اطلاعات علميّة.
- الصّدر، محمد باقر( ١٩٨٢) : فلسفتنا ، ط١، لبنان ، بيروت، دار التّعارف للمطبوعات.
- صليبا، جميل، المعجم الفلسفيّ، دار الكتاب الثّقافيّ، بيروت، ( ١٩٨٢م)، باب الثاء.
- قبش، أحمد، تاريخ الشّعر العربيّ الحديث،( ١٩٧١م )، بيروت، دار الجيل، ط١.
- النّاعوري ،عيسي، أدب المهجر،(١٩٦٦م)، ط٣، مصر، دار المعارف.
[1] حاصلة على الدّكتوراه في الفلسفة في اللّغة العربيّة وآدابها/ الأدب والنقد الحديث من جامعة اليرموك الأردنيّة/ بتاريخ: ٢٦/ ١٢/ ٢٠٢٤
[2] الخليفة الماحي الخليفة: أثر شعراء الرّابطة القلميّة في توجّهات الشّعر العربيّ الحديث، ٢٠١٤م، جامعة النيلين، ص 10 وما بعدها.
https:llrepository.neelain.edu.sd
[3] ينظر :السّويفان، صباح هابس، توظيف الثّنائيّات الضّديّة بين شارل بودلير وإيليّا أبي ماضي، دراسة مقارنة، ٢٠٢٠م، الكويت، جامعة الكويت، ص ٤٠٦ وما بعدها.
[4] ينظر:سلطان، محمود، إيليا أبو ماضي بين التّشاؤم والتّفاؤل، البيان الكويتيّة، العدد ٧٢، تاريخ الإصدار ١مارس١٩٧٢، ص ٢٩.
[5] ينظر: الحسن، أردهان حسن، الثّنائيّات الضّديّة في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران،، المجلّة الدّوليّة لدراسات اللّغة العربيّة وآدابها، دبي، الإمارات، تاريخ النّشر ٢٦/١١/٢٠٢٤، ص ١١٠.
[6] صليبا، جميل، المعجم الفلسفيّ، دار الكتاب الثّقافيّ، بيروت، ١٩٨٢م، باب الثّاء، ص ٣٧٩-٣٨٠.
[7] ينظر: الدّيوب، سمر، الثّنائيّات الضّديّة، بحث في المصطلح ودلالته، المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجية، ط١، ٢٠١٧،ص ١٦.
[8] ابن منظور، جمال الدّين محمد بن مكرم، لسان العرب، ١٤٠٥هـ، م ١٢، باب اللّام، فصل الفاء، نشر أدب الحوزة.
[9] الأزهري، تهذيب اللّغة، تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التّراث العربيّ ، بيروت ، ط١، ص ١٨٤٩.
[10] ابن منظور، لسان العرب، المرجع السّابق، باب الميم ، فصل الشّين .
[11] ينظر: قبش، أحمد، تاريخ الشعر العربي الحديث ، ١٩٧١م، بيروت ، دار الجيل، ط١، ص ١٩٥.
[12] جبران خليل جبران، المجموعة العربيّة الكاملة لمؤلّفات جبران خليل جبران، تدقيق ميخائيل نعيمة ، دار صادر ، بيروت، ص ٣٥٨.
[13]. المصدر نفسه، ص٣٥٤.
[14] المصد ر نفسه، ص ٣٦٠.
[15] جبران خليل جبران، المصدر السّابق، ص ٣٥٤.
[16] أيوب، رشيد، أغاني الدرويش ٢٠١٤م القاهرة ، مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة، (د، ط)، ص ٣٣.
[17] المصدر نفسه، ص٢٥.
[18] ينظر: النّاعوري ،عيسي، أدب المهجر،١٩٦٦م ط٣،مصر، دار المعرف، ص من ٧٨ إلى ٨٩.
[19] ينظر: المرجع نفسه والصّفحات ذاتها.
[20] إحسان عباس و محمد يوسف نجم: الشّعر العربيّ في المهجر، أمريكا الشّمالية ، ١٩٨٢م، ط٣، ص١٣٤.
[21] ينظر الناعوري، المرجع السّابق ص ٣٦٤،٣٦٣. وينظر كذلك: قبش، أحمد، تاريخ الشعر العربي الحديث ، مرجع سابق ص ٣٠٣.
[22] ينظر: إحسان عبّاس ومحمد يوسف نجم، الشّعر العربيّ في المهجر ، المرجع السّابق ، ص ١٣٤.
[23] ينظر: المرجع نفسه والصّفحة نفسها.
[24] قبش، أحمد ، تاريخ الشّعر العربيّ الحديث ، المرجع السّابق ، ص ٣٠٣.
[25] المرجع نفسه والصفحة نفسها.
[26] ديوان إيليّا أبي ماضي ، المصدر السّابق ، ص ٦٥٥.
[27] ديوان الشّاعر إيليّا أبي ماضي، المصدر نفسه ص٢٢٤.
[28] ديوان إيليّا أبو ماضي، المصدر نفسه ص١٢٤.
[29] أبو ماضي: الدّيوان ، المصدر نفسه، ص ١٩١.
[30] ينظر: الصّدر، محمد باقر( ١٩٨٢) : فلسفتنا، ط١، لبنان ، بيروت، دار التّعارف للمطبوعات، ص( ٥٨-٦١).
[31] أبو ماضي، الدّيوان، ص١٩٣.
[32] ينظر: حدبون، محمد: نشأة الكون وفناؤه في القرآن الكريم، دراسة في المنهج المعرفيّ على ضوء العلم الحديث،٢٠١٣م، الجزائر، كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والعلوم الإسلاميّة ، رسالة دكتوراه ، ص ١٧٤ وما بعدها.
[33] ينظر: شاملي، نصر الله، وصحبت الله حسنوند: المصادر الفلسفيّة لأدب المهجر الشّمالي، بحث منشور في مجلة مركز اطلاعات علميّة، ص ١٥.
[34] أبو ماضي، الدّيوان، ص٨١٦.




