الافتتاحية

السّيميائيّة في تراثنا الأدبيّ

السّيميائيّة في تراثنا الأدبيّ

عمر شبلي

لتحميل البحث بصيغة PDF

معظم الدَّارسين العرب أجمعوا على أنّ السّيميائيّة التي تقوم على العلامات، هي مولود جديد، وأنّ أولَ من بَشّرَ بولادتها هو النّاقد “دوسوسير” في محاضراته الصّادرة سنة 1916، حين قال: “اللّغة نظام من العلامات التي تعبِّر عن الأفكار”. هذا التّحديد تطوّر ليشمل مجمل المعارف الإنسانيّة ودلالاتها وما يتفرّع عنها، وبهذا تصبح ذات دلالات بعيدة التّأويل غير محصورة في النّتاج الأدبيّ وحده.

صحيح أنّ علم السّيميائيّة تطوّر كثيرًا، وأضيفت إليه علامات ودلالات كثيرة، لكنّها تظل حصريّة بين الدَّال والمدلول عليه، ومن هذا المنطلق سأحصر كلامي في الجانب الأدبيّ للسّيميائيّة، وتحديدًا سأركّز على الجانب الإهماليّ الذي ارتكبه الدَّارسون والنُّقاد في تراثنا الأدبيّ الذي رافقته السّيميائيّة من نشأته الأولى حتى العصر الذي نحن فيه أدبيًّا، وأرى أنّ هذا يُشكّلُ إهمالًا لتراثنا الأدبي، ويدل على عدم إحاطة وعدم فهم لتاريخنا الأدبي الثَّر بعطائه السّيميائي.

إنّ ترثنا العربي مزدحم بالسّيمياء، ومزدحم بعمق دلالات هذه السّيمياء، ولنبدأ بأخذ أمثلة من شعر الخنساء في رثاء أخيها صخر، تقول الخنساء في رثاء أخيها:

طويلُ النّجادِ رفيعُ العماد      كثيرُ الرَّماد إذا ما شتا

هذا نسمّيه كناية في بلاغتنا العربيّة، ولفظة الكناية في دلالتها اللّفظيّة تعني أنّك تكني بشيء تعبيرًا عن شيء آخر، بروابط عميقة الدَّلالة والإيحاء بين الدّال والمدلول عليه، في هذا البيت تريد الخنساء أن تقول: إنّ أخاها كان شجاعًا، فلم تتبع أسلوب التّعبير المباشر، بل لجأت إلى الكناية، وقالت: إنّ سيف أخيها كان طويل النِّجاد، وطول حمائل السَّيف توحي أن صاحب هذا السّيف شجاع، وهذه الكنائية هي سيميائيّة بدقّة، والكناية في هذه الصُّورة هي نفسها ما نسمِّيه سيميائيّة في النّقد الحديث. وحين كانت تريد أن تخبرنا أنّ أخاها كان سيِّدَ قومه قالت: إنّه رفيع العماد، فقد كانت أعمدة خيمة سيّد القوم أعلى الأعمدة في ذلك الزّمان البدويّ، لقد عبّرتْ عن سيادته قومَه بصورة موحية يحسُّها البدوي، ويعرف سيّدَ القوم دون أن يسأل عن مضاربه، فأعلى المضارب في القبيلة تكون لأمير القبيلة، وفي هذه الكناية العميقة الدلالة سيميائيّة موحية ودالّة على مدلولها، وهي بعيدة عن المباشرة وسطحيّة الأسلوب المباشر, وحين أرادت أن تقول لنا: إنّ أخاها كان كريمًا لجأت إلى الكناية التي هي علامة سيميائيّة، إن أخاها كان في الشّتاء يُبقي ناره مشتعلة ليراها النّاس. إن أصعب وسائل الضِّيافة تكون في فصل الشّتاء، فإشعال النّار هو إعلان لاستقبال الضُّيوف الوافدين. هذه الصّورة نسميها كناية، وكان التّعبير العربيّ في منتهى الدّقة حين استعمل هذه العلامات الكنائيّة. لأنّها تكني بشيء عن شيء آخر، وأهمية الكناية في الشِّعر العربيّ منذ القدم هي في كونها رمزًا، وعلامة موحية، وتدع الذّهن يعمل لاكتشاف دلالة العلامة، وهي تثير الوجدان بمقدار ما تثير الكشف عن إيحاءاتها، ولنذكر بيتًا آخر للخنساء قائم على الكناية التي أسميها سيمياء في محتواها الأدبيّ، تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر  تكني بها أيضًا:

هَبّاطُ أوديةٍ حمّالُ ألويةٍ      شهّادُ أنديةٍ للجيشِ جرّارُ

في البيت أكثر من علامة سيميائيّة تكني بها الخنساء عن جسارة أخيها حيث هو “هبّاطُ أودية”، وهو يتولّى حمل لواء القوم في الشَّدائد “حمّالُ ألويةٍ، وهو غنيٌّ وذو مجالس لهو وشراب “شهّاد أندية”، والملاحظ في هذه العلامات السّيميائيّة أنها تلجأ إلى العلامات المادية للتعبير عن صفات نفسيّة، وهنا تغدو دلالة العلامة ذات حسٍّ بصريّ أيضًا. وبهذا تكون العلامة هي كشف المستتر وتكون مغرية بالدّخول إلى أبعد مما هو مكتشف.

لقد استعمل العرب الكناية كعلامات سيمائيّة لأسباب كثيرة، ولعل أبرز استخدامات هذه العلامات الدّلاليّة هو ما ارتبط بإيحائيّة النّص وإعطائه حضورًا شعريًّا يغري ببلاغة الأداء والإغراء بالتقصّي الإيحائيّ الذي يوجد لذة في النص المقروء. واستُخدِمت الكناية للتّعبير عن وضع نفسيّ مضمر، ومثالنا على ذلك قول امرأة فقيرة دخلت على الأمير لتطلب منه مساعدتها فقالت للأمير: “أيها الأمير أشكو إليك قلة الفئران والجرذان في بيتي” ففهم من قولها أنّه لا يوجد عندها غذاء في بيتها، فأمر بإعطائها ما تحتاجه.

العلامات السيمائية تنوب في الشّعر عن قصور اللّغة في أداء الفكرة والإحساس في آن. ولا تزال الكناية الدّلاليّة بعلاماتها المتعدّدة تُستعمَل إلى اليوم في شعرنا العربيّ لأغراض شتّى، ولعل قصيدة الشّاعر المصريّ أمل دنقل “لا تصالح” من أوضح الأدلّة على الغايات البعيدة للكناية السّيميائيّة. لقد أراد الشّاعر أمل دنقل أن يهاجم  الصّلح وإقامة علاقات مصريّة مع إسرائيل، فاستوحى وصية كليب وائل لأخيه المهلهل، حيث كتب لأخيه وصية بدمه يطلب منه ألّا يصالح قاتليه، وكان للقصيدة قوة تأثيريّة عميقة في النّفس العربيّة وقتئذٍ. وكان لها رمزيّة موحيّة لا نزال نحسّها إلى اليوم. لقد كانت تحمل علامات سيميائيّة مؤثرة.

أردتُ من خلال هذه المقدمة أن أخاطب النّقاد العرب ليعودوا إلى تراثنا الأدبيّ، ولا يمكن لأي ناقد أن يكون حديثًا إلّا إذا صعد إلى حداثته عبر تراثه الذي لا يمنع حداثته أبدًا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى