أبحاثالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعيّ

التّرجمة والبحث العلميّ في ضوء منظومات الذّكاء الاصطناعيّ – دراسة استشرافيّة

التّرجمة والبحث العلميّ في ضوء منظومات الذّكاء الاصطناعيّ – دراسة استشرافيّة

Translation and Scientific Research in the Era of Artificial Intelligence: A Prospective Study

أ.د. ليال مرعي[1]– د. ايليان مهنا[2]

Prof. Layal Merhy -Dr Eliane Mhanna

تاريخ الاستلام 27/ 8/ 2025                                     تاريخ القبول 30/9/2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

مستخلص

تشهد التّرجمة، اليوم، هيمنة واضحة للأتمتة بفعل التطوّر المتسارع للذّكاء الاصطناعيّ، ما جعل الطّلاب يعتمدون على التّطبيقات الذّكيّة بشكل واسع في التّوثيق والبحث العلميّ، مستفيدين ممّا توفّره من سرعة وسلاسة في الأداء. وعلى الرّغم من إنتاجها نصوصًا تبدو سلسة ومتماسكة على المستوى الظّاهريّ، فقد توهّم القارئ بدقّتها وكفاءتها وبأنّها تغنيه عن التدخّل البشريّ، غير أنّ هذه الأدوات لا تخلو من ثغرات وشوائب تتطلّب مراجعة نقديّة واعية لضمان جودة المخرجات ودقّتها الأكاديميّة واللّغويّة. وبناءً عليه، تتمحور إشكاليّة هذه الدّراسة حول تحديد حاجة الباحثين والمترجمين، من أساتذة وطلّاب، إلى الذّكاء الاصطناعيّ، والعوامل المؤثّرة في تصوّراتهم تجاهه، بالإضافة إلى سبل دمج تقاناته بفعاليّة في البحث والتّرجمة. وتهدف الدّراسة إلى إبراز الارتباط الوثيق بين الذّكاء الاصطناعيّ والعمل الأكاديميّ بالرّغم من الاستخدامات العشوائيّة الرّاهنة، مع تأكيد ضرورة دمج هذه التقانة في مختلف فروع الأكاديميا، خصوصًا في تعليم التّرجمة وتعلّمها، وفي البحث العلميّ، وتطوير المناهج، وذلك بالنّظر إلى صعوبة تجاوز تأثيرات الذّكاء الاصطناعيّ. وتستند الدّراسة في جمع بياناتها ومعالجتها إلى وسيلتَين متكاملتَين، هما الاستبانة والمقابلة مع مجموعة من المشاركين في البحث، وذلك لتعميق فهم التّجارب الفرديّة، وتحليل النّتائج، ومناقشتها بشكل أدقّ. وتقترح الدّراسة سبلًا عمليّة لتفعيل الذّكاء الاصطناعيّ وتنظيم استخدامه في البحث العلميّ بما يضمن توظيفه الفعّال والمستدام.

الكلمات المفتاحيّة: الذّكاء الاصطناعيّ، العمل الأكاديميّ، البحث العلميّ، التّرجمة، تطوير المناهج.

Abstract

Translation today is increasingly shaped by automation, driven by the rapid development of artificial intelligence (AI). This has led students to rely extensively on intelligent applications for documentation and academic research, benefiting from the speed and efficiency these tools provide. Although such tools produce texts that appear fluent and coherent – often creating the impression of accuracy and competence that might seem to eliminate the need for human intervention – they still contain gaps and flaws that require critical review to ensure academic and linguistic quality. In this context, the present study examines how researchers and translators, both faculty and students, engage with AI, the factors influencing their perceptions of it, and the ways its technologies can be effectively integrated into research and translation. The study further aims to demonstrate the close relationship between AI and academic work, despite its current unregulated use, highlighting the necessity of incorporating AI across all academic fields, particularly in translation teaching and learning, scientific research, and curriculum development, as its influence on academic practice cannot be overlooked. To collect and analyze data, the study employs two complementary methods: a questionnaire, and interviews with a group of participants, designed to deepen the understanding of individual experiences, refine the analysis, and enable a more precise discussion of results. Finally, the study proposes practical strategies for applying and regulating AI in academic research to ensure its effective and sustainable use.

Keywords: artificial intelligence, academic work, research, translation, curriculum development.

مقدّمة

لم نشهد يومًا تحدّيات أكاديميّة تضاهي تلك الّتي يفرضها الذّكاء الاصطناعيّ حاليًّا. دخلنا ثورته، جميعنا، من دون أن ندرك، وما عُدنا نتكّهن كيف سيغيّر هذا الذّكاء العالم وإنْ كان سيبدّل أحوالنا، بل بتنا نراقب تغيّراته وتحوّلاته الّتي تمضي مسرعة، وكأنّنا نصحو في كلّ صباح على عالم جديد. طالما اعتقدنا، نحن الأساتذة، أنّ الذّكاء الاصطناعيّ وما يصحبه من صَيحات، ما هو إلّا موضة وستمضي، لنعود إلى أعمالنا ومهامّنا كما اعتدنا فعلها. ولكنّه، في الحقيقة، دخل الصّناعات على أشكالها، حتّى الأكثر إبداعًا منها. وإنْ أردنا الاستمرار بالتّربية والبحث والتّعليم، علينا أن نتمسّك بهذا الذّكاء ونطوّعه ليخضع لأساليبنا ويلبّي حاجاتنا. وهو اليوم، يشقّ طريقه بثقة في المختبرات والمشافي وفي البحث عن الطّاقة المتجدّدة. وقد انتشر وشاع بفضل منصّاتٍ تفاعليّة سهلة الاستخدام – مثال “شات جي بي تي” (ChatGPT) و”جمينَي” (Gemini) و”ديب سيك” (Deep Seek)، وهذه ما هي إلّا الجزء الظّاهر من جبل الجليد المترسّخ في أعماق قاعدات البيانات.

وتؤكّد المحادثات الّتي أجريت مع أساتذة مركز اللّغات والتّرجمة في الجامعة اللّبنانيّة، في إطار هذه الدّراسة، أنّنا جميعنا في حالة ذهول وتشتّت سبّبها دخول الذّكاء الاصطناعيّ إلى بيوتنا وكتبنا وامتحانات طلّابنا، وولّد هذا الشّعور نوعًا من المقاومة والرّفض لواقع الحال لدى بعضهم، وفي المقابل، نرى أيضًا تقبّلًا للواقع وإقبالًا على استكشاف الأدوات الّتي يوفّرها هذا الذّكاء. ففي القطاعات كلّها، يقف الاختصاصيّون أمام منعطفات ونقاط تحوّل يهابونها ويخشون المضيّ قدمًا فيها خوفًا من المجهول. وبالرّغم من أنّ عددًا متزايدًا من الاختصاصيّين يعتقدون أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعيّ قادرة على محاكاة الذّكاء البشريّ والإجابة عن الأسئلة كافّة بشكل واضح وواعٍ، نجد أنّ آخرين يشدّدون على محدوديّة هذا الذّكاء وعدم قدرته على التّواصل والتّفاعل كما يفعل البشر، وهذه المحدوديّة هي ما نشدّد عليه في مجال البحث والتّرجمة. فمهما علا شأن الذّكاء الاصطناعيّ سنعود في كلّ مرّة إلى التعريف بمفهوم الذّكاء وأنواعه، وبقابليّة البشر على فهم الآخرين والتّعامل مع المسائل كافّة بطرق متنوّعة تتخطّى وعي الذّكاء الاصطناعيّ، وحتّى أحيانًا تتجاوز التّعبير بالكلام.

 

1- إشكاليّة الدّراسة وأهدافها

تركّز هذه الدّراسة على أهميّة استخدام الذّكاء الاصطناعيّ وفاعليّته في العمل الأكاديميّ، خصوصًا في الأعمال المرتبطة بالبحث العلميّ والتّرجمة، سواء أكان في التّعليم أم في الممارسة. في هذا الإطار، تتمحور إشكاليّة الدّراسة حول الأسئلة الآتية: كيف تتحدّد حاجة الباحثين والمترجمين – من أساتذة وطلّاب – إلى الذّكاء الاصطناعيّ؟ ما هي العوامل والعوائق الّتي تؤثّر في نظرتهم إلى هذا الذّكاء وأدواته؟ وكيف يمكن دمج تقانته بفعاليّة في البحث العلميّ والتّرجمة؟

استندت الدّراسة الميدانيّة إلى نتائج الإستبانات الألكترونيّة الّتي أرسلت إلى أساتذة مركز اللّغات والتّرجمة وطلّابه لاستطلاع آرائهم. كان مركز اللّغات والتّرجمة في الجامعة اللّبنانيّة الخيار الأنسب؛ فهو يعتمد نظام القبول المحدود، ويضمّ فصولًا صغيرة ومجموعات متجانسة من المتعلّمين، بالإضافة إلى هيئة تعليميّة اختصاصيّة في تدريس التّرجمة واللّغات الحيّة التّطبيقيّة (العربيّة، والفرنسيّة، والإنجليزيّة، والإسبانيّة، والإيطاليّة، والصينيّة). لذا، أرسِلت استبانات ألكترونيّة إلى الأشخاص المعنيّين بالدّراسة خلال العام الدّراسيّ 2024-2025، وتمثّلت العيّنة في (17) أستاذًا؛ (8) أساتذة من أصل (24) يدرّسون اللّغات في قسم اللّغات الحيّة التطبيقيّة أي ما يقارب 30%، و(9) أساتذة من أصل (12) يدرّسون التّرجمة في قسم التّرجمة أي ما يقارب 75%، وبذلك تكون نسبة الأساتذة المستجيبين للدّراسة قد بلغت 47%. وقد استُثنيَ الأساتذة الّذين يدرّسون الاختصاصات الأخرى (كالاقتصاد وعلم النّفس والمعلوماتيّة والحقوق والفنون والقضايا المعاصرة) والّذين يبلغ عددهم (16) لأنّهم غير معنيّين بتعليم اللّغات. وقد استجاب (65) طالبًا من أصل (296) للاستبانة؛ (38) طالبًا يدرسون في قسم اللّغات الحيّة التّطبيقيّة، و(27) طالبًا في قسم التّرجمة، أي بلغت نسبة الطلّاب المستجيبين 22%. تضمّنت الاستبانات مجموعة من الأسئلة موزّعةً على ثلاثة محاور مرتبطة بالعمل الأكاديميّ: التّعليم والبحث وتطوير المناهج.

بالإضافة إلى الاستبانات، أجريت مقابلات شفويّة مع أساتذة من قسم التّرجمة لتبادل الآراء حول الموضوع. وتكشف الدّراسة عن أوجه استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ وفوائدها ومساوئها في مجال البحث العلميّ ومجال التّرجمة – التّحريريّة والفوريّة، ليتبيّن في مرحلة لاحقة كيفيّة الإفادة من هذا الذّكاء في تطوير الكفايات والمهارات لدى كلّ من الأساتذة والطلّاب، والعمل على إغناء المناهج وتحديثها ومواءمتها لمتطلّبات سوق العمل محلّيًّا ودوليًّا.

ومن فرضيّات الدّراسة الإحصائيّة أن تُظهر فروقًا في درجة استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعليم التّرجمة وتعلّمها وممارستها تبعًا لاختلاف أوجه الاستخدام، كذلك يُتوقّع أن تُظهر الدّراسة فروقًا في درجة استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في البحث والتّوثيق وكتابة البحوث. ومن المتوقّع أيضًا أن تسهم الأدوات الذّكيّة في تيسير العمل البحثيّ وتسريع وتيرته، وقد تكون أقلّ فاعليّة في ترجمة النّصوص الأدبيّة والنّصوص الّتي تحمل شحناتٍ ثقافيّةً وعاطفيّة عالية.

 

2- مراجعة الأدبيّات والإطار النّظريّ

كثير من النّقاشات الجارية حاليًّا حول أدوات الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ[3] تستند إلى فهم مغلوط لهذه التقانات، فمثلًا، يراها بعضهم بديلًا لمحرّكات البحث مثل غوغل (Google)، مع ميزة حواريّة إضافيّة، إلّا أنّ هذه الأدوات لا تنشئ أرشيفًا ضخمًا للنّصوص الّتي يتمّ استخدامها في أثناء التّدريب، بل تعمل على دمج دقيق ومتكرّر للمعلومات الّتي تتلقّاها من تلك النّصوص. لذا، لا بدّ من فهم بنية الذّكاء الاصطناعيّ وتفرّعاته وأدواته ونقاط القوّة والضّعف فيه، للتّمكّن من تفعيل استخداماته والإفادة من فوائده اللامتناهية.

 

1.2- مخاطر استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في العمل الأكاديميّ

يهتمّ الاختصاصيّون (Financial Times، 2025) عن كثب بالمخاطر المعرفيّة المرتبطة بالاعتماد المفرط على أدوات الذّكاء الاصطناعيّ، ما يؤدّي إلى التّخلّي عن التّفكير، وضعف الأداء المنطقيّ والقدرة على التّفكير النّقديّ مع مرور الزّمن، وهي ظاهرة تُعرف بالإعفاء المعرفيّ. لذا، ينبغي التّنبّه إلى كيفيّة استخدام الذّكاء الاصطناعيّ ليكون مساعدًا ذهنيًّا ومعاونًا معرفيًّا وليس بديلًا فكريًّا[4].

ومن شوائب الذّكاء الاصطناعيّ أنّه يعاني أحيانًا هلوسات معرفيّة، أي إنّه يختلق أحيانًا المعلومات ويبتدعها، فيمنح المستخدمين إجابات عن تساؤلاتهم بأسلوب واثق وحازم من دون دعم معلوماته بالبيانات المتاحة له (Farquhar & al. 2024، Chelli & al. 2024). فكما، في علم النّفس، تشير الهلوسة إلى تجربة حسّيّة غير موجودة في الواقع، كذلك تحدث الهلوسات الذّكيّة عندما يولّد التّطبيق محتوى خاليًا من المعنى، فينحرف عن المحتوى المصدر ويتّصف بغياب المنطق[5]. وقد يعود السّبب في ذلك إلى خطأ في تفكيك الرّموز وتركيبها بين النّصّ وتمثّلاته. أضف إلى ذلك أنّ النماذج اللّغويّة الكبيرة[6] قادرة على طرح ادّعاءات عشوائيّة وخطأ تُعرف بالاختلاقات (confabulations).

ومن مخاطر الذّكاء الاصطناعيّ، أيضًا، التّحيّز والتّمييز. وبما أنّ الباحثين يعوّلون على هذه الأدوات بشكل كبير أحيانًا، فمن المهمّ جدًّا التّنبّه لهذه المشكلة، واتّخاذ التّدابير اللّازمة لتخلو مخرجاتهم من التّحيّز، فتكون محايدة وعادلة ومنصفة للجميع. في الحقيقة، إنّ نماذج الذّكاء الاصطناعيّ مُدرّبة على قواعد بيانات تحتوي على أفكار وأحكام اجتماعيّة وتاريخيّة عابرة للعصور وغير مرتبطة بزمن محدّد، وبالتّالي، عند تفعيل هذا الذّكاء، تؤثّر هذه الأحكام في قدرتها على اتّخاذ القرارات، وتأتي النّتيجة منحازة. وتكمن المشكلة هنا في صعوبة التّعرّف على هذه الشّوائب لتصويبها[7]؛ لأنّ النّماذج مُدرّبة على كميّات ضخمة من البيانات، ما يجعلها تحوّل التّحيّز إلى صورٍ نمطيّة، ما يؤدّي إلى تفسيرات مغلوطة، وإلى نشر معلومات خطأ ومضرّة أحيانًا. وهذه المشكلة جدّيّة، نظرًا إلى أنّ النّماذج اللّغويّة الكبيرة غالبًا ما تُستخدم لتوليد نصوص التّطبيقات، أو لكتابة المقالات مثلًا[8]. وطبعًا، من واجب الباحثين تصويب هذه الأخطاء وتفادي نشر المعلومات المغلوطة، وذلك من خلال تقييم موثوقيّة المراجع كما يفعلون في حالات البحث التّقليديّة، بما في ذلك التّحقّق من الوقائع (fact-checking) والتّدقيق في المراجع من مصادر مختلفة، بالإضافة إلى تعزيز الفكر النّقديّ وطرح الأسئلة للإحاطة بالمواضيع.

ومن المشكلات الّتي تواجه مستخدمي الذّكاء الاصطناعيّ، ضعف قدرة هذا الأخير على التّفكير المنطقيّ والاستدلال. فكلّ عمل بحثيّ يرتكز إلى نهج معيّن في الاستدلال، وقد يقف الذّكاء الاصطناعيّ عاجزًا أمام بعضها. لكنّه في المقابل، يتفوّق مثلاً في الاستدلال المكانيّ واقتراح حلول نظريّة للمشكلات. فالذّكاء الطّبيعيّ متعدّد الأوجه؛ يجمع بين المنطق، والتّحليل، والفكر النّقديّ، والقدرة على اتّخاذ القرارات، وحلّ المشكلات، وهي درجة من الذّكاء لم يبلغها الذّكاء الاصطناعيّ بالكامل حتّى الآن. فالنّماذج اللّغويّة الكبيرة تنتج نصوصًا مبنيّة على قوالب أو أنساق معيّنة تدرّبت عليها، ما يؤدّي إلى الحدّ من قدراتها في مجال تحليل العلاقات الزّمنيّة والرّبط بين الأحداث. ونرى الفرق مثلًا بين العلوم البحتة، حيث يبرع الذّكاء الاصطناعيّ لتمكّنه من الاستدلال الفيزيائيّ القادر على تحليل الفيزياء وفهم مبادئها، مثل الحركة، والقوّة، والتّوازن، والسّببيّة، والعالم الواقعيّ الملموس، وبين علوم الإنسان أو علم النّفس، حيث يجاهد الذّكاء الاصطناعيّ في الاستدلال النّفسيّ الّذي يتطلّب فهمًا عميقًا لسلوكيّات الإنسان والعمليّات الذّهنيّة الخاصّة به. والجدير بالاعتراف أنّ هذه المجالات الإنسانيّة معقّدة جدًّا، وأنّ تطوير الذّكاء الاصطناعيّ ليضاهي مستوى البشر في فهمها واستيعابها يتطلّب وقتًا أطول وأنماط تدريبٍ متشعّبة ومتنوّعة. وتؤكّد لانجلي وآخرون (2024) أنّ نماذج الذّكاء الاصطناعيّ ما زالت تفتقر إلى عنصر أساس من عناصر الإدراك البشريّ يرتبط بنظريّة العقل المبنيّة على عدد من العمليّات المعرفيّة الباردة (غير انفعاليّة) والسّاخنة (اجتماعيّة وانفعاليّة)[9].

 

2.2- أثر استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في البحث العلميّ

يشكّل الذّكاء الاصطناعيّ أداةً ثوريّة في تحسين أداء البحث الأكاديميّ؛ إذ إنّه يتيح تحليل البيانات، ومراجعة الأدبيّات، وضمان النّزاهة الأكاديميّة من خلال كشف الانتحال، إلّا أنّ استخدامه يثير التساؤلات حول كيفيّة توجيهه بشكل فعّال لضمان تحقيق العمق المطلوب في التّحليل والبحث، بخاصّة في مجالات الإنسانيّات واللّسانيّات والتّرجمة. فالذّكاء الاصطناعيّ يفتح أبوابًا جديدة للبحث الأكاديميّ من خلال تحليل كميّات ضخمة من البيانات بسرعة وفعاليّة. في مجال العلوم الإنسانيّة واللّغات، تيسّر البرمجيّات الخاصّة بتحليل النّصوص عمليّات تحديد الأنماط اللّغويّة، وتفسير النّصوص التاريخيّة، ورصد العناصر الثّقافيّة، واسترجاع المعلومات من مصادر متعدّدة، ما يجعل عمليّة البحث أكثر سرعة وتنظيمًا، ويتيح للباحثين استخراج أفكار جديدة واستحداث الفرضيّات بناءً على البيانات المتوفّرة (Combs، 2018). فمثلًا، تعتمد دراسات كثيرة في التّاريخ والأدب على أدوات التّحليل الكمّيّ الّتي تستعين بالذّكاء الاصطناعيّ لاستخراج المعلومات الأساس من مصادر مكتوبة بلغات قديمة أو من النّصوص الطّويلة، ما يتيح للباحثين دراسة أكبر قدر ممكن من المعلومات في وقت قصير (Dupont & al.، 2021). وبحسب فينمان (Feynman، 2021)، فإنّ الباحثين في مجال اللّغويّات والعلوم الإنسانيّة يستخدمون الآن أنظمة التّعلّم الآليّ لاكتشاف الرّوابط الخفيّة بين المفاهيم اللّغويّة والثّقافيّة. هكذا يستكشف الباحثون المزيد من العلاقات والاتّجاهات الّتي قد لا تكون واضحة من خلال التّحليل البشريّ التّقليديّ.

يسعى الباحثون، إذًا، إلى تطوير برمجيّات خاصّة تسهم في تسهيل عمليّات التّحليل والبحث. على سبيل المثال، يستخدم المجتمع البحثيّ أدوات مثال [10]Tropy و[11]Voyant لتحليل النّصوص الأدبيّة والتّاريخيّة، وتحديد الأنماط اللّغويّة. كذلك، يُستخدم الذّكاء الاصطناعيّ في مجالات عديدة مثال التّرجمة الآليّة، وتحليل البيانات اللّغويّة، وتوليد النّصوص، وهو يؤثّر بشكل كبير في أساليب البحث والتّعلّم. وتُشكّل أدوات التّرجمة الآليّة (مثال GoogleTranslate وDeepL) نماذج على كيفيّة استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في التّرجمة السّريعة للنّصوص، بالرّغم من افتقارها إلى الدّقّة (Hoffman، 2020). بالفعل، يواجه الباحثون معضلات ترتبط بالدّقّة السّياقيّة والمفاهيميّة، إلّا أنّ الأدوات الذكيّة تقدّم حلولًا مؤقّتة وسريعة لفهم النّصوص الأساس، ما يمكّن الباحثين من الوصول إلى المحتويات بلغات متعدّدة بسرعة أكبر. وفي دراسة أجراها شيك (Schick، 2021) حول المعالجة الآليّة للّغات الطّبيعيّة (NLP)، تبيّن أنّ أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ المتقدّمة يمكنها الآن فهم التّعابير الاصطلاحيّة وتركيب الجمل بدرجات عالية من الدّقّة، ما يتيح للباحثين العمل على ترجمة أعمق وتوليف أكبر للنّصوص المعقّدة.

وتعدّ أدوات الذّكاء الاصطناعيّ مفيدة أيضًا في مجال كشف الانتحال، حيث تُستخدم برامج مثال Turnitin[12] للكشف عن النّصوص المنسوخة من مصادر أخرى. وتُظهر دراسة لوكلارك (Leclercq، 2022) أنّ أدوات كشف الانتحال بالذّكاء الاصطناعيّ قادرة على تقويم العمل الأكاديميّ بشكل فعّال وضمان نزاهة البحث، مع تحسين جودة النّصوص من خلال اقتراح تصويبات لغويّة وأسلوبيّة. ومع ذلك، يبقى التّحدّي الأكبر في التّمييز بين النّصوص الّتي تمّ إنشاؤها بواسطة الذّكاء الاصطناعيّ وتلك الّتي كتبها البشر، وهو أمر ما زال يُعدّ معضلة تقنيّة وأخلاقيّة. لذا، ينبغي أخذ التّحدّيات الأخلاقيّة في الاعتبار. فلا بدّ من تنظيم استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في البحوث الأكاديميّة لتفادي إضعاف النّزاهة الأكاديميّة، بخاصّة عندما يتعلّق الأمر بالمساعدة في كتابة الأبحاث أو مراجعتها (Jones، 2022)؛ إذ إنّ الذّكاء الاصطناعيّ معروف بميله إلى تقديم محتوى مكرّر أو غير دقيق، ما قد يؤثّر في جودة البحث العلميّ، ويطرح تساؤلات حول ملكيّة الأفكار وحقوق التّأليف، سيّما أنّ الذّكاء الاصطناعيّ بات ينتج نصوصًا معقّدة وسلسة يصعب أحيانًا التّمييز بينها وبين النّصوص البشريّة، بخاصّة إذا كانت المهمّة المطلوب تنفيذها تتطلّب مستوى معيّنًا من المعالجة اللّغويّة المعقّدة (Bourcier، 2023). ومع ذلك، تختلف النّصوص النّاتجة عن الذّكاء الاصطناعيّ في طريقة عرض الأفكار والتّحليل العميق. فيتعثّر الذّكاء الاصطناعيّ في توليد تحليلات دقيقة تستند إلى تفسيرات فلسفيّة أو نقد أدبيّ عميق، وذلك لأنّ فهمه للنّصوص يعتمد بشكل كبير على الأنماط الإحصائيّة بدلًا من التّفكير النّقديّ الّذي يقوم به الباحثون البشر (Gaillard، 2021). هكذا، وبالرّغم من تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ السريع، يرى الاختصاصيّون أنّه لن يحلّ مكان الباحث الأكاديميّ بالكامل، بل سيظلّ مكمّلًا للجهد البشريّ. فهو يساعد الباحثين في تسريع عمليّات التّحليل والمراجعة، إلّا أنّ التّفكير النّقديّ والإبداعيّ ما زال يقع ضمن نطاق القدرات البشريّة. يبقى، إذًا، الإبداع في توليد الأفكار والنّقد الفلسفيّ والتّحليل العميق من اختصاص الإنسان، حيث يفتقر الذّكاء الاصطناعيّ إلى الفهم الضّمنيّ للتّجربة البشريّة الّتي يوظّفها الباحثون في تفسير البيانات المعقّدة  (Stillman، 2019). واليوم، لا يزال النّقاش قائمًا حول كيفيّة توجيه الذّكاء الاصطناعيّ ليقدّم تحليلات أكثر عمقًا، بخاصّة في العلوم الإنسانيّة. طبعًا يمكن للذّكاء الاصطناعيّ الوصول إلى قواعد بيانات ضخمة وتقديم ملخّصات دقيقة لمراجعات الأدبيّات، إلّا أنّ هذه المراجعات غالبًا ما تكون سطحيّة أو غير دقيقة من النّاحية النّقديّة (Rivière، 2020). لذا، من الأفضل استخدام الذّكاء الاصطناعيّ أداةً مساعدة، أي يعتمد الباحث على مخرجاته الأوّليّة لإجراء تحليل نقديّ أعمق، ولا يعتمد فقط على الملخّصات الّتي تولّدها التّطبيقات.

 

3.2- التّرجمة في مهبّ الذّكاء الاصطناعيّ

تؤدّي التّرجمة دورًا حيويًّا في سدّ الفجوات اللّغويّة والثقافيّة في عصر العولمة والانفتاح الدّوليّ. وعلى مدى عقود مضت، عرفت صناعة التّرجمة تطوّرًا هائلًا؛ إذ توسّع هذا المجال وتحوّل من التّرجمة التّقليديّة إلى التّرجمة باستخدام الأدوات الرّقميّة، ثمّ إلى التّرجمة الآليّة والتّرجمة بالذّكاء الاصطناعيّ الّذي نستعين به اليوم. ومع تبنّي هذا المجال لأدوات الأتمتة، لم تعد التّرجمة تقتصر على خدمات نقل اللّغة بالشّكل التّقليديّ، بل باتت تشبه إلى حدّ كبير معالجة المعلومات المدعومة بالتّقانة من خلال خوارزميّات صُمّمت خصّيصًا لأغراض التّرجمة، وعلى وجه الخصوص التّرجمة الآليّة العصبيّة (NMT)[13]. ولم تعد التّرجمة مجرّد جسر خفيّ يربط بين الحضارات والثّقافات، بل أصبحت أداة تسويق وتوسّع يعتمد عليها منشئو المحتوى في الشّركات والحكومات، سواء أكانوا في مجالات التّسويق أم التّعليم أم التّقانة أم التّرفيه، لترجمة محتواهم وأقلمته بما يتناسب مع لغات وأسواق مختلفة.

وفي زمن يزداد فيه الطّلب على التّرجمة، لم تسلم هذه الأخيرة من هيمنة عمليّات الأتمتة وانتشار التّطبيقات الذّكيّة؛ إذ إنّ “المترجمين البيولوجيّين” (biotranslators) يعجزون عن تلبية الحاجات كافّة لعدّة أسباب، منها النّقص في العديد من المحترفين، وضعف الكفاءة لدى الكثير ممّن يزاولون المهنة، وعدم توافر الموارد الضّروريّة لتمويل التّرجمات. نتيجة لذلك، انتشرت التّطبيقات الذّكيّة وأدوات التّرجمة الآليّة بسرعة فائقة وعلى نطاق واسع. وهي سريعة ومجانيّة ومتاحة للجميع في كلّ مكان وزمان، وقد أصبحت أنظمتها أكثر فاعليّة ودقّة في بعض المجالات والثّنائيّات اللّغويّة، تُنتج لغة تبدو سلسة ومتماسكة. غير أنّ السّلامة اللّغويّة والسّلاسة والتّماسك ما هي إلّا مظاهر زائفة تغطّي الأخطاء الفادحة الّتي تحتويها النّصوص المترجمة آليًّا؛ إذ إنّ التّرجمة الذّكيّة لم تبلغ حتّى الآن درجة عالية من الجودة، ولا يزال الكمال في التّرجمة هدفًا لم يتحقّق، وبالتّالي يبقى التّدخّل البشريّ ضروريًّا سواء في مرحلة التّحضير للتّرجمة الآليّة أي التّحرير المسبق (Pre-editing)[14] أو في مرحلة التّحرير اللاحق (Post-editing)[15] الّتي تشمل مراجعة التّرجمة وتنقيحها. وللمترجمين الفوريّين حصّة، أيضًا، في أسواق التّقانة، وقد خُصّصت لهم تطبيقات وأدوات مساعدة كثيرة، لكنّ التّواصل الشّفويّ يتطلّب خصائص تقنيّة أكثر تعقيدًا من تلك المستخدمة للتّرجمة التّحريريّة؛ لأنّ المترجم الفوريّ لا ينقل المرسلة فحسب، بل يرفقها بالنّبر والنّغم وبعض الحركات والتّعابير الجسديّة أحيانًا، وهي أمور لا تدركها الآلة بشكل كامل. تجدر الإشارة، كذلك، إلى مخاطر استخدام هذه التّطبيقات لجهة الخصوصيّة وإفقار اللّغة المعياريّة؛ إذ إنّها تقدّم محتوى مليئًا بالأخطاء على أنواعها (لغويّة وثقافيّة وترجميّة).

وعلى الرّغم من محاولات استبدال المترجمين البشر، يبقى دورهم أساسًا في تبنّي التّقانة وتوجيهها. فحين يجري دمج مخرجات التّرجمة الآليّة في الأنظمة الرّقميّة الدّاعمة للمترجم (CAT tools)، تصبح نواتج الذّكاء الاصطناعيّ وسائل مساعدة للمترجم تمامًا مثل ذاكرة التّرجمة (Translation Memory) وقواعد البيانات المعجميّة والمصطلحيّة (Term Base). ولا بدّ من أن يتقن المترجم استخدام هذه الأدوات ويُبرز معرفته العميقة ومهاراته لجهة تقويم المخرجات وتصويبها بما يناسب السّياق المطلوب. وفي المقابل، تتيح له التّقانة توفير الوقت والجهد وتحرير نفسه من المهامّ المتكرّرة للتّركيز على مهامّ أكثر أهميّة تتطلّب أن يُظهر قدرته على الإبداع.

باختصار، على المترجمين التّكيّف مع التّغييرات المعاصرة وإبراز مهاراتهم وقدراتهم الاستثنائيّة الّتي يتفرّدون بها (القدرة على الابتكار، والإبداع، والتّخيّل، والتّحليل، والنّقد)، من خلال إسناد المهامّ الرّوتينيّة للذّكاء الاصطناعيّ، ما يخفّف عنهم بعض الأعباء، ويتفرّغون لمهامّ أكثر عمقًا تتطلّب تفكيرًا ناقدًا وفهمًا للسّياقات ولنوايا الكتّاب وخبايا النّصوص، فينتجون ترجمات ذات جودة عالية. في هذا الصّدد، نقرأ بشكل متزايد عن التّرجمة المعزّزة (Augmented Translation) الّتي توزَّع من خلالها المهامّ بين المترجمين وتقانات التّرجمة. فكما تتيح تقنيّة “الواقع المعزّز” (Augmented Reality)[16]، بواسطة الذّكاء الاصطناعيّ، وصول الأفراد إلى معلومات مرتبطة بمحيطهم، توفّر التّقانة للمترجمين واللّغويّين عناصر أساسًا ترشدهم في السّياقات الّتي ينقلونها (Zhao & Wang، 2024). فيعملون في بيئة غنيّة بالموارد الرّقميّة الّتي تعالج تلقائيًّا المهامّ الرّوتينيّة المتكرّرة والأقلّ أهميّة الّتي تستهلك الكثير من الوقت والطّاقة. بهذه الطّريقة، يلفت الذّكاء الاصطناعيّ انتباه المترجمين إلى معلومات مرتبطة بعملهم، ويساعدهم ليكونوا أكثر اتّساقًا واستجابة وإنتاجيّة، وفي الوقت عينه يتيح لهم التّركيز على المهامّ الأكثر قيمة وإثارة، فيتجنّبون التّرجمة الحرفيّة مثل “الآلات”.

في المقابل، تستولي تقانات الذّكاء الاصطناعيّ والتّرجمة الآليّة، في تدريباتها، على أعمال المترجمين من دون مكافأتهم أو حتّى استئذانهم. فمثلًا، استندت التّرجمة إلى اللّغة السّواحليّة في منتجات شركة مايكروسوفت منذ العام 2015 على أعمال مترجمين متطوّعين في منظّمة “مترجمون بلا حدود” (Boéri & Baker، 2025). كذلك الأمر بالنّسبة إلى استعمال أعمال المؤلّفين من دون علمهم. ويبدو أنّ شركة “ميتا” (Meta) قد استخدمت 183000 كتاب إلكترونيّ لتدريب نماذجها اللّغويّة الكبيرة (LLaMa) المرتكزة إلى الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ، وذلك من دون الاستحصال على موافقة المؤلّفين (Boéri & Baker، 2025، نقلًا عن Reisner، 2023). ومن الذّرائع الّتي تعطى لدعم الذّكاء الاصطناعيّ أنّه يتيح النّشر الفوريّ متعدّد اللّغات ويضمن بذلك الوصول إلى المعلومات بشكل عادل بين مختلف الفئات، لكنّ مشكلة تفاقم الفوارق في تداول المعرفة تبرز بشكل متزايد على المستوى العالميّ.

إنّ دمج الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ في مجال التّرجمة، لا يؤدّي حاليًّا إلى تحوّلات جذريّة في مستوى الجودة والكفاءة، ولكنّه يُسهم في التّسارع المستمرّ نحو المزيد من الأتمتة، وهو مسار تسلكه هذه الصّناعة منذ سنوات عديدة. ونرى ذلك بالفعل في مناهج العمل الهجينة[17] الّتي تجمع مثلًا بين التّرجمة العصبيّة والتّحرير اللاّحق. ومن العوامل الّتي تعزّز هذا التّقدّم السّريع، نذكر بيئات إنتاج المحتوى في المرحلة الّتي تسبق مرحلة التّرجمة. فالبرامج المستخدمة لإنتاج المحتوى (مثال MS Office وAdobe وCanva وHubspot) تستعين بأدوات مساعدة تعتمد على النّماذج اللّغويّة الكبيرة لتسهيل هذه العمليّة. ونشهد، يوميًّا، زيادة هائلة في حجم المحتوى النّاتج عن الارتفاع في إنتاجيّة المسوّقين، والاختصاصيّين في مختلف الميادين، والمحرّرين التّقنيّين، وغيرهم من منشئي المحتوى (Carr، 2023). كذلك، تتيح الأدوات الذّكيّة لهؤلاء إنشاء نسخ متعدّدة اللّغات بشكل مباشر من دون المرور بخدمات التّرجمة البشريّة، ما يطرح تحدّيات لغويّة جديدة تواجه العاملين في مجال اللّغات واللّسانيّات جميعهم (بمختلف مسمّياتهم)، وذلك لانتشار كمّ هائل من النّصوص وتداولها من دون مراجعة لغويّة بشريّة، فيما تتطلّب هذه النّصوص المولّدة بالذّكاء الاصطناعيّ مراجعة دقيقة بسبب بعض الثّغرات الّتي باتت معروفة، مثال التّحيّز، والدّقّة، والمحتوى المشوّه، وغياب الخصوصيّة، وحماية حقوق الملكيّة الفكريّة. لذا، تبرز الحاجة، أكثر من ذي قبل، إلى تكامل وثيق بين منصّات التّأليف والمترجمين، إذ يحتاج منشئو المحتوى والمؤلّفون إلى محترفي التّرجمة لمواكبة الزّيادة في حجم المحتوى، والقيام بمهامّ التّقويم وضبط الجودة للمحتوى النّاتج عن الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ. وفي المقابل، وللحفاظ على أصالة اللّغات وحمايتها، أصبح من واجب المترجمين واللّغويّين متابعة مخرجات خوارزميّات التّرجمة الآليّة العصبيّة والنّماذج اللّغويّة الكبيرة من أجل التّحقّق والمراجعة والتّحرير اللاّحق للمحتوى متعدّد اللّغات.

في دراسات حديثة أجراها باحثون في شركة مايكروسوفت (2024)، أظهرت النّتائج أنّ النّماذج اللّغويّة الكبيرة (LLMs) تتفوّق على خوارزميّات التّرجمة الآليّة العصبيّة (NMT) في عدد من الثنائيّات اللّغويّة، لكنّها لا تحرز تقدّمًا ملحوظًا لجهة التّعامل مع اللّغات منخفضة الموارد (Low resources languages – LRLs). كذلك تتحدّث الأدبيّات عن عدد من الأبحاث الّتي قارنت نماذج الذّكاء الاصطناعيّ بمحرّكات التّرجمة الآليّة (مثال Google وMicrosoft) في مجال التّوطين وترجمة التّعابير الاصطلاحيّة، تبيّن أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يقدّم ترجمات أكثر دقّة وثباتًا. في المقابل، تواجه المحرّكات صعوبات واضحة في نقل المجاز واللّغة التّصويريّة، فتأتي التّرجمة صحيحة لغويًّا ومشوّهة دلاليًّا. تبدو نماذج الذّكاء الاصطناعيّ أفضل من غيرها في احترام السّياق وخصوصيّة المرسلة، ولكنّها لا ترقى إلى مستوى المترجم البشريّ من حيث الذّكاء العاطفيّ، والفهم، والقدرة على التّعامل مع النّصوص والثّقافات. في السّياق عينه، تشير دراسات أخرى (Hudáková، 2024) إلى تفوّق أدوات التّرجمة الآليّة العصبيّة – مثال “ديبل” (DeepL)، بالدقّة والطّلاقة في التّرجمة من الإنجليزيّة إلى اللّغات منخفضة الموارد (كالسّلوفاكيّة والأندونيسيّة) بالمقارنة مع منصّات ذكيّة مثال “شات جي بي تي”، وقد يعود السّبب في ذلك إلى أنّ هذه المنصّات غير متخصّصة في التّرجمة، وهي موجّهة نحو بيئات العمل المهنيّة.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الذّكاء الاصطناعيّ غيّر بشكل جذريّ نظرتنا إلى مهنة التّرجمة. وبعد أن كانت منصّات التّرجمة مثال DeepL وGoogle Translate مرادفة للتّرجمات السّريعة والرّديئة، باتت اليوم واجهة لصناعة ذكيّة تشهد تطوّرًا سريعًا؛ إذ توجد حاليًّا المئات من أدوات التّرجمة المختلفة. فقبل ظهور تقانات التّرجمة[18]، حين كانت التّرجمات تُنجز يدويًّا، كانت تقع أخطاء كثيرة ويتأخّر المترجمون في تسليم التّرجمات، بالإضافة إلى كلفة الخدمات المرتفعة، وكان التّواصل متعدّد اللّغات يعدّ تحديًّا كبيرًا أمام الشّركات. أمّا اليوم، فبات بإمكان الشّركات إدارة محتواها على نطاق واسع مع الحفاظ على الاتّساق والجودة إلى حدّ معيّن. وبالرّغم من فائدتها الكبيرة، فإنّ بعض هذه الأدوات لا يخلو من الشّوائب، مثل صعوبة التّعامل مع اللّهجات أو الدّقائق اللّغويّة، إلّا أنّ دورها الأساس يبقى منوطًا بأتمتة المهامّ الّتي كانت تتطلّب جهدًا بشريًّا كبيرًا. وتشتمل ميزاتها على الكشف التّلقائيّ عن المحتوى وتوزيعه، بالإضافة إلى التّكامل المدمج مع محرّكات التّرجمة الآليّة، ما يساعد على إبقاء المشاريع ضمن الجداول الزّمنيّة المقرّرة وتقليل التّكرار. وهذا يتيح للمترجمين التّركيز على المهامّ الاستراتيجيّة، مع تسريع عمليّة التّسليم والحفاظ على جودة عالية. ومع تحسينات الذّكاء الاصطناعيّ، أصبحت نظم ذاكرة التّرجمة من المحرّكات الأساس لضمان الجودة. فهي لا تكتفي بالمطابقة الحرفيّة، بل تقدّم اقتراحات ذات صلة سياقيّة تأخذ في الاعتبار النّغم والمصطلحات والفروقات اللّغويّة الدّقيقة، وتتيح توحيد المخرجات لمزيد من الاتّساق وتوفير الوقت والتّكاليف. ولا يقتصر تأثير الذّكاء الاصطناعيّ على التّرجمة التّحريريّة، بل يمتدّ ليغيّر طريقة إنتاج المحتوى المرئيّ والمسموع وتوطينه واستهلاكه عالميًّا.

في هذا الصّدد، تشير دراسة أجرتها شركة RWS (2025)، إلى أنّ 70% من المستهلكين حول العالم أفادوا بأنّهم لاحظوا زيادة في المحتوى المرئيّ والمسموع المولّد بالذّكاء الاصطناعيّ منذ إطلاق الأدوات الذّكيّة مثال “شات جي بي تي”، ولهذا التحوّل أثر كبير في مجال التّرجمة. كذلك ازداد الطّلب على الدّبلجة والتّرجمة بخاصّة في مناطق متعدّدة اللّغات مثل آسيا وإفريقيا، حيث يتوقّع المستهلكون أن تتحدّث العلامات التّجاريّة بلغتهم حرفيًّا ومجازيًّا، لكنّ التّوطين يتجاوز التّرجمة وحدها، فهو يشمل الحفاظ على أصالة المحتوى. كذلك أظهرت الدّراسة أنّ 57% من المشاركين لاحظوا تحسّنًا في جودة المحتوى المرئيّ المولّد بالذّكاء الاصطناعيّ، لكن لا تزال هناك مخاوف تتعلّق بالدقّة، والملاءمة الثّقافيّة، والمعلومات المضلّلة. وتبدو الثّقة بهذا المحتوى منخفضة بشكل خاصّ في القطاعات الخاضعة للتّنظيم، مثال الرّعاية الصحيّة والقطاع الماليّ، حيث يمكن أن تكون للأخطاء في الموادّ المترجمة عواقب وخيمة.

 

4.2- التحوّل من ترجمة المرسلات البشريّة إلى نقل البيانات الرّقميّة

ليست التّرجمة معادلة بسيطة تتلخّص بجمع البيانات وإعادة صياغة النّصوص، بل هي عمليّة معقّدة تتشابك فيها كتلة من المشاعر، والنّوايا، والمقاصد بالإضافة إلى غائيّة التّرجمة. يشعر المترجم بالكلمات ويفهمها من خلال رؤيته للعالم، ثمّ يسعى إلى تفسير أحاسيس كاتب النّصّ ويراعي قرّاءَه، ويعيد ضبط أحاسيسه الخاصّة وقدراته التّواصليّة وأدواته اللّغويّة مرارًا لنقل المرسلة بشكل صحيح. في الحقيقة، يمتلك المترجم ما يفتقر إليه الذّكاء الاصطناعيّ من أحاسيس ترشده في أثناء التّرجمة وتوجّه خياراته وكلماته. وهو قادر على إنتاج نصّ هدف من دون الالتزام بحرفيّة النّصّ المصدر، بينما يربط الذّكاء الاصطناعيّ بين الكلمات بشكل مادّي فيفتقر نصّه إلى العمق، والإبداع، والنّعومة، والأسلوب الشّخصيّ، والقيمة الأدبيّة والفنيّة. أمّا الإبداع في التّرجمة فهو جزء أساس من عمل المترجم، وهذا ما تعجز عنه الآلة.

على الرّغم من مزاياه الكثيرة، لا يزال الذّكاء الاصطناعيّ بعيدًا عن الكمال أو حتّى الاكتمال، وهو يواجه عدّة قيود في مجال التّرجمة، مثل عدم القدرة على تكييف التّرجمة لتناسب الجمهور المتلقّي أو الثّقافة المحليّة أو أسلوب النّصّ المصدر أو الغرض من التّرجمة، بالإضافة إلى تساؤلات حول الجودة، والمصداقيّة، والأخلاقيّات. عادةً ما تنتج هذه المشكلات عن خلل في بيانات التّدريب الّتي قد تكون غير كافية أو تفتقر للتّنوّع، والموثوقيّة، والحداثة، أو ربّما تتعارض مع حقوق النّشر. فتبرز مسألة الموثوقيّة عند ترجمة النّصوص الحسّاسة؛ إذ يمكن لنماذج الذّكاء الاصطناعيّ أن ترتكب الأخطاء أو تكون متحيّزة أو تخضع للتّلاعب أو الاختراق. كذلك، يطرح استخدام هذه النماذج مشكلة الأمان الألكترونيّ، نظرًا إلى أنّ المعلومات الشخصيّة أو الاستراتيجيّة تتطلّب حماية مشدّدة من التّهديدات المختلفة. أمّا من النّاحية الأخلاقيّة، فتدور التّساؤلات حول قدرة الذّكاء الاصطناعيّ على احترام التّنوّع اللّغويّ والثّقافيّ وتأثيره في المجتمعات، بخاصّة أنّ البيانات الّتي تغذّي التّرجمات لا تمثّل اللّغات أو الثّقافات كافّة بشكل عادل، ما يؤدّي إلى تهميش بعضها وتفضيل اللّغات السّائدة (كالإنجليزيّة). ومن المحتمل أن تحمل التّرجمات صورًا نمطيّة أو تحيّزات موجودة في بيانات التّدريب، ما يثير تساؤلات أخلاقيّة حول الحياديّة في التّرجمة. ولا تقتصر الإشكاليّات الأخلاقيّة الّتي يطرحها استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في التّرجمة على موضوع العدالة والتّحيّز، بل تطال أيضًا مسألة الشّفافيّة في عمل الخوارزميّات واستراتيجيّاتها في اتّخاذ القرارات التّرجميّة، فمن المهمّ أن يفهم المترجمون حدود الأدوات الّتي يستخدمونها، وكيفيّة معالجتها للبيانات، ومصادر بيانات التّدريب، وأن يكون المحترفون قادرين على الاعتراض على مخرجات هذه الأدوات وتصويبها. والجدير بالذّكر أنّ هذه الأدوات تعتمد بشكل متزايد على مجموعات بيانات كبرى أكثر تنوّعًا، ما يعزّز فهم الفروقات اللّغويّة والثّقافيّة والسّياقيّة، وهي بذلك تعمل تدريجيًّا على تذليل العقبات. فمن خلال تقنيّات التّعلّم الانتقاليّ (Transfer learning) والتّعلّم التّعزيزيّ (Reinforcement learning)[19]، بإشراف أو بدون إشراف، تنشأ نماذج ترجمة فعّالة حتّى في غياب قواعد بيانات ثنائيّة ضخمة (Zoph & al. 2016، Wu & al. 2018). فالأنظمة الحاليّة تسعى إلى فهم السّياق العامّ للنّصوص، ما يؤدّي إلى ترجمات أكثر سلاسة واتّساقًا.

ويواجه المترجمون الفوريّون تحدّيات مماثلة بوجود شركات كبرى مثل غوغل وميتا (Meta) تعمل على تذليل حواجز اللّغة من خلال تطوير أدوات التّعرّف الصّوتيّ وتحويل الصّوت إلى نصّ، ثمّ ترجمته بشكل متزامن تقريبًا. لكن، كما هو معلوم، هذه الأدوات لا تزال غير مكتملة، وتعتمد على تكرار أجزاء لغويّة فيختفي كلٌّ من الذّاتيّة، والتّفاعل، والسّياق. وعلى غرار التّرجمة التّحريريّة، تتعقّد الأمور عند التّعامل مع لغات منخفضة الموارد فيصبح الأداء أقلّ فاعليّة ودقّة.

 

3- المنهج ومعالجة الموضوع

1.3- منهج البحث وتقنيّاته

نهجت هذه الدّراسة الأسلوب المسحيّ مقارنةً واستشرافًا، من خلال اللّجوء إلى أداة أساس هي الاستبانة، وأداة  داعمة هي المقابلة (Interview) الّتي “تتعلّق حصرًا باللّقاء والمحادثة” (سلّوم، 2022، ص17). وهدفت المقابلة مع مجموعة من أساتذة التّرجمة إلى جمع معطيات إضافيّة ترتبط بسبل فهم إيجابيّات استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعلّم التّرجمة وتعليمها، وفي البحث العلميّ وسلبيّاته، وكيفيّة الإفادة من هذه التّطبيقات في تحسين جودة التّعليم وإنجاز الأبحاث. وفي العادة، في المقابلة “لا يكتفي الباحث بما يقوله المشارك، وإنّما يوزّع اهتمامه ليشمل أداء المشارك (الاستجابات الحركيّة، نبرة الصّوت، لحن الصّوت،…) ومظهره، وغير ذلك (…) وبمقدار دقّة نموذج “بيان المقابلة” تكون المعطيات الّتي حصل عليها وافرة ومفيدة وشاملة لحاجات البحث” (ص17). وقد لجأنا إلى تلك الأداة، أداة مساندة ومسهّلة، تلبيةً لاحتياجات هذه الورقة من جهة، ومن جهة أخرى لفهم دوافع تفكير أساتذة مركز اللّغات والتّرجمة، منذ العام 2012، في كيفيّة إدخال التّقانة في التّعليم، بما تنصّ عليه المناهج التّعليميّة والأطر المرجعيّة المعتمدة في تعليم اللّغات الأجنبيّة والتّرجمة.

تتناول منهجيّة الدّراسة عرض نتائج استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ وتحليلها ومناقشتها في تعلّم التّرجمة وتعليمها، وفي البحث العلميّ من منظور طلّاب قسمَي اللّغات الحيّة والتّرجمة وأساتذة كلٍّ منهما بغية الاستعداد الفعّال لمتطلّبات المستقبل المهنيّ.

 

2.3- استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في التّرجمة    

يمثّل استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في التّرجمة واحدًا من أبرز المجالات العمليّة اليوم؛ إذ لم يعد يقتصر الأمر على “ترجمة آليّة حرفيّة”، بل تطوّر إلى منظومة ذكيّة تتعلّم وتحسّن نفسها باستمرار، ولكن من دون أن تخلو من تحدّيات تنبَّأ بها الأساتذة والطّلاب.

1.2.3- في إجابات طلّاب قسم التّرجمة

يلاحَظ من الرّسم البيانيّ رقم (1)[20] أنّ درجة عدم استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعلّم التّرجمة لم تتعدّ 55.56% في استخدام الأدوات المساعدة (CAT Tools) ولم تصل دون 14.81% في التّرجمة الآليّة، وهذه النّسب تفسّر أوجه استخدام التّطبيقات الذّكيّة الّتي بلغت جميعها درجة المقبول وفق الجدول رقم (1).

حصلت معظم أوجه الاستخدام على رتب متقاربة، وجاءت جميعها ضمن مستوى “المقبول” وفق متوسّطات حسابيّة تراوحت بين (1.94-2.4) وفق مقياس ليكرت، ما يعني أنّ الاستخدام متدنٍّ نسبيًّا في تعلّم التّرجمة. وجاء، في الرّتبة الأولى، استخدام تطبيق التّوثيق قبل التّرجمة بمتوسط حسابيّ (2.4) وانحراف معياريّ (1.22)، وهذا يشير إلى إدراك المتعلّمين أهميّة البحث والمراجع في تعزيز جودة التّرجمة وليس في التّركيز على الجوانب التّحليليّة. وفي الرّتبة الأخيرة، جاء استخدام تطبيق تسويغ التّرجمات بمتوسّط حسابيّ (1.94) وانحراف معياريّ (1.2)، ما قد يعكس صعوبة المتعلّمين أو قلّة تدريبهم على مهارة التّبرير والتّحليل النّقديّ للتّرجمات. والملاحظ أنّ الانحراف المعياريّ مرتفع نسبيًّا في معظم الأوجه، ما يدلّ على وجود فجوة واضحة بين المتعلّمين من حيث الخبرة أو مستوى التّدريب.

لقد انحصرت التّطبيقات في استخدام واضح لكلّ من ChatGPT وReverso Context، وذلك للتّوجيه، والتّحسين، وتفسير الكلمات والجمل باللّغة الثّانية، واستخدام Google Translate للاطّلاع على مقترحات في التّرجمة والبحث عن المفردات والمعاني في لغات أخرى وللحصول على المساعدة الفوريّة، وتطبيق Quillbot، وGrammarly، وSubtitle Edit، وDuolingo، وProz، وPleco، وBaidu، وGemini، وChatly، وDeepL، وForvo، وCopilot، وهي تطبيقات تفيد في التّرجمة، وتصويب الأخطاء اللّغويّة، والتّدريب على اللّفظ، وإسداء النّصائح والتّوجيهات للمتعلّمين، وتزويدهم بالأفكار وأنسنة الكتابات المولّدة بالذّكاء الاصطناعيّ.

        لقد تعدّدت الإجابات وتنوّعت في ما تفيد به التّطبيقات الذّكيّة وفي ما تسيء إليه، وأشارت إلى رؤية ثاقبة وعمق في التّحليل، ويكون من الأوضح إبراز كلّ ايجابيّة في استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في تعلّم التّرجمة بسلبيّة تقابلها. فرأى الطلّاب أنّ التّطبيقات تساعد في اختيار الأفكار الرّئيسة وإعادة الصّياغة، غير أنّ ذلك يجعل المترجم كسولًا وخمولًا في أدائه ومتّكلًا اتّكالًا مفرطًا عليها، وخصوصًا في الواجبات المطلوبة منه، وتساعد في إنعاش الذاكرة بالمعلومات الفوريّة المستحصلة، لكنّها تحدّ من النّشاط الفكريّ وتؤدّي إلى خسارة القدرات الذّهنيّة أحيانًا. وهي تسهّل العمل وتسرّعه من حيث كثافة المعلومات الّتي يستصعب الطّالب تجميعها بمفرده، وهذا يجعل الطّالب يعتمد اعتمادًا كلّيًّا عليها وقد لا يدرك حجم الأخطاء الّتي قد يقع فيها.

توضّح التّطبيقات المعنى المقصود من العبارات المترجمة، بيد أنّ التّرجمة الحرفيّة لا تؤدّي إلى توافق النّصّ المترجم مع النّصّ الأصليّ، وكذلك التّرجمة الإبداعيّة أو الشّعريّة لا تصحّ غالبًا. ومن الطلّاب من يرى أنّها تفتح آفاقًا جديدة من حيث تعلّم كيفيّة لفظ كلمات جديدة، عدا عن عبارات جديدة، واقتراح أكثر من حلّ لمشكلة ما، وخصوصًا في الاطّلاع على تفاصيل دروس لم يتسنّ للأساتذة الوقت الكافي لشرحها. لكنّ هذا لا ينفي القدرة على المقارنة بين الإجابات، واتّخاذ الخيارات المناسبة والملائمة الّتي تجعل الطّالب يتأثّر بالمصطلحات المقترحة. أضف إلى ذلك توفير الوقت والجهد في الحصول على إجابات محدّدة، غير أنّ بعض التّطبيقات تفشل في ترجمة مصطلحات معيّنة أو في توفير عنصر الدقّة التامّة في المعنى والتّوثيق.

ينمّي استخدام بعض التّطبيقات المهارات اللّغويّة بينما يعجز بعضها الآخر عن التّرجمة إلى اللّغة العربيّة بشكل صحيح. ويعزّز هذا الاستخدام  كذلك مهارات التّواصل من خلال المحادثات في مواضيع مختلفة، غير أنّ بعض الطلّاب يرون أنّ التّطبيقات تنقصها طلاقة لغويّة كاملة، عدا عن عدم القدرة على ترجمة النّصوص الأدبيّة؛ لذا، يفضّلون الطّرق التّقليديّة في تعلّم التّرجمة للمحافظة على أسلوب خاصّ بهم.

يبدو، ممّا سبق، أنّ سلبيّات استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ توازي الإيجابيّات. وبناء عليه، لا يمكن التّغاضي عن استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعلّم التّرجمة شرط عدم الاعتماد الكلّيّ عليها؛ لأنّه يسيء إلى عمليّة التّرجمة وأصولها وشروطها. وقد أجمع طلّاب قسم التّرجمة على أنّ إدخال هذه التّطبيقات في المنهاج سيعود بفائدة عالية على الخرّيجين في المستقبل بما أنّ مكاتب وشركات التّرجمة تستخدمها في السّوق، وقد تكون مفيدة جدًّا في مقرّرات التّرجمة المتخصّصة (الاقتصاد، والقانون، والطّبّ)، كما أنّها ستوفّر الكثير من الوقت في التّحرير عوضًا عن التّرجمة من العدم؛ إذ إنّ الترجمات الآليّة لم تعد بالسّيّئة، وخصوصًا أنّ العمل سيكون في المستقبل في أنظمة التّرجمة بمساعدة الحواسيب (CAT Tools). هذا وإنّ ايجاد التّوازن بين كيفيّة استخدامها واستخدام الطلّاب مهاراتهم الشّخصيّة ضروريّ، شرط تدريبهم على كيفيّة التعامل مع هذه التّطبيقات أو إرشادهم في حسن استخدامها بطريقة لا تعيق قدراتهم على اختيار المعنى الصحيح لوحدة لغويّة معيّنة وفق سياق النصّ، واختيار التّمارين التّفاعليّة، وأدوات بناء المفردات، ومحاكاة التّرجمة الواقعيّة، ما يوسّع آفاق الطلّاب من حيث الحصول على محتوى إضافيّ يمكن الإفادة منه عدا عن تيسير عمليّة التّعلّم وجعلها أكثر جاذبيّة.

 

2.2.3- في إجابات أساتذة التّرجمة التّحريريّة والفوريّة

لقد أظهر تحليل عدم استخدام كلّ تطبيق، وفق الرّسم البيانيّ رقم (2) أنّ تطبيقات اقتراح ترجمات نالت أدنى نسبة في عدم الاستخدام (11.11%) وهذا دليل على أنّ هذه الوظيفة مفهومة وسهلة الاستخدام بين المترجمين، بينما نالت تطبيقات إغناء ذاكرة التّرجمة أعلى نسبة في عدم الاستخدام (44.44%)، وهذا يفسّر معظم الأوجه الّتي جاءت ضمن نطاق الاستخدام “المقبول” وفق متوسّطات حسابيّة تراوحت بين 1.8-2.3)) باستثناء التّحرير المسبق (pre-editing)الّذي وقع  في فئة “الضّعيف” وفق الجدول رقم (2)، على الرّغم من أثره في تحسين جودة التّرجمة الآليّة، ما يدلّ على قلّة الوعي بأهمّيته أو عدم الدّراية بالتّقانات المستخدمة. أمّا أكثر الأوجه استخدامًا فهي تطبيقات إعادة صياغة النّصوص وتحويل المسموع إلى مكتوب (speech-to-text) بمتوسّط حسابيّ (2.3)، وهذا دليل على حاجة فعليّة للمحتوى المعاد صياغته أو المنطوق.

تشير التّطبيقات ذات الانحراف المنخفض (0.82 – 1.0) مثل المسارد، وإغناء ذاكرة التّرجمة، وإعداد التّوثيق على أنّ استخدامها ضعيف أو محدود، أي إنّ الأساتذة متقاربون في الموقف تجاه هذه الأدوات. أمّا التّطبيقات ذات الانحراف المتوسّط  (1.1 – 1.2)مثل اقتراح التّرجمات، وإعادة الصّياغة، والتّوليف، وتحويل المسموع إلى مكتوب، فتشير إلى تباين طبيعيّ في أنماط الاستخدام، حيث يميل بعضهم إلى الاستفادة منها بينما يتجاهلها آخرون. والتّطبيقات ذات الانحراف العالي  (1.42)مثل التّحرير اللاّحق (post-editing) توضّح وجود انقسام واضح في داخل العيّنة؛ فئة تستخدمه بكثافة جزءًا من عمليّة التّعليم، وفئة تكاد لا تستخدمه إطلاقًا.

أظهرت الإجابات – في معظمها – عدم استخدام التّطبيقات الرّقميّة وتطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في التّعليم. أمّا استخدام Google Translate فجاء بغية الاطّلاع على اقتراحات الطّلبة للتّحقّق من عدم استخدامهم له، غير أنّ هناك من يوظّف التّطبيقات بوفرة، أبرزها:

– Reverso و Google translateو ChatGPTلتحضير التّرجمة، والتّدقيق فيها، ومراجعتها، وتنقيحها.

– Speechify للقراءة والاستماع إلى النّصوص المكتوبة.

– Beecut لمعالجة الفيديو وتحويل المسموع إلى مكتوب، وNotta لتحويل التّسجيلات إلى نصوص مكتوبة يمكن البحث في طيّاتها.

– Tv5 Monde لتعليم اللّغة الفرنسيّة بطريقة تفاعليّة ونشطة بالاستناد إلى تسجيلات الفيديو والأنشطة المرافقة.

برزت، في إجابات الأساتذة، إيجابيّات تكاد تشكّل فوائد مهمّة في عمليّة التّعليم، منها مواكبة التّطوّر من خلال الاطّلاع على أحدث التّقانات والأدوات الّتي يمكن أن تكون مفيدة للمترجمين واللّغويّين، وإيصال المعلومات بطريقة سهلة، وتسريع وتيرة العمل بشكل يتكيّف مع احتياجات الطلّاب، وإمكانيّة البحث عن السّياقات والمصطلحات الأكثر دقّة، فضلًا عن المساعدة في إعداد مسارد اصطلاحيّة ومراجع مساندة. والأهمّ من ذلك، يمكن للذّكاء الاصطناعيّ تقييم الطلّاب بطريقة مستدامة، فضلًا عن التّعلّم الذّاتيّ الّذي يفضّله بعضهم على التّعلّم الجماعيّ في تصفّح مواد تعليميّة، ومحتوى مخصّص يلبّي احتياجات كلّ طالب حسب الحاجة. وأشاد الأساتذة بالدّعم الّذي يمكن الإفادة منه سيّما أنّ الطلّاب يواجهون تحدّيات متنوّعة، مثل حفظ المعارف الأساس، وإجراء التّحليل اللّغويّ النّقديّ، وفهم المقروء بسهولة. وعلى الرّغم من توافر الموارد وأساليب التّدريس المتنوّعة، فإنّ مسألة تحفيز الطلّاب وتقوية دافعيّتهم للتّعلّم بفعاليّة وإثراء نواتجهم المعرفيّة لا تزال قضيّة جوهريّة تتطلّب نقاشًا معمّقًا.

لم تسلم الإيجابيّات السّابق ذكرها من سلبيّات أجمعت على أنّ الذّكاء الاصطناعيّ هو عامل مساعد وليس أساسًا في التّعليم. إنّ المشكلة الكبرى تكمن في عدم الاستخدام بشكل مناسب، أو في الاعتماد المفرط عليه في تعليم التّرجمة أكثر من التّركيز على بناء المعرفة. وهذه قضيّة ترتبط بخصوصيّة الفرد؛ إذ إنّ جمع البيانات الشّخصيّة قد يؤدّي إلى انتهاك الخصوصيّة الفرديّة. علاوة على ذلك، يتقلّص دور الأستاذ، وتصبح بعض الموادّ الّتي يدرّسها في لغة معيّنة غير مطلوبة أو شحيحة، فيتّسم الأستاذ عندها بالتبعيّة الّتي تؤدّي إلى الرّكود حيث لا يتطوّر ولا يسمح عقله بمهامّ جديدة.

 

3.3- استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في البحث العلميّ

يقدّم الذّكاء الاصطناعيّ، في مجال الإنسانيّات، إمكانات جديدة في التّعامل مع النّصوص واللّغات والنّتاجات الثّقافيّة، لا سيّما في اللّسانيّات والتّرجميّة حيث تتيح معالجة اللّغة الطّبيعيّة تحليل النّصوص، واستكشاف الأنماط الدّلاليّة، وإبراز التّناصّ، ورقمنة الموادّ، ما يدعم الباحثين في التّعامل مع المدوَّنات الكبيرة والمعقّدة. وقد فتحت النّماذج التّوليديّة الحديثة آفاقًا جديدة في الكتابة الإبداعيّة ومحاكاة الأساليب الأدبيّة، الأمر الّذي يثير تساؤلات عميقة حول مسألة التّأليف والأصالة، ويطرح تحدّيات جوهريّة تطرّق إليها أساتذة مركز اللّغات والتّرجمة وطلّابه في إجاباتهم عن استخدامهم أدوات الذّكاء الاصطناعيّ.

 

1.3.3- في إجابات طلّاب مركز اللّغات والتّرجمة

1.1.3.3- استخدامات طلّاب قسم التّرجمة

يظهر الرّسم البيانيّ رقم (3) أنّ الطلّاب لا يستخدمون تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ بكثرة في الأبحاث، خصوصًا في كتابة المشاريع الأوّليّة الّتي نالت أدواتها أعلى نسبة عدم استخدام. وأظهرت أوجه الاستخدام العامّ، وفق الجدول رقم (3)، مستوى مقبولًا في الغالب، مع عدم بلوغ أيّ من الأوجه المستوى”الجيّد”. بلغت الإجابة عن أسئلة البحوث الرّتبة الأولى في الاستخدام بمتوسّط حسابيّ (2.37)، وهي إشارة إلى اعتماد نسبيّ على أدوات الذّكاء الاصطناعيّ في صياغة إجابات البحث أو تحليل المعطيات وتطويرها، وبانحراف معياريّ مرتفع (1.20) يكشف عن تفاوت ملحوظ بين المستخدمين في مستوى الاستخدام. غير أنّ وضع تصاميم البحوث بلغ أدنى مستوى في الاستخدام ((1.80، ما يشير إلى قلّة الاعتماد على الذّكاء الاصطناعيّ في تحديد المتغيّرات، والأساليب، والأدوات البحثيّة. فالانحراف المعياريّ المرتفع في معظم الأوجه يشير إلى تفاوت كبير في المعرفة والمهارة باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ لأغراض بحثيّة. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ المستخدمين لا يثقون أو لا يمتلكون الخبرة الكافية لاستعماله في هذا الجانب البنيويّ من البحث.

يستخدم طلّاب التّرجمة محرّك البحث Google بتفرّعاته كافّة؛ Google Search لاحتوائه على كميّات كبيرة من المعلومات، وGoogleScholar لإيجاد المراجع الموثوق بها للبحث، وGoogle translate الأقلّ استهلاكًا للوقت، إضافة إلى YouTube لمحتوياته المرئيّة-المسموعة الفعّالة والتّوضيحيّة.

وفي استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ، يكون اللّجوء إلى Scribbr للمساعدة في الشّواهد، وSemantic Scholar، وGemini، وChatly.ai. أمّا الأكثر استخدامًا فهو ChatGpt[21]، بمختلف وظائفه، لفرز الأفكار، ووضع تصاميم البحوث، والعثور على المراجع والمصادر، وتحديد منهجيّات البحوث.

 

2.1.3.3- استخدامات طلّاب قسم اللّغات الحيّة التّطبيقيّة

بلغت أعلى نسبة عدم استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في الأبحاث، وفق الرّسم البيانيّ رقم (5)، في كتابة المشروع الأوّليّ، وأدنى نسبة عدم استخدام في الإجابة عن أسئلة البحث. وتباينت أوجه الاستخدام، وفق الجدول رقم (5)، بين المقبول والجيّد ما يعني أنّ هناك إدراكًا لأهميّة أدوات الذّكاء الاصطناعيّ، لكنّ التّكامل ما يزال جزئيًّا.

بلغت الرّتبة الأولى تطبيقات الإجابة عن أسئلة البحث بمتوسّط حسابيّ (2.78)، ما يدلّ على اعتماد كبير على الذّكاء الاصطناعيّ في صياغة الإجابات البحثيّة وتطويرها أو بناء الحجج، وانحراف معياريّ مرتفع (1.41) يدلّ على تباين كبير بين المستخدمين؛ بعضهم يستخدمه بكثافة، وبعضهم الآخر بالكاد يستخدمه. ونالت تطبيقات نقد الدّراسات السّابقة أدنى درجة استخدام بمتوسّط حسابيّ (2.07) وانحراف معياريّ (0.94) على الرّغم من أنّ النقد الأكاديميّ يعدّ مؤشّرًا واضحًا على التّفكير النّقديّ النّاضج، إلّا أنّه قد لا يوفّر تفسيرات دقيقة للمواقف العلميّة المتعدّدة.

وبناءً عليه، فإنّ أكثر الأدوات استخدامًا ترتبط بالمهامّ التّطبيقيّة (التّوثيق، والإجابة، وجمع البيانات)، بينما المهارات التّحليليّة والنّقديّة تبقى أقلّ استخدامًا (النّقد الأكاديميّ والمراجعة النّظريّة)، وهذا يُظهر فجوة معرفيّة في تدريب الباحثين على الاستخدام العميق للأدوات الذّكيّة. يؤكّد هذه الفجوة تفاوت الانحرافات المعياريّة الّذي يشير إلى عدم تجانس في مستوى المهارة والخبرة لدى المستخدمين.

هنا أيضًا، ولسهولة استعمالاته وسرعة أدائه، يغلب استخدام تطبيق “شات جي بي تي” للحصول على مراجع مفيدة، ومعلومات قد لا تظهر في المواقع، ولإبراز الأفكار الرّئيسة. كذلك يبرز محرّك البحث Google، بتفرّعاته كافّة، لأنّه يتضمّن كميّات وافرة من المعلومات، ويساعد في اللّجوء إلى أكثر من مصدر واحد، ووجهات نظر وآراء مختلفة. بالإضافة إلى محرّك البحث Bing الّذي يساعد في الأبحاث وتوليد الصّور، إلى جانب library.ai، وBooklet.ai، وQuora، وReddit، وYouTube. غير أنّ بعض الطلّاب يفضّلون الاطّلاع على المواقع الإلكترونيّة لما فيها من دراسات سابقة ومقالات لا على التّطبيقات في إنجاز أبحاثهم.

 

 

3.1.3.3- خلاصة إجابات الطلّاب

يرى الطلّاب الكثير من الإيجابيّات في استخدام التّطبيقات في الأبحاث، وأبرزها المساعدة في تأطير العمل البحثيّ الّذي يشمل خاصيّة التّلخيص، واستخراج النّقاط الأساس من مقالة أو نصّ طويل، وفهم المواضيع المطروحة ودعمها بدلائل علميّة أو ثقافيّة مؤكّدة، وإعادة صياغة المخطّطات التّفصيليّة، وتنظيم الأفكار وتسلسلها، والقدرة على تحديد أهداف البحوث، فضلًا عن الحصول على موارد هائلة، ومعلومات جديدة وشبه موثوق بها مرتبطة بالأهداف، كأن تدلّ التّطبيقات الطلّاب على طرف الخيط ليصلوا إلى المراجع الّتي يبحثون عنها، ويميّزوا عددًا كبيرًا من الآراء المختلفة بعد الاطّلاع عليها، بالإضافة إلى توفير الوقت والجهد في البحث عن المعلومات، وسهولة الحصول عليها. كذلك، تفيد التّطبيقات في ترشيد مواضيع البحوث، فأحيانًا تقدّم معلومات قد تبدو غير مفيدة ولكنّها تساعد في بلورة البحث وتجعله أكثر احترافيّة، وهذه المعلومات ذاتها قد لا تظهر في أيّ موقع إلكترونيّ عند البحث عنها. وهي أيضًا تزوّد الطلّاب برؤية حول كيفيّة كتابة البحث. ويرى بعضهم أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يلبّي الحاجات الأوّليّة كافّة بفضل فعّاليته، وسرعته، ومرونته، وهو مساعد ذكيّ في كلّ المجالات.

تقابل إيجابيّات استخدام التّطبيقات السّابق ذكرها سلبيّات، أبرزها الكسل والثّقة المفرطة بإجابات الآلة الّتي قد تؤدّي إلى الوقوع في أخطاء يكون من السّهل تجنّبها في حالة العودة إلى مراجع موثوق بها. فإنّ ضعف مستوى الطلّاب لناحية الابتكار وتوليد الأفكار الجديدة، الناتج عن غياب تنمية التّفكير النّقديّ لديهم، وعدم تمكّنهم من المواضيع المعالجة بأنفسهم، يمنح الذّكاء الاصطناعيّ المزيد من القوّة والهيمنة على مستخدميه. هذا وإنّ الذّكاء الاصطناعيّ ما زال ضعيفًا في اللّغة العربيّة، وهذا يؤثّر في مستوى مهارات الطّالب الجامعيّ. ويزداد الأمر سوءًا إذا كان الأساتذة يعتمدون على مثل هذه التّطبيقات اعتمادًا كلّيًّا، فيقلّدهم الطلّاب ويتجاهلون تقنيّات البحث الّتي تحسّن من أدائهم وتجعلهم من الأكفّاء، ويقعون في أخطاء فادحة لجهة الإفراط في الاستخدام لغياب الدّقّة والتّسلسل المنطقيّ، والأخطر أنّ هذه الحال تؤدّي إلى أوراق بحثيّة مضلّلة في قوالب التّصميم، والمشاريع، ومعالجة النّصوص، وتحليل النّتائج؛ لأنّها ترتكز على تقنيّة النّسخ واللّصق، ولأنّ محاولة فهم المعنى لا تحقّق أحيانًا الغرض المطلوب.

في المحصّلة، تبيّن أنّ الطلّاب يستخدمون الذّكاء الاصطناعيّ في مختلف مراحل البحث، لكنّ الاستخدام يتمركز بشكل واضح في المخرجات التّحليليّة المباشرة (إجابات البحث)، ويتراجع في المهامّ التّقنيّة والتّنظيميّة (جمع المدوّنة واستخراج البيانات). تعكس الفروق في الانحراف المعياريّ تفاوتًا في الخبرة الرّقميّة؛ بعض الطلّاب قادرون على استثمار الذّكاء الاصطناعيّ بعمق، فيما لا يزال آخرون في المستويات الأوّليّة. يُنظر إلى الذّكاء الاصطناعيّ مساعدًا فكريًّا أكثر من كونه أداة منهجيّة أو تقنيّة، وهو اتجاه بحاجة إلى إعادة التّوازن في التّدريب الأكاديميّ.

باختصار، يمكن الإفادة من تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في العمل البحثيّ بالاشتراك مع الأساتذة الّذين يوجّهون طلّابهم نحو استخدام تطبيقات موثوق بها، ويشرفون على كيفيّة توظيفها لتحقيق أهداف العمل البحثيّ، وبالنظر إليها أداة مساعدة في ترتيب الأفكار وتنظيمها، وفي وضع مخطّط البحث، وتعلّم منهجيّة العمل، والاطّلاع على بحوث سابقة، وإعادة صياغة الأفكار العالقة، على أن يتمّ استكمال عمليّة التحقّق من المراجع وتحديثها. فإنّ تحقيق التّوازن بين استخدام هذه التّطبيقات ومهارات الإنسان لهو ضروريّ بغية تحقيق الكفاءة والفعاليّة.

 

2.3.3- في إجابات أساتذة التّرجمة

تكشف إجابات الأساتذة المرتبطة باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ في الأبحاث، في الجدول رقم (4)، أنّ أوجه الاستخدام تراوحت بين مستوى “المقبول” و”الجيّد جدًّا”، حيث لم تسجَّل أيّ تطبيقاتٍ عند مستوى “الضَّعيف”، وهذا يتناسب مع نسبة عدم الاستخدام الّتي بلغت أدناها 44.44%، وفق الرّسم البيانيّ رقم (4). وقد جاءت تطبيقات الإجابة عن أسئلة البحث في المرتبة الأولى بمتوسّط حسابيٍّ (3.8) وانحرافٍ معياريٍّ مرتفع نسبيًّا (2.13)، ما يشير إلى أنّ شريحةً واسعة من الباحثين تلجأ إلى تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ لصياغة الإجابات وتفسير النّتائج، لكن بدرجاتٍ متفاوتة للغاية؛ فبعضهم يعتمد عليها بكثافة، بينما لا يزال بعضهم الآخر يستخدمها بشكلٍ محدود.

أمّا الأبعاد المرتبطة بـمراجعة الأدبيّات وتحديد الإطار النّظريّ ووضع تصميم البحث فقد جاءت في المرتبة الثّالثة بمتوسّط (2.8) وانحراف معياريّ (1.87)، وهو ما يعكس دورًا بارزًا للذّكاء الاصطناعيّ في هذه المراحل الأوّليّة من البحث العلميّ، وإن كان الاستخدام غير منتظم تمامًا بين أفراد العيّنة. وتكرّر الأمر في كتابة المشروع الأوّليّ، ونقد الدّراسات السّابقة، وتحديد منهجيّة البحث بمتوسّط (2.7) وانحراف معياريّ (2.19)، حيث ظهر تفاوتٌ أكبر بين المستخدمين، وهو ما يكشف عن إدراك متزايد لإمكانات الذّكاء الاصطناعيّ في بناء المداخل البحثيّة، دون تجانس كامل في الممارسة. بينما سجّل تطبيق جمع المدوّنات واستخراج بياناتها المتوسّط الأدنى (2.5) بانحراف معياريّ (1.79) بدرجة “مقبول”، ما يشير إلى أنّ هذا الجانب التّطبيقيّ لا يزال يواجه محدوديّة في الاستخدام، ربّما لصعوبته التّقنيّة أو لغياب التّدريب الكافي على أدوات الذّكاء الاصطناعيّ الخاصّة بتحليل البيانات اللّغويّة.

وتشير الانحرافات المعياريّة المرتفعة (2.13 – 2.19) إلى وجود تباين ملحوظٍ بين الباحثين في درجة الاستخدام، ما يشير إلى أنّ الاستفادة من هذه التّطبيقات ما زالت في طور التّشكّل، وتحتاج إلى تدريب أكاديميٍّ مُمنهجٍ لتقليص الفوارق وتعزيز توظيفها بصورة أكثر تجانسًا بين مختلف مراحل البحث العلميّ.

يستخدم الأساتذة عدّة تطبيقات لتحليل الوثائق وتلخيصها، منها GPT-4o. ومن أجل تدوين المراجع والهوامش، وإدارة الأبحاث، واستخراج البيانات وتخزينها، وجمع المصادر والمراجع، وترتيبها، ومشاركتها، يعتمدون علىZotero وElicit وMendeley. ويجدون في استخدام الذّكاء الاصطناعيّ كسبًا للوقت، وعمقًا في التّحليل، وتنظيمًا للعمل، وسرعةً في تحديد النّقاط اللازمة للبحث، فضلًا عن المساعدة في التّركيز على التّفسيرات والاستنتاجات والنتائج المستقبليّة، والسّهولة في إتمام المهمّة، والعثور على مراجع تتطلّب التّأكّد منها للسّيطرة على الانتحال.

لا تسلم إيجابيّات الاستخدام السّابق ذكرها من أضرار في رأيهم، وأبرزها الاعتماد الكلّيّ والمفرط على الذّكاء الاصطناعيّ، وخصوصًا في إعداد الإطار النّظريّ، وعدم إخضاع النّتائج للفحص للتحقّق منها. وهذا يؤدّي إلى كسل في الدّماغ، وركود في العقل، وتقلّص قدرة تقديم الباحث أفكارًا مبتكرة، وانعدام التّحليل الشّخصيّ، وتعثّر القدرة على فهم النّتائج المعقّدة وتعليلها بشكل صائب. وللإفادة من التّطبيقات بشكل سليمٍ وهادف، اقترح الأساتذة تكريس حصص بحثٍ تحت إشراف اختصاصيّين في منهجيّات البحث العلميّ في الجامعة.

 

3.3.3- في إجابات أساتذة اللّغات الحيّة التّطبيقيّة

نالت تطبيقات الإجابة عن أسئلة البحث أعلى الأوجه استخدامًا بمتوسّط حسابيٍّ (2.3)، وفق الجدول رقم (6). وهذا يمكن تفسيره بأنّ الباحثين يميلون إلى استخدام الذّكاء الاصطناعيّ لتوليد الإجابات المحتملة أو مراجعتها، وهذا النّشاط يتطلّب تحليلًا مرنًا ومفتوحًا، وفق ما يظهره الرّسم البيانيّ رقم (6) أيضًا، وهذه إشارة إلى الثّقة بتطبيقات ذات مهاراتٍ أوّليّة في الكتابة. أمّا الأوجه ذات الاستخدام الضّعيف فجاءت لتطبيقات التّوثيق وإنشاء لوائح المراجع ونقد الدّراسات السّابقة بمتوسّط حسابيّ (1.8). على الرّغم من ذكرهم أدواتٍ فعّالة –مثال EndNote، وZotero، وRef-N-Write، لا يزال الاستخدام ضعيفًا، وهذا يعود إلى قلّة الثّقة في دقّة المراجع الّتي يقترحها الذّكاء الاصطناعيّ، وغياب النّقد التّحليليّ العميق، أو ضعف التّدريب على هذه الأدوات.

مرّة جديدة، برز استخدام “شات جي بي تي” في البحث العلميّ للإفادة من بعض التّوجيهات أو الاقتراحات الّتي قد لا يكون الأستاذ على دراية بها. أمّا الإيجابيّة الأكثر فائدة في استخدام التّطبيقات فهي السّهولة والسّرعة في إتمام المهام. وفي المقابل، برزت سلبيّة تسبّب ضررًا في الاستخدام وهي عدم جودة الكتابة العلميّة في غياب التّوثيق السّليم والتّدقيق اللّغويّ. وبالنسبة إلى كيفيّة الإفادة من الذّكاء الاصطناعيّ في تحسين العمل البحثيّ، كان الاقتراح هو البحث عن أفضل التّطبيقات المناسبة للاختصاص موضوع البحث وتجربتها.

 

4- مناقشة نتائج الدّراسة

يتبيّن من خلال هذه الدّراسة أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يشكّل حاليًّا أحد أبرز التّحوّلات الّتي تؤثّر بعمق في الممارسات الأكاديميّة؛ إذ لم يَعُد دوره يقتصر على دعم البحث العلميّ من خلال تحليل البيانات الضّخمة أو تيسير مراجعة الأدبيّات، بل امتدّ ليشمل تطوير المناهج التّعليميّة وتصميم محتوى أكثر تفاعليّة وملاءمة لمتطلّبات العصر. وفي مجال تعليم/تعلّم التّرجمة تحديدًا، يقدّم الذّكاء الاصطناعيّ أدواتٍ متقدّمةً تساعد على ربط البُعد النّظريّ بالممارسة العمليّة، وتوسّع آفاق التّدريب. ومع ذلك، فإنّ استخدام التّقانة في الحياة الأكاديميّة يثير نقاشات جدّيّةً حول دور المعلّمين، وحدود فاعليّة الأنظمة الذّكيّة، والحاجة إلى ايجاد التّوازن في توزيع المهامّ بين الآلة والإنسان بهدف الحفاظ على مهارات التّفكير والقدرة على الابتكار لدى الإنسان.

 

 

1.4- جودة التّرجمة في زمن السّرعة والمنافسة الذّكيّة

في مركز اللّغات والتّرجمة، ما زال استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعليم التّرجمة، التّحريريّة منها والفوريّة، في مرحلة التّجريب المحدود؛ إذ لم يتجاوز مستوى “المقبول” في أيٍّ من التّطبيقات. أمّا التّطبيقات الأكثر استخدامًا فهي تفيد التّوثيق والمساعدة في التّرجمة، وهي ترتبط بجانب التّرجمة العمليّ وبسرعة إنجاز المهام. أمّا التّطبيقات الأقلّ حضورًا فتُعنى بالتّسويغ وتحليل النّصوص وترتبط بالجانب الأكاديميّ النّقديّ، ما يشير إلى فجوة واضحة بين التّعاطي التّقنيّ والاستخدام المعرفيّ العميق. والجدير بالذّكر أنّ الانحراف المعياريّ المعتدل يوضّح وجود فروقٍ فرديّة في الاستفادة قد تكون مرتبطة بالمهارات التّقنيّة، والخبرة السّابقة، أو طبيعة النّصوص الّتي يتعامل معها الأفراد.

ومن أكثر المشكلات شيوعًا وخطورةً عند التّرجمة بواسطة منصّات الذّكاء الاصطناعيّ (شات جي بي تي مثلًا) هو أنّ هذه الأدوات تميل إلى التّرجمة الحرفيّة، على خلاف المترجمين البشر الّذين يأخذون في الاعتبار السّياق والالتقاء الثّقافيّ بين اللّغات. هذا يؤدّي إلى إنشاء جمل “غريبة” أحيانًا، أو حتّى جمل “بلا معنى”، حيث إنّ بعض التّعابير أو العبارات القائمة في اللّغة الإنجليزيّة مثلًا تصبح مشوّشةً عند ترجمتها إلى لغات أخرى مثل العربيّة. هنا يجب أن يعود المستخدم ليتحقّق من المحتوى المترجَم مع مراعاة السّياق، ويستخدم أدواتٍ أخرى للمقارنة. أضف إلى ذلك أنّ التّرجمة بالذّكاء الاصطناعيّ لا تزال عرضةً لأخطاء في النّحو والتّركيب، بخاصّة عند التّعامل مع جمل معقّدة أو لغات ذات قواعد لغويّةٍ متشعّبة. فأحيانًا، يمزج النّصّ الهدف أزمنةً مختلفة، أو ينقل الأفعال بشكل خطأ، أو يغيب التّوافق في الجنس. ومن الواضح أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يتعامل بشكل جيّدٍ مع الجمل البسيطة، لكنّ النّصوص المعقّدة قد تسبّب له إرباكًا. فعند ترجمة النّصوص الطّويلة، غالبًا ما ينتج ترجمات متناقضة من حيث اختيار المصطلحات أو الأسلوب. فعلى سبيل المثال، يُستخدم مصطلح في بداية النّصّ ثم يُستبدل لاحقًا بمرادف له، ما يربك القارئ ويشوّه المرسلة. وهنا نذكّر بأنّ نماذج الذّكاء الاصطناعيّ مدرّبة على بيانات ضخمة، لكنّها غير متخصّصة في المجالات كافّة؛ لذا من المحتمل أن تخرج التّرجمة من السّياق الصّحيح وأن تُستخدم المصطلحات بشكل مفرط أو سيّئ خصوصًا في المجالات عالية التّقنيّة مثل الطبّ والقانون والهندسة والاقتصاد والدّين، حيث الدّقة حاسمة؛ فتترتّب – عن أيّ خطأ أو غموض- عواقبُ وخيمةٌ تعرّض الشّركات والعملاء للمساءلة، وتؤثّر بشدّة في سمعتهم.

في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل مشكلة العمى الثّقافيّ وعدم تناسق النّبر بين النّصّ المصدر والنّصّ الهدف. ومن الطّبيعيّ أن يفشل الذّكاء الاصطناعيّ في التقاط الفروق الثّقافيّة الدّقيقة بين اللّغات. فتنتج، عن جهله، تشوّهاتٌ تجعل النّصوص جامدة جدًّا. غير أنّ الفكاهة، والسّخرية، والمعاني الضّمنيّة، والتّورية، واللّهجات المحليّة تمثّل تحدّيات جدّية في التّرجمة. وفي بعض الأحيان، تتسبّب اللّهجات واللّغات المعياريّة الأكثر شيوعًا بتضليل المعنى عند التّرجمة. وتؤثّر ازدواجيّة اللّغة في قرار الذّكاء الاصطناعيّ، فتخرج ترجمات صحيحة لغويًّا ولكنّها غير ملائمة دلاليًّا وثقافيًّا، وتعجز عن مجاراة المترجم البشريّ مثلًا في فهم البُعد الشّعريّ للنّصّ وإعادة إنتاجه.

وكما ذكرنا سابقًا، ليست كلّ اللّغات ممثّلةً بشكلٍ متساوٍ في بيانات تدريب الذّكاء الاصطناعيّ، ما يؤثّر في أدوات التّرجمة الّتي تتعامل مع اللّغات منخفضة الموارد، وقد تنتج عن ذلك أخطاءٌ جدّية في القواعد والمفردات. قد يكون الذّكاء الاصطناعيّ فعّالًا في التّرجمة إلى اللّغات الأكثر انتشارًا ومكانة و”قوّة” (مثل الإنجليزيّة)، لكنّه أقلّ كفاءة في التّعامل مع اللّغات النّادرة أو اللّهجات الّتي تفتقر إلى بيانات التّدريب، ما يدفعه أحيانًا إلى استخدام التّرجمة إلى الإنكليزيّة مرحلةً وسيطة، مولّدًا بذلك أخطاءً كثيرة. لذا، من الحكمة توخّي الحذر عند استخدامه لترجمة تلك اللّغات والتّدقيق في مخرجاته. ومن الضّروريّ عدم تجاهل محدوديّة الأداة وتزويدها بتعليمات مرتبطةٍ بالسّياق تكون دقيقة ووافية بهدف تخطّي مشكلة الغموض في تفسير المعنى، وتفادي أن يختار الأنموذج مقابلاتٍ خطأ قد تغيّر معنى المرسلة بالكامل. كذلك، ينبغي تزويده بتعليمات توضّح المطلوب لجهة النّبر والأسلوب ومستوى اللّغة وسجلّاتها وخصوصيّة الجمهور المتلقّي. فبفضل التّوضيحات والأمثلة، يمكن توجيه الذّكاء الاصطناعيّ نحو ترجمة أفضل. ويبقى الخطر الأكبر من استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في التّرجمة هو الاعتماد الكامل عليه من دون مراجعة بشريّة. حتّى وإن كانت النّماذج فعّالة، فلها محدوديّتها وينبغي النّظر إليها كأداة دعمٍ وليس كحلٍّ نهائيّ.

 

2.4- الواقع والمستقبل في إعداد المترجمين

اليوم، ومع انتشار أدوات الذّكاء الاصطناعيّ، يبدو أنّ اختصاص التّرجمة بشقّيه التّحريريّ والفوريّ أصبح مهدَّدًا بوهم الذّكاء الاصطناعيّ. فتلحظ مدارس التّرجمة حول العالم (مثال جامعة جنيف وجامعة أوتاوا) انخفاضًا في الإقبال على التّسجيل في هذا الاختصاص. والسّبب، في رأي الاختصاصيّين (Argiroffo، 2024، نقلًا عن [22]Mathilde Fontanet)، هو الوهم بأنّ الآلات ستحلّ محلّ البشر. وهذا الظنّ وَهْمٌ فعلًا نظرًا إلى شدّة ديناميّة أسواق التّرجمة العالميّة، وتوقّعات نموّها بشكل ملحوظ في السّنوات القادمة[23].

ومن المثير للاهتمام أنّه بالرّغم من سطوة الذّكاء الاصطناعيّ على عمل المؤسّسات، يؤكّد أساتذة التّرجمة وطلابّها (أقلّه في مركز اللّغات والتّرجمة) أنّ العامل البشريّ سيبقى جوهريًّا في هذه المهنة، وهم مقتنعون بأنّه سيكون هناك حاجةٌ دائمة لمراجعة بشريّة في التّرجمات. وفعلًا، بدأت المؤسّسات تعمل على دمج الذّكاء الاصطناعيّ في مناهجها، وإضافة مقرّرات تعلّم الطلّاب كيفيّة مراجعة النّصوص المترجمة آليًّا وتحسينها. فهذا التّوجّه الذي تسلكه مدارس التّرجمة يركّز على القيمة المضافة الّتي يمثّلها المترجم البشريّ ويعدّ الطلّاب للمنافسة في سوق العمل. في هذا الصّدد، تركّز فونتانيه (نقلًا عن Argiroffo، 2024) على أهمّية إتقان أساسيّات التّرجمة قبل الشّروع في استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعيّ والتّمرّس في مراجعة التّرجمات الآليّة[24]؛ إذ إنّ النّصوص الّتي تنتجها الحواسيب قد تكون مقبولة لغويًّا إنّما تحمل عيوبًا ترجميّة لا يفقهها سوى المترجم المتمكّن من اللّغة والثّقافة، وصاحب الفكر النّقديّ والبعد التّحليليّ والرّؤية التّرجميّة. حاليًّا، يتطوّر تعليم التّرجمة ليشمل كفاياتٍ متنوّعة تجمع بين اكتساب اللّغات، والوساطة، والتّرجمة، والكتابة الإبداعيّة، والكتابة التّقنيّة.

بالفعل، يشهد سوق العمل نقصًا في أعداد المترجمين المحترفين، لا سيّما المترجمين الفوريّين[25] في داخل المؤسّسات الدوليّة. وتسهم عدّة عوامل في هذا التّراجع في امتهان التّرجمة. أوّلًا، تتّجه الأجيال الجديدة إلى اختيار مسارات أقلّ إرهاقًا، وأكثر ربحًا، وأعلى تقديرًا في المجتمع؛ ثانيًا، الإعداد في مجال التّرجمة، التّحريريّة منها والفوريّة، يتطلّب الكثير من الانضباط والجهد وهو لا يواكب احتياجات السّوق بشكلٍ كامل، فبعد تخرّجه يعمل المترجم بشكل ذاتيٍّ على إعداد نفسه لسوق العمل فتكون المهمّة شائقة؛ ثالثًا، يؤدّي تقدّم الذّكاء الاصطناعيّ إلى تراجع اختيار مهن التّرجمة؛ لأنّ الرّؤية لا تزال ضبابيّة ولا يستطيع طلّاب التّرجمة التّكهّن بمستقبلهم وبما ستؤول إليه الأمور وكيف سيكملون مسيرتهم، ولذلك من الضّروريّ توعية المهتمّين على أهميّة هذا المجال ودعمه عالميًّا لحاجة الدول إليه، وعدم قدرة الذّكاء الاصطناعيّ على تعويض النقص الحاصل فيه؛ رابعًا، وبشكل خاصّ في لبنان والدّول العربيّة، لا يكافَأ المترجم بشكل عادل، فتبقى المهنة غير منظّمة والأجور منخفضة جدًّا، تجعل المترجمين يغيّرون مسارهم نحو اهتماماتٍ أخرى مثل التّعليم، والصّحافة، والإعلام، والتّواصل في الشّركات، وهي مهن سهلة بالنّسبة إليهم نظرًا إلى المهارات الّتي يتمتّعون بها إثر خوضهم مجال التّرجمة.

في الحقيقة، في زمن الذّكاء الاصطناعيّ، يتوقّع أرباب العمل سرعةً أكبر في عمل المترجمين وزيادة في إنتاجيّتهم، ما يزيد من الضّغط عليهم وينهكهم، مع العلم بأنّ التّرجمة الآليّة العصبيّة ليست بجديدة بالنّسبة إليهم، فقد كانوا سبّاقين باستخدام أدواتها منذ العام 2017، ولكنّ الضّغط النّفسيّ يثقل اليوم كاهل المترجم لزجّه في وضعيّة المنافسة مع الآلة. فمن وجهة نظر المترجمين، ليس الذّكاء الاصطناعيّ سوى أداة تخفّف عنهم مهمّة البحث الأوّليّ وتساعدهم في جمع البيانات المبدئيّة، ومطابقة المصطلحات، وتحليل الأنماط اللّغويّة على نطاق واسع، وتبقى المهمّة الأساس مراجعة النّصّ، وتصويبه، والتّركيز على المهامّ والنّصوص الأكثر تعقيدًا. إنّ التّرجمة الحقيقيّة تتجاوز من بعيد عمل الذّكاء الاصطناعيّ، فهي تتطلّب طلاقةً لغويّة، وفهمًا ثقافيًّا، وتحليلًا سياقيًّا، واتّصالًا عاطفيًّا، وهي عناصر لا يمكن أن يوفّرها إلّا الإنسان.

 

2.4-أصالة البحث العلميّ وقيمته المعرفيّة في زمن الذّكاء الاصطناعيّ

أكّدت هذه الدّراسة أنّ الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ قادرٌ على تعزيز كفاءة الباحث ودقّته وجودته، وتحسين إنتاجيّة البحوث، وتبسيط العمليّات التحليليّة المعقّدة، لكنّه في المقابل يثير اعتباراتٍ أخلاقيّة ومنهجيّة مهمّةً وتساؤلات حول حقوق التّأليف، ومسؤوليّة النّاشر، ودور الباحث النّشِط، وسلامة البحث، وطبيعة العمل الأكاديميّ المتغيّرة. ومع تزايد تركيز المؤسّسات التّعليميّة ومراكز البحوث على الإنتاج البحثيّ وسرعة الباحثين في التّأليف والنّشر، يزداد الضّغط على هؤلاء، ويلجأون إلى استخدام الأدوات الذكيّة لزيادة الإنتاجيّة، ما قد يؤدّي – من دون قصدٍ – إلى الإضرار بالمبادئ الأساس للنّزاهة الأكاديميّة، أو إلى إحداث خللٍ في شبكات التّواصل الأكاديميّ بسبب التّضخّم في حجم الأبحاث المنشورة.

وبالطبع، نظرًا إلى قدرته على التّدريب والتّطوير الذّاتيّ، يَعِدُ الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ بتقدّمٍ كبير في المستقبل، خصوصًا في قدرته على التّحليل والاستدلال المنطقيّ. فهو قد برهن عن تمكّنه، في التّحليل السّرديّ، من تحديد الأنماط المتكرّرة والموضوعات والمسارات العاطفيّة، ما يعزّز من قدرة الباحثين على فهم السّرديّات المعقّدة. وحتّى في المنهج النّوعيّ المؤصّل الّذي يستند إلى البيانات التّجريبيّة لبناء نظريّاتٍ جديدة، يستطيع الذّكاء الاصطناعيّ دعم الباحث في تصنيف البيانات، والمقارنة في ما بينها، وإظهار العلاقات الّتي تربط فئاتِها، واقتراح تصوّراتٍ نظريّة بناء عليها. ومع ذلك، لا تحلّ الآلات بالكامل محلّ البشر، وتبقى مهارات الباحثين النّقديّة والإبداعيّة، وفهمهم للسّياقات المرتبطة بتجاربهم السّابقة وبواقع حياتهم ومعارفهم، وقدراتهم التّأويليّة والتّحليليّة، أساس المصداقيّة والعمق في الدّراسات النّوعيّة والنّظريّة والفلسفيّة.

والجدير بالذّكر أنّ المنظّمات الدوليّة والحكوميّة في بعض الدول قد اعترفت بفاعليّة الذّكاء الاصطناعيّ في البحث العلميّ ووضعت توجيهاتٍ لاستخدامه. على سبيل المثال، تقدّم منظّمة اليونسكو (Miao &Holmes، 2023) الإرشادات والنّصائح للباحثين، من جهة، ليكونوا على وعيٍ بالممارسات السّليمة عند استخدامهم الذّكاء الاصطناعيّ في تشكيل أسئلة البحث واقتراح المناهج، وأتمتة شرح البيانات. ومن جهة أخرى، تؤكّد أهميّة الاستخدام الأخلاقيّ والمسؤول للذّكاء الاصطناعيّ في البحث العلميّ مع إبراز إمكاناته ومخاطره الّتي أصبحت مألوفةً مثل اختلاق المعلومات، وانتهاك الخصوصيّة، وتعزيز المعايير الاجتماعيّة السّائدة على حساب التّنوّع الثّقافيّ والاجتماعيّ. هذا وتشدّد على الدّور الحيويّ لمشاركة الباحثين البشر في البحوث العلميّة، وضرورة امتلاك الباحثين معرفةً قويّة بالمواضيع قيد الدّراسة للتّحقّق من مخرجات التّطبيقات الذّكيّة والقدرة على تقديم التّقييمات النّاقدة. أضف أنّ توصيات المنظّمة تشمل ضرورة تقديم التّوجيه والتّدريب للباحثين ليدركوا فاعليّة الآلات، ويطوّروا استراتيجيّات البحث الآليّ، وينمّوا قدرات صياغة الأوامر لديهم (prompt engineering)، ويعوا كيفيّة استخدام الأدوات بمسؤوليّة ونزاهة. وبالرّغم من الآراء المتباينة حول فوائد الذّكاء الاصطناعيّ أو مشكلاته، شملت النّصائح تجنّب استخدام الأدوات الذكيّة في الأنشطة الحسّاسة مثال مراجعة أعمال الأقران أو تقييم البحوث.

أمّا التّفاعل بين الإنسان والحاسوب (HCI) فلا يزال قيد الدّرس، ولا يزال بعض المستخدمين يشعرون بانعدام السّيطرة على أدوات الذّكاء الاصطناعيّ، ما يؤدّي إلى ارتفاع نسبة التّوتّر والقلق لديهم وانخفاض تقديرهم لذواتهم، وقد يُبدون الغضب أو العداء تجاه التّقانة أو تجاه أرباب العمل الّذين يلزمونهم باستخدامها، وهو أثر تمّ توثيقُه على نطاقٍ واسع في الأدبيّات. إنّ الشعور بالتّحكّم هو عامل حاسم في قابليّة استخدام أيّ نظام، ولذلك يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تصميم واجهات الاستخدام. لذا، يستحقّ أن يأخذ مفهوما التّحكّم والاستقلاليّة حيّزًا أكبر في الصّناعات الرّقميّة، بخاصّة إذا كانت شركات التّقانة تسعى إلى تعزيز القدرات الإدراكيّة لدى المستخدمين وتوطيد علاقتهم بالذّكاء الاصطناعيّ والأتمتة[26].

 

3.4- استخدام الذّكاء الاصطناعيّ للغشّ في الامتحانات ولإنجاز الواجبات غير الصّفيّة

في الحقيقة، يستخدم الطلّاب أدوات الذّكاء الاصطناعيّ لإنجاز أعمالهم. وبعضهم يستعملها لتجنّب عناء التّّفكير. لكن الأمر ليس بجديد، فبعض الطلّاب يستعينون بالإنترنت منذ سنوات وينسخون واجباتهم من زملائهم. الذّكاء الاصطناعيّ ليس سوى فصل جديد في القصّة. ومع ذلك، فإنّ استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعيّ لا يعني بالضّرورة أنّ الطلّاب لا يفكّرون. فبين العمل الخالي من أيّ مساعدة إلكترونيّة والعمل المنجز كليًّا بواسطة الذّكاء الاصطناعيّ أي من دون تدخّل بشريّ، عالمٌ من الاحتمالات. فطبعًا إن كان الطّالب ينسخ ويلصق ردودًا من الذّكاء الاصطناعيّ من دون أيّ جهد أو تفكير خاصٍّ به، نتّفق جميعنا على اعتبار عمله غشًّا وانتحالا. وفي المقابل، أن ينجز الطّالب عمله من دون الاستعانة بالذّكاء الاصطناعيّ أو حتّى بالإنترنت، فهذا لا يبدو واقعيًّا، ولا يُمثّل العالم الّذي سيعيش ويعمل فيه في المستقبل. أمّا إذا كان الطّالب يفكّر ويطوّر مهاراته في البحث، والقراءة، والكتابة، وإن كان ذلك بدرجاتٍ متفاوتة من التّحدّي والعمق، فهنا نبدأ بالتّساؤل عمّا إذا كان عمله يصنّف في خانة الغشّ. وبالطبع تختلف الإجابة باختلاف نوع المهمّة ومستوى الطالب وطبيعة المادّة التّعليميّة والهدف من التّعلّم وغير ذلك. لذا، من الأفضل أن يحدّد كلّ مدرّسٍ أساليب استخدام الإنترنت والذّكاء الاصطناعيّ في صفوفه، ويوجّه طلّابه ويدعمهم بما يلزم من التّوعية والاستراتيجيّات المفيدة ليتمكّن في ما بعد من مساءلتهم وتصنيف أعمالهم. ومع مرور الوقت، من الممكن أن تتغيّر تعريفات الغشّ، والانتحال، والسّرقة الأدبيّة تدريجيًّا مع انتشار الذّكاء الاصطناعيّ في الحياة اليوميّة والمهنيّة.

وقد تكون الفكرة الأهمّ، أنّ الطلّاب الّذين يطوّرون كفاية استخدام هذه الأدوات بفعاليّة سيتفوّقون على أقرانهم الّذين لم يتلقّوا أيّ تدريبٍ أو توجيهٍ بشأن استخدامها، ما يؤدّي إلى تكوين فجوة رقميّةٍ من المستوى الثّاني (second-level digital divide) – (Scheerder& al.، 2017). وبالنّظر إلى التّنوّع الواسع في أدوات الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ، وإلى دمجها المتزايد في أدوات الإنتاجيّة الرّقميّة (مثال Microsoft Office وGoogle Suite)، يبدو أنّ منع استخدامها غير قابل للتّطبيق الفعليّ.

ومن الاستراتيجيّات الدّفاعيّة المعتمدة لمواجهة استعمال الذّكاء الاصطناعيّ في العمل الأكاديميّ تطبيقاتٌ تعمل بالذّكاء الاصطناعيّ عينه، أي إنّها أنظمة تعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ لكشف استخدامه، على غرار الأدوات الشّائعة مثال Turnitin. غير أنّ هذه الأدوات أظهرت نسبة نجاح متدنيّة، وأنتجت عددًا من النّتائج المغلوطة (false positives)، ما أدّى إلى اتّهام الطلّاب ظلمًا بانتهاك النّزاهة الأكاديميّة، كذلك نقلت بعض التّقارير حالاتٍ عن مدرّسين لم يتمكّنوا من اكتشاف حالات الغشّ أو أخطأوا باتّهام الطلّاب بارتكابها (Lonas، 2023).

 

5- مقترحات لضبط استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في البحث العلميّ

تظهر نتائج هذه الدّراسة أهميّة أن يتبنّى الأكاديميّون نهجًا مدروسًا للاستفادة القصوى من أدوات الذّكاء الاصطناعيّ مع توخّي النّزاهة الأكاديميّة وضمان خلو الأبحاث من الانتحال. لذا، نعرض في ما يلي بعض المقترحات بهدف توجيه المهتمّين والدّفع بعجلة البحث العلميّ المحلّي نحو الأفضل.

– تعزيز التّربية الرّقميّة: وذلك من خلال الاستخدام المتعمّد للتّقانة في التّعليم والبحث، وقدرته على تعزيز تفاعل المستخدمين وتوليد تجارب تعليميّة أكثر عمقًا وذات معنى. وما لا يقلّ أهميّةً أنّ استخدام الأدوات الذّكيّة بفاعليّة يتطلّب توظيف التّفكير النّقديّ وإنتاج أعمال أصيلة، في عالم بات فيه الاعتماد المفرط على الذّكاء الاصطناعيّ أمرًا سهلًا ومغريًا.

– التّكامل مع أدوات تحليل البيانات الأخرى: للإفادة بشكل أكبر من الذّكاء الاصطناعيّ، من الأفضل أن يستخدمه الباحثون بالتّزامن مع أدوات تحليل البيانات الأخرى. على سبيل المثال، يمكن استخدام الذّكاء الاصطناعيّ لتحليل البيانات الأوّليّة، ثمّ استخدام أدوات إحصائيّة تقليديّة مثال SPSS لتحليل أعمق وأكثر دقّة للنّتائج. فالتّكامل بين أدوات الذّكاء الاصطناعيّ والبرمجيّات التّحليليّة يمكن أن يوفّر رؤيةً شاملة ويزيد من دقّة البحث.

– استخدام الأدوات المناسبة بحسب متطلّبات البحث: على الباحثين توجيه استخدام الذّكاء الاصطناعيّ بما يتناسب مع مراحل البحث المختلفة، فيختارون الأدوات الّتي تتناسب مع احتياجات البحث، مثال أدوات إدارة المراجع، وأدوات كشف الانتحال. على سبيل المثال، يمكن استخدام ChatGPT وJasper في المراحل التّمهيديّة، لجمع الأفكار وتنظيم المسودّة الأوّليّة، وبعد ذلك، عند مراجعة الأدبيّات ونقدها وفي سبيل توليد أفكار جديدة، يعتمد الباحث على تحليله الخاصّ (Rivière، 2020). فمن الضّروريّ عدم الاعتماد الكلّي على الذّكاء الاصطناعيّ في التّحليل العميق؛ لأنّ أدواته غالبًا ما تكون محدودةً في معالجة النّصوص الفلسفيّة والنّقديّة.[27]

– استخدام الذّكاء الاصطناعيّ للتّأكد من النّزاهة الأكاديميّة: إنّ أحد المجالات الأبرز لاستخدام الذّكاء الاصطناعيّ في البحوث هو الكشف عن الانتحال. فبعض التّطبيقات والمواقع  مثال Turnitin وiThenticate قادرة على مراجعة النّصوص والكشف عن أيّ محتوى منسوخٍ من مصادر أخرى متوفّرة على شبكة الإنترنت، ما يساعد في الحفاظ نسبيًّا على النّزاهة الأكاديميّة. وتؤدّي هذه الأدوات دورًا رئيسًا في ضمان عدم استخدام الذّكاء الاصطناعيّ لإنشاء محتوى مكرّر أو منتحل، وهو أمر مهمّ للباحثين.

– تعزيز الوعي بالتّحيّزات والتّحدّيات الأخلاقيّة: على الباحثين أن يكونوا على دراية بالتّحدّيات الأخلاقيّة المرتبطة باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ، بخاصّة في ما يتعلّق بالتّحيّزات البرمجيّة. تظهر دراسة بوسترم وآخرين (Bostrom & al.، 2021) أنّ أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ قد تعكس تحيّزاتٍ موجودة في قواعد البيانات الّتي تدرّبت عليها، ما قد يؤدّي إلى نتائج منحازة. لذلك، من المهمّ أن يدقّق الباحثون في مخرجات الذّكاء الاصطناعيّ ومراجعتها بتمعّن لضمان دقّة النّتائج وغياب التّحيّز.

– التّحكّم في إعدادات الذّكاء الاصطناعيّ لتحقيق أفضل النّتائج: إنّ التحكّم في إعدادات أدوات الذّكاء الاصطناعيّ يمكن أن يضمن مخرجات أكثر دقّة وتناسبًا مع مواضيع البحوث. فالتّطبيقات الشّائعة، مثالDeepL  و[28]Grammarly، تقدّم خيارات قابلة للتّعديل بهدف تحسين أسلوب الكتابة، ويمكن توجيهها لتحليل فئاتٍ معيّنة من النّصوص (Leclercq، 2022). لذلك، لا بدّ من أن يطوّر الباحثون فهمًا أعمق لهذه الإعدادات لضبطها وفقًا لأهداف البحث.

– تحفيز التّعاون بين الإنسان والذّكاء الاصطناعيّ: بدلًا من التّصدّي للذّكاء الاصطناعيّ وخشية اعتماده بديلًا للباحث، ينبغي التّعامل معه على أنّه مكمّل للجهود البشريّة. يُقترح استخدامه في المهامّ المتكرّرة والمملّة مثال جمع البيانات أو التّرجمة الأوّليّة، بينما يركّز الباحثون على التّفكير النّقديّ والتّحليل المعمّق. في هذا السّياق، تشير دراسة فلوريدي (Floridi، 2020) إلى أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يمكن أن يعزّز التّفكير الإبداعيّ من خلال توليد أفكار جديدة أو تقديم حلول غير متوقّعة، لكن يبقى للباحث دورٌ أساس في تقويم هذه الأفكار وتطويرها.

– إعداد الطلّاب والباحثين الجدد وتدريبهم على استخدام الذّكاء الاصطناعيّ بمسؤوليّة: من الضّروريّ أن يتلقّى الطلّاب والباحثون النّاشئون تدريبات حول كيفيّة استخدام الذّكاء الاصطناعيّ بشكل مسؤول. ومن الضّروريّ، أيضًا، أن تنظّم الجامعات دوراتٍ تدريبيّة وورش عملٍ تعرض الأدوات المتاحة وتشرح كيفيّة استخدامها بطرق فعّالة وأخلاقيّة لتحسين جودة الأبحاث. كذلك، نشدّد على ضرورة إرشاد الطلّاب في استخدامهم الذّكاء الاصطناعيّ في أبحاثهم من دون الإخلال بقيم النّزاهة الأكاديميّة.

– مراجعة الأدبيّات باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ: من البديهيّ أن يستخدم الباحثون الذّكاء الاصطناعيّ لتسريع مراجعة الأدبيّات، ولكن ينبغي توجيه الذّكاء الاصطناعيّ لاستخراج المقالات الأكثر ارتباطًا بمواضيع البحوث وتجنّب التّحليلات السّطحيّة. إنّ الأدوات الأكثر شيوعًا مثال Zotero وMendeley تفسح المجال للتّعاون مع الذّكاء الاصطناعيّ في تنظيم المراجع وتوثيقها، لكن يبقى للباحثين الدّور الرئيس في تقويم جودة المراجع واختيار الأفضل؛ إذ إنّ الذّكاء الاصطناعيّ قادر على عرض نتائج شاملة في مراجعة الأدبيّات، ولكن يبقى التّحليل البشريّ ضروريًا لفهم السياق العلميّ.

– تطوير الأدوات بما يتناسب مع الاختصاصات الأكاديميّة: من المقترحات الأبرز، نذكر تطوير أدواتٍ ذكيّة ترتبط بالاختصاصات الأكاديميّة الدّقيقة. بالطّبع، يمكن لمجتمع البحث الأكاديميّ التّعاون مع علماء الذّكاء الاصطناعيّ لتطوير أدوات جديدة تلبّي احتياجاتٍ محدّدةً في العلوم الإنسانيّة واللّغويّات والتّرجميّة وغيرها من الاختصاصات. على سبيل المثال، يستخدم الباحثون أدوات مثال Voyant Tools لتحليل النّصوص الأدبيّة، أو أدوات التّرجمة الآليّة الّتي تتيح ترجمة النّصوص الفلسفيّة بطريقة دقيقة ومناسبة للسّياق.

 

خاتمة

يدرك الأكاديميّون أهميّة مهارات القرن الواحد والعشرين الأبرز وهي التّفكير النّقديّ، والتّعاون، والتّواصل، والإبداع[29]. لكنّهم غالبًا ما يغفلون عن عنصر بغاية الأهميّة، من شأنه أن يثير الدّافعيّة ويؤجّج حبّ التّعلّم والتّطوّر وهو الفضول. من المهمّ جدًّا ألّا يغيب الفضول عن صفوفنا ولا عن أبحاثنا، ويمكن تغذيته من خلال استراتيجيّات طرح الأسئلة الّتي تستفيد من قوّة الذّكاء الاصطناعيّ. وهو حجر الأساس في بناء كفايات التّعلّم مدى الحياة، ويمهّد الأرضيّة للتّعلّم العميق. ولتعزيز هذا التّعلّم، ينبغي أن نُعيد التّفكير بأساليبنا الأكاديميّة، ونتبنّى طرقًا مبتكرة تشجّع أهل العلم، طلّابًا وأساتذة، على الاستكشاف، والتّعاون، وبناء روابط ذات مغزى مع المحتوى. في السّابق، كان الوصول إلى الموارد وتجميعها مهمّةً شائقة تستغرق وقتًا طويلًا. أمّا اليومَ، فقد توافرت الأفكار من شبكات رقميّة ومصادرَ ذكيّةٍ توفّر الوقتَ والعناء. فجأة، أصبح لدى كلّ منّا “مساعد افتراضيّ” يعاوننا في اختيار الموارد وفرز المعلومات شرط تزويده بالتّعليمات المناسبة.

ومن أهمّ النّصائح الّتي يمكن إسداؤها للمدرّسين والباحثين، أن يوكِلوا المهامّ الرّوتينيّة للذّكاء الاصطناعيّ، ويحافظوا على قدرتهم على التّفكير بأنفسهم. فلا يمكن أن يخلو العالم من الإنسانيّة، والطلّاب بحاجة إلى ميّزات الأساتذة البشريّة، والإبداع والابتكار من الصّفات الّتي تميّز الإنسان. فالإبداع ضروريّ أوّلًا لحلّ المشكلات بطرق جديدة، ولتعزيز النّموّ والثّقة والرّاحة، والتّعبير عن الذّات بشكل أصيل. نعم، الذّكاء الاصطناعيّ قادر على محاكاة قدرات البشر، والتّفوّق عليهم أحيانًا، وهو منافس جدّيّ للإبداع البشريّ. ونرى ذلك في الجوائز الّتي تُمنح لأعمال فنيّة وأدبيّة أُنتجت بالذّكاء الاصطناعيّ. وهذا لا ينفي الحاجة إلى قدرات البشر وعقولهم وطرائق تفكيرهم، لأنّ الحواسيب تتدرّب على تقليد البشر وليس العكس. لذا نقول إنّ الذّكاء الاصطناعيّ لا يتعدّى كونه عاملًا في مصانع أفكار البشر، يقوم بالمهامّ الرّوتينيّة، ويقدّم الأفكار الأوّليّة، وينقل البيانات المُخزّنة لسنوات، فيما يحتفظ أهل العلم بقدرتهم على التّفكير والتّوليد والاستحداث والابتكار، ويفكّرون في كيفية استثمار أدوات هذا الذّكاء وتطويرها.

وبناءً على هذا الإدراك لطبيعة الذّكاء الاصطناعيّ وحدود إمكاناته، يمكن القول إنّ فرضيّات الدّراسة قد تحقّقت كلّيًّا حيث أظهرت النّتائج تباينًا في استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعليم التّرجمة وتعلّمها، وكذلك في البحث العلميّ، وهذا ما يوضّح دور التّطبيقات في تسريع العمل البحثيّ وتيسيره، مع محدوديّة فاعليّتها في ترجمة النّصوص الأدبيّة والثّقافيّة العميقة.

ختامًا، لم يعد مقبولًا في الوقت الحاضر الهروبُ من واقع الذّكاء الاصطناعيّ وتجاهل أهميّة التّقانة ودور نماذج اللّغات الكبيرة في تيسير عمليّات التّرجمة، في حين يعمل الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ على إنتاج ترجمات دقيقة يجري توطين محتواها وأقلمته. لا بدّ، إذًا، من أن يدرك المترجمون (ويتمّ إعدادهم لهذه الغاية) كيفيّة الاستفادة ممّا تقدّمه التّقانة الذّكيّة والأدوات الرّقميّة، وألّا يخشوا استبدالهم بالآلات في المدى المنظور؛ إذ إنّ الآلات لم تتفوّقْ بعدُ على مصمّميها، إنّما هي منافسة شرسة لمن يخشاها ويخضع لها. لذا، أصبح من الضّروريّ (والطّارئ) أن يجعل الأكاديميّون من التّقانة حليفًا يسندهم، وألّا يألوا جهدًا في سبيل مواءمة المناهج مع متطلّبات أسواق العمل المحليّة والدّوليّة، وأن يبدأوا بإعداد طلّابهم ليتقنوا الأدوات الرّقميّة، ويتعاملوا بذكاء ومرونة مع الذّكاء الاصطناعيّ، ويتميّزوا في نهاية تحصيلهم الجامعيّ بمهاراتٍ تقانيّة عالية مع التّركيز على الكفايات الأساس والمعارف الإجرائيّة والقدرات الوظيفيّة والمعرفيّة، فيدخلون سوق العمل من بابه الواسع ويسهمون في تطوير مجال عملهم. وبدلًا من النّظر إلى الذّكاء الاصطناعيّ منافسًا، يرونه أداةً تمكينيّة، تعزّز إنتاجيّتهم، وتغني قدراتهم. ومن خلال دمج أدوات إدارة التّرجمة (مثال Trados)، والتّرجمة الآليّة العصبيّة (مثال Language Weaver)، وتقويم الجودة بمساعدة الذّكاء الاصطناعيّ (MTQE)، يتمكّنون من صقل المحتوى بمهارة وضمان الطّلاقة والدّقّة والاتّساق.

 

المصادر والمراجع

أوّلاً: المراجع باللّغة العربيّة

سّلوم، توفيق (كانون الثّاني 2022). دليل مناهج البحث في علم النّفس [طبعة إلكترونيّة]. لبنان: الجامعة اللّبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة. تمّ الاسترجاع من:

https://www.ul.edu.lb/files/announcements/annonce_5_9322_8666.pdf

 

ثانيًا: المراجع باللّغات الأجنبيّة

 

Afou, M. (2023). La suspension des programmes de traduction à l’Université d’Ottawa sème la controverse.https://ici.radio-canada.ca/nouvelle/1979014/suspension-programme-traduction-universite-ottawa-billinguisme-scandale

Argiroffo, F. (2024). Comment le secteur de la traduction s’adapte au développement de l’IA.https://www.rts.ch/info/sciences-tech/14628844-comment-le-secteur-de-la-traduction-sadapte-au-developpement-de-lia.html

Bekkali, I. (2024). L’École de traduction et d’interprétation menacée d’extinction.https://www.larotonde.ca/lecole-de-traduction-et-dinterpretation-menacee-dextinction/

Boéri, J., & Baker, M. (2025). Against market ideologies and AI-powered translation: Advancing a humane approach to translation and open science. Encounters in Translation, 3.https://publications-prairial.fr/encounters-in-translation/index.php?id=978

Bostrom, N., & Yudkowsky, E. (2021). Ethics of artificial intelligence and robotics. In The Cambridge Handbook of Artificial Intelligence (pp. 102–124).

Bourcier, P. (2023). Textes écrits par IA et textes humains: Comment les différencier? Revue des sciences cognitives, 14(1), 92–110.

Carr, P. (2023). Generative AI: Friend or foe for the translation industry? Forbes Technology Council.https://www.forbes.com/councils/forbestechcouncil/2023/08/11/generative-ai-friend-or-foe-for-the-translation-industry/

Chan, C. K. Y., & Hu, W. (2023). Students’ voices on generative AI: Perceptions, benefits, and challenges in higher education. arXiv.http://arxiv.org/abs/2305.00290

Chelli, M., Descamps, J., Lavoue, V., Trojani, C., Azar, M., Deckert, M., Raynier, J. L., Clowez, G., Boileau, P., & Ruetsch-Chelli, C. (2024). Hallucination rates and reference accuracy of ChatGPT and Bard for systematic reviews: Comparative analysis. Journal of Medical Internet Research, 26.https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11153973/

Combs, D. (2018). Artificial intelligence and humanities: Exploring AI in cultural research. Journal of Digital Humanities, 12(3), 45–67.

Costa-Jussa, M. R. (2018). From feature to paradigm: Deep learning in machine translation. Journal of Artificial Intelligence Research, 61, 947–974.

Dupont, J., Bourcier, P., & Martin, L. (2021). L’intelligence artificielle et la recherche en sciences humaines: Opportunités et défis. Revue française d’informatique, 58(3), 217–233.

Editorial. (2025). The risk of letting AI do your thinking. Financial Times.https://www.ft.com/content/1f731d9f-5534-4435-b440-e1ded13202a8?utm_source=chatgpt.com

Farquhar, S., Kossen, J., Kuhn, L., & Gal, Y. (2024). Detecting hallucinations in large language models using semantic entropy. Nature, 630, 625–630. https://www.nature.com/articles/s41586-024-07421-0

Feynman, R. (2021). Exploring cultural contexts with AI: A new approach to linguistic research. Linguistic Research Today, 10(4), 87–109.

Floridi, L. (2020). The ethical challenges of artificial intelligence in higher education. AI & Society, 35(3), 705–717.

Gaillard, F. (2021). Les limites de l’IA dans l’analyse littéraire: Étude critique. Journal des études littéraires, 19(4), 332–348.

Herbig, N., Pal, S., Van Genabith, J., & Krüger, A. (2019). Integrating artificial and human intelligence for efficient translation. arXiv.https://arxiv.org/pdf/1903.02978

Hoffman, M. (2020). Machine translation and linguistic accuracy: A study of Google Translate. Journal of Translation Studies, 27(2), 105–122.

Hudáková, Z. (2024). Comparing the efficiency of source text pre-editing vs. machine translation post-editing. L10N Journal, 2(3), 42–59. https://l10njournal.net/index.php/home/article/view/44/46

International Organization for Standardization [ISO]. (2015). ISO 17100 – Translation services – Requirements for translation services. British Standards Institution. https://knowledge.bsigroup.com/products/translation-services-requirements-for-translation-services

Jiménez-Crespo, M. A. (2025). Human-centered AI and the future of translation technologies: What professionals think about control and autonomy in the AI era. Information, 16(5), 387. https://doi.org/10.3390/info16050387

Jones, P. (2022). Ethical implications of AI in academic research. Journal of Ethics in Academia, 34(2), 145–160.

Langley, C., Cuzzolin, F., & Sahakian, B. (2024). Neuroscience for AI: The importance of theory of mind. In M. Ienca & G. Starke (Eds.), Developments in neuroethics and bioethics – Volume 7: Brains and machines: Towards a unified ethics of AI and neuroscience (pp. 65–83). Elsevier. https://doi.org/10.1016/bs.dnb.2024.03.001

Leclercq, M. (2022). Détection de plagiat par IA: Un outil indispensable pour la recherche académique. Revue d’éthique et d’intégrité académique, 11(2), 45–67.

Leduc, L. (2025). Notre métier ne disparaîtra pas demain matin.https://www.lapresse.ca/affaires/2025-05-10/traduction-et-intelligence-artificielle/notre-metier-ne-disparaitra-pas-demain-matin.php

Lonas, L. (2023). Professor attempts to fail students after falsely accusing them of using ChatGPT to cheat. https://thehill.com/homenews/education/4010647-professor-attempts-to-fail-students-after-falsely-accusing-them-of-using-chatgpt-to-cheat/

Miao, F., & Holmes, W. (2023). Guidance for generative AI in education and research. UNESCO. https://doi.org/10.54675/EWZM9535

Microsoft. (2024). Using artificial intelligence and large language models for translation.https://learn.microsoft.com/en-us/globalization/localization/ai/ai-and-llms-for-translation

Narayanan, A., & Kapoor, S. (2024). AI snake oil: What artificial intelligence can do, what it can’t, and how to tell the difference. Princeton University Press.

Ray, P. P. (2023). ChatGPT: A comprehensive review on background, applications, key challenges, bias, ethics, limitations and future scope. Internet of Things and Cyber-Physical Systems, 3, 121–154. https://doi.org/10.1016/j.iotcps.2023.04.003

Rivière, A. (2020). L’IA et la revue de littérature: Vers une automatisation totale? Revue des méthodes de recherche, 34(2), 119–135.

RWS. (2025). Riding the AI shockwave report.https://www.rws.com/about/riding-the-ai-shockwave/report/

Scheerder, A., Van Deursen, A., & Van Dijk, J. (2017). Determinants of Internet skills, uses and outcomes: A systematic review of the second- and third-level digital divide. Telematics and Informatics, 34(8), 1607–1624. https://doi.org/10.1016/j.tele.2017.07.007

Schick, T. (2021). Natural language processing in linguistics: Advances and challenges. Computational Linguistics Journal, 39(4), 332–348.

Stillman, J. (2019). AI and the researcher: Complementing human efforts in academia. Journal of Academic Innovation, 15(1), 12–30.

Wu, L., Tian, F., Qin, T., Lai, J., & Liu, T. Y. (2018). A study of reinforcement learning for neural machine translation. arXiv:1808.08866.https://arxiv.org/pdf/1808.08866

Xu, Z. (2025). Patterns and purposes: A cross-journal analysis of AI tool usage in academic writing. arXiv:2502.00632v1.https://arxiv.org/pdf/2502.00632

Zhao, Y., & Wang, Q. (2024). Applying augmented reality multimedia technology to construct a platform for translation and teaching system. Heliyon, 10(7). https://doi.org/10.1016/j.heliyon.2024.e28700

Zoph, B., Yuret, D., May, J., & Knight, K. (2016). Transfer learning for low-resource neural machine translation. In Proceedings of the Conference on Empirical Methods in Natural Language Processing. https://doi.org/10.18653/v1/D16-1163

ملاحق الدّراسة

أوّلًا: قائمة الجداول

جدول رقم1

المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة والرّتبة لاستجابات

طلّاب قسم التّرجمة للسّؤال الأوّل

ما أوجه استخدامكم تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعلّم التّرجمة التّحريريّة والتّرجمة الفوريّة؟ درجة الاستخدام المتوسّط الحسابيّ الانحراف المعياريّ الرّتبة أوجه الاستخدام
لا استخدمه ضعيف مقبول جيد جيّد جدًّا ممتاز
التّرجمة الآليّة

(Google Translate or else)

4 8 7 6 2 0 2.08 1 7 مقبول
استخدام الأدوات المساعدة 15 2 7 1 1 1 2.33 1.18 2 مقبول
التّرجمة بالذّكاء الاصطناعيّ (ChatGPT or else) 9 3 8 1 2 1 2.33 1.19 2 مقبول
تحليل النّصوص 12 4 8 1 1 1 2.13 1.12 5 مقبول
تسويغ التّرجمات 10 8 5 2 1 1 1.94 1.2 8 مقبول
إنشاء المسارد وقاعدات المصطلحات 7 6 6 5 2 1 2.3 1.19 3 مقبول
التّوثيق قبل التّرجمة 12 3 7 2 2 1 2.4 1.22 1 مقبول
رصد التّرجمات المتوفّرة على الإنترنت 8 6 8 3 1 1 2.1 1.1 6 مقبول
تصويب الأخطاء اللّغويّة 7 7 5 6 1 1 2.2 1.15 4 مقبول

 

جدول رقم2

المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة والرّتبة لاستجابات

أساتذة قسم التّرجمة للسّؤال الأوّل

ما أوجه استخدامكم تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في تعليم التّرجمة التّحريريّة والتّرجمة الفوريّة؟ درجة الاستخدام المتوسّط الحسابيّ الانحراف المعياريّ الرّتبة أوجه الاستخدام
لا استخدمه ضعيف مقبول جيّد جيّد جدًّا ممتاز
اقتراح ترجمات 1 3 2 2 1 0 2.1 1.13 3 مقبول
إعادة صياغة نصوص 3 2 2 2 1 0 2.3 1.13 1 مقبول
التّوليف 3 1 3 0 1 0 2.2 1.1 2 مقبول
التّحضير للتّرجمة الآليّة 4 2 1 1 0 0 1.8 1.04 5 ضعيف
التّنقيح بعد التّرجمةالآليّة 4 2 1 0 1 0 2.0 1.42 4 مقبول
وضع المسارد وقاعدات المصطلحات 4 1 2 1 0 0 2.0 0.82 4 مقبول
إعداد التّوثيق 3 1 1 1 0 0 2.0 1.01 4 مقبول
تحويل الصّوت إلى نصّ مكتوب 2 2 1 2 1 0 2.3 1.24 1 مقبول
إغناء ذاكرة التّرجمة 4 1 2 1 0 0 2.0 0.82 4 مقبول

 

جدول رقم3

المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة والرّتبة لاستجابات

طلّاب قسم التّرجمة للسّؤال السّادس

ما أوجه استخدامكم تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في الأبحاث؟ درجة الاستخدام المتوسّط الحسابيّ الانحراف المعياريّ الرّتبة أوجه الاستخدام
لا استخدمه ضعيف مقبول جيّد جيّد جدًّا ممتاز
التّوثيق وإنشاء لائحة المراجع 10 3 9 4 1 0 2.17 0.81 4 مقبول
مراجعة الأدبيّات وتحديد الإطار النّظريّ 10 6 6 3 1 1 1.89 1.16 6 مقبول
وضع تصميم البحث 6 10 6 4 1 0 1.8 0.97 8 ضعيف
كتابة المشروع الأوّليّ 13 3 6 4 1 0 2.21 0.9 3 مقبول
نقد الدّراسات السابقة 11 7 6 2 1 0 1.81 0.95 7 مقبول
تحديد منهجيّة البحث 10 7 6 3 0 1 1.94 1.1 5 مقبول
جمع المدوّنة واستخراج بياناتها 12 3 6 5 0 1 2.33 1.07 2 مقبول
الإجابة عن أسئلة البحث 3 7 6 7 3 1 2.37 1.2 1 مقبول

 

جدول رقم4

المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة والرّتبة لاستجابات

 أساتذة قسم التّرجمة للسّؤال السّادس

ما أوجه استخدامكم تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في الأبحاث؟ درجة الاستخدام المتوسّط الحسابيّ الانحراف المعياريّ الرّتبة أوجه الاستخدام
لا استخدمه ضعيف مقبول جيّد جيّد جدًّا ممتاز
التوثيق وإنشاء لائحة المراجع 4 1 1 1 1 1 3 1.87 2 جيّد
مراجعة الأدبيّات وتحديد الإطار النّظريّ 5 1 1 1 0 1 2.8 1.87 3 جيّد
وضع تصميم البحث 5 1 1 1 0 1 2.8 1.87 3 جيّد
كتابة المشروع الأوّليّ 6 1 1 0 0 1 2.7 2.19 4 جيّد
نقد الدّراسات السّابقة 6 1 1 0 0 1 2.7 2.19 4 جيّد
تحديد منهجيّة البحث 6 1 1 0 0 1 2.7 2.19 4 جيّد
جمع المدوّنة واستخراج بياناتها 5 1 2 0 0 1 2.5 1.79 5 مقبول
الإجابة عن أسئلة البحث 5 0 0 2 1 1 3.8 2.13 1 جيّد جدًّا

جدول رقم5

المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة والرّتبة لاستجابات

طلّاب قسم اللّغات الحيّة التّطبيقيّة للسّؤال السّادس

ما أوجه استخدامكم تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في الأبحاث؟ درجة الاستخدام المتوسّط الحسابيّ الانحراف المعياريّ الرّتبة أوجه الاستخدام
لا استخدمه ضعيف مقبول جيّد جيّد جدًّا ممتاز
التّوثيق وإنشاء لائحة المراجع 12 3 10 8 3 2 2.65 1.23 2 جيّد
مراجعة الأدبيّات وتحديد الإطارالنّظريّ 14 2 16 4 1 1 2.29 0.88 7 مقبول
وضع تصميم البحث 12 5 12 6 2 1 2.3 1.03 6 مقبول
كتابة المشروع الأوّليّ 12 6 9 7 3 1 2.38 1.13 4 مقبول
نقد الدّراسات السّابقة 12 7 12 6 0 1 2.07 0.93 8 مقبول
تحديد منهجيّة البحث 11 5 12 6 3 1 2.37 1.07 5 مقبول
جمع المدوّنة واستخراج بياناتها 10 5 11 7 2 3 2.53 1.28 3 مقبول
الإجابة عن أسئلة البحث 10 5 6 10 4 3 2.78 1.41 1 جيّد

جدول رقم6

المتوسّطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة والرّتبة لاستجابات

أساتذة قسم اللّغات الحيّة التّطبيقيّة للسّؤال السّادس

ما أوجه استخدامكم تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في الأبحاث؟ درجة الاستخدام المتوسّط الحسابيّ الانحراف المعياريّ الرّتبة أوجه الاستخدام
لا استخدمه ضعيف مقبول جيّد جيّد جدًّا ممتاز
التّوثيق وإنشاء لائحة المراجع 4 2 1 1 0 0 1.8 1.04 4 ضعيف
مراجعة الأدبيّات وتحديد الإطار النّظريّ 3 2 1 1 1 0 2.2 1.31 2 مقبول
وضع تصميم البحث 3 1 2 2 0 0 2.2 0.84 2 مقبول
كتابة المشروع الأوّليّ 4 1 2 1 0 0 2 0.82 3 مقبول
نقد الدّراسات السّابقة 4 2 1 1 0 0 1.8 1.04 4 ضعيف
تحديد منهجيّة البحث 4 2 2 0 1 0 2 1.23 3 مقبول
جمع المدوّنة واستخراج بياناتها 3 1 3 0 1 0 2.2 1.10 2 مقبول
الإجابة عن أسئلة البحث 2 2 1 2 1 0 2.3 1.24 1 مقبول

 

 

ثانيًا: قائمة الرّسوم البيانيّة

رسم بيانيّ رقم1

رسم بيانيّ رقم2

رسم بياني رقم3

رسم بيانيّ رقم4

رسم بياني رقم5

رسم بيانيّ رقم6

[1] مديرة مركز اللّغات والتّرجمة في الجامعة اللّبنانيّة وأستاذة محاضرة فيه، layal.merhy@ul.edu.lb

[2] دكتورة في مركز اللّغات والتّرجمة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، الجامعة اللّبنانيّة، لبنان، e.mhanna@ul.edu.lb

[3]يشير مصطلح “الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ” (GenAI) إلى تطبيقات ومنصّات – مثال شات جي بي تي (ChatGPT) وجميني (Gemini) وديب سيك (Deep Seek) وكلود (Claude) – تستخدم مجموعة متنوّعة من خوارزميّات التّعلّم الآليّ لإنشاء محتوى جديد، كالنّصوص والصّور والفيديو والأعمال الفنّيّة، إلخ. بالرغم من توليد المحتوى استجابةً لمدخلات المستخدم، إنّ هذه التّطبيقات لم تُبرمج أساسًا لإنتاج مخرجات معيّنة، بل هي قادرة على تحليل القواعد والهياكل الإحصائيّة في مجموعات ضخمة من البيانات، فتتعلّم منها وتتدرّب، لتنتج محتوًى جديدًا يشبهها من حيث البنية. ويمكن لنماذج اللّغة الكبيرة أداء مجموعة من مهامّ معالجة اللّغة الطّبيعيّة (NLP) مثل التّلخيص والتّرجمة. وتشتهر هذه النّماذج بقدرتها على توليد ردود واقعيّة وسياقيّة (نارايانان & كابور، 2024).

[4] “While AI offers tremendous benefits, such as improving efficiency and accelerating research, it also poses dangers like ‘cognitive offloading’—the tendency to rely on machines for thinking, which could weaken human memory and critical thinking over time” (Editorial – Financial Times, August 2025).

[5] “Hallucinations are often defined as LLMs generating content that is nonsensical or unfaithful to the provided source content but they have come to include a vast array of failures of faithfulness and factuality. We focus on a subset of hallucinations which we call ‘confabulations’ for which LLMs fluently make claims that are both wrong and arbitrary—by which we mean that the answer is sensitive to irrelevant details such as random seed (Farquhar & al. 2024).

[6] أنموذج اللّغة الكبير (LLM) هو نوع من الذّكاء الاصطناعيّ يمكنه معالجة نصّ اللّغة الطّبيعيّة وإنتاجه. ويتعلّم من كميّة هائلة من البيانات الّتي تُجمع من مصادر مثل الكتب والمقالات وصفحات الويب والصّور لاكتشاف أنماط اللّغة وقواعدها. (https://learn.microsoft.com).

[7] “Because of the black-box nature of these tools, it is difficult to identify when they are hallucinating and when they are reporting true facts” (Chan & Hu, 2023).

[8] “GenAI tools are trained on human-created discourse, they become a mirror of the biased views in our discourse” (Ray, 2023).

[9] Theory of Mind can be viewed as a “complex holistic process that can be decomposed into a number of hot and cold cognitive processes. Cold cognitive processes are non-emotional, whereas hot cognitive processes are both social and emotional. (…) Despite their impressive feats, even state-of-the-art AI models still miss a key component of human cognition: theory of mind” (Langley & al., 2024, p.65).

[10] تطبيق مفتوح المصدر صُمّم خصّيصًا للباحثين بهدف تنظيم الموادّ البحثيّة ووصفها. يركّز التّطبيق على إدارة المصادر البصريّة وتحليلها، فيتيح للمستخدمين إضافة الشّروحات والعلامات والتّعليقات التّوضيحيّة إلى الصّور، ثمّ البحث في بيانات المشروع كافّة (https://tropy.org).

[11] منصّة لتحليل النّصوص الرّقميّة لا تتطلّب أيّ إعداد مسبق (https://voyant-tools.org/).

[12]منصّة تتيح كشف الانتحال وضمان النّزاهة الأكاديميّة، وتُستخدم بشكل أساس في الأوساط التّعليميّة (https://www.turnitin.com).

[13]تقوم التّرجمة الآليّة العصبيّة (Neural Machine Translation) على الشّبكات العصبيّة، وهي عبارة عن نماذج تُدرَّب على توليد الجملة الهدف انطلاقًا من الجملة المصدر، وتتميّز بقدرتها على تعلّم إنجاز مهامّ محدّدة من خلال دراسة الأمثلة المتاحة، من دون الحاجة إلى برمجتها مسبقًا للقيام بتلك المهامّ بصورة صريحة (Costa-Jussa، 2018).

[14] يجمع التّحرير المسبق بين خبرة الإنسان وكفاءة الآلة في تهيئة النّصّ المصدر ليكون أكثر سهولة للتّرجمة الآليّة. وهو يهدف إلى إزالة العوائق المعرفيّة الّتي تواجه أنظمة التّرجمة الآليّة مثل العبارات الغريبة، والتّراكيب النّحويّة المعقّدة أو الغامضة، والتّعابير الاصطلاحيّة، والأخطاء الطّباعيّة، وذلك لتخفيف عبء التّحرير اللاحق من خلال تكييف النّصّ المصدر بما يحسّن مخرجات التّرجمة الآليّة الأوّليّة. ويتضمّن ذلك تحرير النّصّ وفق إرشادات محدّدة مثل استخدام جُمل أقصر، وتبسيط التّراكيب النّحويّة، وضمان اتّساق المصطلحات، ما يؤدّي إلى ترجمات أوضح وأكثر دقّة. ويساعد تحسين النّصّ المصدر على تجنّب الأخطاء وسوء الفهم، نظرًا إلى أنّ أنظمة التّرجمة الآليّة ما زالت تواجه صعوبات في معالجة الدّقائق الدّلاليّة (Hudáková، 2024).

[15]يشير التّحرير اللّاحق إلى عمليّة استخدام نصّ مترجَم مسبقًا نقطةَ انطلاق، ثمّ تحسينه للوصول إلى التّرجمة النّهائيّة. وتجمع هذه العملية بين مزايا كلٍّ من الذّكاء الاصطناعيّ والذّكاء البشريّ؛ إذ يوفّر الذّكاء الاصطناعيّ مسوّدات ترجمة حسنة الجودة في وقت قياسيّ، بينما يتولّى المترجم البشريّ، بفضل إتقانه للّغتين المصدر والهدف، مهمّة ضمان تطابق المعنى ودقّته، وتحليل الفروق المعجميّة والدّلاليّة، وفهم النّصّ في سياقه الأشمل، بما في ذلك مراعاة الجمهور المستهدف وخلفيّته الثّقافية (Herbig &al.، 2019).

[16]تهدف تقانة الواقع المعزَّز إلى خلق تجربة إدراكيّة مُعزَّزة ومتكاملة في العالم الحقيقيّ من خلال الدّمج الفعليّ بين العناصر الافتراضيّة والحقيقيّة، وذلك من خلال إسقاط معلومات افتراضيّة مولَّدة بالحاسوب على العالم الواقعيّ في الزّمن الحقيقيّ. وهكذا يستطيع المستخدم إدراك العناصر الافتراضيّة عبر الوسائط البصريّة أو السّمعيّة أو غيرها من الوسائط الحسّيّة الّتي تتفاعل مع البيئة الواقعيّة (Zhao & Wang، 2024).

[17] تجمع التّرجمة الآليّة الهجينة(Hybrid Machine Translation – HMT)  بين عدّة طرق للتّرجمة الآليّة، مثل التّرجمة الآليّة القائمة على القواعد (Rule-based – RBMT)، والتّرجمة الإحصائيّة (Statistical – SMT)، والتّرجمة الآليّة العصبيّة (NMT)، وقد تشمل أيضًا التّدخّل البشريّ في مرحلة مراجعة التّرجمة وتنقيحها لضمان الجودة (www.machinetranslation.com).

[18]تشير تقانة التّرجمة إلى البرمجيّات والأنظمة المستخدمة لترجمة النّصوص من لغة إلى أخرى. وهي مصمّمة لتبسيط عمليّات التّرجمة وأتمتتها وإدارتها، وتُستخدم لجعل التّرجمة أكثر جودة واتّساقًا. وتشمل تقانات التّرجمة مجموعة متنوّعة من الأدوات، منها برامج التّرجمة الآليّة (MT)، وأدوات التّرجمة بمساعدة الحاسوب (CAT)، ونظم إدارة التّرجمة (TMS)، وأدوات ذاكرة التّرجمة (TM)، ونظم إدارة المحتوى (CMS)، وأدوات التّوطين، وبرامج معالجة النّصوص، ونظم إدارة المصطلحات (ISO 17100، www.iso.org).

[19]التعلّم الانتقاليّ هو تقنيّة تعلّم آليّ تستفيد من أنموذج مدرّب مسبقًا على مهمّة معيّنة لتسريع أداء أنموذج آخر وتحسينه في مهمّة مشابهة. فمثلًا، يتيح التّعلّم الانتقاليّ للّغات المنخفضة الموارد نقل المعرفة من اللّغات ذات الموارد الكبيرة، أو مثلًا، تكييف أنموذج مدرّب على نصوص إخباريّة للعمل على نصوص طبيّة من دون الحاجة إلى إعادة التّدريب. أمّا التّعلّم التّعزيزيّ، وهو نمط من التّعلّم الآليّ، فيحدث من خلال التّفاعل مع البيئة والحصول على مكافآت أو عقوبات بناءً على القرارات المتّخذة. وهو يسهم في تحسين جودة التّرجمة من خلال تصويب تحيّزات التّدريب وتعديل الأنموذج بناءً على تقييم الأداء والملاحظات (المكافآت) الّتي يدوّنها المستخدم البشريّ (Zoph & al. 2016، Wu & al. 2018).

 

[20]  الرّسوم البيانيّة مرفقة في ملحق هذه الورقة.

[21]تُظهر دراسة أجراها زيانغ زو (Ziyang Xu، 2025) أنّ “شات جي بي تي” يتصدّر أدوات المساعدة في الكتابة الأكاديميّة بنسبة استخدام بلغت 77% (من 168 ورقة بحثيّة استعانت بالذّكاء الاصطناعيّ)، مع وجود فروق إحصائيّة دالّة في أنماط الاستخدام بين النّاطقين الأصليّين وغير الأصليّين بالإنجليزية (p=0.0483)، وكذلك بين الفرق البحثيّة الدوليّة وغير الدوليّة (p=0.0012)، كما تكشف الدّراسة أنّ الهدفين الأوّلَين لاستخدام أدوات الذّكاء الاصطناعيّ هما تيسير القراءة (51%) والتّدقيق اللّغويّ (22%).

[22] مديرة قسم التّرجمة في جامعة جنيف.

[23] في العامَين 2023 و2024، ضجّت مواقع التّواصل الاجتماعيّ (ici.radio-canada، lapresse.ca) بأخبار تعليق اختصاص التّرجمة في جامعة أوتاوا وجامعة سيمون فرايزر (FSU) في كندا لأسباب متنوّعة منها تراجع عدد الطلّاب والحاجة إلى تعديل المناهج. وأبدى الاختصاصيّون قلقهم حيال هذه التّدابير غير المدروسة والمرتبطة بدراسات ماليّة بحتة في زمن تبرز فيه الحاجة الماسّة إلى إعداد المترجمين وتدريبهم لمواكبة التّطوّرات المتسارعة، بخاصّة أنّ الطّلب على ترجمة النّصوص القانونيّة والماليّة والطبيّة مرتفع جدًّا، وأنّه في بعض الحالات يُمنع استخدام أدوات مثل DeepL لضمان سرّية البيانات. وفي هذا الصّدد، يؤكّد جيس روبيشو Jesse Robichaud (lapresse.ca، 2025)، مدير الشّؤون العامّة في جامعة أوتاوا، أنّ الذكاء الاصطناعيّ لم يكن السّبب في تعليق برامج الدّراسات الترجميّة حتّى سبتمبر 2026،  إنّما الجامعة تتّجه نحو برامج ذات توجّه مهنيّ في التّرجمة تتيح إعداد مترجمين معتَمَدين في فترة 18 شهرًا.

[24]« Les textes produits par les machines tiennent tout à fait debout au niveau de la grammaire et de l’orthographe, mais il peut y avoir beaucoup de petits défauts. Donc si on n’a pas acquis la compétence au préalable, on risque de manquer du recul nécessaire pour intervenir. C’est pour cela que nous avons décidé d’intégrer cette post-édition en fin de cursus. » (Mathile Fontanet in Argiroffo, 2024, https://www.rts.ch/info/sciences-tech/)

[25] نظرًا إلى النّقص في أعداد المترجمين الفوريّين، أعلنت جامعة لافال (Laval) في كندا عن افتتاح برنامج مصغّر (قصير المدّة) عالي المستوى في التّرجمة الفوريّة.

[26]تشير الدّراسات (Jimenéz-Crespo، 2025) إلى أنّ المترجمين المحترفين، سواء أكانوا مستقلّين أو عاملين ضمن مؤسّسات، يشعرون بالسّيطرة على تقانات التّرجمة وطريقة دمجها في عملهم. وقد أفاد المترجمون بأنّ هذه التّقانات لا تهيمن على أعمالهم، ما يشير إلى أنّ المخاوف المتعلّقة بفقدان القدرة على التحكّم في المستقبل قد تُعزى إلى عوامل اقتصاديّةٍ ضمن صناعة التّرجمة، وليس إلى الذّكاء الاصطناعيّ أو تقانات التّرجمة.

[27]بالإضافة إلىChatGPT، نجد العديد من الأدوات الأخرى الّتي يمكن أن تساعد الباحثين في تحسين جودة أعمالهم الأكاديميّة مثال Zotero (إدارة المراجع وتوليد استشهادات تلقائيّة)، وMendeley (تنظيم المقالات والكتب العلميّة والمراجع، مع إمكانيّة الوصول إلى قاعدة بيانات ضخمة من الدّراسات الأكاديميّة)، وQuillbot (تحسين الكتابة الأكاديميّة من خلال إعادة صياغة النّصوص وتقليل التّكرار وأنسنة الموادّ المولّدة آليًّا).

[28]تطبيق رقميّ يعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ لمساعدة المستخدمين في تحسين كتاباتهم. يقوم برصد الأخطاء النّحويّة والإملائيّة وعلامات التّرقيم وأسلوب الكتابة، ويقدّم اقتراحات لتعزيز الوضوح والإيجاز (https://grammarly.com).

[29]The 4 Cs: Critical Thinking, Creativity, Collaboration, Communication.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى