أنشطة ثقافية وإبداع أدبي

ندوة حول كتاب “بين الشّعر والجرح قرابة”

ندوة حول كتاب “بين الشّعر والجرح قرابة”

بتاريخ 3/3/2024/الأحد الساعة العاشرة والنصف صباحًا أقيمت ندوة ثقافية نقدية عالية الحضور والأداء في حسينية حوش الرافقة، وقام بالندوة وتنظيمها الملتقى الثقافي الجامعي بشخصية رئيسه الدكتور البروفسور علي مهدي زيتون، وقد قدّمت الأستاذة ماجدة ريا الندوة بمتكلِّميها: الدكتور البروفسور محمد توفيق أبو علي الأمين العام لاتّحاد الكتّاب اللبناني سابقًا، والعميد السابق لكليّة الآداب في الجامعة اللبنانية، والدكتور الشّاعر كميل حمادة، والدكتورة ريما أمهز، والشّاعر عمر شبلي، والدكتور البروفسورعلي مهدي زيتون مؤلف كتاب “بين الشّعر والجرح قرابة”، وهو الكتاب الذي أقيمت الندوة حوله وتناول فيه الدّكتور علي مهدي زيتون دراسةَ  شعريّة عمر شبلي.

وقالت الأستاذة ماجدة ريّا في تقديمها:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصّلاة والسلام على أشرف خلق الله وسيد المرسلين نبي الرحمة محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.

الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندما تقف لتتحدّث عن شخصيتين عملاقتين في الأدب والشّعر، تشعر بعجز الكلمات عن تأدية واجبها في حقّهما، ولكل منهما باع طويل في الثقافة والشّعر ونقد الشّعر.

يتعانق موج الإبداع بين ناقد فذ وشاعر متمرّس فينتج لنا كتاب “بين الشّعر والجرح قرابة” فيحملنا العنوان مباشرة على أجنحة الخيال المفعم بالألم، ويشدّنا لنتعرّف على بلاغة الكلِم المرتبط بهموم الشّاعر الذي عرف عنه أنّه مناضل منذ فتوّة شبابه.

شبابٌ ترافقا فيه معًا، وتجذّرت علاقتهما لتمتد في عمق السنين، ومنذ البدايات أعجب الدكتور علي زيتون بشعره ووصفه بالغنى والفرادة، وقال فيه “إنّ الجمالية الشعريّة العمرية حاضرة في كل كلمة من نتاجه الكبير”.

وسنترك الغوص في عمق الكتاب لأصحاب الاختصاص لسبر أعماقه والإضاءة على مضامينه.

البداية مع قامة علمية وأدبية شامخة من البقاع الغربي، شغل منصب عميد الجامعة اللبنانية سابقًا، حائز على دكتوراه من جامعة القديس يوسف، ودكتوراه دولة من الجامعة اللبنانية، لحروفه ضوع كضوع الياسمين الذي عنون به ديوانه الشّعري، وله العديد من المؤلّفات في الأمثال العربية والأدب الجماهيري وعلم العروض ومواضيع مختلفة، كما له العديد من البحوث والمراجعات العلمية والمقالات.

كلمة الدكتور محمد توفيق أبو علي  3/3/2024/

من سيميائيّة العنوان أبدأ، لأرى اختصارًا لمحمول الكتاب، على نحو ما؛ فالعنوان يفضي إلى أنّ شعريّة عمر شبلي، منطلقة من معاناة موغلة في الألم، حتّى أصبحت جرحًا؛ والشّعر لا تكتمل بنيته، ما لم يكن بارًّا  بصلة قرابته بذلك الجرح؛ والشّقّ الثّاني من العنوان، يعترف لنصّ “عمر” بأنّه شعر، وفق المعيار الجماليّ الذي يحتكم إليه د. زيتون، والمبنيّ_ كما فصّله في هذا الكتاب، وفي كثير من أبحاثه_ على عدّة عناصر، منها  البعد الثّقافيّ، وما يسميه رولان بارت “لذّة النّصّ” ومنها ما يتعلّق بالكثافة الدّلاليّة للكلام…إلخ؛ ولولا ذاك لما صحّ الكلام على شعريّته.

ومن العنوان، إلى التّقديم؛ فإذا بنا أمام سرد رقراق، يمتزج فيه الوجد بالعقل النّقديّ، في سياق يفيض بالوفاء، من طرفيه: عمر وعليّ… واشتمل التّقديم على عرض مكثّف ودالّ، لسيرورة شعر عمر وصيرورته.

ومن التّقديم إلى عنوان: “شعريّة عمر في مهرجان تكريمه…” لنقف على معايير تحدّد صفة الشّاعر عند د. زيتون، وهي: الموهبة، وامتلاكٌ فاعلٌ لثقافة العصر، وإقامة حوار زلزاليّ  مع تلك الثّقافة يستطيع الكشف عن المآزق الخبيئة داخلها.

ويبيّن د. زيتون  أنّ المدخل النّقدي للوصول إلى شعريّة عمر شبلي، هو محور الصّورة والرّمز. ومن خلال هذا التّحليل، نرى أنّ عقل النّاقد ورهافة الشّاعر قد اجتمعا عند د. زيتون، فاختار من الشّواهد ما يناسب مقام الاستدلال، وكشف عن المخبوء المستتر في ثنايا النّصّ كشْف عالم أثريّات، يعرف كيف يعبر إلى عمق التّاريخ، من دون أن يكسر خزفًا يحتضن بعض أسراره.

وبرشاقة لا يتقنها سوى قلّة من أهل الصّنعة، استطاع د. علي إحكام الرّبط بين دوري الصّورة والرّمز؛ فالأولى تبيّن ما نفذت إليه رؤية الشّاعر، ومهمّة الثّاني تعميق تلك الرؤية ، وتسميرها على صفحة الحرف، لا للحاضر، فحسب، بل للزمن الآتي أيضًا.

والجميل في هذا التّحليل، اتّخاذ الصّورة والرّمز في شعر عمر شبلي شاهديْن لا تدحض شهادتهما، على أنّ الشّاعر مثقّف، يمتلك ناصية الإبداع.

ومن الكلام على الشعريّة، يطوف بنا د. زيتون في عوالم عمر شبلي، لنرسو عند علاقته بالمتنبّي، فيبيّن لنا صلة الرّحم بين هاتين الموهبتين النّادرتين، مظهرًا القلق الوجوديّ الذي يعصف بهما، فيحيلانِهِ استشرافًا لآفاق، لا يبلغها إلّا من أوتي حظًّا عظيمًا من الحدس والإشراق، وسارت في ركابهما لغةٌ تستجيب للّواعج الصّاخبة التي لا يهدأ أوارها، إلّا حين تنسكب شعرًا تسكن فيه روح أمّة لا تعرف القنوط.

ونمضي قدمًا إلى مبحث بعنوان:” إلى الحسين بن علي شاهدًا وشهيدًا” وما يلفت في هذا المبحث الوقوف عند خصوصيّة الرّمز الحسينيّ، مانحِ الشعريّة ألقها، وليس المستعيرَ منها ذلك الألق.

والشّعر الشّعر، بوصفه عمقًا ثقافيًّا، وحدَهُ القادر على إيفاء هذه الرّمزيّة حقّها، من خلال حسْن التّلقّي عنها والنّهل منها.

وفي هذا المبحث تفصيلات تحليليّة ونقديّة كثيرة، لا يتّسع المقام لها، في هذه العجالة.

ومن هذا المبحث، ينقلنا د.زيتون بشغف واشتياق إلى قراءته، في مجموعة الشّاعر: “أيّ خبز فيك، يا هذا المطر” فيبيّن الوجع الذي تختزنه هذه المجموعة في ثناياها؛ وكدأبه يختار د. زيتون الشّواهد التي تزيد المشهديّة وضوحًا، وتشدّنا إليها شدَّ تذوّقٍ وتعاضد ومواساة.

وعلى المنوال نفسه، يمضي بنا د.زيتون، في رحلة كشفٍ، يحدو لها الوفاء، ويضيء معارجها عقلٌ متوهّج، وقلبّ متّقد، وبصيرة لا تخون.

*****

ثم قدّمت الأستاذة ماجدة ريّا الدكتور كميل حمادة بما يلي:            

شاعر قدّير، وناقد بعين ثاقبة، تنساب كلماته كما انسيابُ مياه العاصي رقراقة، عذبة، قوية… حائز على دكتوراه من الجامعة اللبنانية، له كتابان في النّقد وأكثر من ديوان شعري.

شارك في العديد من المؤتمرات والأمسيات الشعريّة في لبنان وخارجه.

حائز على درع الجواهري، وعلى المرتبة الثالثة من جائزة سليماني العالمية لعام 2021/

الشّاعر الدكتور كميل حمادة تفضل.

 

كلمة الشّاعر الدكتور كميل حمادة بعنوان “النّقد أيضا رؤية خاصة إلى العالم”

ليس من السهل عليّ أن اقف هذا الموقف الذي لا أُحسد عليه بالمقدار نفسه الذي أحسد عليه ، ذلك أن الوقوف في محضر أستاذ كبير كالبروفيسور علي زيتون، وهو أستاذكَ أصلًا، والوقوف في حضرة ناقد كبير يؤسس لمنهج نقدي عربي حقيقي، في عصر استجلاب النّقد العربي للتجارب النّقدية الغربية و إسقاطها على شعرنا العربي ولَيِّ عنقها لتتناسب مع أدبنا وثقافتنا، والوقوف أمام انسان كبير تعلمتَ منه الإنسانية والدماثة والقيم العالية، فضلًا عن الثقافيّ والأكاديميّ، ودرجتَ على يديه طالبًا جامعيا وشاعرًا يتلمّس طريقه في وعورة الشّعر وأسئلته الخطيرة، هذا وقوف في مقام خطر..لذا أعتذر منك أستاذي أن وقفتُ لأقول شيئا فيك، واعذرني إن أخفقتُ في أن أُحيّد الطالب والشّاعر والابن والمريد في حديثي عنك.
ومما يزيد خطورة الموقف هذا أنني أقف بين كبيرين: علي زيتون متحدثًا عن عمر شبلي. ناقدٌ وشاعر جمعتهما الثقافة وهمومها، والصداقة وأحلامها وآمالها، والأمة وأحوالها ومآلاتها، فماذا أنا فاعل إلا كمن يريد نقل البحر بكوب صغير، أو من يريد حصر الكون في زجاجة ..لكنها المحاولة في مقاربة هذا الكتاب” بين الشّعر والجرح قرابة -دراسة في شعر عمر شبلي-“ وهو كتاب يتيح لك بعد قراءته أن تصرخ وتقول: “كذلك إن بين النّقد والجرح قرابة، وإن النّقد أيضا-كما الشّعر-هو رؤية خاصة إلى العالم“.

يختصر عنوان الكتاب تعريفًا متشعبًا وثقافيًا للشعر بعد محاولات كثيرة ومتتالية لتعريفه منذ التعريف البدائي إن” الشّعر كلام موزون مقفى ذو معنى” وصولًا إلى تعريف محمد علي شمس الدين للشعر بأنه ” جرح الغيب” مرورا بتعريف أدونيس له على أنه “سؤال مستمر يستتبع سؤالًا”. لكن تعريف د. علي زيتون يذهب أبعد من ذلك في عنوان كتابه هذا :” بين الشّعر والجرح قرابة” ، الشّعر قريب الجرح وليس الجرح نفسه، لأن الجرح لا يحمل قابلية شفائه بنفسه، الشّعر ينشأ عن جرح، عن همٍّ ثقافي وهمٍّ معرفيٍّ وهمّ يكتنف حال الأمة، لكنه لا يقف عند كونه جرحا، بل يتصاعد أعلى ليكون محاولةً لكشف العلاج المناسب لالتئامه. لا يكفي أن يكون الشّعر جرحًا بل ينبغي أن يكون الشّاعر جرّاحًا ويقدّم الدواء لجرح أمته، لأن الشّعر وفق د. علي زيتون يحمل همّ ختم الجرح النازف في خاصرة الأمة، ولأن الشّاعر -وهو عمر شبلي الذي يمثل الشّاعر خير تمثيل- الشّاعر معنيٌ بإيجاد الحلول لأدواء الأمة لا أن ينكأ جرحها فحسب. وليس الشّعر طرح الأسئلة فحسب كما يرى أدونيس ، الشّاعر عند د. علي زيتون يقترح الأجوبة ولا يكتفي باستنفار الأسئلة “وإطفاء نار الأجوبة” كما يقول أدونيس، فإذا ما انطفأت نار الأجوبة فكيف تهتدي الأمة إلى طريقها؟ الشّاعر وفق د. علي زيتون مدعوٌّ لِنكْء جراح الأمة وإن صرختْ وإلى خضّها بالأسئلة المزلزلة، لكنه معنيٌّ أيضًا بإيجاد العقاقير واستيلاد الإجابات على تلك الأسئلة المحرجة لثقافة أمته وعصره.

وإن أردت أن تكون شاعرًا فهذه الوصفة الزيتونية لك:

يحتاج الشّاعر ليكون شاعرا إلى ثلاثة أمور وهي موهبة،[ وتلك منحة إلهية فطرية] وامتلاك فاعل لثقافة العصر [وانوّه إلى التركيز على كلمة “فاعل” في وصف امتلاك الثقافة]، وإقامة حوار زلزاليّ مع تلك الثقافة يستطيع من خلالها الشّاعر الكشف عن مآزق الخبيئة داخل الأمة ” وتلفت جدًا لفظة( زلزالي) في وصف الأسئلة، ينبغي أن تكون لدى الشّاعر الجرأةُ في طرح الأسئلة المحرجة والخطيرة على ثقافة أمته وقناعاتها.

وانطلاقًا من هذا الفهم للشعر والشّاعر، ومن هذه الرؤية الزيتونية الخاصة والفريدة إلى الشّعر، يختار د. علي زيتون شاعرًا كبيرًا هو عمر شبلي ليكون موضوع دراسته في هذا الكتاب لأن عمر شبلي يشكل نموذجًا عمليًا لهذه الرؤية. هنا يصبح النّقد أيضا رؤية خاصة إلى العالم، وإلى الشّعر جزئيةً من جزئيات هذا العالم.

ثم تتوالى عليك الأسئلة عند قراءة الكتاب: لماذا اختار د. علي زيتون عمرَ شبلي في قراءته للمتنبي بما يمثله المتنبي من عنصر فرادة خضّ الثقافة العربية وسافر في الزمن؟

ولماذا اختار عمرَ شبلي في ديوانه ” الحسين بن علي شاهدًا وشهيدًا”؟ ولماذا اختار عمرَ شبلي في ديوانه ” أيُّ خبز فيك يا هذا المطر ” وفي ” وعورة الماء” فوصفه بالملّاح والسيرة الفاعلة في الزمن المرّ؟ ثم لماذا اختاره في “الشّعر ناقدًا الشّعر في حوار ثقافي نقدي بين عمر شبلي وهو يمارس العملية النّقدية على شاعر آخر هو محمد علي شمس الدين “؟ أي علاقة بين عمر شبلي من جهة وبين المتنبي والحسين الشهيد والسجين والرائي حال الأمة في الزمن المر والشّاعر الناقد من جهة أخرى؟

أسئلة كبرى تحتاج إلى الكثير من التوسع للإجابة عنها مما ليس هذا مقامه، لكن يمكن تكثيف الإجابة واختصارها في رؤية البروفيسور علي زيتون إلى دور الشّعر والشّاعر .الشّاعر عند علي زيتون (متنبي) يسافر مع الزمن ويفتح بوابات الآتي في حاضره ويبصر ما لا يبصره الآخرون، والشّاعر حسينٌ شهيدٌ مضحٍّ يُسفك دمه لاستنهاض أمته، الشّعر فعل فداء كبير ، الشّعر فعل قولي أو قول فعلي، هو قول يفعل في حركة التاريخ والحاضر والمستقبل، قولٌ يفعل، كأنّه هذه ال “كُنْ” التي يقولها الله فلا تكون مجرد لفظة، بل تكون كل فعل الخلق والوجود. هكذا هو الشّاعر، وهو كذلك ناقدٌ يغربل التاريخ، وهو حرية واعية تفتح كل ابواب السجون الداخلية، كأن علي زيتون يقول لعمر شبلي وهو في سجنه: ” لست سجينا ما دمت شاعرًا، ففي يدك كل المفاتيح وعلى كتفيك كل أجنحة الحرية، الشّاعر حرٌّ ولو كان سجينًا في البروج المشيّدة .
شكرا لك د. علي على هذا الكتاب الدستور في النّقد والشّعر والحياة والصداقة والثورة والمقاومة وما أضأت فيه على شاعر كبير كعمر شبلي.

*****

ثم قدّمت الأستاذة ماجدة ريّا الدكتورة ريما أمهز، وقالت فيها:

مبدعة هي، صاحبة الكلمات الراقية والإلقاء المتميّز، والحضور القوي.

كاتبة وباحثة، ومدرّبة تربوية في المركز التربوي للبحوث والإنماء_في دور المعلمين والمعلمات في لبنان. ومرشدة تربوية في مركز الإرشاد والتوجيه.

لها دور فعّال في أكثر من تجمّع أدبي.

مشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية، لها العديد من المقالات والأبحاث منشورة في مجلات محلية ودولية محكمة. حائزة على الوسام العلمي أربع مرّات.

 

قراءة في كتاب د. علي زيتون “ما بين الشّعر والجرح قرابة.

كلمة د. ريما أمهز

بأيّ مؤونة، وبأيّ رصيد سألج هذا السّفر الجليل للدّكتور علي مهدي زيتون الّذي لا يكاد الواحد منّا يقترب من بحره حتّى يشعر بالرّهبة والهيبة، وكأنّه أمام محيط زاخر، لا يعرف أنّى يخوض، ولا كيف يخرج.

بمثل هذا الشّعور سأحاول قراءة هذا الكتاب قراءة عاشقة لا ناقدة، سأقرأه قراءة المتلهّف لفكر الدّكتور علي زيتون المحمّل بجماليّات ثقافيّة عميقة زاخرة، وتجلّيات معرفيّة نقديّة مجلببة بعلميّة واضحة في مجال الدّرس النّقدي.

وأنت تخطو الخطوة الأولى في كتابه المفتوح إلى عمر شبلي، تجد نفسك أمام عنوانٍ عتيد “ما بين الشّعر والجرح قرابة”، فلا تستطيع، مسكونًا برؤيتك أن تمرّ مرور الكرام على هذا العنوان الّذي يستوقفك ليقدّم إليك العمق الّذي تحاول رؤية الشّاعر الكشف عنه.

فإذا كانت كلمة الشّعر وحدها كافية للإشارة إلى ما يوحي به الشّعر من فاعليّة، فإنّها مع الجرح تتسنّم بعدًا وظيفيًّا أكثر طاقةً وفاعليّة، فأن يكون بين الشّعر والجرح قرابة، إنّما يمثّل إشارة قويّة تومئ إلى مدرسة شعريّة عمريّة تأسّست على كثير من الجراحات والآلام، مدرسة تأخذك إلى مواعيد الدّهشة، يمضي فيها الشّاعر حاملًا أوجاعه وأشجانه المعتّقة، يلوذ بالكلمات معانقًا نداءات قلبه، ويسكب في ذاته المتداعية ما سال من أحزان الرّوح…

ينعقد هذا الكتاب على مجموعة من الأبحاث النّقديّة الّتي حلّق بها الدّكتور علي زيتون بصديقه ورفيق دربه الشّاعر عمر شبلي إلى مصافّ الخالدين، فجسّد من خلالها مسيرة عمر الشعريّة، الّتي اتّسعت لعذابه الطويل، وكدْحه المضني، وشــــعره الطالع كبخار البركان، فلم يدع ديوانًا له أو عنه، إلّا وقطف خميرته، وأودعه بحثًا أو خزانة، ليكشف الغطاءَ حتّى عن الأَنفاس الخفيّة

والذّبذبات الدّاخلية لأَحاسيس عمر وأَفكاره، وليجعلك تعشق أحزانه المتكرّرة وترفعها إلى مستوى القداسة، قداسة النّصر المبين.

في هذا الكتاب كثير من الوفاء والحبّ والإباء، في هذا الكتاب ترجمة حقيقيّة لجراح عمر شبلي، المعبّأة بهمّ فلسطين، والّتي تمثّل فاعلًا قويًّا في تحديد مواقفه وآرائه. فهو الّذي حمل همّ القضيّة الفلسطينيّة جمرًا بين ضلوعه، ففلسطين لغته ورئته، وأنفاسه وأصداؤه، من هنا جاء شعره مقاومة مخضّبة بالحبر، جنودها حروف، وميادينها سطور.. فهو واحد من أولئك الّذين آمنوا بالحرف مفتاحا للعائدين، وبالحبر دليلا ملوّنا إلى حبق الدّار هناك في فلسطين.

دخل الدّكتور علي زيتون عالم عمر شبلي الشّعري الّذي يتّصف بالغنى والفرادة، فوجد الجماليّة الشعريّة العمريّة حاضرة في كلّ كلمة من كلمات نتاجه الكبير، تثير في نفسك رعشة لذيذة عذبة لا تجدها إلّا في شعر الشّعراء الكبار الّذين امتلكوا ثقافة عصرهم، واستطاعوا أن يطرحوا عليها أسئلتهم المحرجة.

تتبّع رؤيته إلى العالم، فوجدها رؤية مثقّف كبير، لم يتملّك ثقافة عصره، تملّك المستريح إلى أريكته الوثيرة. تملّكها وهو مثقل بعبء انعدام المسافة بين قناعاته وسلوكه. كان يعتصر الثّقافة بقدر ما تعتصره الثّقافة. فعمر الّذي أمضى نيّفًا وعشرين عامًا في السّجون، لم تفته ثقافة العصر حتّى لكأنّ السّجن الّذي أمضى فيه زهرة شبابه، لم يغيّبه عن الثّورة المعرفيّة الخاصّة باللّغة والأدب والنّقد الّتي شهدها العالم الحديث خارج سجنه.

بمثل هذه الثّقافة قرأ عمر المتنبّي، والإمام الحسين (ع)، وحافظ الشّيرازي، ومحمّد علي شمس الدّين، كما قرأ القضيّة الفلسطينيّة، فنفذ إلى عمق ما كان لأيّة ثقافة أخرى أن تصل إليه. لقد تحمّل بأمانة متناهية مسؤوليّة الشعريّة في هذا الزّمان، ومسؤوليّة أن تكون تلك الشعريّة ملتزمة بقضايا الإنسان الكبرى على الأرض.

لقد كانت الخصوصيّة والفرادة قوام الشعريّة عند عمر، تلك الفرادة الّتي اصطنع الباحث، من أجل الكشف عن سرّ خلودها، ثلاثة مقاييس لا يمكن نكرانها: ملامسة النّفس الإنسانيّة في محاولات صعودها إلى الأعلى، واحتضان الوجدان الشّعبيّ الجماهيري لهذا النّتاج، واستمرار هذا الاحتضان لعصور طويلة.

ويبقى أنّ شعريّة عمر شبلي كما يقول الدّكتور علي زيتون في كتابه منتمية إلى ثالوثه: رؤيته إلى العالم، وما نفذت إليه من العالم المرجعي، ولغته الّتي عبّر عمّا وصلت إليه تلك الرّؤية، كانت شعريّة لافتة إلى شاعر كبير؛ لأنّه كان مثقّفًا كبيرًا. فالجدّة الفريدة الّتي نواجهها في القصيدة العمريّة من خلال الصّور والرّموز تومئ إلى جماليّة تثير انفعالنا وتمدّنا برعشة لذيذة لا نلقاها إلّا مع فرادة موازية لفرادة الشعريّة العمريّة.

في الحقيقة، إنّ عجالة كهذه لن تفي كتاب الدّكتور علي زيتون حقّه، لذلك سأختصر وأقول: دكتور علي، أستاذي، ومعلّمي، ووالدي الرّوحيّ.. أبارك لكم هذا الإصدار الجديد الّذي سيكون مدهشًا للدّارسين على اختلاف عقائدهم ومشاربهم… لأنّه من كلام مبدع استثنائيّ، ملأ الدّنيا أدبًا متحرّرا من كلّ شائبة، وشعرًا مدركًا لماهيّة القصيدة، ونقدًا قائمًا على الجرأة والاقتحام لفكّ مغاليق النّصّ الأدبيّ وسبر العميق من أغواره.

*****

ثم قدّمت الأستاذة ماجدة ريّا الشّاعر عمر شبلي

قيل عنه الكثير لغزارة إنتاجه الشّعري وفصاحته وبلاغته وقوة تعبيره، وما يحمله من نضال ثوري، تؤرّقه قضايا الأمة، فينساب حبره متفجّرًا لعلّه يرسم مداميكَ لطريق الحلم، أو يؤثّر فيما نعيشه من واقع.

ذو ثقافة عالية واطّلاع على التاريخ فكتب في شتى الميادين في التاريخ والدين والتصوّف، والرمز والأسطورة والخرافات، والذكريات والعادات والتقاليد وغيرها.

ترجم شعر حافظ الشيرازي من الفارسية إلى العربية الفصحى شعرًا في أربعة مجلّدات، بعنوان “حافظ الشيرازي بالعربية شعرًا” وكتب كتابًا في شعر حافظ الشيرازي وسمّاه “حافظ الشيرازي بين الناسوت واللّاهوت”.

 

كلمة الشّاعر الأستاذ عمر شبلي وقصيدته:

السلام عليكم ورحمة الله.

أنا ليس لديّ مزيدٌ من الكلام، على ما قدّمه المتكلِّمون قبلي، فقد استطاعوا بقراءاتهم العالية والمشحونة بالوفاء والصدق والعمق المعرفي والتذوّق الفني للشعر والنثر أن يكشفوا عني ما قاله المتنبي في ابن جِنّي”ابن جِنّي أعلمُ بشعري منّي”. لقد أعطوني أكثر ممّا أستحقُّ وأسبغوا عليّ أكثر من قدرتي على الوفاء لأقلامهم المؤمنة بما يسيل حبرها.

ما أريد أن أقوله: إنّ للدكتور علي زيتون عليَّ فضلًا لا أنساه ما حييت، لقد أضاءني بعد عتمة “مقبرة مهددة بالحياة”. لقد رآني حيًا في هذه المقبرة فمدَّ إليَّ يده وانتشلني، كانت يده نظيفةً حانية، كنتُ أرى قلبه على لسانه الصادق وهو يقدمني للآخرين، كان يبحر في عمقي ويعرفني ربما بمستوى معرفتي ذاتي. علي زيتون ينتمي إلى الإنسان الذي تبحث أمتنا عن  أخلاقيةٍ كأخلاقيته، أحببته لصدقه وعمقه ووفائه وإنسانيته. اكتشف في شعري أبعادًا لم أكن أدركها إلا إحساسًا، أما هو فقد اكتشفني إحساسًا وعمقًا ورؤيا، وكنت بحاجة إليه، وكنا نتعاتب ونختلف على أمور، ولكن على ما لم يكن مؤثرًا على الأضواء العميقة في كلينا، وكنت أقول له ويقول لي ما قاله المتنبي لغلام أبي العشائر، وكان أبو العشائر من أقرب الناس للمتنبي، ولكنه غضب على المتنبي بعد إلقاء قصيدته الحمراء، “واحرّ قلباه ممن قلبه شبم”, وقتها أمر أبو العشائر غلامه أن يضرب المتنبي بنباله، وقال لغلامه قل للمتنبي: خذها وأنا غلام أبي العشائر، وحين سمع المتنبي اسم صديقه أبي العشائر استعاد الروح العميقة بينهما، وقال وقتها المتنبي العظيم:

ومنتسبٍ عندي إلى من أحبُّهُ     وللنَبْلِ حولي من يديه حفيفُ

فهيّجَ أشواقي وما من مذلّةٍ       حَنَنْتُ ولكنّ الكريمَ أَلوفُ

وكلُّ ودادٍ لا يدومُ مع الأذى      دوامَ ودادي للحسين ضعيفُ

فإنْ يكنِ الفعلُ الذي ساء واحدًا    فأفعالُهُ اللّائي سَرَرْنَ أُلوفُ

*****

القصيدة التي ألقاها عمر شبلي في هذه الندوة:

 

  أنا أخجل أن أرثيكَ لأنكَ أكبرُ من أيِّ كلام

                     آرون[1] بوشنلْ، إليك حيًّا في كل قلوب الأطفال بغزة        

                      حتى زمن الطوفان.

                      عمر شبلي   27/2/2024/ 

 

 آرونْ، طيّارًا كان يطيرُ بأجنحةٍ من نارْ

قد أبصرَ غزّةَ من واشنطنْ،

ورأى ما لسْنا نحن نرى

صارتْ في عينيْهِ الأرضُ سماءْ

نادتْهُ الأسماءُ الحسنى المقتولةُ في غزّةْ

وأجابَ نداءْ

يا “آرون”

أبصرتُكَ مُشتعِلًا،

قلتُ: الدنيا تحتاجُ ضياءْ

والنارُ لها ضوءٌ آخرْ

لا يُبصرُه إلّا من كان لها حَطَبا

نارٌ حمراءُ مُقدَّسةٌ

قرّر أن يعبدَها، لكنْ لم يُبصِرْ

وهو يطوف بها عَرَبا

يا نارْ،

كوني بردًا وسلامًا

يا نارُ على الجسد الملفوفِ

بكلِّ أسى الأطفالِ بغزّةْ

كوني برْدًا وسلامًا،

با نارُ، على “آرون”

فتَّشَ عن قِبْلتِها، فَتَّشَ عن كعْبتِها

قد كانت غزّةُ كعبتَه،

لكن لم يُبصِرْ، وهو يطوف بها، عربا.

فسعى للنارِ، وطاف بها سبعة أشواطٍ حمراء

كانت تمتدُّ به من غزّةَ حتى واشنطنْ،

حتّى البيتِ الأبيضْ،

وسِفارةِ إسرائيلْ

ما أقصرَها!!

يا هذا الجنديُّ الطيّارُ، هناكَ بواشنطنْ

ما كنتَ بغزّةَ، حين دفعْتَ لنصرتِها عمرَكْ،

ما كنتَ بها عربيًّا من قحطانَ ولا عدنانْ.

إنسانًا كنتْ

جنسيَّتُهُ دمُهُ، قوميّتُهُ دمُهُ.

دمُهُ فارَ كبركانٍ من نارْ،

فتوضّأَ بالنيرانِ وبالأحقادِ، وصلّى.

بعضُ النبرانِ لها صِفةُ الماءْ

بعضُ الأحقادِ إباءْ

وتلا آياتٍ يحفظُها فمُهُ المقهورْ

لم تُسعفْهُ اللغةُ العربيّةُ حتى يفهمَها أكثرْ،

والأجملُ ألّا يفهمَها لرداءةِ من نطقوها اليومْ

في مؤتمرٍ عربيٍّ إسلامي،

أشهدُ: أنْ لا إسلامَ ولا عربٌ فيهِ

لكنْ من يملكْ قلبًا حُرًّا مثلَكَ يفهمْ كلّ لغاتِ الأرضْ

والقهرُ له لغةٌ قُصوى، فاستلَّ النارَ

وأشعلَ جثَّتَهُ فأضاء

والنارُ كلامٌ أفصحُ في زمن الطوفانْ

*****

آرون، قد أبصرَ غزّة من واشنطنْ

ورأى ما لسْنا نحن نرى.

هو أبصرَ طفلًا كان يلوكُ الخبزَ

بلا خبزٍ موجودٍ في فمِهِ.

ما أقتلَ أن يشبعَ طفلٌ جَوعانْ

برصاصةِ قاتلِهِ الشبعانْ

*****

من قبلكَ، يا آرون،  “جورج فلويد” قَضى

إذْ كان “البيتُ الأبيضُ” منطفئًا يحتاجُ ضياءْ.

لكنْ، من أين يُضيءُ “البيتُ الأبيضُ”،

يا “آرونُ”، وفيه عَماءْ

نارُ “البيتِ الأبيضِ”، يا آرونْ،

ليستْ تشبعُ مهما قدّمتَ لها حطبا

ولقتلِ الناسِ بلا سبَبٍ تجدُ السَبَبا

*****

يا هذا الجنديُّ الطيّارُ بأجنحةٍ من نارْ

أنا أخجلُ إذْ أرثيك،

لغتي قدَّامَ رمادِكَ منطفئةْ

لغةُ العربِ “الأقحاحِ” بغزّةَ صار بها لُكْنةْ

صارتْ تكذبُ كالإنسانْ العربي المُلْغى

من كثرةِ ما قلَعَ الحُكّامُ لناطقِها أسنانْ

نَعلاكَ على شاشات العالم أعلى قدرًا

من حُكّامِ العربِ الخِصيانْ

بهما شرفٌ أكثر من حكّامٍ باعوا الأرضَ

وباعوا اللهْ.

يا آرون، علِّمنا كيف سنشعل هذي النارَ بأنظمةٍ

صُنِعتْ من جوعِ الناسِ، ومن دمِهمْ،

صُنِعتْ في غُرَفٍ ضيِّقةٍ وسقوفٍ منخفضةْ،

وسيبقى الأمرُ كذلك حتى يظهرَ فينا إنسانٌ من دمْ،

يتوضَّاُ من دمه لصلاة الصبحْ،

ويَؤُمُّ قرامِطةً، ويُحَدِّدُ قِبلتَهم بسيوفٍ ظامئةٍ

أرثيكَ الآنَ وأعلمُ أن فمي من قهري ملآنْ.

وأنا لعروبةِ هذي الأرضْ

مثلُكِ يا غزّةُ جَوعان.

*****

وفي الختام:

قامة علمية وفكرية كبيرة، حياتها مليئة بالعطاء، وما زالت تبدع على مر السنين.

أستاذ جامعي ناقد وباحث

حائز على دكتوراه من جامعة القديس يوسف في لبنان

رئيس الملتقى الثقافي الجامعي، و رئيس مجلس الأمناء في جامعة المعارف في بيروت.

لديه أكثر من 30 سنة خبرة في المجال الأكاديمي، وقد شارك في أكثر من 30 مؤتمرًا محليًا وإقليميًّا ودوليًّا. وله أكثر من 100 مؤلف من بينها كتب وأوراق بحثية في الأدب والشّعر والسياسة والدين والتربية.

مسك الختام مع البروفيسور علي زيتون مؤلف الكتاب

فقال الدكتور علي زيتون:

باسم الملتقى الثقافي الجامعي نشكر حضوركم الكريم ودمتم بخير.

*****

[1]   آرون طيّار أمريكي أحرق نفسه أمام سفارة “إسرائيل” بواشنطن أحتجاجا وانتصاراً لغزة وعدالة قضيتها.

 

 

 

بتاريخ 3/3/2024/الأحد الساعة العاشرة والنصف صباحًا أقيمت ندوة ثقافية نقدية عالية الحضور والأداء في حسينية حوش الرافقة، وقام بالندوة وتنظيمها الملتقى الثقافي الجامعي بشخصية رئيسه الدكتور البروفسور علي مهدي زيتون، وقد قدّمت الأستاذة ماجدة ريا الندوة بمتكلِّميها: الدكتور البروفسور محمد توفيق أبو علي الأمين العام لاتّحاد الكتّاب اللبناني سابقًا، والعميد السابق لكليّة الآداب في الجامعة اللبنانية، والدكتور الشّاعر كميل حمادة، والدكتورة ريما أمهز، والشّاعر عمر شبلي، والدكتور البروفسورعلي مهدي زيتون مؤلف كتاب “بين الشّعر والجرح قرابة”، وهو الكتاب الذي أقيمت الندوة حوله وتناول فيه الدّكتور علي مهدي زيتون دراسةَ  شعريّة عمر شبلي.

وقالت الأستاذة ماجدة ريّا في تقديمها:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصّلاة والسلام على أشرف خلق الله وسيد المرسلين نبي الرحمة محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.

الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندما تقف لتتحدّث عن شخصيتين عملاقتين في الأدب والشّعر، تشعر بعجز الكلمات عن تأدية واجبها في حقّهما، ولكل منهما باع طويل في الثقافة والشّعر ونقد الشّعر.

يتعانق موج الإبداع بين ناقد فذ وشاعر متمرّس فينتج لنا كتاب “بين الشّعر والجرح قرابة” فيحملنا العنوان مباشرة على أجنحة الخيال المفعم بالألم، ويشدّنا لنتعرّف على بلاغة الكلِم المرتبط بهموم الشّاعر الذي عرف عنه أنّه مناضل منذ فتوّة شبابه.

شبابٌ ترافقا فيه معًا، وتجذّرت علاقتهما لتمتد في عمق السنين، ومنذ البدايات أعجب الدكتور علي زيتون بشعره ووصفه بالغنى والفرادة، وقال فيه “إنّ الجمالية الشعريّة العمرية حاضرة في كل كلمة من نتاجه الكبير”.

وسنترك الغوص في عمق الكتاب لأصحاب الاختصاص لسبر أعماقه والإضاءة على مضامينه.

البداية مع قامة علمية وأدبية شامخة من البقاع الغربي، شغل منصب عميد الجامعة اللبنانية سابقًا، حائز على دكتوراه من جامعة القديس يوسف، ودكتوراه دولة من الجامعة اللبنانية، لحروفه ضوع كضوع الياسمين الذي عنون به ديوانه الشّعري، وله العديد من المؤلّفات في الأمثال العربية والأدب الجماهيري وعلم العروض ومواضيع مختلفة، كما له العديد من البحوث والمراجعات العلمية والمقالات.

كلمة الدكتور محمد توفيق أبو علي  3/3/2024/

من سيميائيّة العنوان أبدأ، لأرى اختصارًا لمحمول الكتاب، على نحو ما؛ فالعنوان يفضي إلى أنّ شعريّة عمر شبلي، منطلقة من معاناة موغلة في الألم، حتّى أصبحت جرحًا؛ والشّعر لا تكتمل بنيته، ما لم يكن بارًّا  بصلة قرابته بذلك الجرح؛ والشّقّ الثّاني من العنوان، يعترف لنصّ “عمر” بأنّه شعر، وفق المعيار الجماليّ الذي يحتكم إليه د. زيتون، والمبنيّ_ كما فصّله في هذا الكتاب، وفي كثير من أبحاثه_ على عدّة عناصر، منها  البعد الثّقافيّ، وما يسميه رولان بارت “لذّة النّصّ” ومنها ما يتعلّق بالكثافة الدّلاليّة للكلام…إلخ؛ ولولا ذاك لما صحّ الكلام على شعريّته.

ومن العنوان، إلى التّقديم؛ فإذا بنا أمام سرد رقراق، يمتزج فيه الوجد بالعقل النّقديّ، في سياق يفيض بالوفاء، من طرفيه: عمر وعليّ… واشتمل التّقديم على عرض مكثّف ودالّ، لسيرورة شعر عمر وصيرورته.

ومن التّقديم إلى عنوان: “شعريّة عمر في مهرجان تكريمه…” لنقف على معايير تحدّد صفة الشّاعر عند د. زيتون، وهي: الموهبة، وامتلاكٌ فاعلٌ لثقافة العصر، وإقامة حوار زلزاليّ  مع تلك الثّقافة يستطيع الكشف عن المآزق الخبيئة داخلها.

ويبيّن د. زيتون  أنّ المدخل النّقدي للوصول إلى شعريّة عمر شبلي، هو محور الصّورة والرّمز. ومن خلال هذا التّحليل، نرى أنّ عقل النّاقد ورهافة الشّاعر قد اجتمعا عند د. زيتون، فاختار من الشّواهد ما يناسب مقام الاستدلال، وكشف عن المخبوء المستتر في ثنايا النّصّ كشْف عالم أثريّات، يعرف كيف يعبر إلى عمق التّاريخ، من دون أن يكسر خزفًا يحتضن بعض أسراره.

وبرشاقة لا يتقنها سوى قلّة من أهل الصّنعة، استطاع د. علي إحكام الرّبط بين دوري الصّورة والرّمز؛ فالأولى تبيّن ما نفذت إليه رؤية الشّاعر، ومهمّة الثّاني تعميق تلك الرؤية ، وتسميرها على صفحة الحرف، لا للحاضر، فحسب، بل للزمن الآتي أيضًا.

والجميل في هذا التّحليل، اتّخاذ الصّورة والرّمز في شعر عمر شبلي شاهديْن لا تدحض شهادتهما، على أنّ الشّاعر مثقّف، يمتلك ناصية الإبداع.

ومن الكلام على الشعريّة، يطوف بنا د. زيتون في عوالم عمر شبلي، لنرسو عند علاقته بالمتنبّي، فيبيّن لنا صلة الرّحم بين هاتين الموهبتين النّادرتين، مظهرًا القلق الوجوديّ الذي يعصف بهما، فيحيلانِهِ استشرافًا لآفاق، لا يبلغها إلّا من أوتي حظًّا عظيمًا من الحدس والإشراق، وسارت في ركابهما لغةٌ تستجيب للّواعج الصّاخبة التي لا يهدأ أوارها، إلّا حين تنسكب شعرًا تسكن فيه روح أمّة لا تعرف القنوط.

ونمضي قدمًا إلى مبحث بعنوان:” إلى الحسين بن علي شاهدًا وشهيدًا” وما يلفت في هذا المبحث الوقوف عند خصوصيّة الرّمز الحسينيّ، مانحِ الشعريّة ألقها، وليس المستعيرَ منها ذلك الألق.

والشّعر الشّعر، بوصفه عمقًا ثقافيًّا، وحدَهُ القادر على إيفاء هذه الرّمزيّة حقّها، من خلال حسْن التّلقّي عنها والنّهل منها.

وفي هذا المبحث تفصيلات تحليليّة ونقديّة كثيرة، لا يتّسع المقام لها، في هذه العجالة.

ومن هذا المبحث، ينقلنا د.زيتون بشغف واشتياق إلى قراءته، في مجموعة الشّاعر: “أيّ خبز فيك، يا هذا المطر” فيبيّن الوجع الذي تختزنه هذه المجموعة في ثناياها؛ وكدأبه يختار د. زيتون الشّواهد التي تزيد المشهديّة وضوحًا، وتشدّنا إليها شدَّ تذوّقٍ وتعاضد ومواساة.

وعلى المنوال نفسه، يمضي بنا د.زيتون، في رحلة كشفٍ، يحدو لها الوفاء، ويضيء معارجها عقلٌ متوهّج، وقلبّ متّقد، وبصيرة لا تخون.

*****

ثم قدّمت الأستاذة ماجدة ريّا الدكتور كميل حمادة بما يلي:            

شاعر قدّير، وناقد بعين ثاقبة، تنساب كلماته كما انسيابُ مياه العاصي رقراقة، عذبة، قوية… حائز على دكتوراه من الجامعة اللبنانية، له كتابان في النّقد وأكثر من ديوان شعري.

شارك في العديد من المؤتمرات والأمسيات الشعريّة في لبنان وخارجه.

حائز على درع الجواهري، وعلى المرتبة الثالثة من جائزة سليماني العالمية لعام 2021/

الشّاعر الدكتور كميل حمادة تفضل.

 

كلمة الشّاعر الدكتور كميل حمادة بعنوان “النّقد أيضا رؤية خاصة إلى العالم”

ليس من السهل عليّ أن اقف هذا الموقف الذي لا أُحسد عليه بالمقدار نفسه الذي أحسد عليه ، ذلك أن الوقوف في محضر أستاذ كبير كالبروفيسور علي زيتون، وهو أستاذكَ أصلًا، والوقوف في حضرة ناقد كبير يؤسس لمنهج نقدي عربي حقيقي، في عصر استجلاب النّقد العربي للتجارب النّقدية الغربية و إسقاطها على شعرنا العربي ولَيِّ عنقها لتتناسب مع أدبنا وثقافتنا، والوقوف أمام انسان كبير تعلمتَ منه الإنسانية والدماثة والقيم العالية، فضلًا عن الثقافيّ والأكاديميّ، ودرجتَ على يديه طالبًا جامعيا وشاعرًا يتلمّس طريقه في وعورة الشّعر وأسئلته الخطيرة، هذا وقوف في مقام خطر..لذا أعتذر منك أستاذي أن وقفتُ لأقول شيئا فيك، واعذرني إن أخفقتُ في أن أُحيّد الطالب والشّاعر والابن والمريد في حديثي عنك.
ومما يزيد خطورة الموقف هذا أنني أقف بين كبيرين: علي زيتون متحدثًا عن عمر شبلي. ناقدٌ وشاعر جمعتهما الثقافة وهمومها، والصداقة وأحلامها وآمالها، والأمة وأحوالها ومآلاتها، فماذا أنا فاعل إلا كمن يريد نقل البحر بكوب صغير، أو من يريد حصر الكون في زجاجة ..لكنها المحاولة في مقاربة هذا الكتاب” بين الشّعر والجرح قرابة -دراسة في شعر عمر شبلي-“ وهو كتاب يتيح لك بعد قراءته أن تصرخ وتقول: “كذلك إن بين النّقد والجرح قرابة، وإن النّقد أيضا-كما الشّعر-هو رؤية خاصة إلى العالم“.

يختصر عنوان الكتاب تعريفًا متشعبًا وثقافيًا للشعر بعد محاولات كثيرة ومتتالية لتعريفه منذ التعريف البدائي إن” الشّعر كلام موزون مقفى ذو معنى” وصولًا إلى تعريف محمد علي شمس الدين للشعر بأنه ” جرح الغيب” مرورا بتعريف أدونيس له على أنه “سؤال مستمر يستتبع سؤالًا”. لكن تعريف د. علي زيتون يذهب أبعد من ذلك في عنوان كتابه هذا :” بين الشّعر والجرح قرابة” ، الشّعر قريب الجرح وليس الجرح نفسه، لأن الجرح لا يحمل قابلية شفائه بنفسه، الشّعر ينشأ عن جرح، عن همٍّ ثقافي وهمٍّ معرفيٍّ وهمّ يكتنف حال الأمة، لكنه لا يقف عند كونه جرحا، بل يتصاعد أعلى ليكون محاولةً لكشف العلاج المناسب لالتئامه. لا يكفي أن يكون الشّعر جرحًا بل ينبغي أن يكون الشّاعر جرّاحًا ويقدّم الدواء لجرح أمته، لأن الشّعر وفق د. علي زيتون يحمل همّ ختم الجرح النازف في خاصرة الأمة، ولأن الشّاعر -وهو عمر شبلي الذي يمثل الشّاعر خير تمثيل- الشّاعر معنيٌ بإيجاد الحلول لأدواء الأمة لا أن ينكأ جرحها فحسب. وليس الشّعر طرح الأسئلة فحسب كما يرى أدونيس ، الشّاعر عند د. علي زيتون يقترح الأجوبة ولا يكتفي باستنفار الأسئلة “وإطفاء نار الأجوبة” كما يقول أدونيس، فإذا ما انطفأت نار الأجوبة فكيف تهتدي الأمة إلى طريقها؟ الشّاعر وفق د. علي زيتون مدعوٌّ لِنكْء جراح الأمة وإن صرختْ وإلى خضّها بالأسئلة المزلزلة، لكنه معنيٌّ أيضًا بإيجاد العقاقير واستيلاد الإجابات على تلك الأسئلة المحرجة لثقافة أمته وعصره.

وإن أردت أن تكون شاعرًا فهذه الوصفة الزيتونية لك:

يحتاج الشّاعر ليكون شاعرا إلى ثلاثة أمور وهي موهبة،[ وتلك منحة إلهية فطرية] وامتلاك فاعل لثقافة العصر [وانوّه إلى التركيز على كلمة “فاعل” في وصف امتلاك الثقافة]، وإقامة حوار زلزاليّ مع تلك الثقافة يستطيع من خلالها الشّاعر الكشف عن مآزق الخبيئة داخل الأمة ” وتلفت جدًا لفظة( زلزالي) في وصف الأسئلة، ينبغي أن تكون لدى الشّاعر الجرأةُ في طرح الأسئلة المحرجة والخطيرة على ثقافة أمته وقناعاتها.

وانطلاقًا من هذا الفهم للشعر والشّاعر، ومن هذه الرؤية الزيتونية الخاصة والفريدة إلى الشّعر، يختار د. علي زيتون شاعرًا كبيرًا هو عمر شبلي ليكون موضوع دراسته في هذا الكتاب لأن عمر شبلي يشكل نموذجًا عمليًا لهذه الرؤية. هنا يصبح النّقد أيضا رؤية خاصة إلى العالم، وإلى الشّعر جزئيةً من جزئيات هذا العالم.

ثم تتوالى عليك الأسئلة عند قراءة الكتاب: لماذا اختار د. علي زيتون عمرَ شبلي في قراءته للمتنبي بما يمثله المتنبي من عنصر فرادة خضّ الثقافة العربية وسافر في الزمن؟

ولماذا اختار عمرَ شبلي في ديوانه ” الحسين بن علي شاهدًا وشهيدًا”؟ ولماذا اختار عمرَ شبلي في ديوانه ” أيُّ خبز فيك يا هذا المطر ” وفي ” وعورة الماء” فوصفه بالملّاح والسيرة الفاعلة في الزمن المرّ؟ ثم لماذا اختاره في “الشّعر ناقدًا الشّعر في حوار ثقافي نقدي بين عمر شبلي وهو يمارس العملية النّقدية على شاعر آخر هو محمد علي شمس الدين “؟ أي علاقة بين عمر شبلي من جهة وبين المتنبي والحسين الشهيد والسجين والرائي حال الأمة في الزمن المر والشّاعر الناقد من جهة أخرى؟

أسئلة كبرى تحتاج إلى الكثير من التوسع للإجابة عنها مما ليس هذا مقامه، لكن يمكن تكثيف الإجابة واختصارها في رؤية البروفيسور علي زيتون إلى دور الشّعر والشّاعر .الشّاعر عند علي زيتون (متنبي) يسافر مع الزمن ويفتح بوابات الآتي في حاضره ويبصر ما لا يبصره الآخرون، والشّاعر حسينٌ شهيدٌ مضحٍّ يُسفك دمه لاستنهاض أمته، الشّعر فعل فداء كبير ، الشّعر فعل قولي أو قول فعلي، هو قول يفعل في حركة التاريخ والحاضر والمستقبل، قولٌ يفعل، كأنّه هذه ال “كُنْ” التي يقولها الله فلا تكون مجرد لفظة، بل تكون كل فعل الخلق والوجود. هكذا هو الشّاعر، وهو كذلك ناقدٌ يغربل التاريخ، وهو حرية واعية تفتح كل ابواب السجون الداخلية، كأن علي زيتون يقول لعمر شبلي وهو في سجنه: ” لست سجينا ما دمت شاعرًا، ففي يدك كل المفاتيح وعلى كتفيك كل أجنحة الحرية، الشّاعر حرٌّ ولو كان سجينًا في البروج المشيّدة .
شكرا لك د. علي على هذا الكتاب الدستور في النّقد والشّعر والحياة والصداقة والثورة والمقاومة وما أضأت فيه على شاعر كبير كعمر شبلي.

*****

ثم قدّمت الأستاذة ماجدة ريّا الدكتورة ريما أمهز، وقالت فيها:

مبدعة هي، صاحبة الكلمات الراقية والإلقاء المتميّز، والحضور القوي.

كاتبة وباحثة، ومدرّبة تربوية في المركز التربوي للبحوث والإنماء_في دور المعلمين والمعلمات في لبنان. ومرشدة تربوية في مركز الإرشاد والتوجيه.

لها دور فعّال في أكثر من تجمّع أدبي.

مشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية، لها العديد من المقالات والأبحاث منشورة في مجلات محلية ودولية محكمة. حائزة على الوسام العلمي أربع مرّات.

 

قراءة في كتاب د. علي زيتون “ما بين الشّعر والجرح قرابة.

كلمة د. ريما أمهز

بأيّ مؤونة، وبأيّ رصيد سألج هذا السّفر الجليل للدّكتور علي مهدي زيتون الّذي لا يكاد الواحد منّا يقترب من بحره حتّى يشعر بالرّهبة والهيبة، وكأنّه أمام محيط زاخر، لا يعرف أنّى يخوض، ولا كيف يخرج.

بمثل هذا الشّعور سأحاول قراءة هذا الكتاب قراءة عاشقة لا ناقدة، سأقرأه قراءة المتلهّف لفكر الدّكتور علي زيتون المحمّل بجماليّات ثقافيّة عميقة زاخرة، وتجلّيات معرفيّة نقديّة مجلببة بعلميّة واضحة في مجال الدّرس النّقدي.

وأنت تخطو الخطوة الأولى في كتابه المفتوح إلى عمر شبلي، تجد نفسك أمام عنوانٍ عتيد “ما بين الشّعر والجرح قرابة”، فلا تستطيع، مسكونًا برؤيتك أن تمرّ مرور الكرام على هذا العنوان الّذي يستوقفك ليقدّم إليك العمق الّذي تحاول رؤية الشّاعر الكشف عنه.

فإذا كانت كلمة الشّعر وحدها كافية للإشارة إلى ما يوحي به الشّعر من فاعليّة، فإنّها مع الجرح تتسنّم بعدًا وظيفيًّا أكثر طاقةً وفاعليّة، فأن يكون بين الشّعر والجرح قرابة، إنّما يمثّل إشارة قويّة تومئ إلى مدرسة شعريّة عمريّة تأسّست على كثير من الجراحات والآلام، مدرسة تأخذك إلى مواعيد الدّهشة، يمضي فيها الشّاعر حاملًا أوجاعه وأشجانه المعتّقة، يلوذ بالكلمات معانقًا نداءات قلبه، ويسكب في ذاته المتداعية ما سال من أحزان الرّوح…

ينعقد هذا الكتاب على مجموعة من الأبحاث النّقديّة الّتي حلّق بها الدّكتور علي زيتون بصديقه ورفيق دربه الشّاعر عمر شبلي إلى مصافّ الخالدين، فجسّد من خلالها مسيرة عمر الشعريّة، الّتي اتّسعت لعذابه الطويل، وكدْحه المضني، وشــــعره الطالع كبخار البركان، فلم يدع ديوانًا له أو عنه، إلّا وقطف خميرته، وأودعه بحثًا أو خزانة، ليكشف الغطاءَ حتّى عن الأَنفاس الخفيّة

والذّبذبات الدّاخلية لأَحاسيس عمر وأَفكاره، وليجعلك تعشق أحزانه المتكرّرة وترفعها إلى مستوى القداسة، قداسة النّصر المبين.

في هذا الكتاب كثير من الوفاء والحبّ والإباء، في هذا الكتاب ترجمة حقيقيّة لجراح عمر شبلي، المعبّأة بهمّ فلسطين، والّتي تمثّل فاعلًا قويًّا في تحديد مواقفه وآرائه. فهو الّذي حمل همّ القضيّة الفلسطينيّة جمرًا بين ضلوعه، ففلسطين لغته ورئته، وأنفاسه وأصداؤه، من هنا جاء شعره مقاومة مخضّبة بالحبر، جنودها حروف، وميادينها سطور.. فهو واحد من أولئك الّذين آمنوا بالحرف مفتاحا للعائدين، وبالحبر دليلا ملوّنا إلى حبق الدّار هناك في فلسطين.

دخل الدّكتور علي زيتون عالم عمر شبلي الشّعري الّذي يتّصف بالغنى والفرادة، فوجد الجماليّة الشعريّة العمريّة حاضرة في كلّ كلمة من كلمات نتاجه الكبير، تثير في نفسك رعشة لذيذة عذبة لا تجدها إلّا في شعر الشّعراء الكبار الّذين امتلكوا ثقافة عصرهم، واستطاعوا أن يطرحوا عليها أسئلتهم المحرجة.

تتبّع رؤيته إلى العالم، فوجدها رؤية مثقّف كبير، لم يتملّك ثقافة عصره، تملّك المستريح إلى أريكته الوثيرة. تملّكها وهو مثقل بعبء انعدام المسافة بين قناعاته وسلوكه. كان يعتصر الثّقافة بقدر ما تعتصره الثّقافة. فعمر الّذي أمضى نيّفًا وعشرين عامًا في السّجون، لم تفته ثقافة العصر حتّى لكأنّ السّجن الّذي أمضى فيه زهرة شبابه، لم يغيّبه عن الثّورة المعرفيّة الخاصّة باللّغة والأدب والنّقد الّتي شهدها العالم الحديث خارج سجنه.

بمثل هذه الثّقافة قرأ عمر المتنبّي، والإمام الحسين (ع)، وحافظ الشّيرازي، ومحمّد علي شمس الدّين، كما قرأ القضيّة الفلسطينيّة، فنفذ إلى عمق ما كان لأيّة ثقافة أخرى أن تصل إليه. لقد تحمّل بأمانة متناهية مسؤوليّة الشعريّة في هذا الزّمان، ومسؤوليّة أن تكون تلك الشعريّة ملتزمة بقضايا الإنسان الكبرى على الأرض.

لقد كانت الخصوصيّة والفرادة قوام الشعريّة عند عمر، تلك الفرادة الّتي اصطنع الباحث، من أجل الكشف عن سرّ خلودها، ثلاثة مقاييس لا يمكن نكرانها: ملامسة النّفس الإنسانيّة في محاولات صعودها إلى الأعلى، واحتضان الوجدان الشّعبيّ الجماهيري لهذا النّتاج، واستمرار هذا الاحتضان لعصور طويلة.

ويبقى أنّ شعريّة عمر شبلي كما يقول الدّكتور علي زيتون في كتابه منتمية إلى ثالوثه: رؤيته إلى العالم، وما نفذت إليه من العالم المرجعي، ولغته الّتي عبّر عمّا وصلت إليه تلك الرّؤية، كانت شعريّة لافتة إلى شاعر كبير؛ لأنّه كان مثقّفًا كبيرًا. فالجدّة الفريدة الّتي نواجهها في القصيدة العمريّة من خلال الصّور والرّموز تومئ إلى جماليّة تثير انفعالنا وتمدّنا برعشة لذيذة لا نلقاها إلّا مع فرادة موازية لفرادة الشعريّة العمريّة.

في الحقيقة، إنّ عجالة كهذه لن تفي كتاب الدّكتور علي زيتون حقّه، لذلك سأختصر وأقول: دكتور علي، أستاذي، ومعلّمي، ووالدي الرّوحيّ.. أبارك لكم هذا الإصدار الجديد الّذي سيكون مدهشًا للدّارسين على اختلاف عقائدهم ومشاربهم… لأنّه من كلام مبدع استثنائيّ، ملأ الدّنيا أدبًا متحرّرا من كلّ شائبة، وشعرًا مدركًا لماهيّة القصيدة، ونقدًا قائمًا على الجرأة والاقتحام لفكّ مغاليق النّصّ الأدبيّ وسبر العميق من أغواره.

*****

ثم قدّمت الأستاذة ماجدة ريّا الشّاعر عمر شبلي

قيل عنه الكثير لغزارة إنتاجه الشّعري وفصاحته وبلاغته وقوة تعبيره، وما يحمله من نضال ثوري، تؤرّقه قضايا الأمة، فينساب حبره متفجّرًا لعلّه يرسم مداميكَ لطريق الحلم، أو يؤثّر فيما نعيشه من واقع.

ذو ثقافة عالية واطّلاع على التاريخ فكتب في شتى الميادين في التاريخ والدين والتصوّف، والرمز والأسطورة والخرافات، والذكريات والعادات والتقاليد وغيرها.

ترجم شعر حافظ الشيرازي من الفارسية إلى العربية الفصحى شعرًا في أربعة مجلّدات، بعنوان “حافظ الشيرازي بالعربية شعرًا” وكتب كتابًا في شعر حافظ الشيرازي وسمّاه “حافظ الشيرازي بين الناسوت واللّاهوت”.

 

كلمة الشّاعر الأستاذ عمر شبلي وقصيدته:

السلام عليكم ورحمة الله.

أنا ليس لديّ مزيدٌ من الكلام، على ما قدّمه المتكلِّمون قبلي، فقد استطاعوا بقراءاتهم العالية والمشحونة بالوفاء والصدق والعمق المعرفي والتذوّق الفني للشعر والنثر أن يكشفوا عني ما قاله المتنبي في ابن جِنّي”ابن جِنّي أعلمُ بشعري منّي”. لقد أعطوني أكثر ممّا أستحقُّ وأسبغوا عليّ أكثر من قدرتي على الوفاء لأقلامهم المؤمنة بما يسيل حبرها.

ما أريد أن أقوله: إنّ للدكتور علي زيتون عليَّ فضلًا لا أنساه ما حييت، لقد أضاءني بعد عتمة “مقبرة مهددة بالحياة”. لقد رآني حيًا في هذه المقبرة فمدَّ إليَّ يده وانتشلني، كانت يده نظيفةً حانية، كنتُ أرى قلبه على لسانه الصادق وهو يقدمني للآخرين، كان يبحر في عمقي ويعرفني ربما بمستوى معرفتي ذاتي. علي زيتون ينتمي إلى الإنسان الذي تبحث أمتنا عن  أخلاقيةٍ كأخلاقيته، أحببته لصدقه وعمقه ووفائه وإنسانيته. اكتشف في شعري أبعادًا لم أكن أدركها إلا إحساسًا، أما هو فقد اكتشفني إحساسًا وعمقًا ورؤيا، وكنت بحاجة إليه، وكنا نتعاتب ونختلف على أمور، ولكن على ما لم يكن مؤثرًا على الأضواء العميقة في كلينا، وكنت أقول له ويقول لي ما قاله المتنبي لغلام أبي العشائر، وكان أبو العشائر من أقرب الناس للمتنبي، ولكنه غضب على المتنبي بعد إلقاء قصيدته الحمراء، “واحرّ قلباه ممن قلبه شبم”, وقتها أمر أبو العشائر غلامه أن يضرب المتنبي بنباله، وقال لغلامه قل للمتنبي: خذها وأنا غلام أبي العشائر، وحين سمع المتنبي اسم صديقه أبي العشائر استعاد الروح العميقة بينهما، وقال وقتها المتنبي العظيم:

ومنتسبٍ عندي إلى من أحبُّهُ     وللنَبْلِ حولي من يديه حفيفُ

فهيّجَ أشواقي وما من مذلّةٍ       حَنَنْتُ ولكنّ الكريمَ أَلوفُ

وكلُّ ودادٍ لا يدومُ مع الأذى      دوامَ ودادي للحسين ضعيفُ

فإنْ يكنِ الفعلُ الذي ساء واحدًا    فأفعالُهُ اللّائي سَرَرْنَ أُلوفُ

*****

القصيدة التي ألقاها عمر شبلي في هذه الندوة:

 

  أنا أخجل أن أرثيكَ لأنكَ أكبرُ من أيِّ كلام

                     آرون[1] بوشنلْ، إليك حيًّا في كل قلوب الأطفال بغزة        

                      حتى زمن الطوفان.

                      عمر شبلي   27/2/2024/ 

 

 آرونْ، طيّارًا كان يطيرُ بأجنحةٍ من نارْ

قد أبصرَ غزّةَ من واشنطنْ،

ورأى ما لسْنا نحن نرى

صارتْ في عينيْهِ الأرضُ سماءْ

نادتْهُ الأسماءُ الحسنى المقتولةُ في غزّةْ

وأجابَ نداءْ

يا “آرون”

أبصرتُكَ مُشتعِلًا،

قلتُ: الدنيا تحتاجُ ضياءْ

والنارُ لها ضوءٌ آخرْ

لا يُبصرُه إلّا من كان لها حَطَبا

نارٌ حمراءُ مُقدَّسةٌ

قرّر أن يعبدَها، لكنْ لم يُبصِرْ

وهو يطوف بها عَرَبا

يا نارْ،

كوني بردًا وسلامًا

يا نارُ على الجسد الملفوفِ

بكلِّ أسى الأطفالِ بغزّةْ

كوني برْدًا وسلامًا،

با نارُ، على “آرون”

فتَّشَ عن قِبْلتِها، فَتَّشَ عن كعْبتِها

قد كانت غزّةُ كعبتَه،

لكن لم يُبصِرْ، وهو يطوف بها، عربا.

فسعى للنارِ، وطاف بها سبعة أشواطٍ حمراء

كانت تمتدُّ به من غزّةَ حتى واشنطنْ،

حتّى البيتِ الأبيضْ،

وسِفارةِ إسرائيلْ

ما أقصرَها!!

يا هذا الجنديُّ الطيّارُ، هناكَ بواشنطنْ

ما كنتَ بغزّةَ، حين دفعْتَ لنصرتِها عمرَكْ،

ما كنتَ بها عربيًّا من قحطانَ ولا عدنانْ.

إنسانًا كنتْ

جنسيَّتُهُ دمُهُ، قوميّتُهُ دمُهُ.

دمُهُ فارَ كبركانٍ من نارْ،

فتوضّأَ بالنيرانِ وبالأحقادِ، وصلّى.

بعضُ النبرانِ لها صِفةُ الماءْ

بعضُ الأحقادِ إباءْ

وتلا آياتٍ يحفظُها فمُهُ المقهورْ

لم تُسعفْهُ اللغةُ العربيّةُ حتى يفهمَها أكثرْ،

والأجملُ ألّا يفهمَها لرداءةِ من نطقوها اليومْ

في مؤتمرٍ عربيٍّ إسلامي،

أشهدُ: أنْ لا إسلامَ ولا عربٌ فيهِ

لكنْ من يملكْ قلبًا حُرًّا مثلَكَ يفهمْ كلّ لغاتِ الأرضْ

والقهرُ له لغةٌ قُصوى، فاستلَّ النارَ

وأشعلَ جثَّتَهُ فأضاء

والنارُ كلامٌ أفصحُ في زمن الطوفانْ

*****

آرون، قد أبصرَ غزّة من واشنطنْ

ورأى ما لسْنا نحن نرى.

هو أبصرَ طفلًا كان يلوكُ الخبزَ

بلا خبزٍ موجودٍ في فمِهِ.

ما أقتلَ أن يشبعَ طفلٌ جَوعانْ

برصاصةِ قاتلِهِ الشبعانْ

*****

من قبلكَ، يا آرون،  “جورج فلويد” قَضى

إذْ كان “البيتُ الأبيضُ” منطفئًا يحتاجُ ضياءْ.

لكنْ، من أين يُضيءُ “البيتُ الأبيضُ”،

يا “آرونُ”، وفيه عَماءْ

نارُ “البيتِ الأبيضِ”، يا آرونْ،

ليستْ تشبعُ مهما قدّمتَ لها حطبا

ولقتلِ الناسِ بلا سبَبٍ تجدُ السَبَبا

*****

يا هذا الجنديُّ الطيّارُ بأجنحةٍ من نارْ

أنا أخجلُ إذْ أرثيك،

لغتي قدَّامَ رمادِكَ منطفئةْ

لغةُ العربِ “الأقحاحِ” بغزّةَ صار بها لُكْنةْ

صارتْ تكذبُ كالإنسانْ العربي المُلْغى

من كثرةِ ما قلَعَ الحُكّامُ لناطقِها أسنانْ

نَعلاكَ على شاشات العالم أعلى قدرًا

من حُكّامِ العربِ الخِصيانْ

بهما شرفٌ أكثر من حكّامٍ باعوا الأرضَ

وباعوا اللهْ.

يا آرون، علِّمنا كيف سنشعل هذي النارَ بأنظمةٍ

صُنِعتْ من جوعِ الناسِ، ومن دمِهمْ،

صُنِعتْ في غُرَفٍ ضيِّقةٍ وسقوفٍ منخفضةْ،

وسيبقى الأمرُ كذلك حتى يظهرَ فينا إنسانٌ من دمْ،

يتوضَّاُ من دمه لصلاة الصبحْ،

ويَؤُمُّ قرامِطةً، ويُحَدِّدُ قِبلتَهم بسيوفٍ ظامئةٍ

أرثيكَ الآنَ وأعلمُ أن فمي من قهري ملآنْ.

وأنا لعروبةِ هذي الأرضْ

مثلُكِ يا غزّةُ جَوعان.

*****

وفي الختام:

قامة علمية وفكرية كبيرة، حياتها مليئة بالعطاء، وما زالت تبدع على مر السنين.

أستاذ جامعي ناقد وباحث

حائز على دكتوراه من جامعة القديس يوسف في لبنان

رئيس الملتقى الثقافي الجامعي، و رئيس مجلس الأمناء في جامعة المعارف في بيروت.

لديه أكثر من 30 سنة خبرة في المجال الأكاديمي، وقد شارك في أكثر من 30 مؤتمرًا محليًا وإقليميًّا ودوليًّا. وله أكثر من 100 مؤلف من بينها كتب وأوراق بحثية في الأدب والشّعر والسياسة والدين والتربية.

مسك الختام مع البروفيسور علي زيتون مؤلف الكتاب

فقال الدكتور علي زيتون:

باسم الملتقى الثقافي الجامعي نشكر حضوركم الكريم ودمتم بخير.

*****

[1]   آرون طيّار أمريكي أحرق نفسه أمام سفارة “إسرائيل” بواشنطن أحتجاجا وانتصاراً لغزة وعدالة قضيتها.

عدد الزوار:722

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى