الافتتاحية

الحداثة في أدبنا العربيّ القديم

الحداثة في أدبنا العربيّ القديم

عمر شبلي

لتحميل البحث بصيغة PDF

الحداثة هي حركة الواقع في الفكر الإنسانيّ، وتجاوزه إلى المستقبل، وهي مشتقة من فعل “حدثَ” أي الذي جاء جديدًا، ولا يمكن إنكار الفعل الحداثيّ إلّا حين يتجمّد الفكر ويصبح محاطًا بسياج تقليد ما قد سلف. ومن المؤكّد أنّ حركة الواقع الفكريّ هي التي تُحتّمُ انتقال الواقع إلى نتاجٍ فكريّ معبّر عن حالات التَّغيير الطّارئة على الواقع.

وانطلاقًا من هذا الفهم الرّابط بين الحدث الاجتماعيّ والحداثة الفكريّة النّاجمة عنه نقول إنّ شعرنا العربيّ عرف الحداثة الشِّعريّة التي بلغت تجلياتها العميقة في القرن الهجريّ الثّاني حيث تجلّت معالم حداثة الشّعر العربيّ بإنجازاته المتلائمة مع فكر عصره وتطوّره الاجتماعيّ، وكانت حداثة تغييريّة وجميلة بتأثيرها، وقادرة على الدُّخول في وعي اجتماعيّ جديد. والحداثة لا يمكن أن تفرضَ وجودها إلّا إذا كانت جميلة. إنّ جماليّتَها تدخلها في الوعي الاجتماعيّ العام، وفي روحه. وقتها نقول: إنّها حداثة.

ولكنّ هذا التَّطوّر الحداثيّ بدأ فكريّا وسلوكيًّا منذ دخول الفكر الإسلاميّ إلى السُّلوك الاجتماعيّ والأدبيّ نثرًا وشعرًا، ففي الخطابة بدأ الفكر الاجتماعيّ والرّوحيّ اللذان رافقا عملية الدّعوة الجديدة يظهران في كل ما أنتجته الحركة الفكريّة المتداخلة بالحركة الرّوحيّة في الوضع الاجتماعيّ العام، ولعل خطب الإمام علي بن أبي طالب التي جمعت في كتاب “نهج البلاغة” فيما بعد: “إنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه” من أوضح الأدلة على مظاهر وتجليّات الحداثة الفكريّة والرُّوحيّة في نتاج تلك المرحلة، ومن نماذجها خطبة أبي حمزة الخارجيّ، وخطب الحجاج بن يوسف الثَّقفي التي تحوّلت إلى فكر سياسيّ واضح. “وإنّي لأرى رؤوسًا قد أينعتْ وحان قطافُها، وإنّي لَصاحبُها”.

أمّا على المستوى الشّعريّ فقد كان شعر حسّان بن ثابت الأنصاري معبِّرًا عن روح وفكر تلك الحضارة الجديدة:

نبيٌّ أتانا بعد يأسٍ وفترةٍ                  من الرُّسْلِ، والأوثانُ في الأرض تُعبَدُ

فأضحى سراجًا مستنيرًا وهاديًا            يلوحُ كما لاحَ الصَّقيلُ المهنَّدُ

وبدأ تأثير الرُّوح الإسلاميّة يحمل بعدًا سياسيًّا في شعر تلك المرحلة، ومن نماذجه الجميلة قصيدة الفرزدق في مديح زين العابدين عليٍّ بن الحسين:

هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتهُ       والبيتُ يعرفه والحِلُّ والحرمُ

وليس قولك من هذا بضائرهِ          العُرْبُ تعرف من أنكرتَ والعجمُ

هذه المظاهر الحداثيّة لم تكن مؤثّرة في شعر تلك المرحلة، فقد ظلّ معظم الشّعر منهمكًا بمعناه التّقليديّ، ومن أبرز نماذجه الثّالوث الأمويّ “الفرزدق، وجرير، والأخطل التّغلبيّ”. لقد ظلّ شعر تلك المرحلة تقليديًّا على الرّغم من ولوجه البعد السّياسيّ بوضوح. والبعد السّياسيُّ وحده لا ينجز حداثةً، لأنّه في تلك المرحلة كان في معظمه امتدادًا للشّعر الذي سبق ظهور الإسلام. والذي نسميه “العصر الجاهليّ”.

أمّا الحداثة الحقيقيّة فقد كانت استجابة لما حدث في العصر العبّاسيّ من تغيُّرٍ في الفكر والمجتمع في آنْ. في العصر العباسيّ امتزجت الأوضاع الاجتماعيّة الحياتيّة بحياة وتقاليد وسلوك الأمم الأخرى، وتحديدًا الفرس. في تلك المرحلة ظهر العمران الذي تجاوز مرحلة الأطلال وبداوتها، وكانت بغداد ودمشق رمزًا لهذا التّغيير في البناء واللّباس والتّقاليد. في بغداد كانت مجالس الخمر والغناء والجواري تصل بكل ما فيها إلى قصور الخلفاء، وكان كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهانيّ أكبر شاهد على ما نذهب إليه، والتَّأثر والتَّأثير لم يكونا على الوضع الاجتماعيّ فحسب، بل امتد إلى الوضع الفكريّ نتيجة للتّرجمات الكثيرة التي أنجِزتْ في العصر الجديد. وكان المعتزلة أبرز مظاهر التّأثر والتّأثيرفي تلك المرحلة.

كان الحسن بن هانئ “أبو نواس” من أبرز عوامل ونتاج الحداثة التي عرفها العصر العباسيّ، إذ راح يهاجم مظاهر الحياة السّابقة، وصار يدعو إلى ممارسة الحياة الجديدة بكل قوّة. وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ جمال شعر أبي نواس كان مؤثرًا ومترجمًا للحياة الجديدة بشاعريّة عميقة في جمالها وثوريّتها، وها نحن، وبعد مرور أكثر ألفٍ ومئتي سنة ما زلنا نحفظ قوله: “وداوني بالتي هي الدّاء”. إن الشَّعر السَّيئ لا يمكن أن تحتفظ به الذّاكرة. لقد كان أبو نواس من أهم علامات الحداثة في الشِّعر العربيّ بجماليّة شعره واستجابتها لحياة الناس. بدأ يهاجم حياة البداوة الطّلليّة وبسخرية لأنّها ابتعدت عن الواقع الاجتماعيّ الذي يعيش فيه النّاس:

قلْ لمن يبكي على رسمٍ درسْ    واقفًا ما ضرَّ لو كان جلسْ

وأكثر من ذلك راح يهاجم الذين رأوا  أنَّ الخمرة من الكبائرْ، وكان بموقفه هذا يحاور فئة من العلماء الذين رأوا الخمرة كبيرة من الكبائر:

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً     حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياءُ

لا تحظرِ العفوَ إنْ كنتَ امرءًا حَرِجًا   فإنَّ حظركَهُ بالدين إزراءُ

ومن شعره الجميل في هذا المجال قوله:

لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِ       واشربْ على الوردِ من حمراءَ كالوردِ

كأسًا إذا انحدرتْ في حلقِ شاربها      أجْدَتْهُ حمرتَها في العين والخدِّ

فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ           في كفِّ جاريةٍ ممشوقةٍ القدِّ

تسقيكَ من يدها خمرًا ومن فمِها       خمرًا فما لك من سُكْريْنِ من بُدِّ

لي نشوتانِ وللنُّدْمان واحدةٌ           شيءٌ خُصِصْتُ به من دونِهم وحدي

ولم  تقتصر الحداثة على الاستجابة الجمالية للواقع الحياتي الجديد، بل تعدّتْه إلى الأسلوب والبديع والمعاني نفسه، وأبو تمّام “حبيب بن أوس الطائي” كان بارزًا وعاليَ التّأثير في هذا المجال، فقد كان أسلوبه يستعصي فهمُه على الآخرين، وقد سأله أحدُ مستمعيه عن غموض أسوبه ومعناه، وقال له: “لمَ تقول ما لا يُفهَم؟” فقال له أبو نواس: “ولمَ لا تفهم ما يُقال؟”. في سؤال السّائل، وفي جواب أبي تمام تفسير لظاهرة الحداثة التي انتقلت إلى الشعر العربيّ، وللبديع الصّياغيّ الذي تمادى به أبو تمّام، والبديع الغزير في شعر أبي تمّام كان ظاهرة عن الحياة الجديدة بكلّ زخارفها، ومن بديع أبي تمام:

بيض الصفائح لا سودُ الصحائف في     متونهنّ جلاءُ الشكِّ والريبِ

ومن بديعه الرّائع المتَّسم بغموض شفّاف في عصره، وما رأوه غامضًا، لكنّه في حقيقته شعرٌ مُعْجِز ضارب في أعمق ما في الحداثة، يقول في وصف يوم مشمس من أيام الرّبيع الجميلة:

مطرٌ يذوب الصَّحوُ منه، ودونَه      صحوٌ يكادُ من النَّضارةِ يُمطرُ

غيثانِ فالأنواءُ غيْثٌ ظاهرٌ          لك وجهُهُ والصَّحوُ غيثٌ مُضمَرُ

الحداثة تحتاج مدى أبعد، ونكتفي بهذا في بحثنا الهادف إلى تأكيد الحداثة في أدبنا وشعرنا العربيّ القديم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى