الوطن نتاج إيمانيّ ثقافيّ اجتماعيّ

الوطن نتاج إيمانيّ ثقافيّ اجتماعيّ
عمر شبلي
الوطن ليس جغرافيا مفصولة عن الإنسان الذي حلَّ بها، بل هي في أعمق معانيها، المعنى الذي يوجد في هذا الوطن، والوطن في مدلوله الحقيقي هو إنسانُ هذا الوطن.
فالوطن هو غريزة موجودة في خلق الإنسان، وتتطوّر هذه الغريزة الفطريّة مع نمو عمر الإنسان إلى عقيدة إيمانيّة وثقافيّة واجتماعيّة، وهكذا يصبح التّكامل انسجاميًا بين الإنسان والوطن.
والفصل بينهما هو ما نسميه الغربة، وللغربة معان كثيرة تبدأ بالابتعاد والحلول في مكان آخر، والغربة تعني الاحتلال أيضًا، وحذف الإنسان من وطنه، ولذا كان الإنسان بتكوينه الأوّل مفطورًا على الإيمان بأنّ له وطناً لا يبرحه أبدًا مهما علت قيمته الفكريّة والاجتماعيّة وحتى الدّينيّة، حتى الأنبياء ارتبطوا ارتباطًا فكريًّا وإيمانيًّا بالوطن، فالرّسول محمّد بكى حين أجبر على مغادرة مكّة، وقال بلوعة: “الله يا مكّة ما أطيب ريحك، الله يعلم أنّك أحبّ بلاد الله إلى الله، وأحبّها إلى رسوله، والله لولا أن أخرجني أهلك منك؛ ما خرجت أبدًا”.
وقتها عرفنا علاقة الإيمان بالوطن، وكانت الحقيقة الكونيّة الكبرى وهي: “حبّ الوطن من الإيمان”. وانتقل هذا الحبّ الغريزيّ الفطريّ إلى الإنسان قبل الأنبياء وبعدهم، وفضّل الإنسان وطنه على الجنّة التي وعد بها، وسنستعرض نماذج على هذا التّأكيد الفطريّ في حبّ الوطن.
يقول أحمد شوقي، عندما نفي إلى الأندلس:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
وقال أيضًا:
ويا وطني لقيتك بعد يأس كأنّي قد لقيت بك الشّبابا
أدير إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشّهادة والمتابا
ولو أني دُعيت لكنتَ ديني عليه أقابل الحتفَ المُجابا
وتزداد غريزة هذا الحبّ الفطريّ حين يغترب الإنسان عن وطنه، وسبب هذا الحبّ الذي يصل أحيانًا إلى حدّ التّأوه والفجيعة عند الذين تجبرهم أقدارهم على مغادرة أوطانهم نتيجة ظروف قاسية أو فقر أو أي سبب يُخرِج الإنسان من وطنه، وقتها يشعر الإنسان بالامتداد، ويشعر بأنّه بحاجة إلى خلق وطنه فيه وهو مغترب. إنّ هذا الحبّ هو الجغرافيا الأخرى التي تجعل التّراب الذي فارقه الإنسان المغترب مقدّسًا إلى حدّ العبادة، ويكون هاجسه الأوّل العودة، ولو طيَّ الكفن. كما قال نسيب عريضة:
يا دهرُ قد طال البعادُ عن الوطنْ هل عودةٌ تُرجى وقد فات الظَّعَنْ
خذني إلى حمصٍ ولو حشوَ الكفنْ واهتف أتيت بعاثر مردود
واجعلْ ضريحي من حجارٍ سود
ولو نظرنا في أدبنا العربي وتحديدًا في الشّعر منه؛ لوجدنا أنّ الوطن هو الحاضر الأوّل حتى في تلك الصّحارى الخالية من كل نسمات الحياة، وما الوقوف على الأطلال في الشّعر الجاهليّ سوى الحنين إلى الوطن حتى ولو كان أطلالًا دارسة لا حياة فيها، “قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ”. وكنا نرى في هذا الشّعر أنّ الوطن كان يتقدّم على الحبّيبة المرأة والسبب هو غريزية وفطرة حب الوطن التي ولدت مع الإنسان.
ولو حاولنا أن نبين سرّ هذا الارتباط المصيري بين الإنسان ووطنه؛ لعرفنا أن جغرافية الوطن هي جغرافية الإنسان الداخلية والاجتماعيّة، فالمغترب حين يحنّ إلى وطنه، يحن إلى ذكريات طفولته، وإلى أصدقائه وأهله، وإلى الماضي الي لا يبرحه أبدًا، وإلى تلك الأمكنة التي كان بها يلهو مع أترابِهِ. وهكذا يصبح الوطن كائنًا اجتماعيّا أيضًا، وتجعل الإنسان يعيد خلق هذا الواقع الاجتماعيّ، حتى ولو كان في أقاصي الدينا.
وقد استطاع الشاعر العباسي ابن الرومي أن يعبر عن الوطن بمعناه الاجتماعيّ بقوله:
ولي وطن آليتُ ألّا أبيعه وألّا أرى غيري له الدهرَ مالكا
وحبَّبَ أوطانَ الرجال إليهمُ مآربُ قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكَروا أوطانهم ذكّرتهمُ عهودَ الصِّبا فيها فحنّوا لذلكا
وهكذا نرى أنّ الإنسان، وهو في الغربة خالق آخر حيث يخلق كل أبجديّات الوطن، ويمتاز هذا الخلق بشدة حضوره وتوهّجه وعدم الانسلاخ عن الذّات المهاجرة، فكيف ينسى الإنسان كينونته التي أوجدته، وأبدعت وجوده.
يا غيمُ مُرَّ على البقاعِ عشيَّةً أهلي منازلُهمْ على اللّيطاني
ويعلو الوطن بعد حبّه الأصيل بكونه فعلاً ثقافيّاً، ويجعله هذا الفعل الثقافيّ أكثر ارتباطًا بالوطن، لأنه يعبر عن عمق الحاجة إلى وطن مهما كان وارفَ الحياة في غربته، فالمغترب قد يصاب بإهانة ويُذل وقتئذ تكون جغرافيّة الوطن حنينًا مدلهمًّا إلى الخلاص من كل شوائب الغربة، وهناك مثل يقول: “إذا كنت في غير وطنك، فلا تنسَ نصيبك من الذّلة”. حتى ولو أذللت في وطنك يكون لديك شيء تلجأ إليه. وهو الخلاص، فالوطن هو الدّرع الواقي من كل سهام الغربة والحذف.
ولي وطنٌ أكبرتُهُ عن محبّةٍ وأُغليه أن يُدعى على الذنب مُذْنِبا
تَنكَّرَ لي بعد المشيبِ وطالما تَنَكَّرَ لي أعداؤهُ الزرقٌ في الصّبا
وقد يقسو الوطن على بنيه، وهذه القسوة تجبر الإنسان على الرّحيل عنه، لكنّه يرحل جسدًا لا روحًا، ويحاول دائما وقتها أنْ يسوّغ اغترابه معتذرًا من وطنه الذي أجبره على الاغتراب، وفي ذلك يقول الشّاعر الزحلي فوزي المعلوف:
قسمًا بأهلي لم أفارق عن رضًا أهلي وهم ذخر وركن عمادي
لكن أنفت بأن أعيش بموطني عبدًا وكنت به من الأسياد
فالوطن رغم قساوته وظلمه، يبقى أخًا وأبًا وأمًّا، ويكون الاغتراب وسيلة للخلاص الآني وليس للاستقرار الدائم كما لمحنا في هذين البيتين.
ومع ذلك يظلّ الوطن حاضرًا مهما طال الاغتراب، ومهما قست الأيام، ولكنْ هناك شيء لا يمكن أن يمحى أبدًا وهو الوطن، فالوطن هو الباقي بعد زوال الأشياء كلها، وواحدنا يتمنى دائمًا أن يكون وطنه بعد خروجه من المشيمة الكفن، فالوطن بروعته هو المشيمة والكفن في آن، أي أنّه البداية والنّهاية رغم أنّه يقسو أحيانًا كثيرة على الإنسان الذي كوّنه. ونختم مع إيليا أبي ماضي الذي يقول مغتربًا:
فالمرء قد ينسى المسيء المفتري والمحسنا
ومرارة الفقر المذلّ بلى ولذات الغنى
لكنّه مهما سلا هيهات يسلو الموطنا.



