أبحاثاللغة والأدب والنّقد

أبعاد التّفاؤل الوطنيّ والإنسانيّ في شعر فؤاد الخشن

أبعاد التّفاؤل الوطنيّ والإنسانيّ في شعر فؤاد الخشن

The Dimensions of National and Humanistic Optimism in Fouad Al-Khishn’s Poetry

د. محمّد حبلص[1]

Dr. Mohammad Hoblos

     تاريخ الاستلام 8/9  / 2025                                     تاريخ القبول 21/10 /2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

الملخّص

يتناول هذا البحث موضوع التّفاؤل في شعر فؤاد الخشن، بوصفه أحد المرتكزات الأساس التي ميّزت تجربته الشّعريّة، حيث شكّل الأمل في نظره عنصرًا جوهريًّا في مواجهة التّحدّيات التّاريخيّة والإنسانيّة، لا سيّما في ظلّ معاناة الشّعب الفلسطينيّ، وما يحيط به من قهر واستلاب.

ويهدف البحث إلى الكشف عن كيفيّة توظيف فؤاد الخشن لرمزيّة التّفاؤل بغية بناء خطاب شعريّ قادر على إعادة الثّقة للإنسان العربيّ المقهور، وإبراز البعد الإنسانيّ العالميّ لتجربته، حيث لم يقتصر شعره على تصوير الألم أو استحضار المأساة، بل تجاوز ذلك إلى بثّ روح المقاومة والإصرار على الحياة والانتصار.

اعتمدت الدّراسة على المنهج التّحليليّ- الوصفيّ مع مقاربة موضوعاتيّة للنّصوص الشّعريّة، بغية تفكيك الرّموز والوقوف على دلالاتها الإنسانيّة، ومناقشتها في ضوء ما أفرزته الدّراسات النّقديّة حول قيمة التّفاؤل في الشّعر العربيّ الحديث.

وقد خلص البحث إلى أنّ شعر فؤاد الخشن يقوم على توليد خطاب إنسانيّ متفائل، يُقابِل التّشاؤم والانهزاميّة بإيمان عميق بحتميّة النّصر، ويؤكّد أنّ الكلمة المفعمة بالأمل لا تقلّ شأنًا عن السّلاح في معارك التّحرير. كما بيّن أنّ تجربة الخشن تنسجم مع روح الحداثة الشّعريّة العربيّة التي ارتقت بالشّعر من الإطار المحلّيّ إلى فضاء إنسانيّ عالميّ، حيث يصير التّفاؤل رسالةً إنسانيّةً جامعة تتجاوز حدود الانتماءات الضّيّقة.

الكلمات المفتاحيّة: التّفاؤل – التّفاؤل الإنسانيّ – التّفاؤل الوطنيّ>

Abstract

This study explores optimism in the poetry of Fouad Al-Khishn, considering it a central dimension of his poetic vision and a vital force in confronting historical and human challenges, particularly the suffering of the Palestinian people under oppression and displacement. The research highlights the symbolic significance of the color white in his poetry, as it emerges as one of the most prominent symbols of hope, renewal, and purity, reflecting universal values of peace and human brotherhood that transcend spatial and temporal boundaries.

The main objective of this research is to examine how Al-Khishn employs the symbolism of optimism to construct a poetic discourse capable of restoring confidence in the oppressed Arab individual and of asserting the humanitarian and universal dimension of his poetic experience. His poetry does not merely depict tragedy or despair, but rather transcends them by instilling resilience, affirming the inevitability of victory, and emphasizing the ethical and cultural function of literature in resistance.

The study adopts a descriptive-analytical approach, combined with a thematic analysis of selected poems, in order to deconstruct their symbolic structures and interpret their humanistic implications in the light of modern Arabic literary criticism.

The findings reveal that Al-Khishn’s poetry constructs an optimistic humanistic discourse that resists despair and defeatism, portraying optimism as a weapon parallel to armed struggle in liberation movements. Moreover, his poetic practice aligns with the broader project of modern Arabic poetry, which sought to expand its scope beyond local or national concerns toward a universal human vision, where optimism becomes a unifying message that addresses the suffering and aspirations of humankind at large.

 

المقدّمة

يُعَدّ التّفاؤل من أبرز القيم الإنسانيّة التي شكّلت ركيزة أساسيّة في نتاج الشّعر العربيّ المعاصر، لما يحمله من قدرة على مواجهة التّحدّيات وإحياء الأمل في النّفوس المكلومة. وفي هذا السّياق يبرز الشّاعر اللّبنانيّ فؤاد الخشن واحدًا من الأصوات الشّعريّة التي اتّخذت من التّفاؤل مرتكزًا لرؤيتها الجماليّة والإنسانيّة، إذ منح تجربته الشّعريّة بعدًا يتجاوز حدود الوطن؛ ليبلغ آفاقًا إنسانيّة عالميّة، راسمًا صورة للقدس وفلسطين وللإنسان العربي في معاناته وصموده، ومؤكّدًا أنّ المقاومة الحقيقيّة لا تقوم على السّلاح وحده، بل على الكلمة التي تشعل الأمل، وتواجه اليأس؛ فالكلمة “هي وجود وحضور له كيان وجسم، وهي قطعة من الوجود أو وجه من وجوه التّجربة الإنسانيّة، ومن ثمّ فإنّ لكلّ كلمة طعمًا ومذاقًا خاصًّا”([2]).

وتنبع أهمّيّة هذا البحث من كونه يتناول جانبًا لم يُسلَّط عليه الضّوء كثيرًا في شعر فؤاد الخشن، وهو رمزيّة التّفاؤل، ودوره في إبراز البعد الإنسانيّ العالميّ للقضيّة الفلسطينيّة وسائر قضايا الإنسان المعاصر؛ فالخشن لا يكتفي بتصوير الألم والاحتلال والظّلم، بل يتجاوزها إلى خطاب يحمل دلالات الأمل، والانبعاث، والتّطلّع إلى مستقبل أكثر عدلاً وحرّيّة.

أمّا الإشكالية التي يعالجها البحث فتتمثّل في التّساؤل الآتي: كيف وظّف فؤاد الخشن التّفاؤل في شعره؟ وما الرّموز الشّعريّة التي حملت دلالات الأمل، خاصّة اللّون الأبيض، وكيف أسهمت هذه الرّمزيّة في تشكيل بعدٍ إنسانيّ عالميّ يلامس قضايا الإنسان في مختلف بقاع الأرض؟

وللإجابة عن هذه الإشكاليّة، يعتمد البحث المنهج التّحليليّ – الوصفيّ، مرتكزًا على تحليل النّصوص الشّعريّة التي وظّف فيها الخشن رمزيّة التّفاؤل، مع الاستعانة بالمقاربة الموضوعاتيّة للكشف عن الدّلالات الإنسانيّة التي يتضمّنها شعره.

المبحث الأوّل: التفاؤل ودوره في بناء الوطن والأمة في الشعر العربي الحديث

أوّلًا: التّفاؤل العربيّ العامّ في مواجهة الأزمات والحروب

عبّر الشّعراء العرب المحدثون عن تفاؤلهم في نظرتهم إلى مشكلات أوطانهم وعروبتهم؛ فمن المعروف والمألوف أنّ التّفاؤل يولد من رحم المشكلات والحروب والعذاب والألم، وأوطان العرب- كما خبرناها وهذه الخبرة تؤلمنا وتحزننا- بلادٌ لا تبرحها الأزمات والحروب، بل ألفت مجتمعاتها وصارت سمةً من سماتها الثّابتة، وأكثر من يكتئب ويتألّم في البيئة الاجتماعيّة المتفجّرة صراعًا وقتالاً وسفك دماء هم الشّعراء؛ إنّهم يرون بالبصر والبصيرة ما لا يستطيع غيرهم أن يراه، وينظرون إلى الغد نظرةً تجعلهم يرون صورته رؤيةً شعريّة قد اختصّوا بها وحدهم من بني البشر؛ لأنّهم مختلفون في التّجربة والثّقافة والشّعور؛ فالشّعر “رؤية جديدة للوجود وراء ظواهره وأشكاله العابرة”[3].

لهذا، وهم يعيشون في قلب المعاناة، كانوا يرون الغد رؤيةً سلبيّة حينًا وإيجابيةً حينًا آخر وفاقًا لمقتضى الحال الاجتماعيّة السّائدة، ولكنّ الشّعراء بوصفهم طليعة القوم في الثّقافة والحكمة والمعرفة، وحملة رسالة وطنيّة وإنسانيّة كانوا يبتعدون عن اليأس في تعبيرهم الشّعريّ، ويحاولون استنهاض الشّعب بمعاني التّفاؤل والأمل والرّجاء، وقد لجأوا إلى اللّون الأبيض ووظّفوه رمزًا شعريًّا، ومن خلاله عبّروا عن إيمانهم بحتميّة النصر وحتميّة الحرّيّة والتّقدّم والرّخاء، وزرعوا في النّفوس بذور الاجتهاد والعمل؛ ليخرج النّاس من صراعاتهم وفرقهم وحروبهم، ويدخلوا في حرب وطنيّة، وقوميّة، وإنسانيّة واحدة، يخوضونها جميعًا لأجل العلم والحضارة والبناء، لأجل الحرّيّة والكرامة والإنسان.

لم يجد الشّعراء العرب المحدثون رمزًا شعريًّا أخصب دلالة من اللّون الأبيض في تعبيرهم عن نظرتهم التّفاؤليّة إلى الأوطان والعروبة والإنسانيّة، فهو يرمز إلى الصّفاء الذي يتيح الرّؤية الواضحة أمام الإنسان، فيخطو الخطوة الواثقة على طريق العمل والإبداع والإنتاج في الحقل الوطنيّ والحقل الإنسانيّ، أمّا الرّؤية في الظّلام والضّباب فلا يمكنها استجلاء الأمور، وتجعل الإنسان حينئذ يخطو الخطوة المضطربة الضّائعة، فيتشتّت سعيُه ويخيب أملُهُ، لا بدّ للإنسان، فردًا، أو جماعة من أن يستكشف طريقة في صفاء تامّ حتّى يمشي على طريق العمل واثقًا، فيصل إلى النجاح، و”اللّون الأبيض كضوء يعدّ علّة الألوان جميعها؛ لأنّه يتحلّل من خلال تمريره من خلال موشور زجاجيّ إلى ألوان الطّيف الشّمسيّ”[4].

إنّ الحضارات الخالدة التي تحفظها حقب الزّمان الغابر والحضارة الحديثة التي نعيشها اليوم في كلّ مجالات حياتنا لم يصنعها الإنسان، وهو فاقد الرّؤية، أو على بصره غشاوة، بل صنعها، وهو ثاقب البصر، واثق الخطوة، واضح الهدف؛ لأنه مشى على طريق العمل في الصّفاء، ولم يمشِ في الظّلام والعتمة، حيث تنعدم الرّؤية، ويضيع السّعيُ سدىً. إنّ الصفاء دلالةٌ من دلالات اللّون الأبيض، وهذه العلاقة الدّلاليّة بينهما سبب كافٍ جعل الشّعراء العرب يتفاءلون بالأبيض في شعرهم الذي عبّر عن القضايا الوطنيّة والإنسانيّة؛ ولولا التّفاؤل في الحياة لانهزم الإنسان وأُحبطَ عملهُ وتوقّف سعيُهُ، والشاعر هو أجدر النّاس بالتّفاؤل، فهو مثالهم وقدوتهم، ويؤثّر بكلماته عميقًا في نفوسهم، لهذا يجب عليه أن يبثّ فكر التّفاؤل في المجتمع لكي يحفّز النّفوس المتقهقرة والمنهزمة على العمل من أجل صناعة الحياة؛ وهذا هو أسلوب فؤاد الخشن الشّعريّ بوصفه شاعرًا حداثيًّا رائدًا، هو أسلوبٌ تماهى مع معاني التّفاؤل والحياة؛ لأنّ “الأسلوب هو النّصّ ذاته”[5].

ثانيًا: التّفاؤل الرّمزي في شعر فؤاد الخشن تجاه فلسطين والقضايا الإنسانيّة

لا نهضة مع اليأس والتّشاؤم، فهما يفتكان بالأمم غير المحصّنة، وليس لديها القدرة على المقاومة، هما يهدمان صرح الحضارة، ويدفعان الشّعوب إلى الاستسلام والهزيمة النّكراء والرّضا بالذّلّة والهوان، ولا سلاح يكافح شرّهما سوى الأمل والتّفاؤل.

إنَّ الوطن لا تقوم له عمادٌ قويّةُ ثابتةٌ إلّا بالتّفاؤل الكامن في نفوس أبنائه، وكذلك هي حال الأمّة والقوميّة.

من خلال إظهارنا، فيما تقدّم، دور التّفاؤل في بناء الوطن والأمّة، ينبغي أن نصبح- نحن العرب- أكثر إيمانًا بوجوب أن نكون متفائلين بنهضة أوطاننا وأمّتنا، حيث أوصلنا تشاؤمنا إلى انهيار مجتمعاتنا، وهزيمتنا أمام الأعداء، فها هي أوطاننا ممزّقة فرقًا ومذاهب وأحزابًا وكذلك أمّتنا العربيّة الواحدة تمزّقت لغةً وأرضًا وثقافةً وتراثًا، قد صارت دولاً تتنازع فيما بينها على قضايا وهميّة خلقها الاستعمار الغربيّ لإشعال نار الفتنة بين أقطار الأمّة الواحدة.

وفي خضمّ هذه المشكلات المعضلة، نجد العربيّ يائسًا من نهوض وطنه وأمّته، مؤمنًا بثقافة الانهيار والانهزام، مروِّجًا للهجرة والعيش في بلاد الغرب، ناسيًا أنّ العرب- كما الأمم المتقدّمة اليوم- كان لهم شأنهم العظيم في بناء الحضارة القديمة، وأنّهم كانوا معلّمي العالم في المجالات العلميّة والإنسانيّة.

لهذا جاء الشّعر العربيّ الحديث؛ ليبثّ في إنسانه روح التّفاؤل، فـ “الشّعر كان ضربًا من السّحر”[6]، وذلك من خلال الرّمزيّة التي وظّفها الشّعراء في قصائدهم بغية الانتصار على الأزمات ومقاومة ثقافة الانهزام؛ وهذه الرّمزيّة التّفاؤليّة ذات الاتّجاه القوميّ نلحظها في قول فؤاد الخشن:

يافا

تترقّب في اللّيل الرّابض أطيافًا

تتسلّل… تفتح مروحة الفجر الزّرقاء

تفرش منديل الأمواجْ…

تمسح مخمله المزبد بالتبر الوهّاجّ

وتُضيء قناديل التّيّارات الخضراء

أنجامًا بيضاء([7]).

في هذا المقطع الشّعريّ، تظهر بوضوح الوظيفة الرّمزيّة التفاؤليّة، حيث يبشّر فؤاد الخشن يافا، بزوال اللّيل الرّابض على أرضها، فما اللّيل سوى رمزٍ لليهود الصّهاينة أعداء العروبة وفلسطين، وقد أدّت رمزيّة اللّيل الرّابض عند فؤاد الخشن، دلالتها بقوّة وفاعليّة، إذ إنّ ليل يافا ليس ليلاً عاديًّا، بل هو ليلٌ موصوف، والصّفة تجعل موصوفها يمتاز عن غيره من أنواع جنسه، ثم إنّ صفة (الرّابض) تدلُّ على حلول موصوفها بثقلٍ وثبات، فليل يافا ثقيل ثابتٌ لا يتزحزح، هو ليلٌ مرهقٌ مشعرٌ باليأس والتّشاؤم، ولكنّ يافا في وسط هذه الصّورة القاتمة تتسلّل متفائلةً لتفتح مروحة الفجر الزّرقاء، لعلّها تدخل في حياةٍ جديدة متحرّرةً من قيود اللّيل الغشيم المطبق على صدرها، وقد أنهكها ثقله، وكابدت فيه الآلام زمانًا طويلاً.

وما الفجر عند الشّاعر سوى رمز شعريٍّ يدلّ على الحياة الجديدة، يدلّ على النّور المشعّ الذي يبدّد ليل العبوديّة والظّلم؛ فالفجر في هذا السّياق الشّعريّ يرمز إلى الخلاص من ليل الاحتلال والعدوان، وبهذه الرّوح التّفاؤليّة تستطيع يافا أن تضيء قناديل التيّارات الخضراء أنجامًا بيضاء، تستطيع أن تُخرج من الظّلمة الحالكة أنواراً ونجومًا بيضاء زاهرة؛ ونلاحظ هنا أنّ الشاعر لم يكتف برمزيّة النّجوم التي ترمز إلى الإشعاع والضّياء، بل أتبعها بصفة تجعلها أكثر إشعاعًا وأكثر ضياء، فهي نجوم بيضاء، والصّفة (بيضاء) تشير إلى أنّ النجوم التي تُضيئها يافا تمتاز عمّا سواها من النّجوم، فكما جعل الشّاعر ليل يافا ليلاً خاصًّا مميّزاً بثقله وثباته، كذلك جعل نجومها متميّزة بنور بياضها.

ومن خلال هذه الثّنائية الضّدّية: اللّيل الرّابض والنّجوم البيضاء، يشير الشّاعر إلى قدرة يافا على الصّمود والمقاومة، يشير إلى إيمانها بولادة الانتصار، فهي تترقّب في كنف اللّيل الغشيم أطيافاً، والتّنكير في الأطياف يفيد التّنوّع، وهذا المعنى مقصودٌ من الشّاعر، وقد جاء متلائمًا مع الوزن الشّعريّ؛ فالأطياف التي تترقّبها يافا في ليل الاحتلال متنوِّعة وكثيرة، وتنوّع الأطياف يدلّ على ثقة يافا بقدرتها على مواجهة الصّعاب، وعلى قوّة تفاؤلها، كما تنوّع الأحلام عند المرء يدلّ على أنّه كثير التّفاؤل، واثقٌ بذاته، مقدامٌ، وطامح.

ومن خلال هذه الرّؤيا الشّعريّة والحلم الواعي يصبح فؤاد الخشن كمتصوّف عصرنا “الذي يرى الواقع الكائن والواقع الممكن، وهو بذلك يخترق حجاب الزّمن المستقبل”[8].

وإنّ الشّاعر من خلال الثّنائيّة الضّدّيّة: اللّيل الأسود والنّجوم البيضاء يبعث رسالة استنهاض إلى المتلقّي العربيّ الذي أحبطته هزائم قومه العرب، وهي هزائم متكرّرة، أمام الغزاة الصّهاينة الجدد؛ ليعيد إليه ثقته بنفسه وبقومه، وبأنّ القوميّة العربيّة، بتميّزها عن أيّة قوميّة أخرى، تستطيع أن تخلق أسباب الحياة والبقاء، وأن تنتصر على سلاح الدّمار والموت.

ويُرسل الشّاعر رسالته في أجواء تفاؤليّة مفعمةٍ أملاً وسروراً، وتبدو كلماته -فيما تقدّم- كأنّها نشيد فرح واستبشار، وقد توافقت الكلمات الشّعريّة المثقلة بمعاني التفاؤل مع الإيقاع الإنشاديّ الصّاخب الذي ينبثق من تفعيلات الخبب، وكأنّ الشاعر اختار البحر العروضيّ الأكثر طواعيةً بين سائر البحور لكتابة الأناشيد، والتّعبير عن الفرح؛ ليعبّر هو عن تفاؤله بتحرير الأرض العربيّة المغتصبة وبعودة اللّاجئين إلى الوطن والدّيار في سياقٍ إيقاعيّ، يُشعر السّامع بالفرح والطّرب؛ ولكن ما الذي جعل الشاعر يبتهج، ثمّ يتفاءل بتحرير الأرض، وفلسطين تحت حراب اليهود تكابد الذّلّ والحزن والألم؟

لا بدّ أنّ ثمّة سببًا عظيًما قد جعل فؤاد الخشن يترقّب مع يافا فجر التّحرير: يافا تترقّب في اللّيل الرّابض أطيافًا تتسلّل… تفتح مروحة الفجر الزّرقاء([9])، إنّ الذي جعل الشّاعر فَرِحًا هو المقاومة الفلسطينيّة وفدائيّوها الأبطال الذين يصدّون كيد المعتدين بدمائهم، ويضحّون بأرواحهم؛ لتبقى الأرض:

يا أبناء الفردوس المطرودين

من أرض فلسطين

يا مَنْ بالأمس توّهمتم أنّ السّلطات المهترئة…

وبنادقها العمياء الصّدئة

ستحرّركم وتُعيد إليكم أرض المهدْ

واليوم، وبعد سراب الوعدْ

أدركتم أنّ دماء فدائييكمْ هي نهر العودة للأوطان([10]).

إنّ الشّاعر أدرك -وهو ابن المجتمع العربيّ- أنّ الجماهير العربيّة يائسة قانطة من نهضة العرب، ومن قدرتهم على التّوحّد في معركة العروبة والشّرف، وكيف لا تقنط الجماهير من سلطان مهترئة أقامها الأعداء أنفسهم من أجل تضييع القضيّة العربيّة وتضليل الجماهير؛ وإنّ هذه السّلطات المهترئة، وإن أرادت قتال الأعداء، فهي تقاتل ببنادق عمياء لا ترى العدوّ.

وفي هذا الواقع العربيّ المتخاذل المتردّي حقّ للجماهير أن تقنط من النّصر على الأعداء، بيد أنّ الشاعر، وقد أدرك قنوط الجماهير العربيّة، لا بدّ له من أن يؤدّي رسالته الوطنيّة والقوميّة في بثّ روح التّفاؤل في النّفوس؛ وقد أدّى هذه الرّسالة كاملة بوصفه يمثّل طليعة القادة الأمناء على حملها، إذْ ذكّر الجماهير بما يفعله الفدائيّون من بطولات، وبما يقدّمونه من تضحيات عظيمة على أرض فسطين، قاصدًا أن يزيل القنوط من النّفوس، وأن يزرع مكانه الأمل بالتّحرير والنّصر الكبير، وكما حقَّ للجماهير أن تقنط من قدرة السّلطات المهترئة على صنع الانتصار، كذلك يحقُّ لها أن تطرد قنوطها وتتفاءل بولادة الفجر الجديد والنّصر المجيد إيمانًا منها بالمقاومة وقدرة الفدائيّين على تحرير الأرض وصون العرض.

وفؤاد الخشن في هذه القصيدة يرسل إلى القارئ العربيّ إشارة إلى أنّ الثّورة هي النّهج الصّحيح للتّحرير، وتقويض الواقع القائم ملتقيًا مع عبد الوهّاب البياتيّ الذي رأى في تصريح له أنّ الثّورة “هي عمليّة تتجاوز رفض الواقع إلى محاولة تقويضه، وبناء واقع جديد”[11].

وليست بطولة الفدائيّين وحدها التي جعلت الشّاعر متفائلاً، بل إنّ زهور الزّعتر في صفد قد زادته تفاؤلاً بعودة اللّاجئين إلى قراهم وديارهم، إنّها كـ “يافا” تترقّب عودة الوجوه السّمر بالشّوق الغَرِد: وزهور الزّعتر في صفدِ

تتنفّس بالشّوق الغَرِدِ

لوجوهٍ سمراء،

يزرعها اللّيل الملهوف اللّهاث

بصغار الماساتْ

قُلِبَتْ طاسات السّحر على أثواب السّاحر

وأطلَّ الصّيّادُ المرتقبُ

يطلق من أفواه قماقمنا الخرساءْ

مرّادًا تثِبُ

فتهزّ الأجْواء!([12]).

إنّ زهور الزّعتر في صفد متفائلة، بأنّها سترى الوجوه السّمر التي فارقتها، فهي تتنفّس شوقها الغَرِد بغير حزن وغير اكتئاب، تتنفّس شوقها إلى الوجوه التي ألفتها قبل النّكبة والتّهجير مهلّلةً، مغرِّدةً، مستبشرة، وقد أراد الشّاعر من خلال إدخال زهور الزّعتر في سياق التّعبير عن التّفاؤل أن يظهر للمتشائمين الانهزاميّين أنّ عناصر الطّبيعة متفائلة بالنّصر على اليهود الأعداء، وهي تهلّل له وتغنّي.

وما الزّعتر هنا إلّا إشارة شعريّة تحمل معنى الارتباط الأدبيّ بين الإنسان وأرضه، فـ “بجانب كلّ إشارة جماليّة يفرزها فنّ من الفنون، أو أدب من الآداب (الموسيقى، الرّسم، النّحت، الشّعر، القصّة، الرّواية…) هناك إشارة إيصاليّة توصل المعنى”[13].

وهنا نقول أنّ العالم خرج عقب الحرب العالميّة الثّانية، منهكًا، متوجِّعًا، منقسماً إلى معسكرات وجبهات، وقد عاش المبدعون ويلات تلك الحرب، ولامسوا إحساس الجياع والعراة والمشرّدين، وأدركوا من خلال التّجربة الواقعيّة أنّ الحرب خطأ فادحٌ، يرتكبه النّاس، ويسعون إلى إشعال نارها بأيديهم مدفوعين بجهلهم وغريزتهم من غير أن يقدّروا عاقبتها الوخيمة، يسعون إلى إشعال نارها، ولا يدرون أنّهم سيصيرون حطبها.

وفي هذه الأجواء العالميّة المكفهّرة التي تُشعر بالتّشاؤم اندفع الشّاعر فؤاد الخشن إلى التّعبير عن تفاؤله الإنسانيّ في قصائده، انطلاقًا من إحساسه الإنسانيّ الأصيل العامّ، وانسجامًا مع فطرته الآدميّة، وإدراكاً منه لأهمّيّة دوره في حمل الرّسالة الإنسانيّة؛ وقد عاش حدث النّكبة العربيّة الفلسطينيّة، وعاش ما سبق النكبة وما تلاها من تفاصيل وآلام؛ فبلغ تأثّره حدَّ الفاجعة، وارتطم وعيه بصدمة الدّهشة والذّهول، فانطلق يعبّر في قصائده عن مشاعره تجاه الأخ الفلسطينيّ الجريح في إنسانيّته وقوميّته، ولم يقتصر خطابه على الجانب القوميّ فحسب، بل أضفى على نكبة الشّعب الفلسطينيّ بعدًا إنسانيًا شاملًا، فجعل من قضيّته قضيّة العرب جميعًا، بل قضيّة الشّعوب والأمم الحرّة جمعاء، وذلك “حينما غدت الرّؤيا الشّعريّة المعاصرة قفزة خارج المفهومات السّائدة”[14].

وهكذا ظهر الصّهاينة في شعره مجرّد قتلة للإنسان في انتهاك صارخ للكرامة البشريّة، لا يميّزون في عدوانهم بين دين أو عرق، إذ إنّ الاعتداء على الفلسطينيّ في نظره هو اعتداء على جوهر الطّينة الإنسانيّة نفسها؛ ومن هذا المنطلق، فهم القضيّة الفلسطينيّة بوصفها امتدادًا لقضايا المقهورين والمضطهدين في العالم، فنظر إليها وإلى سائر القضايا الإنسانيّة بعين واحدة، يرى أنّ المظلومين، مهما اختلفت أجناسهم وأديانهم وأوطانهم، يشتركون جميعًا في جوهر المأساة ونداء العدالة؛ وقد تفاءل في نظرته إلى هذه القضايا، وبثّ روح التّفاؤل في قصائده، مبشّرًا بفجر الإنسان الجديد الذي سيولد من رحم اللّيل المظلم.

المبحث الثّاني: رمزية اللون الأبيض في شعر فؤاد الخشن ودلالاته على الأمل

ووظّف الشّاعر اللّون الأبيض رمزًا للتّفاؤل في سياقاته الشّعريّة مولِّدًا لغةً جديدة تتوافق والواقع الإنسانيّ المولود من رحِم الحروب، فعبّر من خلال رمزيّة الّلون الأبيض عن حبّه للسّلام وإيمانه بحتميّة انتصاره على سلاح الحرب.

وهذه المعاني الإنسانيّة التي سكبها الشّاعر في قوالبه الشّعريّة، هي جوهر الرّسالة التي يحملها الشّاعر الأصيل؛ إذْ لا يمكن للشّاعر أن يكون غير الشّاعر الإنسان، لا يمكنه أن يكون شاعر فئة عرقيّة أو دينيّة محدودة بحدود العصبيّة.

إنّ الشّاعر ذا الرّسالة ينطلق من دائرة الوطن، وهي الدّائرة الصغرى، ويدخل في دائرة العالم، معبّرًا عن الأحداث التي تقع ضمن هاتين الدّائرتين، متفاعلاً معها ومتأثّراً بها؛ من هنا، تتبيّن أهمّيّة توظيف اللّون في الشّعر العربيّ الحديث، إذ “يُعدُّ اللّون عنصراً مهمّاً في تشكيل النّصّ الشّعريّ؛ لأنّه ينطوي على أبعاد جماليّة تُعطي النصّ قيمةً فنّيّة عالية، تتشابك فيه بعض الألوان مع الرّمز جرّاء التّوظيف الدّائم والمحمّل بدلالات متنوّعة، ويُذهب كذلك- عن النّفس النّفور والملل عند قراءة النّصّ الأدبيّ؛ فاللّون يمنح الحياة والوجود قيمةً لا يمكن إغفالها، فهل نتخيّل أنفسنا نرى لونًا واحدًا؟ هل نشعر بلذّة الجمال لو اختفت الألوان من الأرض، وأصبحت تُرى بلا ألوان؟ عالمًا مخيفًا يبدو لك كالصحراء الممتّدة أطرافها بلا ماء أو شجر أو ظلّ أو نهاية؟ إنّ هذا التخيّل يدفع النفس إلى النفور والملل، فلا حياة بلا ألوان([15]).

ومن تجلّيات رمزيّة اللّون الأبيض بدلالاتها التفاؤليّة الإنسانية في شعر فؤاد الخشن قوله:

وفي مسجده الأقصى

وتحت القّبة البيضاء تحت نداوة الصخرة، وفي الكهف الذي هلاّ

بواهجٍ من ضياء الخُلد حيث محمَّد صلّى “خنافسُ” يتقنون الهُزء والتصفير والرقصا

ويختزنون أقذار الليالي الحمر والقملا، وفي المئذنة الشمّاء عند تململ الغجر

ترفرف نجمة الشرِّ

ويزحف موهن الخطوات يسفح في المدى نبره

تقيء الذلّ والإكراه والحسرة

أيا قدس القبابِ البيض والأجراء يا قدسي

لسوف أعود كالأمسِ

أهزّ مراوح الزيتون أسقيها بماء العين والقلبِ

بكلّ تدفّق الأعراف بالإيمان والحبّ([16]).

في هذا المقطع الشّعريّ يؤدّي اللّون الأبيض دلالةً إنسانيّة، فالمسجد الأقصى لا يدلّ على فئة من النّاس أو عِرْق من الأعراق، بل هو مرتبطٌ بعالميّة الرّسول محمّد r، مرتبطٌ برسالة الإسلام التي تدعو الناس كافّة إلى اعتناق دين التوحيد وقبّته البيضاء هي كذلك تدلّ بلونها الأبيض على التسامح بين الناس، تدلّ على التقاء، ونبذ الأحقاد والشرور، لأنّ القبة البيضاء تستمدّ دلالتها الإنسانيّة من إنسانيّة نبيّ الرّحمة وتستمدّ عالميّتها من عالميّته، وعالميّة الرسول محمّد ليست صفة أضفاها عليه النّاس، بل هي صفةٌ من عند الله قد وصف بها رسوله الخاتم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾([17]).

ويأتي ذِكرُ النّبيّ محمّد r في المقطع الشّعريّ السّابق؛ ليؤكدّ الشّاعر عالميّة الأقصى ودلالالته الإنسانيّة من خلال قبّته البيضاء، ويشير فؤاد الخشن في السّياق الشّعريّ إلى العلاقة الأبديّة بين النّبيّ r والمسجد الأقصى من خلال إشارته إلى الصّلاة التي أدّاها في رِحابِه عَقِبَ الإسراء؛ وبهذه الصّلاة الخالدة تكرّست رمزيّة المسجد الأقصى العالميّة الإنسانيّة، بيد أنّ الحاقدين تُغيظهم هذه الرّمزيّة التي ترمز إلى الأخوّة الإنسانيّة، وتنبذ العنصريّة، تغيظهم رسالة الإسلام العالميّة التي لا تفرّق بين النّاس أمام شريعة الله، فهم مجموعون إلى الحساب في آخر الدّهر، لا يُميَّز شعبٌ عن شعب، ولا إنسان عن إنسان، إلاّ بعمله، وبسبب هذه الرّسالة السّمحاء التي يؤدّيها المسجد الأقصى يعتدي عليه الحاقدون في كلّ مرّة إحراقًا وتخريبًا وتدنيسًا رافعين نجمتهم الشّريرة على المئذنة الشمّاء.

إنّ مسوخ اليهود استباحوا الحرم القدسيّ راقصين، ومصفّرين، ومشعوذين، ومدينة القدس صابرةً على الألم؛ لأنّها ترفض أن تكون مغتصبة، أو تكون لفئة من الناس، هي مدينة الأنبياء وأرض الرّسالات، ثمّ جاءت صلاة الرسول محمّد r؛ لتجعلها مدينةً عالمية، إذ صبغها الرّسول بصبغته، وأضفى عليها معاني التّآخي والتّسامح بين الشّعوب، فهو الصّادق مع ربّه، والأمين على تطبيق مبادئ رسالته، والمؤمن بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾([18]).

لكنّ اليهود الصّهاينة يضرّهم أن تكون القدس مدينة عالميّة ذات وجهٍ إنسانيّ عامّ، فهم يريدونها مُلكًا لهم، خاصّةً بهم، يريدون إحاطتها بحدود عنصريّتهم، وسَلْبها رسالتَها العالميّة الإنسانيّة؛ لهذا هي تتألّم وتحزن حين لا تجد من ينقذها من طغمة الإجرام والعُدْوان؛ ولكنّ الشاعر، على الرّغم من حُزنِ القدس وألمها، يتفاءل بقبابها البيض، فهي تبثّ في نفسه الأمل، وتجعله مؤمنًا بعودته إلى الدّيار، إلى بساتين الزّيتون يسقي أشجارها، يحميها، ويجني ثمارها؛ فاللّون الأبيض يحمل دلالة الطّمأنينة، و”النّور الأبيض هو نور النّفس المطمئنّة”[19].

والشّاعر في هذا التفاؤل يمثّل الفلّاح الفلسطينيّ الذي اقتلعه العدوّ من بيته وأرضه، وهو يضع نفسه موضعه في الشّعور والرّؤية، فعاش التّفاؤل الإنسانيّ، وعبّر عنه؛ ومن البديهيّ أن يعمد الشّاعر إلى التّعبير عن تفاؤله في شعره الذي يتعلّق بقضايا الإنسان عامّة، والإنسان الفلسطينيّ خاصّة، فهو شاعر القضيّة، والقضيّة يقتلها التّشاؤم.

المبحث الثّالث: البعد الإنسانيّ في الشّعر العربيّ الحديث وتجلّي التّفاؤل العالميّ

أوّلًا: دور التّفاؤل في نهضة الشّعوب والمقاومة الإنسانيّة

إنّ أيّة قضيّة لا يكافح أهلها متفائلين في الدّفاع عنها، مثابرين على سيرهم في طريق النّضال، مؤمنين بحتميّة النّصر، تموت، لا محالة، وإذا عدنا إلى التّاريخ قاصدين التّأمّل والاعتبار؛ فإنّنا نجد كثيرًا من قضايا الشّعوب، بل كثيراً من حضاراتهم اندثرت ولم يبق منها أثر، كنذلك نجد كثيراً من القضايا ذات المضمون الإنسانيّ انتصرت بعد زمن طويل من الصّبر والألم؛ ولكنّها انتصرت بجهاد أهلها وثباتهم على الحقّ، من دون أن يشعروا مرّة بالإحباط والقنوط.

إنّ دور التّفاؤل في استنهاض الشّعوب المظلومة المنكوبة دورٌ فاعلٌ لا يمكن إغفاله، فالويل للإنسان الذي يقنط، والويل للأمّة التي تقنط، فالقنوط داء الأمم العُضال، داءُ الحضارات، داء إذا أصاب فتك، إذا أصاب أمّةً أقعدها عن العمل والجدّ والعطاء، وأماتها ذليلةً، ولم يترك لها فرصةً للنهوض، فيجب على الأمّة أن تكافح قنوطها بتفاؤلها الدّائم لكي تبقى حيّةً عزيزةً بين أقرانها من الأمم والشّعوب.

انطلاقًا من هذه الحقيقة أيقن الشّاعر فؤاد الخشن الدور الفاعل الذي يؤدّيه التّفاؤل، ولا أحد أكثر من الشاعر يعي هذا الدّور وأهمّيّتـه، فعبّر عنه في قصيدته (مسوخ في القدس)، وهو يهدف من خلال هذا التّعبير إلى بثّ التّفاؤل في النّفوس؛ ليبعد عنها التّشاؤم القاتل:

أيا قدس القباب البيض والأجراس يا قدسي

لسوف أعود كالأمسِ

أهزّ مراوح الزيتون أسقيها بماء العين والقلبِ

بكلّ تدفّق الأعراق بالإيمانِ والحبّ

أرود تلالك الخضراءَ، تُشرق من منازلها شموسُ براعم الزهرِ([20]).

يتجلّى التّفاؤل في هذا النّصّ الشّعريّ لفؤاد الخشن بوصفه طاقة وجدانيّة ورؤية مستقبليّة تتجاوز حدود الألم والاحتلال إلى أفق العودة والتّحرّر؛ فالمخاطبة المباشرة للقدس بعبارة “أيا قدس القباب البيض والأجراس يا قدسي” تنطوي على بعد عاطفيّ حميميّ، يُحيل إلى علاقة الانتماء والقداسة، كما تكشف عن يقين الشّاعر بأنّ الارتباط بالمكان لا يمكن أن ينقطع على الرّغم من الغياب، ويؤكّد هذا اليقين فعل المستقبل في قوله: “لسوف أعود كالأمس”، حيث يوظّف صيغة القطع والتّأكيد (لسوف)؛ لتكثيف الإيمان بالعودة، وليجعل منها قدرًا محتومًا لا مجال للريبة فيه.

ثم تتدرّج القصيدة في رسم مشهد العودة من خلال صور حسّيّة وحركيّة متفائلة، إذ يستحضر الشّاعر رموز الخصوبة والحياة مثل الزّيتون والماء والدّمع والقلب، وهي رموز تتضافر؛ لتعكس فكرة التّجدّد والانبعاث، فهزّ مراوح الزّيتون وسقيها بماء العين والقلب يُحيل إلى امتزاج العاطفة بالرّمز الوطنيّ، ويجعل من فعل العودة عمليّة إحياء للمكان بما يحمله من جذور تاريخيّة وروحيّة، كما أنّ توظيف ثنائيّة الإيمان والحبّ يكشف عن إدراك الشّاعر لأهمّيّة القيم الرّوحيّة والعاطفيّة في مواجهة قسوة الواقع.

ويبلغ التّفاؤل ذروته في الصّورة الختاميّة: “أرود تلالك الخضراء، تُشرق من منازلها شموس براعم الزّهر”، حيث يقدّم صورة بانوراميّة لمدينة تنهض من جديد، تلالها خضراء، وشموسها تتفتح من براعم الزّهر؛ هذه الصّورة لا تُبنى على الحاضر المثقل بالظّلم، بل على المستقبل المتخيّل الذي يراه الشّاعر قريبًا، وكأنّ العودة ستعيد للقدس إشراقها الطّبيعيّ والحضاريّ.

بهذا، يتجاوز التّفاؤل في النّصّ حدود التّمنّي إلى يقين شعريّ مشبع بالإيمان والحنين، ويصبح وعدًا بالنّهضة والانبعاث، يدمج الخاصّ بالعامّ، والعاطفيّ بالوطنيّ؛ ليحوّل الحلم بالعودة إلى خطاب شعريّ مقاوم يمنح المتلقّي أفقًا من الرّجاء والإصرار.

ثانيًا: البعد الإنسانيّ العالميّ للشّعر وأثره في مواجهة الشّرّ

إنّ هذا النّوع من الشّعر المثقل بمعاني الأمل والتّفاؤل يبني النّفوس المهدَّمة على أسس متينة صُلْبة تقاوم زلازل الحروب والنّكبات، فلا تتصدّع ولا تنهار، يجعلها ذات مقاومة وممانعة، تعيش الحياة ذات الشِّدَّة، متفائلة بأنّها ستجتاز الجسر الذي بواسطته تنتقل من الدّاء إلى الشّفاء ومن الجهل إلى العلم، إنّ هذا النوع من الشّعر لا يقلّ أهميّة – إن لم نقل أهمّ- عن السّلاح والتّكنولوجيا والعِلْم في حرب التّحرير التي تخوضها الأمّة ضدّ الأعداء، فكما تحارب الأمّة أعداءها بالسّلاح والتّكنولوجيا، كذلك تحاربهم بأدبها، بفكرها الوقّاد الثّائر، الويل كلّ الويل والثّبور كلّ الثّبور للأمّة التي تخوض معركتها ضدّ أعدائها بالسّلاح فقط، لا بدّ لها- حتّى تنتصر- من أن تُدخل في المعركة سلاح الكلمة والفنّ والفكر، السّلاح وحده في المعركة يصبغ المحاربين بصبغة العنف والجريمة والهمجيّة، حين ترافق الكلمة السّلاح في المعركة تجعله موصوفًا بصفة الحضارة والمعرفة والثّقافة، فيصير سلاحًا يؤدّي وظيفة إنسانيّة، سلاحًا يدافع عن القِيم والحقّ وعناصر الجمال في الحياة.

وهذا ما أدّاه فؤاد الخشن بكلماته حين صوّر المحتلّين بأنّهم عنصريّون ومشعوذون يتصرّفون بحماقة وغباءٍ، وقد نزع عنهم الشّاعر الصّبغة الإنسانية حين وصفهم مسوخًا وخنافس، وبدت عبادتهم ضربًا من الخرافة والعبث والتّهريج:

خنافس يُتقنون الهُزْء والتصفير والرقْصا

ويختزنون أقذار اللّيالي الحمر والقملا([21]).

وهؤلاء المسوخ الذين لم تتوفّر فيهم الصّفات الإنسانيّة يعتدون على بلاد الحضارة والرّسالات والأبجديّة، بلاد القباب البيض والتّسامح، وقد وُفّق الشّاعر في الغاية التي أراد الوصول إليها، وهي إظهار الصّراع بين الأضداد في الحياة وهذا الصّراع سنّة الطّبيعة في جميع الخلائق والصّفات، فالخير والشّرّ ضدّان، وكذلك النّور والظّلام، ووفاقًا لهذه السُّنّة بدهيّ أن يكون العربيّ الفلسطينيّ واليهوديّ الصّهيونيّ ضدّين فالأوّل ذو جذور ضاربة في أعماق الحضارة الإنسانيّة، أمّا الثاني مقطوع الجذور، وهو من غير أرض ومن غير تاريخ، ولهذا سوَّغ احتلاله لفلسطين بالخرافات والادّعاءات والافتراءات، ولجأ مسعوراً إلى الإرهاب فقتل أبناء فلطسين قتلاً جماعيًّا بغية اقتلاع جذورهم من التّراب العربيّ. ولم يلجأ مرّةً إلى الحرب بسلاح المنطق والحُجّة والبرهان، إنّه لا يملك هذا السّلاح الفتّاك في كلّ الأزمنة.

إنّ الشّاعر يؤدّي رسالة الأدب التّاريخيّة، وهي رسالة نقد الحياة، و”ربّما كانت أوّل عبارة في تاريخ النّظر النّقديّ قد أحكمت الرّبط بين الأدب والحياة هي العبارة المأثورة عن كولردج التي يقرّر فيها أنّ الأدب نقد للحياة”[22].

وإنّ الشّاعر فؤاد الخشن في قصيدته (مسوخ في القدس) بدا مسلَّحًا بهذا السّلاح، سلاح الشّعر والأدب، فهو يقاتل العدوّ به متفائلاً بالنّصر المبين، وبالعودة إلى القدس مصلّيًا تحت قبابها البيض. وتأتي رمزيّة اللّون الأبيض في الشّعر العربيّ الحديث أكثر دلالةً على التّفاؤل الإنسانيّ وأكثر شمولاً واتّساعاً من المثال السّابق، وشرط هذا الشّمول الذي أعنيه في الدّلالة التّفاؤليّة ذات المعاني الإنسانيّة أن يتجاوز الشّاعر حدود الوطن والإقليم والأمّة، ويعبّر عن رؤيته العالم كما يتمنّاها في المستقبل انطلاقاً من الواقع الإجتماعيّ الرّديء الذي يحياه النّاس في كلّ بقاع الأرض من دون التّمييز بين الشّعوب والأعراق، فيتّحد الشّاعر حينئذٍ مع الإنسان في معاناته وألمه، في حلمه وطموحه، ويتجرّد من أيّ شعور محدود، حينئذٍ يصبح تعبير الشّاعر تعبيرًا أمميًّا يتجاوز حدود الأقاليم والأقطار؛ لأنّه ينبع من أعماق الفطرة الإنسانيّة، فغاية الشّاعر في مثل هذا التّعبير أن يتّحد مع فقراء العالم ومعذّبيه ومستضعفيه، وهي غاية إنسانيّة خالصة لا تشوبها شائبة سياسيّة، أو عقائديّة، أو عرقيّة، لا يريد الشّاعر في مثل هذه الحال سوى إرضاء حِسِّه الإنسانيّ الذي هو فطرة في بداية خَلْقِهِ قبل أن تشوّه هذه الفطرة الأولى الأيديولوجيّات السّياسيّة والدّينيّة والقوميّة، لا يريد الشّاعر في مثل هذه الحال سوى أن يؤدّي رسالة الشّعر العربيّ الحديث ذات السّمة الإنسانيّة؛ لأنّ الشعر “هو دعوة إلى الثّورة والتّغيير”[23].

إنّ هذه السّمة الإنسانيّة هي أهمّ سمات الحداثة في الشّعر، حيث أخرجت الحداثة الشّعر من المربّعات والدّوائر وأطلقته في فضاء الألم الإنسانيّ، فنشطتْ حركتهُ وتحرّرت وكسرت قيود التزّمّت والتّخلّف والرّجعيّة، وإنّ هذا الفضاء الإنسانيّ نجده عند أبرز أعلام الحداثة في الشّعر العربيّ كأدونيس والسّيّاب والبياتي وخليل حاوي وغيرهم… إلخ، حيث طرق هؤلاء قضايا الإنسان في كثير من قصائدهم، وغدا التّعبير الإنسانيّ صفة شعرهم الثّابتة والبارزة وليس صفة طارئة وعابرة. وقد عبَّر هؤلاء الأعلام عن تفاؤلهم بانتصار السّلام على الحرب والخير على الشّرّ. ولا جَرم أنّ اللّون الأبيض هو أكثر الرّموز دلالة على التّفاؤل الإنسانيّ في الشّعر العربيّ الحديث، حيث “ارتبط عند كثير من النّاس بدلالات متعدّدة، منها ما كان يدعو إلى الخير، فهو يبعث على الأمل والتّفاؤل والصّفاء والتّسامح، ويدلّ على النّقاء، كما يبعث على الودّ والمحبّة”([24]).

الخاتمة

خلص هذا البحث إلى أنّ التّفاؤل في شعر فؤاد الخشن ليس مجرّد نزعة عاطفيّة عابرة، بل هو خيار وجوديّ ورؤية إنسانيّة تعكس وعي الشّاعر العميق بضرورة مقاومة اليأس والتّشاؤم في وجه التّحدّيات التّاريخيّة والإنسانيّة؛ فقد وظّف الخشن رموزًا شعريّة غنيّة، أبرزها رمزيّة اللّون الأبيض؛ ليجعل منها دلالات متعدّدة على الأمل، والتّجدّد، والنّقاء الرّوحيّ، والتّسامح الإنسانيّ. ومن خلال هذه الرّموز اتّسعت تجربته الشّعريّة من حدودها المحلّيّة المرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة إلى آفاق إنسانيّة عالميّة، تتقاطع مع معاناة الشّعوب كافّة في صراعها ضدّ القهر والظّلم.

وتبيّن أنّ التّفاؤل عند الخشن ليس مجرّد زينة بلاغيّة، بل هو سلاح مقاومة يوازي البندقيّة في شدّته وفاعليّته، إذ يعيد للإنسان المقهور ثقته بنفسه، ويمنحه القدرة على الصّمود، ويؤكّد أنّ الأمل هو الدّافع الأول للاستمرار في الحياة والنّضال. كما أظهر البحث أنّ شعر الخشن يندرج في إطار الحداثة الشّعريّة العربيّة التي منحت القصيدة بعدًا إنسانيًّا عالميًّا يتجاوز الانتماءات الضّيّقة؛ ليصير خطابًا للإنسان أينما كان.

وعليه، يمكن القول إنّ فؤاد الخشن نجح في أن يجعل من شعره رسالة تفاؤل وأمل، تمزج بين القيم الوطنيّة والبعد الإنسانيّ الشّامل، وبذلك يقدّم تجربة تستحقّ مزيدًا من الدّراسة النّقديّة، سواء في إطار المقاربات الموضوعاتيّة لرصد تجلّيات الأمل، أم عبر المناهج المقارنة التي تكشف موقعه بين أصوات الشّعر العربيّ الحديث التي احتفت بالإنسان كقيمة مطلقة.

 

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • أدونيس. زمن الشّعر. بيروت: دار العودة، ط 3، 1983م.
  • أدونيس. الأعمال الشّعريّة الكاملة. بيروت: دار السّاقي، 1988م.
  • إسماعيل، عزّ الدّين. الشّعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة. بيروت: دار العودة، 2007م.
  • البيّاتي، عبد الوهّاب. مجلّة الآداب البيروتيّة. بيروت: مارس عدد 1، 1966.
  • جيرو، بيار. علم الإشارة السيميولوجيا. تر: د. منذر عياشي. دمشق: دار طلاس للدّراسات والنّشر.
  • الخال، يوسف. مجلّة شعر. بيروت: عدد 37، 1968.
  • الخشن، فؤاد. ديوان فؤاد الخشن. بيروت: دارة العودة، ط1، 1993.
  • رد، هربرت. (Herbert Red) الفنّ والمجتمع. ترجمة فارس متري ضاهر. بيروت: دار القلم، ط 1، 1975م.
  • الزبود، عبد الباسط محمّد، و ظاهر الزواهرة، محمّد. دلالات اللّون في شعر بدر شاكر السيّاب، ديوان (أنشودة المطر نموذجًا). دراسات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، المجلّد 41، العدد 2، 2014.
  • صالح، ضاري مظهر. دلالة اللّون في القرآن والفكر الصّوفيّ. دمشق: دار الزّمان، ط 1، 2012.

المراجع الأجنبية

– Riffaterre, M, La production du texte, seuil, Paris, 1979.

 

 

 

 

[1] أستاذ مساعد في الجامعة اللّبنانيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – الفرع الثّاث: mouhamadhoblos1964@gmail.com

 

[2] عزّ الدّين إسماعيل: الشّعر العربيّ المعاصر قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، ص 182.

 

[3] يوسف الخال: مجلّة شعر، ص 7.

[4] ضاري مظهر صالح: دلالة اللّون في القرآن والفكر الصّوفي، ص 96.

[5] Riffaterre, M, La production du texte, seuil, Paris, 1979.

 

[6] رد، هربرت، (Herbert Red) الفنّ والمجتمع، ص 19.

[7] فؤاد الخشن: ديوان فؤاد الخشن، قصيدة (الصيّاد)، 2/ 469.

[8] أدونيس: الأعمال الشّعريّة الكاملة، 1/ 369.

[9] – المصدر السابق، نفسه.

[10] – فؤاد الخشن: ديوان فؤاد الخشن، قصيدة (الصياد)، المجلّد الثاني، ص 471، دار العودة بيروت، ط1، 1993.

[11] عبد الوهّاب البيّاتي: مجلّة الآداب البيروتيّة، ص 198.

[12] فؤاد الخشن: ديوان فؤاد الخشن، قصيدة (الصيّاد)، 2/ 469-470.

[13] بيار جيرو: علم الإشارة السّيميولوجيا، ص 17 – 18.

[14] أدونيس: زمن الشّعر، ص 9.

[15] عبد الباسط محمّد الزبود، ظاهر محمّد الزواهرة: دلالات اللّون في شعر بدر شاكر السيّار، ديوان (أنشودة المطر نموذجًا).

[16] فؤاد الخشن: ديوان فؤاد الخشن، قصيدة (مسوخ في القدس)، 2/ 415-416.

[17] سورة الأنبياء، آية 107.

[18] سورة الحجرات، آية 13.

[19] ضاري وظهر صالح: دلالة اللّون في القرآن والفكر الصّوفيّ، ص 97.

[20] فؤاد الخشن: ديوان فؤاد الخشن، قصيدة (مسوخ في القدس)، 2/ 416.

[21] المصدر السابق، ص 415-416.

[22]عزّ الدّين إسماعيل: الشّعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، ص 373.

[23] يوسف الخال: مجلّة شعر، ص 7.

[24] عبد الباسط محمّد الزيود، ظاهر محمّد الزواهدة: دلالات اللّون في شعر بدر شاكر السيّاب، ديوان (أنشودة المطر نموذجًا).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى