أبحاثاللغة والأدب والنّقد

الرّموز والصّور الشّعرية مرآة الاغتراب النفسي في قصيدة “لم يلدني شجر قط” للشاعر “شوقي بزيع”

الرّموز والصّور الشّعرية مرآة الاغتراب النفسي في قصيدة “لم يلدني شجر قط” للشاعر “شوقي بزيع”

Les symboles et les images poétiques comme miroir de l’exil psychologique dans le poème «Aucun arbre ne m’a jamais enfanté » du poète Shawqi Bazi

د. نعيمة حسين شكرون

Dr. Naïmah Hussein Chakroun

تاريخ الاستلام 1/ 8/ 2025                                      تاريخ القبول 21/ 9/2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

الملخّص

تُعدّ قصيدة “لم يلدني شجر قطّ” للشّاعر الّلبناني “شوقي بزيع” من أبرز النّصوص الشّعرية الّتي تكشف عن توتّر الذّات الإنسانيّة بين جدليّة الوجود والعدم، والانتماء والاغتراب. تنفتح القصيدة على أسئلة الهويّة والمصير، حيث يقدّم الشّاعر صورة الكائن الممزّق بين الرّغبة في الارتقاء والاصطدام بعبثيّة الوجود. ومن خلال بنية رمزيّة مكثّفة، يعكس النّص تجربة وجوديّة تعبّر عن انكسار الذّات المعاصرة في مواجهة الفراغ الرّوحيّ. ويأتي البحث ليحلّل الأبعاد الرّمزيّة والدّلاليّة في النّص، استنادًا إلى المنهج النّفسيّ-الوجوديّ، للكشف عن تجلّيات الاغتراب والبحث عن المعنى في القصيدة، وما تحمله من صور شعريّة كثيفة ومرايا لغويّة تعكس مأزق الإنسان الحديث.

الكلمات المفتاحيّة

 شوقي بزيع، لم يلدني شجر قطّ، الاغتراب الوجوديّ، الصّور الشّعريّة، الرّموز، الموت والعدم، البحث عن المعنى، المنهج النّفسيّ الوجوديّ.

Résumé

Le poème « Je ne suis né d’aucun arbre » du poète libanais Chawki Bzeih constitue l’un des textes poétiques les plus significatifs qui révèlent la tension de l’être humain entre la dialectique de l’existence et du néant, de l’appartenance et de l’aliénation. Le poème s’ouvre sur les questions de l’identité et du destin, où le poète offre l’image d’un être déchiré entre le désir d’élévation et la confrontation avec l’absurdité de l’existence. À travers une structure symbolique dense, le texte reflète une expérience existentielle qui exprime la fracture du moi contemporain face au vide spirituel. Cette recherche analyse les dimensions symboliques et sémantiques du texte, en s’appuyant sur la méthode psycho-existentielle, afin de mettre en lumière les manifestations de l’aliénation et de la quête de sens dans le poème, ainsi que les images poétiques intenses et les miroirs linguistiques qui traduisent l’impasse de l’homme moderne.

Mots-clés

 

Chawki Bzeih, Je ne suis né d’aucun arbre, aliénation existentielle, images poétiques, symboles, mort et néant, quête de sens, approche psycho-existentielle.

المقدّمة

يحتلّ “شوقي بزيع” موقعًا متميّزًا في الشّعر العربيّ الحديث، إذ انشغل في قصائده بأسئلة الإنسان الكبرى: الهويّة، والزّمن، والمصير، والموت. وتأتي قصيدته “لم يلدني شجر قطّ” لتجسّد إحدى التّجارب الشّعريّة الّتي تتقاطع مع الفلسفة الوجوديّة، عبر رصدها لحالة اغتراب الذّات وانكسارها أمام أسئلة الحياة والموت؛ فالقصيدة تتشكّل من شبكة من الصّور الّتي تعكس صراع الشّاعر الدّاخليّ بين الرّغبة في التّجدّد والحياة، وبين الإحساس بالوحدة والعبثيّة.

إنّ دراسة هذا النّص تكشف عن الصّور البيانيّة ودلالاتها من جهة، وعن حضور البنية الرّمزيّة من جهة أخرى، فتصبح القصيدة مجالاً خصبًا للتّحليل النّفسيّ-الوجوديّ. ومن هنا، يهدف البحث إلى تفكيك الدّلالات العميقة للنّص، مع إبراز كيفيّة تحوّل الّلغة الشّعريّة إلى مرآة للقلق الإنسانيّ والبحث عن المعنى.

إشكاليّة البحث

تطرح قصيدة شوقي بزيع “لم يلدني شجر قطّ” مجموعة من الأسئلة الكبرى المتعلّقة بالذّات الشّاعرة وتجربتها الوجوديّة: كيف يعكس الشّعر تجربة الاغتراب النّفسي والوجوديّ؟ وما الدّور الذي تؤديه الرّموز والصّور الشّعرية في تجسيد هذا الاغتراب؟ وكيف يتداخل التّراث الدّينيّ والأسطوريّ والتّاريخيّ مع التّصوّرات الفرديّة للمعاناة، والفقد، واليأس؟

فرضيّة البحث

تفترض هذه الدّراسة أنّ الرّموز والصّور الشّعريّة في قصيدة شوقي بزيع “لم يلدني شجر قطّ” لا تقتصر على التّزيين الّلغوي أو الجمالي للنّصّ، بل تمثّل أدوات جوهريّة لتجسيد الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ للذّات الشّاعرة، فالصّور الشّعريّة من استعارات وتشابيه وكنايات تعمل على تكثيف الانفعالات الدّاخليّة، أمّا الرّموز الدّينيّة، والتّاريخيّة، والأسطوريّة فتعكس الصّراع بين الرّغبة في الانتماء والأمل من جهة، وبين الإحساس بالعجز والفقد من جهة أخرى.

كما تفترض الدّراسة أنّ تداخل هذه الرّموز مع الصّور البيانيّة يخلق فضاء شعريًّا يعكس الانفصال عن العالم والآخرين، والانكسار أمام المصاعب الوجوديّة، فيصير النّصّ الشّعريّ مرآة صافية لتجربة الإنسان في مواجهة الصّراع النّفسيّ والوجوديّ، ويتيح فهم العلاقة بين الشّكل الشّعريّ والمعنى العميق للاغتراب.

أهميّة البحث

1- الأهمّيّة الأدبيّة: يسهم هذا البحث في تقديم قراءة معمّقة للقصيدة من خلال تحليل الرّموز والصّور الشّعريّة، بما يثري الدّراسات النّقديّة للشّعر المعاصر، ويبرز الأساليب التي يوظّفها الشّاعر في التّعبير عن التّجربة الإنسانيّة المكثّفة.

2- الأهمّيّة النّفسيّة والوجوديّة: يوضّح البحث كيف يمكن للشّعر أن يكون وسيلة لتصوير الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ، ممّا يتيح للدّارس فهمًا أعمق للصّراعات الدّاخليّة للذّات الشّاعرة وعلاقتها بالواقع والحياة.

3- الأهمّيّة الرّمزيّة: يسلّط الضّوء على دور الرّموز الدّينيّة والتّاريخيّة والأسطوريّة في الشّعر الحديث، وكيفيّة توظيفها لنقل رسائل وجوديّة مركّزة، فتبرز قيمة الشّعر كأداة لفهم المعاني العميقة والتّجارب الإنسانيّة المعقّدة.

4- الأهمّيّة النّقديّة والمنهجيّة: يقدّم البّحث نموذجًا لتحليل الرّموز والصّور البيانيّة ضمن إطار أكاديميّ متكامل، ممّا يساعد الباحثين والطّلّاب على تطوير مهارات القراءة النّقديّة الدّقيقة وربط الجانب الجماليّ بالشّعور النّفسيّ والوجوديّ.

أهداف البحث

1- تحليل الرّموز والصّور الشّعريّة في قصيدة شوقي بزيع “لم يلدني شجر قطّ”، ودراسة دورها في تجسيد التّجربة الوجوديّة والنّفسية للذّات الشّاعرة.

2- كشف العلاقة بين الرّمزيّة والاغتراب النّفسيّ والوجوديّ، من خلال توظيف الرّموز الدّينيّة والتّاريخيّة والأسطوريّة، وربطها بالصّور البيانيّة المستمدّة من الطّبيعة والجسد والفضاء.

3- توضيح وظيفة الصّور الشّعريّة من استعارات وتشابيه وكنايات في نقل الصّراعات الدّاخليّة والانفصال عن العالم والآخرين، وإبراز العجز الفرديّ أمام المصاعب والخذلان.

4- تقديم رؤية أكاديميّة شاملة حول كيفيّة استخدام الشّعر المعاصر للرّموز والصّور في التّعبير عن التّجربة الإنسانيّة، وتطوير أدوات تحليليّة تمكّن الباحثين من فهم البعد النّفسيّ والوجوديّ للنّصوص الشّعريّة.

الإطار النّظريّ للمنهج النّفسيّ الوجوديّ

  • تعريف المنهج النّفسي الوجوديّ

المنهج النّفسيّ الوجوديّ هو إطار تحليليّ يجمع بين مفاهيم التّحليل النّفسيّ من جهة، والفلسفة الوجوديّة من جهة أخرى؛ ليفسّر التّجارب الإنسانيّة العميقة من حيث الصّراعات الدّاخليّة، البحث عن المعنى، والاغتراب الوجوديّ. يركّز هذا المنهج على دراسة الذّات في علاقتها مع الوجود، حيث يواجه الإنسان قضايا مثل الحرّيّة، والعدم، والموت، والقلق الوجوديّ.[1]

  • المحاور الأساسيّة للمنهج النّفسيّ الوجوديّ
  • الاغتراب: يشير إلى شعور الإنسان بالعزلة والبعد عن ذاته، والآخرين، والعالم من حوله، ممّا يؤدي إلى أزمة هويّة وصراع داخليّ.[2]
  • الّلامعنى: تعبير عن حالة التّناقض بين رغبة الإنسان في إيجاد معنى لحياته، وبين غياب هذا المعنى في العالم المحيط به، وأنّ ماهيّته إنّما تكمن على الأرجح في أنّ عليه في كلّ مرّة أن يكوّن كينونته بوصفها الكينونة التي تخصّه[3].
  • الحريّة والمسؤوليّة: “الحريّة جوهر الوجود”[4]، وحريّة الإنسان تكمن في اختيار طريقه ومسؤوليّة هذا الاختيار أمام ذاته، على الرّغم قسوة الواقع والضّغوط المحيطة.
  • القلق الوجوديّ: “هو الإدراك التّأمّلي للحرّيّة نفسها”[5]، وهو حالة من التّوتر وعدم الاطمئنان ناتجة عن مواجهة الإنسان لحقيقة وجوده، ومحدوديّته، ومصيره المحتوم.[6]
  • الموت: يُعدّ الموت أحد المحاور الأساسيّة في الفكر الوجوديّ، حيث يعي الإنسان مصيره الحتميّ، ممّا يدفعه إلى البحث عن معنى في الحياة[7].

وفي تحليل النّصوص الأدبيّة، خاصّة الشّعريّة منها، يتيح المنهج النّفسيّ الوجوديّ قراءة أعمق للصّراعات الدّاخليّة للشّخصيّات أو الذّات الشّاعرة، فـ “الشّعر لغة الشّعب البدئيّة. فيها يتمّ الانكشاف إلى الوجود الّذي ينفتح عبرها”[8]، إذ يفسّر الدّلالات النّفسيّة والفلسفيّة وراء الرّموز والصّور، ويربطها بأسئلة الوجود الكبرى مثل الهويّة، والحرّيّة، والموت.

كما يُمكّن من التّعرّف على التّوتّرات النّفسيّة الوجوديّة التي تعبّر عنها اللّغة الشّعريّة من خلال الرّموز والتّراكيب الفنّيّة، ممّا يتيح فهماً شموليًّا لتجربة الاغتراب والبحث عن المعنى.

الشّاعر شوقي بزيع: نبذة موجزة

شوقي بزيع (مواليد1951) هو شاعر لبنانيّ معاصر[9]، ينتمي إلى فئة قليلة من الشّعراء الّذين وسّعوا أفق النّصّ الشّعريّ العربيّ، وجعلوه مختبرًا للأصوات والألوان والمعرفة والصّمت كامتداد عميق لطبيعة الحياة اليوميّة في تعدّدها وزخمها وفوضاها في محاولة إلى أخذ القصيدة إلى مكان أكثر استقلالاً لأبعادٍ جماليّةٍ تنتصر للإنسان واللّغة والشّعر بشكل أساسيّ، ودوافعه كانت بشكل أكبر معرفيّة وتاريخيّة؛ ممّا يؤكّد المكانة الّتي يحتلّها بزيع داخل الثّقافة العربيّة، لا بوصفه شاعرًا أو مدوّنًا، بل ككاتب ومثقّف يحمل مشروعًا معرفيًا يوازي بين رقّة الإبداع ورحابة التّكوين المعرفيّ وحدّة الموقف، وأصعب شيء بالنّسبة إليه كشاعر أن يستطيع امتلاك تلك الخلطة السّحريّة الّتي يوثّق من خلالها عناصر الكتابة المختلفة، أي بين أن يحضر في تاريخ الشّعر كطاقة لغويّة تعبيريّة وجماليّة من جهة، وأن يحفر في تربة الدّاخل الإنسانيّ بسلاسة ومن دون تعسّف[10].

وهو يُعدّ من أبرز الأصوات الشّعريّة التي تناولت موضوعات الوجود، والاغتراب، والهويّة في سياق التّجربة اللّبنانيّة والعربيّة. وتتميّز أشعاره بالإحساس العالي، واستخدام الرّموز والصّور الشّعريّة المعبّرة عن الصّراعات النّفسيّة والوجدانيّة؛ وقصيدة “لم يلدني شجر قطّ” تعكس جانبًا من أزماته الوجوديّة، وتعبّر عن حالة اغتراب عميقة يعيشها كشاعر وإنسان.

نشأة القصيدة والسّياق الثّقافيّ

نشرت القصيدة في مجلة الآداب، العدد11، عام 1993[11]، وهي تعكس تأمّلات ذاتيّة وشخصيّة حول الهويّة، الانتماء، والبحث عن معنى وسط واقعٍ متشابكٍ مليء بالتّحدّيات، ويمكن وصفها أنّها تعبير عن تجربة فرديّة، ولكنّها تحمل أبعادًا وجوديّة عامّة تعكس حالة الإنسان المعاصر في مواجهته للفراغ والاغتراب.

مفهوم الاغتراب في المنهج النّفسيّ الوجوديّ

الاغتراب هو حالة شعوريّة ووجوديّة يعيشها الفرد نتيجة انقطاع الصّلة بينه وبين ذاته أو محيطه الاجتماعيّ أو الكونيّ[12]، ويولّد لديه إحساسًا بالعزلة واللّاجدوى وفقدان الانتماء[13]؛ ويتجلّى هذا المفهوم في الفلسفة الوجوديّة بوصفه مأزق الإنسان في مواجهة عبثيّة العالم، كما يرتبط في التّحليل النّفسيّ بحالات الانقسام الدّاخليّ والاغتراب عن الهويّة الأصيلة[14].

وفي الشّعر يشكّل الاغتراب محورًا للتّعبير عن التّمزّق النّفسيّ والرّوحيّ، حيث تُستثمر الصّور البيانيّة والرّموز؛ لتصوير غربة الشّاعر عن العالم وعن ذاته معًا، فهي عنصر تكوينيّ، ومن دونها ينحدر الشّعر إلى تجريد خالص أو إلى ثرثرة فارغة[15]؛ ومن هذا المنطلق، كان لا بدّ من التّوقّف عند هذا المفهوم في قصيدة “لم يلدني شجر قطّ”.

 قراءة أوّليّة للقصيدة: الموضوع والمضمون

تسود أجواء القصيدة مسحة من اليأس والخذلان، إذ يستسلم الشّاعر لقدرٍ محتوم، فيشبّه ذاته بنبتة ذابلة يخبو نورها، إيذانًا بالأفول؛ ويتجسّد الموت في النّصّ كزائر يطرق بابه، ويحرّك أمامه “مناديل الرّحيل”، إيحاءً بالوداع الأخير؛ وفي استعارته لنفسه طائرًا يتخبّط في الأودية المظلمة، تتضّح صورة التّيه والبحث العبثيّ عن مخرج في غياب الدّليل. أمّا الأرض، فتغدو شاهدة على تاريخ طويل من الخراب، إذ شاخت بفعل القرون ودفنت في ترابها جثث الماضي، فلا يبقى في فضائها سوى نبض محدود، وتقتير في العطاء، وكأنّها تبخل على أبنائها بغير الخسارات والضّحايا.

يبدي الشّاعر رغبة جامحة في أن يتحوّل إلى نار؛ فأوحى بعمليّة تحوّل كيميائيّ أو طاقيّ ترفعه من حالة الجمود التّرابيّ إلى مستوى الإشعاع والحركة، كما يتمنّى أن يكون لقاحًا يهيّئ لخصوبة الأرض وتجدّد الحياة، لتغدو كعروس تستعدّ للحمل والولادة، في إشارة إلى دورة بعث جديدة؛ غير أنّ هذا الأمل يتبدّد أمام صورة الموت الّتي يجسّدها الشّاعر كحيوان مفترس يفغر فاهه لالتهامه، فيستسلم له من دون مقاومة. وفي استعارة التّتويج بـ “الإكليل”، تتداخل رمزيّة الموت مع الولادة الثّانية، إذ يسعى الشّاعر إلى أن تمتزج ظلمات الموت بدمٍ آخر، بما يتيح ولادة حياة أخرى، وصنع بديل من نقيضه، في حركة جدليّة بين الفناء والتّجدّد.

وتبلغ القصيدة ذروتها عند لحظة الاعتراف بالاستسلام للمشيئة الكونيّة، فيقول الشّاعر: “ردّني طينًا كما كنت”، طالبًا العودة إلى الحالة الأولى، ما قبل المعاناة والتّجارب والانكسارات، إلى مرحلة الفناء والتّحرّر من ثقل الوعي، أو إلى إعادة التّكوين من جديد.

هذه العودة المرجوّة تهدف إلى استدعاء “لهبه” نحوه، في إحالة إلى الشّغف الدّاخليّ، وإلى رمز الرّوح أو الطّاقة الحيويّة التي بُثّت فيه أوّل مرّة، في عمليّة خلق ثانية ترتقي به بدلاً من التّشتّت أو الانطفاء الذي يعيشه حاليًّا. ومن هنا يشيّع الشّاعر من قبل “قرائينه” قائلًا: “فترثيني قرائيني”؛ وكلمة “قرائيني” جمع “قرين”، وهو المرافق الدّائم، سواء كان إنسانًا أم فكرة أم ظلًّا معنويًّا. وفي التّراث الدّينيّ والأسطوريّ، القرين هو الرّوح المرافقة أو النّظير الرّوحيّ للإنسان؛ ويقصد الشّاعر بها الذّوات الأخرى الّتي يحملها في داخله، أي أناه المتعدّدة، أو الأشخاص والأفكار الّتي تتقاطع معه في المصير والمعاناة، أو حتّى تجسّدات وجوده عبر الأزمنة. وكأنّ كلّ قرين يمثّل نسخة منه في مرحلة أو عالم مختلف، فيغدو القرين أكثر من مجرّد اسم؛ بل امتدادًا لهويّته المتشظّية.

وتتحوّل الأحجار، في بعدها الرّمزيّ، إلى أدوات لقراءة الزّمن الدّاخليّ للشّاعر؛ فهي ليست مجرّد عناصر طبيعيّة يتلمّس بها نبض الفصول، بل إشارات دالّة على ذكريات وتجارب ومحطّات حياتيّة مكّنته من الإحساس بإيقاع الزّمن وتقلّباته: الرّبيع، الصّيف، الخريف، والشّتاء. وفي خضمّ هذا الوعي الزّمنيّ، ينفي الشّاعر انتماءه إلى أيّ أصل أسطوريّ، معلنًا أنّه لم يكن مولود الشّجر، ولم تمنحه قوى الرّعد اسمه؛ ليؤكّد بذلك افتقاره إلى الجذور الخارقة أو الحكاية المؤسّسة التي تمنح الكائن هويّة أسطوريّة، مكتفيًا بواقع وجوده الإنسانيّ المجرّد.

وتتزاحم الصّور في ذهن الشّاعر، فتطلّ “رايات” لا تكفيها السّهول، في استعارة مكثّفة توحي باتّساع الرّؤيا وضيق الفضاء أمام طموحها. ويتجلّى الشّاعر كنهر الحياة الجاري نحو “بحر ميّت الموج”، في صورة تجمع بين حركيّة الحياة وجمود الموت؛ ليشكّل التّناقض بينهما محورًا دلاليًّا للصّراع الوجوديّ. وفي هذا الفضاء المتوتّر، تختلط المعاني بالأسماء، فيقف الشّاعر عند الرّمز؛ ليحمّله طاقات وإيحاءات تجسّد رحلة الحياة مع الإنسان، بين أهوال الحروب وتقابلات العناصر: الماء والنّار، الصّعود والهبوط، الخير والشّرّ. وفي ذروة الغوص في أعماق التّجربة، لا يبصر الشّاعر إلّا ما يعميه، ظلام الحيرة واليأس والإحباط، في انعكاس لحالة الاغتراب النّفسيّ والرّوحيّ الّتي تخيّم على النّصّ.

ومن هذا المنطلق، يتطلّع الشّاعر إلى الانفلات من حدود الوجود الرّاهن نحو أفق غير محدود، حيث تتعافى الخسارات، ويخضرّ العشب في ربوع بلاده، وتحمله الرّياح إلى صباحات جديدة وحياة أخرى، يهلّل فيها لهدم ما مضى فوق أبراج الحطام والخراب. وفي هذه الرّؤية، يستعدّ الشّاعر لصورة “القرى البيضاء” كرمز للنّقاء والبداية، ويعود إلى الينابيع والجذور الأولى، مؤمنًا بأنّ الحياة، بالرّغم من اليأس، تتجدّد في سلسلة ودوّامة لا تنتهي. وعلى الرّغم من تصويره لذاته وهو يمشي مطأطئ الرّأس “كغراب رابط الجأش” في إشارة إلى العزلة والاغتراب، فإنّه يسلّم بأنّ هذه الحركة الدّائريّة هي سنّة الحياة. ويختتم نصّه بوصيّة أخيرة يودعها لمن يرفع “الصّخرة” من بعده، وكأنّها إقرار بأنّ صراع الإنسان مع الحياة قدرٌ لا فِكاك منه.

 البناء الفنّيّ للقصيدة: الصّور الشّعريّة والرّموز

يتجلّى في النّصّ الشّعريّ تداخلٌ عضويّ بين الرّمز والصّور البيانيّة، حيث تتجاوز التّشابيه والاستعارات والكنايات وظيفتها التّصويريّة المباشرة؛ لتغدو حوامل دلاليّة عميقة تُشيّد المعنى الرّمزيّ، فتتعاضد الصّور البيانيّة مع البنية الرّمزيّة، لتكوين خطاب شعريّ تتشابك فيه الحسّيات والمجردات، ويغدو المشهد الفنّيّ مرآةً للاغتراب النّفسيّ والوجوديّ معاً، حيث تتحوّل كلّ صورة إلى علامة مشحونة بطاقة رمزيّة، لا توضّح ولا تفسّر، إنّما تحجب، ولا تجعل الشّيء مألوفًا، بل تبقيه متميّزًا غريبًا[16]، وهذا يغني التّجربة الشّعريّة، ويفتحها على آفاق تأويليّة لا نهائيّة، ويمكننا أن نلاحظ ذلك من خلال:

التّشابيه

  • “كأنّي طائر يخبط في أودية عمياء”

الطّائر في هذا التّشبيه يرمز إلى الذّات الشّاعرة، وهو كائن معروف بالحرّيّة والقدرة على التّحليق، لكنّه هنا عاجز، وهذا يعكس شعور الاغتراب والعجز لدى الشّاعر الّذي ينغمس في الوجوديّة فـ “الحقيقة المحزنة هي أنّ حياة الإنسان الفعليّة تتكوّن من مركّب من الأضداد التي لا علاج لها – ليل ونهار، ميلاد موت، سعادة وشقاء، خير وشرّ… إنّ الحياة ساحة عراك”[17]، والحرّيّة المادّيّة أو الرّوحيّة موجودة بالاسم، لكنّ الواقع يمنع تحقيقها، ويعزّز ذلك “الفعل: يخبط”، إذ يوحي بالعشوائيّة والارتباك، وهو يعكس صراع الذّات مع محيطها غير المعلوم أو المربك، فالطّائر لا يطير بسلام، بل يصطدم ويخفق، ممّا يرمز إلى العجز عن الوصول إلى غاياته أو فهم واقعه، وهو يخبط في الأودية العمياء الّتي ترمز إلى الانغلاق والغموض واللّاوجهة، أي المسارات الّتي لا تؤدّي إلى خلاص أو اكتشاف. وهذا يعكس شعور الشّاعر بالتّيه النّفسيّ، إذ لا يجد سبيلاً للتّواصل أو الاستقرار، سواء على مستوى الذّات أم العالم الخارجيّ.

  • “كأنّ الأرض شاخت من قرون”

الأرض هنا ليست مجرّد فضاء طبيعيّ، بل هي كائن حيّ يمثّل التّاريخ والزّمن والوجود الإنسانيّ، واستخدامها يضفي على المشهد بعدًا رمزيًّا، إذ تصبح الأرض شاهدة على الأحداث والتّحوّلات عبر العصور.

الفعل “شاخت” يرمز إلى التّقدّم في العمر، والانكسار، والضّعف بعد طول صبر وتحمّل، وهذا يعكس حالة الانكسار والهبوط الّتي يمكن إسقاطها على الشّاعر أو على الإنسانيّة بشكل عامّ، كأنّها تشارك الذّات الشّاعرة شعور اليأس والتّعب من الزّمن.

وإضافة “من قرون” تضيف بعدًا تاريخيًّا ووجوديًّا، فتؤكّد طول المعاناة والاستمرار في الفناء الرّمزيّ، وأنّ هذا الانكسار ليس لحظة عابرة بل تراكم طويل للآلام والتّجارب.

التّشبيه كلّه يحوّل الأرض إلى رمز للقدم والفناء والاغتراب التّاريخيّ، حيث يظهر عالم متعب ومنهك بفعل الزّمن، كما يعكس شعور الشّاعر بالارتباط بالزّمان والمكان من خلال تجربة مستمرّة من الانكسار والاغتراب، فهو إنسان اليوم الّذي “يشعر بأنّه معزول في الكون، نظرًا لأنّه لم يعد على علاقة بالطّبيعة”[18]، والأرض هنا ليست حياديّة، بل تعكس حالة الذّات النّفسيّة والوجوديّة، فتتوازى مع شعور الشّاعر بالضّعف والانقطاع عن الحياة المثمرة، وبالتّيه والضّياع داخل عالم لا يقود إلى الأمان أو الإشباع.

  • “وأنا النّهر الّذي يدفعه المجرى لكي يبلغ بحرًا ميّت الموج”

النّهر هنا يرمز إلى الذّات الشّاعرة، إلى الحركة المستمرّة والسّعي نحو الغاية؛ فالنّهر ككائن حيٍّ يحمل الماء، ويجري نحو مصبّه، يعكس النّشاط الدّاخليّ، والرّغبة في الحركة، والسّعي لتحقيق الذّات أو الوصول إلى معنى في الحياة، والمجرى يمثّل القوّة أو الظّروف الخارجيّة الّتي تحدّد مسار النّهر، أي أنّ الذّات لا تتحرّك بحرّيّة كاملة، بل يجبرها السّياق أو الأحداث على السّير في طريق محدّد؛ وهذا يرمز إلى شعور اللّاحرّيّة والاغتراب الإجباريّ، حيث تتحرّك الذّات وفق قوانين العالم الخارجيّ من دون القدرة على اختيار الاتّجاه النّهائيّ، والبحر “الميّت الموج” يشير إلى نهاية بلا حياة أو فاعليّة، على الرّغم من الحركة المستمرّة للنّهر.

هنا تكمن المفارقة: الجهد والسّعي مستمرّ، “والإنسان ليس سوى ما يصنعه بنفسه”[19]، لكنّ الغاية فارغة من الحيويّة، ما يعكس شعور الاغتراب الوجوديّ واليأس، إذ إنّ الوصول إلى الهدف لا يمنح الإشباع أو الحياة.

إنّ التّشبيه يصوّر الذّات الشّاعرة ككائن يسير بلا قدرة على التّحكّم في مساره، مدفوعًا بالقوى الخارجيّة نحو غاية عقيمة أو ميتة؛ فالنّهر والمجرى والبحر رموز للاغتراب النّفسيّ والوجوديّ، إذ يشعر الشّاعر بأنّه عالق بين حركة لاختيار محدود ووجهة بلا حياة، فيعكس صراع الذّات المستمرّ مع الواقع والقدر.

  • “كأنّي مدن مذبوحة في الشّمس من دون غطاء”:

المدن هنا ترمز إلى الذّات أو الوجود الاجتماعيّ والثّقافيّ للشّاعر، كونها “مدنًا” يضيف بعدًا جماعيًّا أو وجوديًّا، وكأنّ الذّات ليست فرديّة فقط، بل جزء من كيان أوسع معرّض للخطر والضّياع، وتعبير “مذبوحة” يوحي بالعنف والاضطراب والخراب، ويعكس شعور الشّاعر بالعزلة والتّهديد النّفسيّ.

هنا تتحوّل المدن إلى رموز للانكسار والاغتراب العميق، وكأنّ كلّ الحياة فيها معرّضة للفناء، ولا يمكن حماية الذّات من المعاناة، و”التّعرّض للشّمس بلا غطاء” يزيد من الإحساس بالعري والانكشاف، ويضيف بعدًا من القسوة والتّجرد من الحماية؛ وهذا يعكس شعور الشّاعر بالعزلة التّامة والانفصال عن الأمان والطّمأنينة، حيث لا ملاذ أو مأوى من المعاناة أو الصّراع النّفسيّ.

إنّ هذا التّشبيه يجمع بين الانكشاف، والعنف، والانهيار، ليصوّر حالة اغتراب نفسيّ وجوديّ؛ فـ “المدن المذبوحة في الشّمس” تصبح استعارة للذّات المعزولة والمفتوحة على الألم، والغياب الكامل للملاذ أو الحماية، وهو تصوير شعريّ قويّ لحالة الانفصال عن العالم الطّبيعيّ والاجتماعيّ والنّفسيّ، ويُبرز شعور الشّاعر بالضّعف والهشاشة أمام قسوة الواقع.

  • “أسند كالنّخلة جدران السّماء”

النّخلة رمز للثّبات والعلوّ والصّبر، فهي شجرة طويلة ترتفع نحو السّماء بجذعها القويّ؛ واستخدامها هنا يرمز إلى الذّات الشّاعرة أو الإنسان الباحث عن السّند والارتقاء، والفعل “أسند” يوحي بمحاولة الدّعم أو الثّبات، أي أنّ الذّات الشّاعرة تحاول مواجهة الضّغوط أو الصّعوبات عبر الارتكاز على شيء أعلى أو أكثر ثباتًا.

وربط النّخلة بـ “جدران السّماء” يخلق صورة رمزيّة قويّة للاتصال بالعلوّ والرّوحانيّة، لكنّه أيضًا يشير إلى الوحدة والاغتراب، إذ إنّ السّند الّذي تلجأ إليه الذّات ليس ملموسًا، بل مجرّد امتداد رمزيّ أو خياليّ، لا يمنح حماية فعليّة، ممّا يعكس شعور الشّاعر بالعزلة على الرّغم من البحث عن الدّعم.

إنّ التّشبيه يصوّر الذّات الشّاعرة كشجرة صامدة، تحاول الارتكاز على شيء أعلى من نفسها، لكنّ هذا السّند رمزيّ وغائب، فيعكس الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ. إنّه تصوير شعريّ للتّوازن بين الرّغبة في الثّبات والعلوّ، والشّعور بالعزلة وعدم الاكتمال، فـ “الإنسان لن يحقّق لنفسه الوجود، ولن يناله، إلّا بعد أن يكون ما يهدف إلى أن يكونه”[20]، وبذلك تصبح الذّات معرّضة للانفراديّة والغربة على الرّغم من صلابتها الظّاهريّة.

  • “شبق كامرأة تمتحن النّهر بساقيها”

المرأة هنا ترمز إلى الرّغبة أو الطّاقة الحسّيّة، وهي كائن حيّ يتحرّك ويتفاعل مع المحيط، واستخدام المرأة يضفي بعدًا إنسانيًّا وحسّيًّا على المشهد، ويحوّل الطّبيعة إلى فضاء للتّفاعل العاطفيّ والجسديّ، والفعل “تمتحن” يوحي بالاختبار والاستكشاف، وهو فعل دقيق وحذر يعكس تفاعل الذّات مع المحيط، واختبار حدودها؛ والنّفس أو الرّغبة الشّاعرة تتفاعل مع “النّهر” لمعرفة قدراتها أو تأثيرها على الواقع المحيط.

والنّهر يرمز إلى الطّبيعة، والزّمن، أو الحياة نفسها، أمّا “بساقيها” فيوحي بالاختراق الجزئيّ والمباشر للفضاء الطّبيعيّ، أي محاولة التّمركز والسّيطرة أو التّفاعل مع العالم من خلال الجسد أو الفعل.

إنّ التّشبيه يصوّر الرّغبة والبحث عن التّوازن بين الذّات والعالم، حيث تصبح الذّات الشّاعرة عاملة في فضاء طبيعيّ يرمز إلى القوى الخارجيّة والزّمانيّة، إنّه تصوير شعريّ للتّوتّر بين الرّغبة والسّيطرة والاغتراب، إذ تعكس المرأة في هذا التّشبيه محاولات الذّات للتّفاعل مع العالم، لكنّها تصطدم دائمًا بالحدود الطّبيعيّة، فتعكس شعور الانفصال والاغتراب النّفسيّ والوجوديّ.

  • “ناءٍ كربيع لم تعد أزهاره من كربلاء”

الرّبيع يرمز عادةً إلى الحياة، والتّجدد، والخصوبة، والفرح؛ وفي هذا السّياق، يُستعمل ليقابل حالة الافتقاد أو الخواء، فهو يشير إلى موسم كان يمكن أن يكون مليئًا بالحياة والجمال لكنّه فقد ذلك في واقعه الّذي لا يجد فيه “غير لحظة لامتناهية في الصّغر”[21].

والتّعبير “ناء” يوحي بالبعد، والغربة، أو الانعزال، والرّبيع هنا بعيد أو مبتعد عن ذاته الطّبيعيّة، فيعكس شعور الشّاعر بالاغتراب والخواء، وكأنّ الجمال والحياة التي يمثّلها الرّبيع غير متاحة له؛ أمّا الإشارة إلى “كربلاء” فتضيف بعدًا تاريخيًّا وروحيًّا، إذ تُحيل إلى المأساة والمعاناة، فالعبارة توحي بأنّ الجمال فُقد نتيجة الصّراع والمعاناة، ممّا يزيد من إحساس الغربة والفراغ.

إنّ التّشبيه يصوّر حالة اغتراب عاطفيّ وروحيّ، حيث يصبح الرّبيع الّذي يرمز إلى الحياة والجمال بعيدًا ومبتورًا، وهو انعكاس للانقطاع النّفسيّ عن مصادر الفرح والاكتمال، كما يدمج النّصّ البعد التّاريخيّ والوجوديّ للمعاناة، فيجعل الغربة في النّصّ متعدّدة المستويات: نفسيًّا، ووجوديًّا، وروحيًّا.

  • “ها أنا ألتفّ كالحبل على عنق انكساراتي”

الحبل، في هذا التّشبيه، رمز للاختناق أو الحصار، وهو يحمل دلالات العنف النّفسيّ والضّغط الداخليّ؛ فتشبيه الذّات بالحبل يوحي بشعور شديد بالاختناق والانغلاق على الذّات، أي أنّ الشّاعر يربط نفسه بمعاناته بدلاً من التّحرّر منها.

والفعل “ألتفّ” يدلّ على الحركة الدّائريّة والاحتباس، أي أنّ الذّات تدور حول نفسها في الحاضر، متأثّرة بانكساراتها الدّاخليّة، و”الحاضر هروب مستمرّ في وجه الوجود”[22]، وهذا يعكس حلقة مغلقة من الألم واليأس، حيث يصبح الانكسار جزءًا من كيان الذّات الّذي يصعب الخروج منه؛ أمّا “عنق انكساراتي” فيحدّد مكان الضّغط النّفسيّ، فهو يشير إلى النّقطة الحيويّة في الذّات الّتي تتحمّل أثقل المعاناة؛ وتشبيه الانكسارات بالعنق يبرز قوّة الألم وتأثيره المباشر على حياة الذّات النّفسيّة، ويعكس شعور الشّاعر بالاغتراب الدّاخليّ نتيجة تراكم الصّدمات والانكسارات.

هذا التّشبيه يصوّر الذّات في حالة انعزال نفسيّ شديد واغتراب داخليّ، حيث تتحوّل الانكسارات إلى قيد يحيط بالذّات ويخنقها؛ إنّه تصوير شعريّ للمعاناة الدّاخليّة المستمرّة، ويؤكّد الاغتراب النّفسيّ العميق الّذي يعيشه الشّاعر، إذ تتداخل الذّات مع ألمها بطريقة تكاد تمنعها من التّحرر أو التّواصل مع العالم الخارجيّ.

9- “أقعي مثل برج خرب فوق حطامي”

الفعل “أقعي” يوحي بالانكماش والانطواء على الذّات، والشاعر- الإنسان “لو لم يعزه شيء لوقع في الوجود، وفقد حتّى الحضور في الوجود، من أجل الحصول – في مقابل ذلك – على عزلة الهويّة الكاملة”[23]، وهو وضع جسديّ يعكس حالة نفسيّة من الانكسار والعجز، حيث ينكمش الإنسان أمام ثقل الهزيمة أو الألم؛

والبرج عادة يرمز إلى القوّة والعلوّ والمراقبة، لكنّ وصفه بـ “الخرب” يبدّد هذه المعاني، فيحوّله إلى رمز للتّصدّع والانهيار وفقدان الجدوى، فيتحوّل البناء الشّامخ إلى أطلال، تمامًا كما تتحوّل الذّات القويّة إلى كيان هشّ.

أمّا “حطامي” فيشير إلى الرّكام النّاتج عن الانهيار، “والسّقوط فرار من القلق”[24]، سواء كان ماديًّا أم نفسيًّا، ووجود الذّات “فوق” الحطام يوحي بأنّها تحيا وسط آثار دمارها الشّخصيّ، “إنّه النّقص بما هو كذلك الّذي يمكّنه من أن يكون حضورًا”[25]، أي أنّ الشّاعر يظلّ جالسًا فوق أنقاض ذاته، شاهدًا على ما فقده، غير قادر على مغادرة مساحة الخراب.

إنّ هذا التّشبيه يختزل صورة الاغتراب النّفسيّ العميق؛ فالذّات لم تعد برجًا شامخًا، بل برجًا خربًا لا يؤدّي وظيفة الحماية أو الارتفاع؛ وهذا المشهد يدمج بين العزلة (القعود) والانكسار (الخراب) والاستسلام (البقاء فوق الحطام)، فيعكس إحساسًا بالّلاجدوى وفقدان المعنى.

10- “ها أنا افترش الرّيح كحطّاب”

يوحي الفعل “أفترش” بالانكشاف والاستسلام للأرض أو للواقع، وهو فعل يُظهر الذّات في حالة ضعف وعزلة، مع تعرّضها لقوى خارجة عن إرادتها (الرّيح)؛ والحطّاب رمز للجهد الشّاقّ والتّعرّض للعوامل الطّبيعيّة في أثناء العمل، فهو كائن عاديّ معرّض للخطر والتّعب، وتشبيه الذّات بالحطّاب يوحي بأنّ الشّاعر محاصر بالقسوة، مضطرّ لمواجهة العالم من دون حماية أو ملجأ، أي أنّه في حالة اغتراب نفسيّ وجسديّ متواصلة.

وترمز الرّيح هنا إلى الظّروف المحيطة القاسية أو القوى الخارجيّة الّتي تؤثّر على الذّات الشّاعرة، سواء كانت اجتماعيّة أم وجوديّة؛ فيوحي تعبير “أفترش الرّيح” بالتّعرّض المباشر لهذه القوى، أي أنّ الذّات تعيش في فضاء غير مستقرّ، معرّض للضّغط والانكسار.

هذا التّشبيه يصوّر الذّات الشّاعرة في حالة انكشاف وعزلة متطرّفة، حيث تتحوّل الحياة إلى مواجهة مستمرّة مع القوى المحيطة؛ إنّه تصوير شعريّ للاغتراب النّفسيّ والوجوديّ، إذ يشعر الشّاعر بالانفراد وعدم الانتماء، ويضطرّ لمواجهة الواقع القاسي كما يفعل الحطّاب مع الطّبيعة، من دون دعم أو حماية.

11- “سأمشي نحو يأسي كغراب رابط الجأش”

يوحي الفعل “سأمشي” بالحركة والإرادة في المستقبل الّذي يريده الشّاعر من أجل تشكيل إطاره الوجوديّ: “يصبح وجودًا كفرار محدث للحاضر”[26]، لكنّه مرتبط باليأس، أي أنّ الّذات تتحرّك على الرّغم من إدراكها للفشل والانكسار؛ فالحركة هنا ليست نحو الهدف أو الأمل، بل نحو حالة الاغتراب واليأس الدّاخليّ. والغربان عادة رموز للموت، والحزن، أو الشّرّ، وهي طيور تتجوّل في العالم بعيون مراقبة وحذرة، وتشبيه الذّات بالغُراب يعكس حالة الانعزال والاغتراب النّفسيّ، إذ يتحرّك الشّاعر ككائن يتّصف بالمراقبة والانطواء، بعيدًا عن الحميميّة والانتماء. أمّا تعبير “رابط الجأش” فيوحي بالثّبات والصّبر على المحن، أي أنّ الغراب لا يتحرّك عشوائيًّا بل مستعدّ لمواجهة المصاعب، فيرمز إلى ثبات الذّات وسط الإحباط واليأس؛ وهنا يجمع التّشبيه بين اليأس والانكسار وبين الصّبر والتّحمّل، في صورة مركّبة تعكس الصّراع النّفسيّ العميق للذّات.

هذا التّشبيه يصوّر حركة الذّات نحو اليأس كحركة متعمّدة، على الرّغم من إدراكها لحجم الفقد والمعاناة؛ فالغراب رمز الانعزال والاغتراب، و”رابط الجأش” يبرز الصّبر على المعاناة؛ فيخلق التّشبيه بهما صورة شاعرة للاغتراب النّفسيّ والوجوديّ، حيث تمشي الذّات بين الانكسار والثّبات، بين العزلة والإرادة المحدودة، في عالم يعكس فقدان الأمل والانتماء.

الدّلالة العامّة  للتّشابيه

تظهر هذه الشّبكة من التّشابيه أنّ الاغتراب في النّص متعدّد الأبعاد:

  • نفسيًّا: من خلال العزلة، والانكسار، والاستسلام.
  • وجوديًّا: عبر الفناء الرّمزيّ، وفقدان الهدف، والانقطاع عن الحياة المليئة بالمعنى.
  • رمزيًّا وطبيعيًّا: الطّبيعة والعناصر المحيطة تعكس الانفصال والاغتراب.
  • اجتماعيًّا/ تاريخيًّا: عبر إشارات (مثل كربلاء) تربط التّجربة الشّخصيّة بالمأساة الجماعيّة.

وبهذا، تصبح التّشابيه في قصيدة “شوقي بزيع” أداة لإظهار التّجربة الشّعوريّة العميقة للاغتراب النّفسيّ والوجوديّ، حيث تتقاطع الذّات مع العالم والزّمان والمكان بطريقة تكثّف شعور الانفصال والفقد.

الاستعارات

  • “لم يلدني شجر قطّ”

الشّجر هنا يُرمز به إلى الحياة، والخصوبة، والنّمو، والانتماء إلى الطّبيعة؛ وإنّ الذّات الشّاعرة تصف نفسها ككائن محروم من النّمو الطّبيعيّ أو الحياة المتجدّدة، أي شعور بالاغتراب والفقد منذ البداية، معزولة عن الطّاقات الحيويّة المحيطة بها.

  • “مطفأ صدري”

الصّدر عادة يرمز إلى مركز العاطفة والحياة الدّاخليّة؛ ووصفه بأنّه “مطفأ” يشبه النّفس بالشّيء الّذي فقد قدرته على الإشراق أو الانطلاق، في إشارة إلى الجمود العاطفيّ واليأس النّفسيّ، حيث غابت الحرارة والنّبض الدّاخليّ، وكأنّ الذّات عاجزة عن التّفاعل مع العالم أو التّعبير عن مشاعرها.

  • “كي تؤاخي وحشتي القاع”

القاع يرمز إلى الفراغ المكانيّ أو النّفسيّ، و”تؤاخي” تعني الارتباط أو المجاورة؛ فالذّات الشّاعرة تبحث عن تواصل أو تعاطف مع فراغها الدّاخليّ، لكنّها تواجه وحشة هذا الفراغ، أي حالة اغتراب داخليّ حيث المكان نفسه لا يعكس الأمان أو الانتماء.

  • “يرتاب ظلامي بي”

إنّ الظّلام هنا ليس مجرّد غياب الضّوء، بل يمثّل الحيرة، والغموض، والانكسار النّفسيّ؛ ووصفه بأنّه “يرتاب” يوحي بأنّ الظّلام نفسه يراقب الذّات ويشكّك بها، في إشارة إلى التّوتّر الدّاخليّ والاغتراب النّفسيّ، حيث الذّات لا تجد وضوحًا أو هدوءًا في عالمها الدّاخليّ، ويصبح الظّلام صديقًا وخائنًا في الوقت ذاته.

  • “أيّها الموت … يفغر فاه

الموت هنا مصوَّر ككائن حيّ يفتح فاه، أي أنّه فاعل نشط قادر على المبادرة، يوحي بالتّهديد المستمرّ والّلامفرّ منه، فيصبح حضوره ملموسًا في تجربة الذّات، وهو تعبير عن الاغتراب الوجوديّ أمام الفناء المحتوم.

  • “توّجني زوّج ظلماتي”

الظّلمات تمثّل القوّة القهريّة أو الحزن المكثّف، و”زوّج” يوحي بشراكة أو اقتران دائم؛ فالذّات الشّاعرة محاطة بالظّلام والمحنة، وكأنّها مرتبطة بالموت بشكل لا فكاك منه، فتعكس الاغتراب النّفسيّ والعيش في وحدة عاطفيّة مظلمة.

  • “مازجني – امتزج فيَّ – تناوبني – ردّني”

المزج والامتزاج يرمزان للتّداخل بين الذّات وظروفها، أو بين الحياة والموت، أو بين الدّاخل والخارج، وهذا يشير إلى شعور الذّات بالاستلاب والانصهار في تيّارات الحياة أو الألم، أي فقدان الاستقلاليّة الذّاتيّة، فيعكس الاغتراب النّفسيّ العميق والانقسام الدّاخليّ.

  • “مدن مذبوحة”

المدن تمثّل المجتمع أو الفضاء الحضاريّ، ووصفها بـ “مذبوحة” يرمز إلى الدّمار والخراب والانكسار الاجتماعيّ والوجوديّ، حيث يجد الشّاعر نفسه مغتربًا عن بيئته أو محيطه الاجتماعيّ، في عالم مليء بالفقد والهشاشة.

  • “لم تعد تحلم بي أرض لكي أوسعها موتًا”

الأرض هنا ككائن حيّ كان من الممكن أن تمنح الذّات مجالًا للنمو، لكنّها أصبحت مكانًا للموت.

وتشير هذه الاستعارة إلى فقدان الأمل في الحياة والتّجدّد، أي الاغتراب عن الطّبيعة والحياة نفسها، بحيث يتحوّل الفضاء الحيّ إلى فضاء خاوٍ ومميت.

  • “جدران السّماء”

السّماء ليست مجرّد فضاء عالٍ، بل جدران تشير إلى الحبس أو القيد، فالذّات الشّاعرة محاصرة حتّى في العلوّ أو الرّوحانيّات، أي الاغتراب حتّى عن الفضاءات الرّوحيّة أو الرّمزيّة، حيث لا وجود للحرّيّة المطلقة.

  • “خشب الوهم”

الخشب هنا رمز للدّعامة أو السّند، ولكنّه وهميّ، فالذّات تعتمد على شيء غير متين، تبحث عن دعم أو معنى غير واقعيّ، ممّا يعكس الاغتراب النّفسيّ والعجز عن الثّبات أو الاستقرار.

الدّلالة العامّة للاستعارات

جميع هذه الاستعارات تعمل معًا على إظهار شبكة الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ:

  • الموت والظّلمات يرمزان للانكسار واللّاجدوى.
  • المدن المذبوحة تمثّل الضّغوط المحيطة والهشاشة الاجتماعيّة.
  • الأرض والجدران والخشب الوهميّ تشير إلى فقدان الاستقرار الرّوحيّ والمادّيّ.
  • المزج والامتزاج يظهران تفكّك الذّات وانعدام القدرة على التّحكم في مسارها.

تُظهر الاستعارات في قصيدة “شوقي بزيع” قوّة التّعبير عن الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ للذّات الشّاعرة، إذ تتحوّل عناصر الحياة والطّبيعة والموت إلى رموز مكثّفة للحالة الشّعوريّة، فتعكس فقدان الاستقلاليّة والانصهار في معاناة مستمرّة؛ فيبرز اغتراب الذّات عن البيئة الاجتماعيّة والطّبيعيّة، حيث يتحوّل الفضاء الّذي من المفترض أن يمنح الحياة والدّعم إلى رموز للخراب والفناء، وتظهر العزلة الرّوحيّة والاعتماد على دعائم غير واقعيّة، فيتجسّد اغتراب الذّات حتّى عن الفضاءات الرّمزيّة والرّوحيّة.

وبالتّالي، تكوّن هذه الاستعارات شبكة دلاليّة متكاملة تُظهر الذّات في مواجهة اليأس، والفراغ، والانكسار، وعدم الانتماء، وتجعل الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ محور التّجربة الشّعوريّة في النّص، حيث تتحوّل المعاناة الفرديّة إلى تجربة شعوريّة واسعة الأبعاد، فـ “الإنسان ليس سوى سلسلة مشاريع. وهو مجموع، ومنظّم وحاصل العلاقات الّتي تكوّن هذه المشاريع”[27]، حيث تتقاطع فيها الذّات مع الطّبيعة والزّمن والمجتمع والموت.

الكنايات

  • شجر

وهو يرمز إلى الأصل والجذور والانتماء، حين يقول الشّاعر “لم يلدني شجر” فهو يكنّي عن انقطاعه عن الجذور وغياب الحاضنة الأولى، فيتجلّى اغترابه الوجوديّ عن المكان والأصل.

  • ذبولي

يوحي بانطفاء الرّوح وخفوت الحياة، كما تذبل النّباتات بعد فقد الماء والضّوء، وهو كناية عن الانهيار الدّاخليّ وفقدان الحيويّة، وهو مظهر من مظاهر الاغتراب النّفسيّ.

  • الماء

يرمز للحياة والنّقاء والتّجدد؛ وحضور الماء أو غيابه في النّصّ يعبّر عن فقدان منابع الحياة الرّوحيّة أو التّوق لاستعادتها، فيبرز صراع الذّات مع الفراغ.

  • رحيلي

الرّحيل ليس مجرد سفر، بل كناية عن الموت أو الانسحاب الوجوديّ من الحياة، وهو يعكس إحساس الشّاعر بعدم الانتماء، واختياره الهروب من عالم لا يجد فيه مكانه.

  • طائر

يرمز للحرّيّة والانطلاق، وفي النّص، يظهر الطّائر في فضاءات عمياء، فيصبح رمزًا لحرّيّة منقوصة ووجود مرتبك.

  • حبل

وهو يوحي بالرّبط والتّقييد أو بالشّنق والانتحار، وهو كناية عن ثقل القيود الدّاخلية أو الانكسارات الّتي تخنق الذّات.

  • ضحاياها

يرمز للثّمن البشريّ الّذي تدفعه الذّات أو الجماعة، وهو يوحي بتحميل الذّات أو الآخر نتائج الصّراع، فيبرز الاغتراب عن الآخر والمجتمع.

  • نار

ترمز للعذاب أو الثّورة أو الشّغف المدمّر، وتأتي النّار في النّص لتعكس صراع الذّات بين الاحتراق الدّاخليّ والرّغبة في التّجدّد.

  • لقاح

يوحي بالتّكاثر والنّماء والإخصاب، وتبرز الدّلالة مفارقة بين إمكانيّة الحياة وواقع الانطفاء.

  • مخدعها الأبيض

يرمز للنّقاء أو البراءة أو الفضاء الحميم، وهو رمز لملاذ مفقود أو وهميّ، فيتجسّد بحث الذّات عن أمان لا تجده.

  • ممرًّا للخيول

يرمز إلى الحركة السّريعة والقوّة والانطلاق، وهو يوحي بعبور الزّمن أو الفوضى العارمة، ممّا يربط بمشهد العالم الّذي يعبر من أمام الذّات من دون أن تنتمي إليه.

  • خمرتي

كناية عن النّشوة أو اللذّة الرّوحيّة والفكريّة، وهي تشير إلى مصدر الإلهام أو الحياة، وفي سياق الاغتراب، ترمز إلى نشوة ضائعة أو متعذّرة.

  • طينًا

كناية عن الأصل التّرابيّ والخلق الأوّل للإنسان، وهو يوحي بالتّذكير بالهشاشة والفناء، وهو إحساس وجوديّ بالعودة إلى العدم.

  • أقرع طبولي

كناية عن إعلان موقف أو إثارة حدث، وهي تعكس محاولة الذّات أن تصرخ في فراغ العالم؛ لتُسمِع صوتها، فالوجوديّة “هي الّتي تدفع الإنسان إلى العمل”[28]، الّذي يعدّ سبب استمراره في الحياة، وعمل الشّاعر هو إبداعه الشّعريّ، و”ليس الشّعر شيئا آخر غير إنشاء الكينونة، إنّه استشعار، وحدس، وانتظار، ورؤية، ووصول…”[29].

  • راياتي

كناية عن المواقف والمبادئ والانتصارات الرّمزيّة، وهي تصوّر القيم أو الأحلام المرفوعة الّتي تتهاوى مع الهزيمة الوجوديّة.

  • سهولي

كناية عن المساحات الدّاخليّة المنبسطة، ورمز الانفتاح والصّفاء، وهي تصّور الفراغ الدّاخليّ القاحل بغياب النّماء.

  • سماواتي

كناية عن الطّموحات والمثاليّة والامتداد الرّوحيّ، وحضورها في النّصّ يوحي بعلوّ القيم والأحلام الّتي تصطدم بواقع من الانكسار.

  • هطولي

كناية عن العطاء والانهمار الوجدانيّ أو الفكريّ، وهي تشير إلى فيض داخليّ يواجه صحراء العالم من حوله.

  • بئر عمائي

كناية عن الغموض الدّاخليّ أو الغرق في العتمة النّفسيّة، وهي صورة قويّة للاغتراب النّفسيّ، حيث تتحوّل الذّات إلى بئر بلا قاع من الضّياع.

  • شعوب من مرارات

كناية عن تراكم الأحزان والخيبات، وهي تمثّل ذاكرة جماعيّة من الألم تحيا داخل الذّات.

  • تعدو أبجديات من الخوف ورائي

كناية عن ملاحقة الهواجس والمخاوف للذّات، وهي توحي بأنّ الّلغة نفسها تتحوّل إلى أداة رعب، وهذا يعدّ أقصى درجات الاغتراب اللّغويّ والنّفسيّ عند الشّاعر الّذي يخرج عن سياق المألوف هاربًا من الأبجديّة، فمهمّته لا تكمن في سكب قصائده في محتوى تقليديّ، من غير اختلاف، وإلّا فلا نميّز عمله عن عمل الصّحافيّ[30].

  • قمح

كناية عن الحياة والرّزق والنّماء، وهو يوحي في سياق النّصّ بأمل مفقود أو محصول لم يُحصد.

  • ينابيع

كناية عن منابع الخير أو العاطفة أو الإبداع الشّعريّ، وإذا كانت ينابيع جافّة أو مهدّدة، فهي ترمز إلى انقطاع مصادر الحياة الدّاخليّة.

الدّلالة العامّة للكنايات

في بنية النّصّ، تتشكّل الكنايات مثل (خمرتي، وطيناً، وأقرع طبولي، وراياتي، وسهولي، وسماواتي، وهطولي، وبئر عمائي، وشعوب من مرارات، وتعدو أبجديّات من الخوف ورائي، وقمح، وينابيع)؛ لتشكّل فضاءً دلاليًّا مشبعًا برموز الحياة والموت، العطاء والجدب، النّشوة والانكسار. فالخمر، والقمح، والينابيع، والسّهول، والسّماوات، والهطول، جميعها تحمل في أصلها دلالات الخصب والنّماء والانفتاح، لكنّها في سياق النّصّ تكتسب بعدًا مأزومًا، إذ تتجاور مع صور البئر المعتمة، والشّعوب المثقلة بالمرارات، واللّغة الّتي تتحوّل إلى مصدر خوف، فتخلق مفارقة بين المعنى الأصليّ للكناية وظلالها الموحية بالانطفاء والخيبة.

هذه المفارقة تكثّف الإحساس بالاغتراب النّفسيّ، حيث تبدو الذّات محاطة برموز الحياة لكنّها عاجزة عن التّماهي معها أو تفعيل طاقتها، كما تتجلّى أبعاد الاغتراب الوجوديّ من خلال عودة الإنسان إلى “الطّين” وتلاشي راياته، في إشارة إلى هشاشة الكيان الإنسانيّ أمام الزّمن والمصير؛ ولكنّ الشّاعر لم يستسلم لتلك الهشاشة بل قاده الحدس الشّعريّ نحو النّبوءة (نبوءاتي)، فالشّعر يفتح فضاءً جديدًا للكينونة والانكشاف والدّازين[31].

وبذلك، تصبح الكناية أداة لاستدعاء المعنى المضادّ، حيث تتحوّل مفردات الخصب إلى مرايا تعكس قحط الرّوح وانقطاع الصّلة بمصادر الامتلاء الدّاخليّ، فتظهر حيرة الشّاعر أمام هذا الواقع الوجوديّ ويحاول أن يلملم ذاته المتصدّعة بالّلجوء إلى توليد الشّعر المرمّز عبر الحدس، وهنا تتعيّن وظيفة الشّعر[32].

الرّموز التّاريخيّة والدّينيّة والأسطوريّة

  • “لست يوحنّا لكي ترقص من أجلي سالومي وكي يحمل رأسي في صحن ويسعى لي إلى عرش نبوءاتي”

هذه العبارة تمثّل رمزًا مركّبًا غنيًّا بالمعاني التّاريخيّة والأسطوريّة والوجوديّة، فـ “يوحنا المعمدان”، المعروف بدوره في قصّة سالومي – حيث قطع رأسه – يمثّل العدالة أو النّبوءة أو الوعي الّذي يُواجه الطّغيان[33]؛ والشّاعر في هذه الصّورة ينفي عن نفسه صفة القوّة النّبويّة أو القدرة على توجيه الأحداث الكبرى، أو القدرة على التّأثير.

وسالومي ترمز إلى الإغراء والغواية، ورَبْطها برقصها من أجل يوحنّا يشير إلى لحظة اختطاف السّلطة أو الانتصار على الرّسالة النّبويّة؛ ويريد الشّاعر من خلال ذلك إظهار العجز أمام القوى الّتي تتحكّم بالمصير، أي اغترابه النّفسيّ أمام الانحرافات أو القوى الفاتنة الّتي تحرّف المسار.

والرّأس في الصّحن يرمز إلى الموت، وهو مستمدّ أيضًا من هذا الحدث، وهو يعكس شعور الذّات بالانكسار أمام الأحداث أو التّاريخ، وفقدان القدرة على حماية النّفس أو الحفاظ على الهويّة في مواجهة الصّراعات الكبرى؛ أمّا العرش والنّبوءات فيرمزان إلى السّلطة الرّوحيّة أو القدرة على التّنبّؤ، وفهم المعنى العميق للوجود، فالشّاعر يطمح إلى إدراك أعلى، لكنّه يشعر بالعجز عن بلوغ هذا المستوى، أي اغترابه الوجوديّ بين الرّغبة في المعرفة والواقع المحدود.

  • “ولا عيسى لكي تنكرني قبل صياح الدّيك أعضائي”:

عيسى عليه السّلام يُستحضر هنا كشخصيّة تمثّل الطّهر والحقيقة، ونفي الذّات لكونها “عيسى” يعني غياب القوّة الرّوحيّة أو السّلطة الأخلاقيّة القادرة على  تمكينه من كشف الحقيقة.

  • لتنكرني قبل صياح الدّيك”

رمز يدلّ على لحظة الإنكار الشّهيرة للقيامة أو للخيانة (مستوحاة من قصة بطرس)[34]، حيث يمثّل صياح الدّيك موعد فضح الحقيقة أو النّكوص عن الوعد، وهذه العبارة تعكس شعور الذّات بالعجز عن مواجهة الحقيقة أو الانتصار على الخوف من الانكشاف والفضيحة. و”أعضائي” رمز يصوّر الذّات المشتّتة أو المعذّبة، وهو يدلّ على الانكسار الجسديّ والنّفسيّ، حيث تصبح الذّات معرّضة للفضح والانكشاف، ما يعكس اغتراب النّفس عن قدرتها على حماية ذاتها.

  • “ولا مريم أمي كي تسجّي نعش أحلامي على ورد الجليل”

عبارة تحمل رمزًا مركّبًا يجمع البعد الدّينيّ[35]، والوجوديّ: فـ “مريم” عليها السّلام تمثّل الطّهارة، والحماية، والرّحمة، والقدرة على الحنوّ والأمان الرّوحيّ، ونفي هذه الحماية من قِبل الأمّ الرّمزيّة يدلّ على غياب العناية الرّوحيّة والأمان العاطفيّ، أي شعور الشّاعر بالاغتراب عن الملاذ الأوّليّ والحنان الّذي يخفّف من ثقل الحياة. والنّعش هنا كناية عن الموت أو نهاية شيء ثمين، وهو يعكس شعورًا بفقدان الفرص والآمال، وعدم القدرة على تحقيق الرّغبات والطّموحات؛ وورد الجليل يرتبط بالمكان المقدّس، والنّقاء، والجمال الطّبيعيّ، وربطه بالنّعش يخلق مفارقة بين الموت والقداسة، بين الانكسار والجمال. وهذه المفارقة تزيد من الإحساس بالاغتراب، إذ حتّى الأماكن المفعمة بالمعنى الرّوحيّ لا تمنح الشّاعر الملاذ أو الوفاء بأحلامه.

  • “قد آختني طواحين الهواء”

الطّواحين الّتي لا تطحن شيئًا فعليًّا تُعرف في الأدب الأوروبّيّ خصوصًا في دون كيخوته[36]، حيث ترمز إلى صراعات وهميّة أو محاولات عبثيّة لمواجهة عدوّ غير موجود أو قوّة لا تُقهَر، وهي ترمز إلى المعارك العبثيّة الّتي يخوضها الشّاعر ضدّ الحياة أو مصيره، فتوحي بالضّعف أمام هذه الصّراعات أو الانكسارات.

  • “لم تعد أزهاره من كربلاء”

الزّهور عادةً ترمز إلى الحياة، والنّماء، والجمال، والانفتاح على العالم، وغيابها يعكس فقدان الحياة أو الفرص والجمال الدّاخليّ، فيولّد إحساسًا بالجدب والانطفاء النّفسيّ؛ أمّا “كربلاء” فترمز إلى المأساة، والتّضحية، والفقد، والمعاناة الكبرى في الذّاكرة الجمعية: “ليست مأساة تنتهي عند حدود الدّم والدّمع، بل فعل تمرّد وجوديّ يواجه منظومة قيم أخلاقيّة سائدة”[37]؛ وارتباط الزّهور بكربلاء يوحي بأنّ جمال الحياة متأثّر بالمأساة، وأنّ المعاناة تغلّف أيّ نموّ أو ازدهار محتمل.

  • “تعدو أبجديات من الخوف ورائي”

تشير كلمة “أبجديّات” إلى أساسيّات اللّغة والمعرفة، أي قواعد الحياة والمجتمع؛ وحين توصف بأنّها “من الخوف”، فإنّها توحي بأنّ البنى الأساسيّة للتّاريخ والثّقافة الإنسانيّة مشبعة بالخوف، وأنّ الإنسان مُجبر على التّعلّم والنّشوء في ظلّ صراعات وخطر دائم، وهذا يعكس التّأثير العميق للتّاريخ والماضي على النّفس الفرديّة، حيث تحمل التّجارب السّابقة هواجس وخوفًا مستمرّين، وكأنّ الذّاكرة التّاريخيّة تطارد الشّاعر.

هذا الرّمز يعكس اغترابًا نفسيًّا ووجوديًّا مزدوجًا: من جهة، خوف مستمرّ ينبع من الإرث التّاريخيّ والمجتمعيّ؛ ومن جهة أخرى، شعور بالعجز أمام هذه القوى الّتي تتحكّم في مسار الحياة الفرديّة، حتّى تصبح اللّغة والتّجربة نفسها أداة للملاحقة والقلق.

  • “أسرجوا لي فرسًا من خشب الوهم”

يستدعي هذا التّعبير مباشرةً صورة حصان طروادة[38] في الأسطورة الإغريقيّة، لكنّه يعيد توظيفها ضمن رؤية شعريّة ووجوديّة، إذ كان حصان طروادة وسيلة للخداع والمكر، فقد استخدمه الإغريق لاختراق أسوار طروادة، وحين يصفه الشّاعر بأنّه “من خشب الوهم”، فهو يحوّل الرّمز إلى دلالة على المكائد المبنيّة على الفراغ والزّيف، أي أنّ الخداع هنا لا يقوم حتّى على خطّة حقيقيّة، بل على وهم لا يملك جوهرًا.

ويختلط البعد الأسطوريّ (حصان طروادة) بالبعد النّفسيّ، فيصبح الرّمز أداة لتصوير خيبات التّاريخ وتكرار الخديعة، وكذلك اغتراب الإنسان في عالم تغلب عليه الأوهام بدل الحقائق، وهذه الصّورة تعكس إحساس الشّاعر بأنّه حتّى “الحلول” الّتي يقدّمها الواقع ليست سوى “أحصنة خشبيّة” بلا قدرة حقيقيّة على كسر الحصار أو فتح الأبواب.

  • “لكي أطعن تنّين الخسارات”

تحمل هذه العبارة رمزًا أسطوريًّا واضحًا، “والمعركة بين البطل والتّنين هي أكثر أشكال هذه الأسطورة انتشارًا، إنّها تبيّن بمزيد من الوضوح الموضعة النّموذجيّة الأصليّة لانتصار الذّات على اتّجاهات النّكوص… أي قبل أن تتمكّن الذّات من الانتصار، عليه أن يسيطر على الظّلّ الّذي في نفسه ويتمثّله”[39].

ويمثّل التّنين في الأساطير عادة قوّة هائلة، وخطورة، وحواجز يجب التّغلّب عليها، وهو يرمز إلى الخسارات الكبرى أو المصاعب الوجوديّة التي تواجه الإنسان الّذي “سيظلّ أبدًا مشروعًا لم يتحقّق”[40]. وهو لذلك يلجأ إلى الطّعن الّذي يشير إلى المواجهة النّشطة والمقاومة، أي رغبة الذّات في تحدّي المصاعب والهزيمة، بدل الاستسلام لها، وهذا الفعل يحمل بعدًا نفسيًّا، فهو تعبير عن صراع الإنسان مع الخسارة والاغتراب النّفسيّ، ومحاولة استعادة الفاعليّة والكرامة.

  • “سأمشي نحو يأسي كغراب رابط الجأش”

في سفر التّكوين (العهد القديم)، يظهر الغراب أوّلاً حين أرسله نوح من الفلك بعد الطّوفان، لكنّه لم يعد؛ لأنّه وجد ما يقتات عليه من جثث الغرقى، فارتبط في المخيال الدّينيّ بالموت والفقد[41].

وفي القرآن الكريم، وردت قصّة قابيل وهابيل، إذ أرسل الله غرابًا ليعلّم قابيل كيف يدفن جثّة أخيه، فصار الغراب رمزًا لإشهار الموت وكشف الفقدان[42]. فالغراب هنا يرمز إلى الوحدة والعزلة الوجوديّة، و”ذلك الحنين إلى الوحدة وتلك الشّهوة إلى المطلق يوضّحان الحافز الأساسيّ في الدّراما البشريّة”[43]، نحو السّير في طريق مظلم من دون رجعة، وارتباطه بـ “رابط الجأش” يوحي بأنّ الشّاعر أو الذّات الشّعريّة تمضي نحو يأسها بهدوءٍ بارد وحزمٍ داخليّ، وكأنّها تتقبّل الموت أو الانكسار كجزء من حتميّة وجودها؛ ومواجهة اليأس لا تتم هنا بانفعال أو هلع، بل بثبات بارد يظهر حالة الّلاجدوى الّتي تصوّر حالة الإنسان في الفلسفة الوجوديّة، “وككلّ شيء آخر تنتهي الّلاجدوى بالموت”[44]؛ فيملي الشّاعر  الوصايا إيذانًا بالرّحيل.

  • “أملي ما تبقّى من وصاياي على من يرفع الصّخرة بعدي”

تشير الصّخرة هنا إلى عبء الحياة أو المصاعب الكبرى الّتي يجب على الإنسان حملها أو مواجهتها، واستحضار فكرة “من يرفع الصخرة بعدي” يذكّر بأسطورة سيزيف في الميثولوجيا الإغريقيّة[45]، حيث يُجبر على دفع صخرة ضخمة إلى أعلى الجبل لتعود مرة أخرى، وهي رمز لصراع الإنسان الأبديّ ضدّ المصاعب والعبث، و”شخصيّة سيزيف صارت رمزًا فنّيًّا للعذاب الأبديّ واليأس والعبثيّة، ونراها تعكس العقوبة والألم السّرمديّ في أعمال العديد من الشّعراء العرب المعاصرين”[46].

وترمز الوصايا إلى التّجربة الّتي تُترك للأجيال القادمة أو للآخرين، في محاولة الشّاعر نقل معنى أو حكمة على الرّغم من عبء المصاعب؛ وهذا التّعبير يشير إلى الاغتراب الوجوديّ، فالّذات تدرك أنّها لن تتحقّق بالكامل، لكن تُسلم جزءًا من إرثها لمن يليها، فـ “الإنسان خارج نفسه دائمًا: وهو بامتداده خارج ذاته، وإضاعة نفسه خارج ذاته، يوجد”[47]، وهو لذلك يسعى لتثبيت أثره أو توجيه من سيواجه العبء، والصّخرة رمز للعبء الّذي يثقل الوجود، والوصايا تعكس الرّغبة في أن يكون للذّات أثر بعد رحيلها، بأن تسعى وراء “أهداف متعالية”[48]، تجمع بين اليأس والتّطلع إلى استمرار المعنى، في “صميم التّجاوز”[49].

إنّه تصوير شاعريّ للصّراع الوجوديّ المستمرّ، حيث تُثقل المصاعب الإنسان، لكنّه يحاول ترك إرث رمزيّ يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، و”التّفكير في المستقبل، أي وضع الغايات، وتفضيل أمور معيّنة- ذلك كلّه يفترض مقدّمًا اعتقادًا بالحريّة”[50]. وهذا ما دأب الشّاعر على تصويره في متون قصيدته، انطلاقّا من العنوان “لم يلدني شجر قطّ”، وحتّى النّهاية مع هذا الرمز.

الدّلالة العامّة للرّموز

في هذه القصيدة، يوظّف الشّاعر منظومة رمزيّة كثيفة ومتشابكة، تستمدّ أصولها من الموروث الدّينيّ، والأسطوريّ، والتّاريخيّ، لتجسيد حالة الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ الّتي تعصف بالذّات الشّاعرة؛ فالرّموز الأسطوريّة تتكامل مع الصّور البيانيّة — من استعارات وتشابيه وكنايات — لتكوين فضاء دلاليّ يعكس انقسام الذّات بين الإحساس بالخذلان والعبث، والتّوق إلى الخلاص، وهذا هو الجانب الفعّال والخلّاق في النّواة النّفسيّة عند الوجوديّين، و”لا يمكن أن يدخل حيّز العمل إلّا عندما تتخلّص الأنا من الأهداف الغائيّة الرّاغبة فيها كلّها وتحاول التّوصّل إلى صورة الوجود الأعمق والأكثر أساسيّة، إذ ينبغي على الأنا أن تكون قادرة على الإصغاء بكامل انتباهها، وأن تسلّم نفسها، من دون أي قصد أو هدف أبعد، لذلك الدّافع الدّاخلي باتّجاه النّموّ”[51].

وهكذا، يغدو الرّمز أداة لتجسيد المأزق الوجوديّ، حيث يتقاطع التّاريخيّ بالأسطوريّ، ويتماهى الدّينيّ بالذّاتيّ، في مشهد شعريّ يعبّر عن اغتراب الإنسان أمام هشاشة المعنى وفداحة المصير.

الخاتمة:

توصّل هذا البحث إلى أنّ الرّموز والصّور الشّعريّة في قصيدة شوقي بزيع “لم يلدني شجر قطّ” تُشكّل أدوات محوريّة لتجسيد حالات الاغتراب النّفسيّ والوجوديّ للذّات الشّاعرة؛ فقد بيّن التّحليل أنّ الصّور البيانيّة من تشابيه واستعارات وكنايات تعمل على تكثيف الانفعالات الدّاخليّة، أمّا الرّموز الدّينيّة، والتّاريخيّة، والأسطوريّة فتضيف عمقًا دلاليًّا يعكس الصّراع بين الرّغبة في الانتماء والأمل، وبين الإحساس بالعجز والفقد والانفصال عن العالم والآخرين.

كما أظهرت الدّراسة أنّ تداخل الرّموز مع الصّور الشّعريّة يخلق فضاءً شعريًّا متكاملاً، حيث يصبح النّصّ مرآة للصّراع النّفسيّ والوجوديّ، ويتيح للدّارس فهم العلاقة بين اللّغة الشّعريّة والمعنى العميق للتّجربة الإنسانيّة، ويُبرز البحث أهميّة الشّعر المعاصر كوسيلة للتّعبير عن التّجربة الوجوديّة المكثّفة، بما يتجاوز الجانب الجماليّ إلى المستوى النّفسيّ والرّمزيّ، مؤكّداً أنّ الرّموز والصّور ليست مجرّد زخرفة لغويّة، بل أداة للكشف عن أعمق الصّراعات الدّاخليّة للذّات.

قائمة المراجع

الكتب الدّينيّة

  • القرآن الكريم.
  • العهد الجديد، إنجيل متّى.

المراجع العربيّة

  • أيّوب، نبيل، نصّ القارئ المختلف 2، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، بيروت، 2011.
  • بدوي، عبد الرحمن، دراسات في الفلسفة الوجوديّة، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، بيروت، 1980.
  • بركات، حليم، الاغتراب في الثّقافة العربيّة: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط1، بيروت، 2006.
  • الشّيخ، منتظر، كربلاء والموضوعيّة المستحيلة: قراءة نتشويّة في المأساة والمعنى، com، يوليو 2025.
  • دريني، خشبة، قصة طروادة، مؤسّسة هنداوي، القاهرة، 1945.
  • النّوري، قيس، الاغتراب اصطلاحاً ومفهوماً وواقعاً، مجلّة عالم الفكر، المجلد العاشر، العدد 1، وزارة الإعلام، 1970.
  • محسن علي خان، أسطورة سيزيف في الشّعر العربيّ المعاصر، مجلّة جامعة التّنمية البشريّة، المجلّد 3، العدد 3، آب 2016.

          المراجع الأجنبيّة المترجمة

  • آرثر كورتل، قاموس أساطير العالم، تر. سهى الطريحي، دار نينوى، دمشق، 1996.
  • ألبير كامو، أسطورة سيزيف، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1983.
  • أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفيّة، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط2، بيروت – باريس، 2001، مجلد 1.
  • ثربانتس، دون كيخوته، تر. عبد الرحمن بدوي، دار المدى للثقافة والنشر، أبو ظبي، ط1، 1998
  • سارتر، الوجود والعدم، تر. عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، ط1، بيروت، 1966.
  • سارتر، الوجودية مذهب إنساني، تر. عبد المنعم الحفني، الدار المصرية، ط1، القاهرة، 1964.
  • كارل يونغ، الإنسان ورموزه، تر. عبد الكريم ناصيف، دار التكوين، ط1، دمشق، 2012
  • مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، تر. فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2012
  • هيغل، فنومينولوجيا الروح، تر. ناجي العونلي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان، ط1، 2006.

المراجع الأجنبية

  • Heidegger, Martin, Les Hymnes de Hölderlin, N.R.F., Gallimard, Paris, 1988.

المراجع الإلكترونية

  • Wikipedia.org
  • Alsharekh.org

الجزيرة نت، 4/10/2021، www.aljazeera.net

 

[1] بدوي، عبد الرحمن، دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1980، ص20

[2] النوري، قيس، الاغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا، مجلة عالم الفكر، المجلد العاشر، ع 1، وزارة الاعلام، 1970، ص18

[3] مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، تر. فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2012، ص64

[4] بدوي، عبد الرحمن، دراسات في الفلسفة الوجودية، م.س، ص144

[5] سارتر، الوجود والعدم، تر.عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، بيروت، ط1، 1966، ص102

[6] بدوي، عبد الرحمن، دراسات في الفلسفة الوجوديّة، م.س،  ص136

[7] Heidegger Martin, Les hymnes de Holdrin,N.R.F,Gallimard,Paris,1988,p.126

[8] أيوب، نبيل، نص القارئ المختلف2، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 2011، ص219

[9] Wikipedia.org

[10] www.aljazeera.netأشرف الحساني 4/10/2021

[11] Alsharekh.org

[12] أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تر. خليل أحمد خليل، منشورات عويدات بيروت – باريس، ط2، 2001، مج1 ، ص43

[13] بركات، حليم، الاغتراب في الثّقافة العربية متاهات الإنسان بين الخلم والواقع، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط1، 2006، ص37

[14] هيغل، فنومينولوجيا الروح، تر. ناجي العونلي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان، ط1، 2006، ص514

[15] Heidegger Martin, Les hymnes de Holdrin,N.R.F,Gallimard,Paris,1988,p.115

[16] Heidegger Martin, Les hymnes de Holdrin,N.R.F,Gallimard,Paris,1988,p.115

[17] كارل يونغ، الإنسان ورموزه، تر. عبد الكريم ناصيف، دار التكوين، سوريا، ط1، 2012 ص104

[18] كارل يونغ، م.ن، ص117

[19] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، تر.عبد المنعم الحفني، الدار المصرية، ط1، 1964، ص14

[20] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، م.س، ص15

[21] سارتر، الوجود والعدم، م.س، ص 222

[22] سارتر، الوجود والعدم، م.س، ص 227

[23] سارتر، م.ن، ص 230

[24] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، م.س، ص35

[25] سارتر، الوجود والعدم، م.س، ص230

[26] سارتر، الوجود والعدم، م.س، ص 235

[27] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، م.س، ص 41

[28] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، م.س، ص 44

[29] أيوب، نبيل، نص القارئ المختلف2، م.س، ص224

[30] Heidegger Martin, Les hymnes de Holdrin,N.R.F,Gallimard,Paris,1988,p.232

[31] Heidegger Martin, ibid, p.219

[32] Heidegger Martin, ibid ,p.237

[33] العهد الجديد، إنجيل متى، 14: 1-12

[34]العهد الجديد، إنجيل متّى 26: 69-75

[35] العهد الجديد، إنجيل متّى، 18: 1-25، و11:2

[36] ثربانتس، دون كيخوته، تر. عبد الرحمن بدوي، دار المدى للثقافة والنشر، أبو ظبي، ط1، 1998

[37] الشيخ، منتظر، كربلاء والموضوعية المستحيلة: قراءة نتشوية في المأساة والمعنى، يوليو، 2025، sobranews.com

[38]دريني، خشبة، قصة طروادة، مؤسسة هنداوي، 1945، ص 181

[39] كارل يونغ، الإنسان ورموزه، م.س، ص148

[40] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، م.س، ص65

[41] العهد القديم، التكوين 8، الآيات 6-12

[42] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 31

[43] ألبير كامو، أسطورة سيزيف، تر. أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1983، ص26

[44] ألبير كامو، م.ن، ص40

[45] آرثر كورتل، قاموس أساطير العالم، تر.سهى الطريحي، دار نينوى، دمشق – سوريا، 1996، ص126

[46] محسن علي خان، ميديا، أسطورة سيزيف في الشعر العربي المعاصر، مجلة جامعة التنمية البشرية، مج 3، ع 3، آب، 2016، ص442

Journals.uhd.edu

[47] سارتر، الوجودية مذهب إنساني، م.س، ص 65

[48] سارتر، م.ن، ص66

[49] سارتر، م.ن، ص66

[50] ألبير كامو، أسطورة سيزيف، م.س، ص67

[51] ألبير كامو، م.ن، ص209

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى