أبحاثالتاريخ وعلم السياسة والاقتصاد

الإسكندر الأكبر ومدينة صور قراءة تاريخيّة ومنهجيّة في الصّراع السّياسيّ والعسكريّ

الإسكندر الأكبر ومدينة صور قراءة تاريخيّة ومنهجيّة في الصّراع السّياسيّ والعسكريّ

Alexander the Great and the City of Tyre

A Historical and Methodological Reading of the Political and Military Conflict

د.هاني حسن حوماني[1]

Dr. Hani Hassan Houmani

       تاريخ الاستلام  5/ 1 / 2026                                        تاريخ القبول  25/  2/2026

لتحميل البحث بصيغة PDF

ملخّص

يهدف هذا البحث إلى دراسة حصار الإسكندر الأكبر لمدينة صور سنة 332 ق.م بوصفه حدثًا مفصليًّا في التّاريخ القديم، جمع بين الصّراع السّياسيّ والمواجهة العسكريّة، ويتناول الأبعاد التّاريخيّة والاستراتيجيّة لهذا الحصار من خلال قراءة تحليليّة ومنهجيّة تُبرز تفاعل القوى السّياسيّة والعسكريّة في تلك المرحلة؛ كما يسعى إلى تفسير موقف المدينة الصّوريّة الرّافض للخضوع للإسكندر، ودوافعه السّياسيّة والاقتصاديّة، مقابل الرّؤية التّوسّعيّة التي تبنّاها الإسكندر لتوحيد الشّرق والغرب تحت سلطته.

اعتمدت الدّراسة المنهج التّاريخيّ التّحليليّ القائم على قراءة المصادر القديمة والمراجع الحديثة، بهدف الكشف عن طبيعة العلاقة بين القائد الفاتح والمدن المستقلّة في الشّرق الأدنى، وخلصت إلى أنّ حصار مدينة صور كان صراعًا سياسيًّا واستراتيجيًّا يعكس رؤية الإسكندر للعالم وموقع مدينة صور ضمن مشروعه الإمبراطوريّ.

كلمات مفتاحيّة: الإسكندر الأكبر- مدينة صور- الحصار العسكريّ- السّياسة التّوسّعية- الصّراع السّياسيّ والعسكريّ- التّاريخ القديم- الفينيقيّون- المنهج التّحليليّ التّاريخيّ.

Abstract

This study aims to examine Alexander the Great’s siege of the city of Tyre in 332 BCE as a pivotal event in ancient history that combined political conflict with military confrontation. The research explores the historical and strategic dimensions of this siege through an analytical and methodological reading that highlights the interaction between political and military forces during that period. It also seeks to explain Tyre’s refusal to submit to Alexander, along with its political and economic motivations, in contrast to Alexander’s expansionist vision aimed at unifying East and West under his authority.

The study adopts the analytical historical method, based on a close reading of ancient sources and modern references, in order to uncover the nature of the relationship between the conquering leader and the independent cities of the Near East. It concludes that the siege of Tyre was not merely a military battle, but rather a political and strategic conflict that reflects Alexander’s worldview and the position of Tyre within his imperial project.

Keywords: Alexander the Great, Tyre, military siege, expansionist policy, political and military conflict, ancient history, Phoenicians, analytical historical method.

 

المقدّمة

يُعدّ حصار الإسكندر الأكبر لمدينة صور سنة 332 ق.م أحد أبرز الأحداث في التّاريخ القديم، لما شكّله من نقطة تحوّل في مسار العلاقات بين الشّرق والغرب، ولِما عكسه من تداخلٍ بين البعدين السّياسيّ والعسكريّ في مشروع الإسكندر التّوسّعيّ؛ فقد كانت مدينة صور الفينيقيّة تتمتّع بمكانةٍ استراتيجيّة بارزة على السّاحل الشّرقيّ للبحر المتوسط، فصارت هدفًا أساسيًّا في خطّة الإسكندر الرّامية إلى بسط السّيطرة على الموانئ الشّرقيّة، وضمان التّواصل البحريّ نحو مصر والشّرق الأدنى.

تمثّل هذه الدّراسة محاولة لتحليل حصار مدينة صور قراءةً تاريخيّة ومنهجيّة، تتناول أبعاده السّياسيّة والعسكريّة، وتبحث في الأساليب التي اعتمدها الإسكندر لتحقيق النّصر على الرّغم من مقاومة المدينة الصّلبة، كما تسعى إلى فهم خلفيّات الموقف الصّوريّ الرّافض للخضوع، ودلالاته في ضوء التّوازنات الإقليميّة آنذاك.

 الإشكاليّة

ما الأبعاد السّياسيّة والعسكريّة التي ميّزت حصار الإسكندر الأكبر لمدينة صور سنة 332 ق.م؟ وكيف تعكس منهجه في التّوسّع والسّيطرة؟

أهمّيّة الدّراسة

تبرز أهمّيّة هذا البحث في كونه يسعى إلى دمج التّحليل التّاريخيّ بالمنهج السّياسيّ والعسكريّ، لفهم أحد أبرز فصول الصّراع بين الشّرق والغرب في العصور القديمة، كما يُسهم في إبراز كيفيّات التّفكير الاستراتيجيّ عند الإسكندر الأكبر، وفهم مكانة مدينة صور كمركز حضاريّ مقاوم في وجه التّوسّع المقدونيّ.

أهداف الدّراسة

  1. تحليل الأبعاد السّياسيّة والعسكريّة لحصار مدينة صور.
  2. إبراز الدّور التّاريخيّ للمدينة في موازين القوى الإقليميّة.
  3. تفسير منهج الإسكندر في التّعامل مع المدن المقاومة سياسيًّا.
  4. إيضاح انعكاسات هذا الحدث على مسار التّوسّع المقدونيّ في الشّرق.

منهج الدّراسة

اعتمدت هذه الدّراسة على المنهج التّاريخيّ التّحليليّ النّقديّ، المدعوم بالمنهج الوَصفيّ المقارن، وذلك لملاءمته طبيعة الموضوع الذي يتناول حدثًا تاريخيًّا عسكريًّا مفصليًّا في العالم القديم، هو حصار الإسكندر الأكبر لمدينة صور واحتلالها سنة 332 ق.م.

خطة الدّراسة

قسّمت الدّراسة إلى ثلاثة أقسام، يتناول القسم الأوّل الإسكندر الأكبر، فيُظهر لنا شخصيّته القياديّة واستراتيجيّته العسكريّة، ومعاركه مع الفرس في بداية حملته على الشّرق، ويبيّن القسم الثّاني خلفيّة معركة مدينة صور وأسبابها، ويقدّم لمحة تاريخيّة عن نشأة هذه المدينة وازدهارها، كما يحاول تفسير الأسباب التي جعلتها تواجه الغازي المقدونيّ من دون المدن الفينيقيّة الأخرى، ويسرد القسم الثّالث أحداث المعركة بأدقّ التّفاصيل، مظهرًا المراحل التّحضيريّة لها، وميزان القوى لكلا الطّرفين، وتسلسل الأعمال القتاليّة التي انتهت بانتصار الإسكندر وارتكابه مجازر فظيعة بعد احتلال المدينة، ذهب ضحيّتها آلاف الصّوريّين.

 

  • الإسكندر الأكبر: شخصيّته القياديّة وحملته على الشّرق

في بداية هذا البحث، لا بدّ لنا من تسليط الضوء على شخصيّة الإسكندر الأكبر، فهو القائد العسكريّ الذي لم يخسر معركة قطّ، والابن المتأثّر بوالديه، والتّلميذ الذي اكتسب المعرفة والحكمة من أستاذه أرسطو. ونتناول أيضًا في هذا القسم كيفيّة تأسيس الجيش المقدونيّ والاستراتيجيّة القتاليّة لهذا الجيش تحت قيادة الإسكندر، ثمّ نوجز لكبريات المعارك التي قادها ضدّ الفرس قبل وصوله إلى المشرق وفرض حصاره على مدينة صور.

  • شخصيّة الإسكندر الأكبر1

تعدّ شخصيّة الإسكندر الأكبر من أبرز النّماذج القياديّة في التّاريخ، إذ اتّسمت بطموح استثنائيّ دفعه إلى تجاوز حدود مملكته في مقدونيا والسّعي نحو بناء إمبراطورية عالميّة واسعة؛ وقد تجلّت عبقريّته العسكريّة في قدرته على التّخطيط السّريع والحسم في المعارك، حيث حقّق انتصارات حاسمة على الإمبراطوريّة الفارسيّة، معتمدًا على مرونة تكتيكيّة عالية. كما عُرف بشجاعته الشّخصيّة، إذ كان يشارك جنوده القتال في الصّفوف الأماميّة، فتعزّزت ثقتهم به، وولائهم لقيادته، إلى جانب تمتّعه بكاريزما مكّنته من توحيد جيوش متعدّدة الأعراق والثّقافات تحت راية واحدة.

وفي سياق مشروعه التّوسّعيّ تبنّى سياسة قائمة على الاندماج الثّقافيّ، فشجّع على التّفاعل بين الحضارات اليونانيّة والشّرقيّة، فأسهم في نشوء ملامح حضاريّة مشتركة؛ ومع ذلك لم تخلُ شخصيّته من جوانب سلبيّة، إذ نُسب إليه التّسرّع والانفعال خصوصًا في المراحل المتاخّرة من حياته، وقد أثّر ذلك أحياناً في قراراته وسلوكه.

1 – 2 حياة الإسكندر

وُلد الإسكندر في العام 356 ق.م. في مقدونيا شمال اليونان1، وبحلول عامه الثّلاثين كان قد أسّس أحد أعظم الإمبراطوريّات التي عرفها العالم القديم؛ وتأثّر كثيرًا بوالده الملك فيليب الثّاني، وورث عنه جيشًا قويًّا، ومملكة سيطرت على كامل المدن اليونانيّة، وأحبّ والدته الملكة “أولمبياس” كثيرًا، وأحبّته هي لدرجة أنّها اتُّهمت بقتل زوجها فيليب لتوريثه العرش.

كان لأمّ الإسكندر أثر كبير في تكوين شخصيّته؛ فقد كانت والدته أولمبياس شديدة الجمال، وذات ذكاء، وحكمة، ودهاء، وشجاعة، وقد بلغ من عنايتها بمظهرها أنّها سافرت إلى بابل؛ لتتبخّر وتستحمّ بالكندر -وهو أحد أنواع البخور- وهي حامل بالإسكندر؛ فسمّته عند ولادته “إس كندر” أي “روح البخور”2.

وكانت أولمبياس تعمل أحيانًا ككاهنة في المعبد، وتدّعي انتسابها إلى سلالة الآلهة، وأنّ الإسكندر هو ابن الإله زويس؛ ولم يلبث الطفل أن تأثّر بهذه المزاعم، ولا سيّما أنّ والدته كانت تشرف بنفسها على تربيته، وتعمل على تدريبه على القتال والفروسيّة؛ وقد أسهم هذا الاعتقاد –بحسب بلوتارخ– في ترسيخ شعور التّفوّق في نفس الإسكندر، فظلّ قلبه وروحه ساميين، لا يعرفان اليأس، طوال سنوات حملاته وفتوحاته.

أمّا والد الإسكندر، فيليب الثّاني، فتحلّى ببنيةٍ قويّةٍ ورياضيّة، وبشجاعةٍ لافتة، ومزاجٍ حادّ، وكان شديد الميل إلى الحرب، غير أنّه جمع إلى ذلك قدرًا من الرّحمة، والوفاء بالعهود، واحترام الآخرين؛ وكان المثال الأعلى للإسكندر، إذ شبّ على رؤيته يحقّق انتصارًا تلو آخر، فترسّخت في نفسه معاني البطولة والقيادة.

ولم تكن العلاقة بين فيليب وأولمبياس مستقرّة، وازداد الأمر تعقيدًا حين ادّعت أولمبياس أنّ الإسكندر ليس ابنًا بيولوجيًّا لفيليب، بل هو ابن الإله زيوس؛ فتعمّد فيليب بعد ذلك إثارة غضب أولمبياس من خلال المجاهرة علنًا بعلاقاته النّسائيّة، وانتهى المطاف بأن تواطأت مع أحد الجنرالات ودبّرت عمليّة اغتيال زوجها، فضمنت بذلك انتقال الحكم إلى يد ابنها الإسكندر.

وتأثّر الإسكندر بمعلّمه أرسطو، كبير فلاسفة اليونان3 وأحد تلامذة أفلاطون، إذ تولّى تربيته العلميّة منذ أن بلغ الثّالثة عشرة من عمره، فدرّبه تدريبًا شاملًا في فنون الخطابة والأدب، وحفّزه على الإقبال على العلوم والطبّ والفلسفة، وظلّ يشرف على تعليمه وتهذيبه مدّة أربع سنوات؛ وقد أسهم أرسطو في إيقاظ شغف المعرفة في نفس الإسكندر، وتعميق ميله إلى القراءة والاطّلاع؛ حتّى قيل إنّ «الإلياذة» كانت من أحبّ الكتب إلى قلبه؛ وقد تأثّر الإسكندر بشخصيّة «أخيل»، بطل هذه الملحمة، تأثّرًا بالغًا، وربّما كان لهذا الأثر الأدبيّ دور في تشكيل خياله البطوليّ، ودفعه إلى الصمود أمام أسوار صور كما فعل قبله “أخيل” أمام أسوار طروادة.

1 – 3 الجيش المقدونيّ وعقيدته القتاليّة

كان الإسكندر قائدًا فذًّا لم يخسر معركةً قطّ، على الرّغم من أنّ أغلب الجيوش الّتي واجهها فاقت جيشه عددًا وعدّة؛ وقد عُني الباحثون في دراسة عبقريّته العسكريّة برصد جملةٍ من العوامل التي أسهمت في تفوّقه الميدانيّ؛ ويأتي في مقدّمتها قدرته على توظيف طبيعة الأرض، مهما تباينت خصائصها، كما عُرِف باندفاعه الدّائم وإصراره على أن يكون موقعه على رأس جنوده ضمن أسلوب جديد في القتال عُرِف بـ “أسلوب الجبهة المنحرفة”1؛ وسنبيّن ملامح هذه العبقريّة العسكريّة، بعد تمهيدٍ تاريخيّ موجز يتناول نشأة الجيش المقدونيّ.

يُعزى الفضل في تأسيس الجيش المقدونيّ إلى فيليب الثّاني، والد الإسكندر وملك مقدونيا، الذي امتدّ حكمه بين عامي 359 و336 ق.م؛ إذ سعى من خلال هذا الجيش إلى منافسة الممالك اليونانيّة الأخرى وفرض الهيمنة عليها؛ وقد انخرط في صفوفه أبناء العائلات النّبيلة، فصار عنده قاعدة متينة.

واستغلّ فيليب عائدات الذّهب المستخرج من مناجم بلاده في تجهيز الفرسان بالمعدّات والمستلزمات الحربيّة الحديثة، وفي تسليح عناصر المشاة بأحدث الأسلحة وتدريبهم على التّقنيّات العسكريّة2؛ فتمكّن الجيش، بقيادة فيليب، من توحيد بلاد اليونان تحت راية مقدونيا، قبل أن يتجاوز حدوده في عهد الإسكندر، ضمن مشروع توسّعيّ استهدف السّيطرة على «العالم القديم» الخاضع آنذاك للإمبراطوريّة الفارسيّة. ويُقصد بهذا المصطلح الرّقعة الجغرافيّة التي تضمّ اليوم العراق وإيران وتركيّا وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر وغيرها.

وتعود عبقريّة الإسكندر العسكريّة إلى حُسن استغلاله لموقع المعركة، وإلى حرصه على التّدريب المستمرّ لعناصر المشاة والفرسان، فضلًا عن استراتيجيّته الجريئة القائمة على المبادرة؛ وقد حظي من جنوده بولاءٍ مطلق، نتيجة انخراطه الشّخصيّ في المعارك، ووجوده في ميادين التّدريب، كما زوّد جيشه بسلاحٍ متقدّم سابقٍ لعصره، تمثّل في رماحٍ طويلةٍ يبلغ طولها نحو ستة أمتار، قادرة على قتل الخصم عن بعد، وكان ينازل العدوّ حيث يلقاه، أي في الموضع الذي يتمركز فيه الخصم، محوِّلًا بذلك شروط المواجهة المفروضة إلى عناصر تفوّق؛ وقد مكّنته بصيرته الثّاقبة وإحاطته الدّقيقة بمعطيات الميدان، إلى جانب قدرته على تعبئة جنوده وتنظيم قطاعات جيشه، من تنسيق قواه وفق ما تقتضيه طبيعة الأرض، فيُحسن استثمارها، ويجعلها في خدمة خططه القتاليّة.

كان الإسكندر يخوض معاركه في مقدّمة صفوفه، محتفظًا غالبًا بقيادة الميمنة عند الهجوم، ومُسنِدًا إلى أبرز قادته مهمّة تثبيت العدوّ عند الميسرة. وقد انسجم هذا التّوزيع مع طبيعته الهجوميّة؛ إذ عُرف باندفاعه الشّديد في القتال، حتّى قيل إنّه كان يكاد ينسى نفسه عند سماع صوت البوق إيذانًا ببدء المعركة.

واتّبع في حروبه أسلوب «الجبهة المنحرفة»، الذي أسهم في ترجيح كفّة انتصاراته؛ إذ يقوم جوهر هذه الخطّة، الموروثة عن أبيه، على اندفاع خيّالة الميمنة بزخمٍ هجوميّ قويّ نحو ميسرة العدوّ، لزحزحتها عن مواقعها ودفعها إلى التّراجع، في حين يظلّ الجناح المقدونيّ الآخر صامدًا، فيتسنّى له إذ ذاك التّوغّل جانبيًّا في صفوف العدوّ والطّعن في خاصرته المكشوفة.

1 – 4 تاريخ العلاقات الفارسيّة اليونانيّة

تأسّست الإمبراطوريّة الفارسيّة على يد قورش الكبير نحو عام 559 ق.م، وبلغت ذروة اتّساعها حدودًا شملت كامل أرجاء الشّرق الأدنى؛ فامتدّ نفوذها إلى مناطق غربيّ الأناضول، والعراق، وإيران، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، ومصر1؛ فتمكّنت من التّحكّم بالطّرق التّجاريّة المؤدّية جميعها إلى البحر الأبيض المتوسّط عبر البرّ والبحرّ.

يُعدّ قوروش من أهمّ ملوك الفرس على الإطلاق، ويُحكى الكثير عن سياسة التّسامح والانفتاح التي انتهجها، يليه في الأهمّيّة داريوس الكبير الّذي تحدّث المؤرخّون اليونانيّون كثيرًا عنه وعن ابنه ارتحششتا الأوّل، كونهما قادا حملات عدّة لغزو اليونان ضمن ما عرف بالحروب اليونانيّة – الفارسيّة.

بدأت هذه الحروب عام 499 ق.م، وانتهت عام 449 ق.م، وأسفرت عن بسط النّفوذ الفارسيّ على مساحات واسعة في آسيا الصّغرى، غير أنّها لم تخلُ من إخفاقات عدّة؛ وقد استغلّ اليونانيّون هذه الإخفاقات لتضخيم صورة انتصاراتهم، وتأكيد الهزائم التي أوقعوها بالفرس؛ وهنا تكمن الإشكاليّة في أنّ معظم ما وصلنا عن هذه الحروب يستند إلى مصادر إغريقيّة، أي إلى رواية أحد طرفيّ النّزاع، في حين تغيب الرّواية الفارسيّة أو تكاد تنعدم. ومن هنا تقتضي القراءة النّقديّة التّعامل بحذر مع هذه الأخبار، ولا سيّما في ما يتّصل بتقدير أعداد الجيوش وحجم الإنجازات العسكريّة؛ ففي معركة ترموبيل، على سبيل المثال، تذكر المصادر الإغريقيّة أنّ ثلاثمئة جنديّ إسبارطيّ تمكّنوا من التّأثير في مسار الجيش الفارسيّ، الذي قدّرت هذه المصادر نفسها عديده بنحو مئةٍ وثمانين ألف مقاتل، وهي صورة أسهمت في إضفاء طابع أسطوريّ على بطولة هؤلاء المقاتلين.

ولا تزال رواية ترموبيل مادّةً خصبةً لعشرات المؤلَّفات والأعمال السينمائيّة إلى يومنا هذا؛ غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ هذه السّرديّات لا تسلّط الضّوء بشكل موضوعيّ على قوّة الجيش الفارسيّ الذي تابع سيره بعد ترموبيل إلى أثينا فاحتلّها وأحرقها، ويبالغ في تمجيد من يصفهم بالأبطال اليونانيّين.

ونحن لا ننكر دفاع اليونانيّين عن أرضهم، ولكنّنا نعتقد أنّ البطولات التي تتحدّث عنها النّصوص مبالغ فيها إلى حدّ كبير؛ ففي الواقع لا يمكن الحديث عن انتصارات استثنائيّة لليونان على فارس خلال هذه المعارك، فالوقائع تُثبت العكس، ولا مجال للمقارنة -برأينا- بين العملاق الفارسيّ وبين المدن اليونانيّة الصّغيرة والضّعيفة الواقعة على أطراف الإمبراطوريّة الفارسيّة.

على أنّ هذا المشهد سيتحوّل تحوّلًا جذريًّا مع انطلاق حملة الإسكندر على الشّرق في منتصف القرن الرّابع قبل الميلاد، حيث يغدو الحديث عن انتصارات حاسمة على الفرس أمرًا قائمًا على معطياتٍ تاريخيّة واضحة؛ وفي مطلق الأحوال، يتبيّن أنّ الإغريق ظلّوا على امتداد تلك المرحلة في حالة قلقٍ دائم من التّهديد الفارسيّ، من دون أن يمتلكوا القدرة على إزالته عسكريًّا قبل وصول الإسكندر الأكبر إلى سدّة الحكم.

1 – 5 حملة الإسكندر على الشّرق

بعد مقتل الملك فيليب، خلفه الإسكندر على عرش مقدونيا واليونان، وهو في العشرين من عمره؛ ولم تمضِ سوى سنتين حتى تمكّن من توحيد المدن اليونانيّة تحت قيادته، قبل أن يتّجه شرقًا في مشروعه التّوسّعيّ؛ وكانت الإمبراطوريّة الفارسيّة تحكم العالم القديم بأكمله، فوقع أول صدام بين الطّرفين في معركة نهر غرانيكوس الذي يجري في إقليم طروادة، ويصبّ في بحر مرمرة في دولة تركيّا حاليًّا.

ومع اندلاع المعركة، نشر الفرس قوّات فرسانهم وحشدوها على الضّفّة الشّديدة الانحدار للنّهر، وجعلوا المرتزقة خلفهم، في حين وضع الإسكندر فرسانه على المجنبة، فنقل الفرس مقاتليهم أيضًا إلى المجنبة المقابلة للفرسان المقدونيّين، إلّا أنّ الإسكندر قام على رأس مجموعة من هؤلاء الفرسان بعمل مباغت مهاجمًا حملة الرّماح والنّبال الموجودين على المجنبة الأخرى، فلم يستطع هؤلاء الصّمود في وجهه؛ كما أسهم عامل التّوقيت في ترجيح كفّة المقدونيّين؛ إذ شنّ الإسكندر هجومه في توقيت ما بعد الظّهر، حين كانت أشعّة الشّمس مواجهةً لعيون الجنود الفرس، فارتبكوا وضعفت قدرتهم على الصّمود.

أثبتت هذه المعركة عبقريّة الإسكندر في تنظيم صفوف جنوده، ومباغتة أعدائه، وقدرته على اتّخاذ القرارات الحاسمة، إضافة إلى إخلاص قادته، ووفائهم له.

كانت معركة نهر الغرانيكوس شبه مرتجلة، إلّا أنّها فتحت الباب أمام المنازلة الكبرى في إيسوس، حيث حشد الملك الفارسيّ داريوس جيشًا فاق عديده المئتي ألف مقاتل بحسب المصادر اليونانيّة؛ وتقع إيسوس قرب ممرّ كيليكيا في خليج مدينة الإسكندرون في تركيّا الحاليّة.

وبدأت المعركة عندما عَلِم الإسكندر أنّ داريوس الثّالث وصل إلى سهل إيسوس وركّز قواه فيه1، وكان السّهل ضيّقًا، فتشكّل عامل إيجابيّ لجيش الإسكندر الذي لم يكن يتجاوز الثّلاثين ألفًا، في حين كان سلبيًّا للجيش الفارسيّ الكبير فقد أعاق انتشاره؛ وهكذا، غدا التّفوّق العدديّ للفرس في هذه المعركة عديم الجدوى، نظرًا لضيق الميدان واستحالة الانتشار العرضيّ للقوى.

وصل المقدونيّون عند حلول الظّلام إلى الممرّ المؤدّي إلى معسكر الفرس، فاجتازوه بعد تأمين المرتفعات المشرفة عليه، ثمّ أراح الإسكندر جنوده على المنحدرات المشرفة على سهل إيسوس حتّى مطلع الفجر، حيث انطلق الهجوم من مواقع الانحدار نحو السّهل، وقد سمح هذا التّموضع المرتفع للإسكندر الإحاطة بتفاصيل تمَركُز فرق العدوّ، فلاحظ تكثيف خيّالتهم على ميمنتهم، فأدرك أنَّهم قد يعدّون العدّة للقيام بحركة التفاف حول الميسرة المقدونيّة؛ واستنادًا إلى ذلك، عدّل خطّته، فأكمل تعبئة صفوف رجاله، ثمّ أمر الخيّالة بالانتقال سرًا من الميمنة إلى الميسرة، بهدف مفاجأة الفرس، ومهاجمتهم في نقطة ضعفهم.

وجعل الإسكندر هدفه خرق ميسرة الفرس للوصول إلى وسط جبهتهم حيث كان الملك الفارسيّ يتابع، من على مركبته الفخمة، مجرى القتال؛ وبالفعل قام الإسكندر بهذه المهاجمة المباغتة وغير المتوقّعة، فأحدث صدمة في صفوف القوى المعادية التي استطاع خرقها متقدّمًا بسرعة باتّجاه الملك؛ ولمّا رأى هذا الأخير أنّ الإسكندر أصبح على قاب قوسين منه، لوى عنان مركبته وهرب لا يسأل عن شيء، وكان ذلك إيذانًا بتبعثر جيش الفرس وتشرذمه، فانهار سريعًا وحقّق المقدونيّون انتصارًا حاسمًا.

وكان لانتصار الإسكندر أثر معنويّ وعسكريّ عظيم على جنوده، فعلى الرّغم من أنّ داريوس الثّالث، ملك الفرس، تمكّنَ من الفرار إلّا أنّ عددًا من أفراد أسرته وقعوا في الأسر، فاضطرّ إلى عرض التّنازل عن الأراضي الفارسيّة الواقعة غرب نهر الفرات للإسكندر مقابل إطلاق سراحهم، فردَّ الإسكندر على ذلك العرض بالرّفض وزحف باتّجاه ساحل المشرق بغية إخضاعه وحرمان الفرس من موانئه، فاستسلمت مدنٌ كثيرة للمقدونيّين واستولى على بعضها من دون صعوبة كبيرة، لكنّهم اضطرّوا إلى فرض حصار دام سبعة أشهر للاستيلاء على مدينة صور التي كانت تشكّل موقعًا حيويًّا ضروريًّا للسّيطرة على القوّة البحريّة.

 

  • خلفيّة وأسباب حصار الإسكندر لصور

نتناول في هذا القسم الأحداث التي جرت عشيّة بدء الحصار على مدينة صور؛ فقد ذكرنا في القسم الأوّل أنّ الإسكندر أدرك، عقب انتصاره في معركة إيسوس، ضرورة تعقّب الجيوش الفارسيّة التي أعادت تنظيم صفوفها، بغية تدمير المدينة، وتحقيق النّصر النّهائي عليها؛ غير أنّ هذا الهدف بدا مستحيلًا في ظلّ التّفوّق البحريّ للأسطول الفينيقيّ الدّاعم للفرس، فقرّر القائد المقدونيّ الزّحف على المدن الفينيقيّة لإخضاعها.

وقد فتحت أرواد وجبيل وصيدا أبوابها للجيش المقدونيّ في حين قرَّرت صور الوقوف على الحياد؛ وتعود هذه المفارقة إلى جملةٍ من العوامل التي سنعرضها في هذا القسم، إلى جانب تحليل الدّوافع غير المباشرة التي حملت الإسكندر على رفض هذا الحياد، والإصرار على إخضاع المدينة.

2 – 1 مدينة صور عبر التّاريخ

تقع مدينة صور على السّاحل الشّرقيّ لحوض البحر الأبيض المتوسّط، في المنطقة التي شهدت نشأة الحضارة الفينيقيّة وازدهارها؛ وتذكر بعض المصادر أنّ أهل صيدا أسّسوها في القرن الثّامن والعشرين قبل الميلاد؛ لتبلغ، بعد عشرين قرنًا ازدهارًا وعظمة لم يكن لهما مثيل في ذلك العصر؛ وقد جعل هذا الازدهار المدينة مطمعًا لشعوب الشّرق الأدنى القديم، فتعاقبت عليها الأطماع والاعتداءات، فتسبّب لها بالكثير من المآسي والمصاعب التي كانت تعظم أو تصغر مع اختلاف الوقت والمعتدي.

أُنشِئت صور مع بداية الألف الثّالث ق.م على مجموعة من الجزر المنتشرة على مسافة حوالى الثّمانمئة متر من اليابسة، وكانت نواة المدينة عبارة عن هيكل للإله ملكارت، تحيط به تجمّعات سكنيّة تعتمد في معيشتها على الصّيد، وأطلق الصّوريّون على مدينتهم اسم “صـُر” الذي يعني بالفينيقيّة “الصّخر”، دلالة على الأرض الصّخريّة القاسية التي بُنيت عليها1.

لم تؤدّ المدينة دورًا بارزًا في الألفيّتين الثّالثة والثّانية ق.م. فيما بلغت عصرها الذّهبيّ مع حلول الألفيّة الأولى ق.م. إذ شهدت ازدهارًا عمرانيًّا وتجاريًّا وثقافيًّا كما لم يعرف تاريخ المنطقة من قبل؛ ففي بداية مرحلة الازدهار هذه، قام مَلكها أحيرام بوصل الجزر -التي أنشئت المدينة عليها- ببعضها بعضًا، رادمًا جزءًا من البحر؛ فأثار ازدهارها أطماع شعوب الشّرق الأدنى القديم من أشوريّين ومصريّين وفرس وغيرهم، فهادنت حينًا بدفع الجزية، وقاومت أحيانًا بأسوارها العالية، فحافظت بذلك على حريّتها، وسجّلت في القرن السّادس ق.م. رقمًا قياسيًّا في مدّة الصّمود ضدّ الحصار، وذلك عندما حاول الملك البابليّ نبوخذ نصّر احتلالها، فلم يستطع بسبب أسوارها المنيعة وقوّة دفاعاتها، فحاصرها مدّة ثلاث عشرة سنة، ولم تسقط.

وقد شُيِّدت أسوار مدينة صور من حجارةٍ ضخمة، تعلوها أبراجٌ للمراقبة والرّمي، وجُعلت أجزاؤها العلويّة مسنّنة بشكل يسمح للرّماة بالرّمي والاحتماء، وتضمّنت هذه الأسوار بوّاباتٍ محصّنةً تتيح ضبط حركة الدّخول إلى المدينة والخروج منها؛ وإلى جانب تحصيناتها البرّيّة، أنشأ الصّوريّون مرفأين رئيسين: أحدهما شماليّ، والآخر جنوبيّ؛ وقد امتاز الميناء الشّماليّ بضيق مدخله، بشكل يمنع أيّ سفينة أجنبيّة من عبوره، ومن الممكن اصطفاف عددٍ محدود من السّفن عرضيًّا، فضلًا عن تشييد برجين على جانبيه لحمايته؛ ولا يزال قسمٌ من هذا الميناء قائمًا ومستعملًا إلى اليوم، ويُعرف باسم “ميناء الصّيّادين”؛ أمّا الميناء الجنوبيّ فكان أوسع، وتميّز هو الآخر بوجود برجين يحميان مدخله، حيث كانت تُشدّ بينهما سلاسل حديديّة ضخمة تُستخدم لإغلاق المرفأ ومنع السّفن المعادية من اقتحامه.

2 – 2 الأسباب غير المباشرة للحصار

أراد الإسكندر بسط سلطته على السّاحل الفينيقيّ بهدف حرمان الفرس من مرافئ وأساطيل مدن هذا السّاحل، والاستفادة من أهمّيّة موقع فينيقيا كممرّ إلزاميّ باتّجاه مصر؛ غير أنّ هناك أسباب أخرى غير مباشرة أثّرت على قرارات هذا القائد العظيم، وجعلته مصمّمًا على احتلال فينيقيا، وتتعلّق هذه الأسباب بالعلاقات التّاريخيّة التي كانت تربط اليونانيّين بالفينيقيّين؛ وسنعرض ملامحها في ما يأتي:

جاب الفينيقيّون أرجاء البحر الأبيض المتوسّط منذ مطلع الألفيّة الأولى قبل الميلاد، وبلغوا سواحل الأطلسيّ، حيث أسّسوا مستعمراتٍ ومحطّاتٍ تجاريّة، من أبرزها قرطاج، المستعمرة الصّوريّة في تونس الحاليّة؛ وقد خرج من هذه المدينة، في القرنين الرّابع والثّالث قبل الميلاد، جيشٌ قويّ حقّق انتصاراتٍ عظيمة أهمّها الانتصار على روما في معركة “كان” بقيادة هنيبعل.

وترتبط مدينة صور، في الذّاكرة الإغريقيّة، بشخصيّة قدموس، الذي يُنسب إليه نقل الأبجديّة إلى اليونان، وهو شقيق «أوروبا» التي ارتبط اسمها بالقارّة الأوروبيّة؛ وتروي الأساطير اليونانيّة أنّ قدموس، ابن أجينور ملك صور، خرج بحثًا عن شقيقته التي اختطفها الإله زيوس حين كانت على شاطئ صور، بعد أن تجسّد في هيئة ثورٍ أبيض حملها إلى اليونان حيث اقترن بها؛ وعلى الرّغم من الطّابع الأسطوريّ لهذه الرّوايات، فإنّها تعكس، في جوهرها، جانبًا من التفاعلات التّاريخيّة بين الفينيقيّين واليونانيّين؛ إذ تشير إلى انتقال عناصر حضاريّة، وفي مقدّمتها الأبجديّة، وإلى قيام علاقاتٍ تجاريّة وثقافيّة بين الطّرفين؛ كما يُحتمل أن تحمل دلالةً رمزيّة على توتّراتٍ عرفتها تلك العلاقات في بعض مراحلها؛ وقد ارتبطت تسمية «أوروبا» في بعض التّأويلات بجذرٍ فينيقيّ، فالفينيقيّون يبحرون دومًا عبر البحر المتوسّط باتّجاه “الغرب” أو “الغروب” الذي أصبح فيما بعد “أوروب” أو “أوروبا”؛ وهكذا فلا معنى لاسم القارة الأوروبيّة إلّا في قاموس المفردات الفينيقيّة1.

كان الفينيقيّون أسيادًا للبحر وللتّجارة، وكانت مستعمراتهم التّجاريّة بمثابة القلب الذي كان يضخّ الدّمّ في شرايين حوض البحر الأبيض المتوسّط ويبعث الحياة فيه؛ ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ اليونانيّين شعروا، في مطلع الألفيّة الأولى قبل الميلاد، بنوعٍ من الدّونيّة إزاء هذا التّفوّق الفينيقيّ، ولا سيّما في المجالين البحريّ والتّجاريّ؛ فالهيمنة الإغريقيّة لا يمكن أن تكون شاملة، طالما أنّ هؤلاء التّجّار الأثرياء يحتفظون باستقلالهم وامتيازاتهم التّجاريّة. فكان لا بدّ من إخضاعهم كمرحلة أساسيّة من مراحل السّيطرة على العالم القديم. كما كان هناك أسباب أخرى لرغبة الإسكندر ببسط سيطرته على فينيقيا، فالأساطيل البحريّة الفينيقيَّة كانت قد شاركت في الحملات التي شنّها الفرس على مقدونيا واليونان ضمن ما عرف بالحروب اليونانيّة الفارسيّة (بين 499 ق.م و 449 ق.م.).

وفي ضوء هذا المعطى، يمكن فهم توجّه الإسكندر، بعد انتصاره في إيسوس، في التّخطيط للقضاء على التّفوّق الفينيقيّ؛ إذ إنّ ترسيخ الهيمنة الإغريقيّة كان يقتضي السّيطرة على مراكز القوّة الاقتصاديّة والبحريّة، ولا سيّما تلك التي ظلّت محتفظةً باستقلالها وامتيازاتها؛ ومن ثمّ، غدا إخضاع فينيقيا مرحلةً أساسيّة في مشروعه للسّيطرة على العالم القديم، ويُضاف إلى ذلك عاملٌ آخر يتمثّل في الدّور الذي أدّته الأساطيل الفينيقيّة في دعم الحملات الفارسيّة على مقدونيا واليونان خلال الحروب اليونانيّة–الفارسيّة (499–449 ق.م)؛ فكان لا بدّ من أن يدفع الثّمن كلّ من شارك في هذه الحروب، ومنهم الفينيقيّون.

2 – 3 حملة الإسكندر على فينيقيا

على الرّغم من انتصار الإسكندر على الفرس في معركة إيسوس، فإنّ السّيطرة على البحر الأبيض المتوسّط ظلّت في يد الفرس، بسبب انضمام السّفن الفينيقيّة لأسطولهم؛ ومن ثمّ، غدا من المتعذّر على الإسكندر ملاحقة الفرس ومواجهتهم في عمق أراضيهم، في ظلّ هذا التّفوّق البحريّ الواضح؛ وأمام هذا الواقع، أدرك الإسكندر أنّ كسر هذه الهيمنة يمرّ عبر السّيطرة على المدن الفينيقيّة، فاختار الزّحف إليها وإخضاعها، بوصف ذلك خطوةً حاسمة لتغيير موازين القوى لصالحه.

بدأ الملك المقدونيّ، كما تقدّم، زحفه عقب معركة إيسوس بمحاذاة السّاحل الفينيقيّ2؛ وقابل في طريقه ابنَ ملك أرواد، فبادر هذا الأخير إلى تقديم تاجٍ من الذّهب ومفتاح المدينة، معلنًا خضوعها، في حين كان ملكها يقود أسطوله في البحر تحت إمرة الفرس؛ ثمّ واصل الإسكندر تقدّمه نحو جبيل، فاستسلمت له من دون مقاومة، وعند وصوله إلى صيدا استقبله أهلها بحفاوة، وعدّوه محرّرًا من السّيطرة الفارسيّة، وكانت صيدا قد شهدت ثورةً على الفرس في العامين 346–345 ق.م، أعقبها حصارٌ قاده الملك الفارسيّ أرتحششتا الثّالث؛ وتورد بعض المصادر أنّ الصّيداويّين، وقد بلغ عددهم نحو أربعين ألفًا، آثروا إحراق مدينتهم بمن فيها تفاديًا للسّبي والأسر، في حين تذهب روايات أخرى إلى أنّهم دافعوا عنها حتّى اقتحمها الفرس، فأحرقوا أجزاءً منها وقتلوا عددًا كبيرًا من سكّانها وقمعوا الثّورة.

وسيتبيّن في سياق هذا البحث أنّ مشاهد الدّمار هذه ستتكرّر، على نحوٍ ما، مع نجاح المقدونيّين في احتلال صور، غير أنّ ما يعنينا هنا هو الإشارة إلى المفارقة التّاريخيّة المتمثّلة في أنّ صيدا كانت تتعرّض للتّدمير على يد الفرس، في الوقت الذي كانت فيه العلاقات بين هؤلاء وصور في أفضل حالاتها.

عند وصول الإسكندر إلى مشارف صور، أرسلت المدينة وفدًا قدّم له تاجًا من الذّهب وكمّيّات من المؤن الغذائيّة، في بادرةٍ لتهدئة الموقف وإبداء حسن النّيّة؛ وقد قابل الإسكندر هذا الوفد بحفاوة، وأبدى رغبته في تقديم القرابين للإله ملكارت في هيكله داخل أسوار المدينة، فكان يحمل غايات مبيَّتة، ففي السّياق السّياسيّ آنذاك، إنّ دخول قائد عسكريّ للصّلاة في هيكل المدينة يعدّ إقرار بزعامته؛ وأدرك الصّوريّون ذلك، فرفضوا السّماح لأيّ مقدونيّ أو فارسيّ بدخول أسوارهم، ونصحوا الإسكندر، الذي كان يعدّ نفسه سليل هرقل، أن يقدّم أضاحيه في هيكل صور البريّة، زاعمين أنّه أقدم بكثير من هيكل الجزيرة، وأضافوا أنّ تقديم القرابين في هيكل ملكارت الموجود داخل أسوار الجزيرة هو حقّ حصريّ لملوك صور1؛ قأرادت من خلال هذا الموقف المخالف لمواقف المدن الفينيقيّة الأخرى، البقاء على الحياد في الحرب الدّائرة بين الفرس والمقدونيّين، فكانت المدينة تميل إلى عقد معاهدة مع الإسكندر لا إلى الخضوع له، فرفض الإسكندر مبدأ الحياد وقرّر محاصرة صور بغية احتلالها مهما كلَّفه الأمر.

2 – 4 صور تمنع الإسكندر من الدّخول إليها

رحّبت صور بالفاتح المقدونيّ عند اقترابه منها، لكنّها رفضت استقباله داخل هيكلها أو السّماح له بدخول أسوارها، فشكّل هذا الموقف تحدّيًا مباشرًا للإسكندر، ففرض عليها حصارًا بغية إضعافها فاحتلالها؛ وقد تميّز موقف صور عن مواقف المدن الفينيقيّة الأخرى التي استقبلت الإسكندر وفتحت له أبوابها؛ ويُعزى هذا الاختلاف إلى ثقة أهلها بعظمة اقتصادها، ومتانة تحصيناتها، وقدرة أسطولها، وقوّة نظامها السّياسيّ؛ وهي عوامل سنعرضها بتفصيلٍ لاحق.

بُنيت صور على جزيرة في وسط البحر تحيط بها الأسوار المنيعة وتحميها الأبراج العالية، وكان يفصل بين الجزيرة والبرّ قناة بحريّة بعرض حوالى ثمانمئة متر، ولم يكن هناك مكان حول الجزيرة لنصب السّلالم وتسلّق الأسوار، أو تثبيت آلات الحصار تمهيدًا لضرب الأسوار بغية تدميرها؛ وفي المقابل لم يكن للإسكندر سُفن يستطيع بواسطتها التّقدّم نحو أسوار المدينة بحرًا أو محاولة تسلّقها؛ أمّا صور فكانت تملك أسطولًا بحريًّا عظيمًا قادرًا على الدّفاع عن الجزيرة، فتعزّز اعتقاد أهلها أنّ احتلالها مستحيل؛ ومن جهة أخرى، وعد الفرس الصّوريّين إعطاءهم الاستقلال المطلق والتّوقّف نهائيًّا عن التّدخّل في شؤونهم في حال مقاومتهم للإسكندر ورفضهم الخضوع له.

كذلك، شجّع القرطاجيّون الصّوريّين على التّمسّك بموقفهم الرّافض لدخول الإسكندر؛ وقد تجلّى ذلك في الوفد القرطاجيّ الذي وصل إلى صور للمشاركة في الاحتفالات السّنويّة للإله ملكارت، فدعا أهلها إلى الثّبات في وجه المقدونيّين، واعدًا إيّاهم بإمداداتٍ مرتقبة من قرطاج؛ ويُفسَّر هذا الموقف في ضوء الرّوابط التّاريخيّة الوثيقة بين المدينتين، إذ تُعدّ صور الأمّ الحنون لقرطاج، التي تأسّست على يد الأميرة أليسار الصّوريّة نحو عام 814 ق.م، ويحمل اسمها في أصله الفينيقيّ «قَرْتْ حَدَشْتْ» أي “المدينة الحديثة”؛ وقد نجحت قرطاج لاحقًا في بناء قوّةٍ كبرى، فأسّست إمبراطوريّة عظيمة سيطرت على أجزاء واسعة من حوض البحر الأبيض المتوسّط معتمدةً على أسطولٍ بحريّ مهمّ، وقوّة عسكريّة واقتصاديّة ناشئة لا يستهان بها.

كان الحكم في صور ديمقراطيًّا، وهو الوجه الأقدم للدّيمقراطيّات التي عرفها التّاريخ؛ وعلى الرّغم من إجماع المؤرّخين على أنّ الدّيمقراطيّة انطلقت من أثينا، فالإرث الثّقافيّ والسّياسيّ اليونانيّ بقي محفوظًا إلى يومنا هذا، يوضّح الوجود الفعليّ لهذه الدّيمقراطيّة بشكلها الأوّليّ، فإنّ الدّيمقراطيّة اليونانيّة لم تكن الوحيدة في العالم القديم، ولا حتّى الأقدم، فالمدن الفينيقيّة كانت أكثريّتها عبارة عن دولة-مدينة ذات حكم ديمقراطيّ؛ وتتحدّث بعض الدّراسات الحديثة عن الجذور الفينيقيّة للدّيمقراطيّة اليونانيّة؛ غير أنّ البحث في هذه المسألة لا يزال في طور التّوسّع، ويقتضي قدرًا من التّحفّظ العلميّ.

كما يمكن، في سياقٍ أوسع، ردّ جذور النّظام الدّيمقراطيّ إلى المجتمعات البدائيّة الأولى، إذ لا يمكن التّخيّل أنّ هذه المجموعات التي كانت تتألّف من عدد قليل من الأشخاص قد حكمها ديكتاتور مثلًا، ومن المؤكّد أنّ نظام حكمها كان قائمًا على شكل من أشكال التّشاور والتّعاون؛ وفي هذا الإطار، سوف نجد أيضًا أنّ النّظام القائم في صور كان نظامًا ديمقراطيًّا قويًّا، وقد رأى الصّوريّون في الإسكندر حاكمًا عسكريًّا توتاليتاريًّا قد يقضي على نظامهم الاستشاريّ الدّيمقراطيّ في حال خضوعهم له.

 

  • سير الأعمال القتاليّة وانتصار الإسكندر

اندلعت الأعمال القتاليّة في كانون الثّاني من العام 332 ق.م. بين المقدونيّين والصّوريّين الذين قاوموا الإسكندر الأكبر ببسالة، وساعدهم في ذلك موقع مدينتهم القائمة على جزيرة في البحر تحيط بها الأسوار العالية؛ وقد وصلتنا تفاصيل دقيقة عن مجريات العمليّات العسكريّة في معركة صور، كتب معظمها مؤرّخون إغريق؛ وعلى الرّغم من أنّ هذه المصادر غير محايدة إلّا أنّها بغاية الأهمّيّة والدّقّة، فهي تعطي صورة واضحة جدًّا عن تفاصيل المعركة.

وسنعرض في هذا القسم تطوّر الأحداث، بدءًا بالمراحل التّحضيريّة التي سبقت الحصار، مرورًا بالتّفوّق الصّوريّ الذي بدا واضحًا في بداية المعركة، وصولًا إلى انقلاب ميزان القوى بعد تدخّل أساطيل عدّة مدن فينيقيّة لصالح الإسكندر، فأدّى إلى انتصاره ودخوله صور، وتدميرها وارتكاب أفظع المجازر فيها.

3 – 1 المراحل التّحضيريّة للمعركة

رفضت صور الخضوع للإسكندر الأكبر، فحشد أمام أسوارها جيشًا قوامه نحو خمسين ألف عنصر، وبدأ القائد المقدونيّ يخطّط ويحضّر لاحتلال المدينة، فشحن عزيمة جنوده وأقنعهم بضرورة خوض المعركة، وجَمَع المعلومات، ووضع خطّة استمدّ مضمونها، بحسب زعمه، من الإله هرقل، فأضفى عليها بذلك بعدًا دينيًّا، وجعلها غير قابلة للنّقد، وكانت خطة الإسكندر تقضي بوصل الجزيرة باليابسة، بواسطة ممرّ من الأحجار ينتقل عليه الجنود سيرًا لمهاجمتها1.

قبل البدء بالحصار، أرسل الإسكندر وفدًا إلى المدينة مُهدِّدًا ومتوعّدًا الصّوريّين، فألقى هؤلاء القبض على الوفد، وقتلوا أعضاءه، ورموا جثثهم من فوق أسوار المدينة، فكان ذلك بمثابة الشّرارة الأولى، أو السّبب المباشر لبدء المعركة2؛ فجمع الإسكندر بعد ذلك جنوده، وألقى فيهم كلمة بليغة لتحفيزهم على القتال، ورفع معنويّاتهم، وأقنعهم بضرورة فرض الحصار على صور، وذكّرهم أنّ هذه المدينة هي الوحيدة التي تجاسرت على مجابهتهم وأوقفت موجة انتصاراتهم، وقال إنّه لا يمكنهم الذّهاب إلى مصر، ومن بعدها إلى فارس من دون السّيطرة على صور بأسطولها البحريّ العظيم وموقعها الاستراتيجي المهمّ؛ فإنّ احتلال صور ومن ثمّ مصر سوف يحرم الفرس من القدرة على إعادة تجميع قواهم، ويمهّد لطردهم إلى منطقة نهر الفرات وفقًا لخطاب الإسكندر، وأوضح أيضًا أنّه لا يمكن إطلاقًا الإبقاء على مدن غير موالية ضمن المناطق التي تُحتلّ، لما قد تشكّله هذه المدن من خطر داخليّ على المشروع المقدونيّ في المستقبل.

وحلم الإسكندر أنّ الإله هرقل أمسكه بيده، وقاده سيرًا على أرض صلبة باتّجاه أسوار صور فاتحًا له أبوابها، فدخلها وقدّم القرابين في هيكلها؛ وفي الميثولوجيا الإغريقيّة يُعدّ هرقل هو ابن زيوس الأكبر، وهو البطل الأسطوريّ المؤلَّه بعد موته الّذي أنقذ جبل أوليمبوس من شرور عمّه إله الموت بعد بذله جهودًا جبّارة؛ وإنّ الحديث عن هرقل -في هذا الإطار- يرمز إلى المصاعب الكثيرة التي ستواجه الإسكندر، ولكنّه سيتغلّب عليها تمامًا كهذا البطل الأسطوريّ.

واستوحى الإسكندر الخطّة المتعلّقة بحصار صور من حلمه، فقرّر ردم القناة البحريّة التي كانت تفصل الجزيرة عن الساحل ما يؤمّن له الانتقال على أرض صلبة لمهاجمة الأسوار؛ ولذلك استطلع المناطق الساحليّة الواقعة مقابل صور باحثًا عن المواد اللّازمة لتنفيذ مشروعه، فوجد أنّ الأخشاب والصّخور اللّازمة للأعمال متوافرة في صور البريّة وفي جبل لبنان3.

قام المهندسون المقدونيّون بغرز صفّين متوازيين من الدّعائم الخشبيّة عند النّقطة السّاحليّة الأقرب للجزيرة وباتّجاهها، وكان ذلك العمل شاقًّا، ولا سيّما في البقعة القريبة من الجزيرة حيث المياه العميقة، وملأوا بعد ذلك المساحة الفارغة بين الدّعائم بالأحجار والرّدميّات التي كان يُؤتى بها من البرّ؛ وتقدّمت الأعمال بسرعة في البداية، ولكنّها تباطأت مع ازدياد عمق المياه؛ وكان الصّوريّون يراقبون ما يجري بقلّة اكتراث، ولا سيّما أنّ الممرّ لم يكن ظاهرًا فوق مياه البحر في البداية، فكان البحّارة الصّوريّون يقتربون بسفنهم من العمال مستهزئين فيسألونهم إن كان ملكهم الإسكندر أقوى من إله البحر الفينيقيّ1.

ومع تقدّم الأعمال فوّض الإسكندر قيادة الحصار إلى أحد جنرالاته، وتوجّه إلى منطقة البقاع؛ ويبدو أنّ هذه الخطوة تندرج في إطار الحرب النّفسيّة، إذ إنّه كان يريد أن يعطي انطباعًا أنّ حصار صور ليس بالأهمّيّة، أو الخطورة التي تطلب تواجده الدّائم، كما وأراد من خلال ذلك أن يوضّح أنّه لن يبذل كلّ جهده، أو كلّ وقته في حصار مدينة واحدة.

3 – 2 التّفوّق الصّوريّ في بداية المعركة

لاحظ الصّوريّون، مع تقدّم الأعمال المقدونيّة، أنّ قسمًا من الممرّ البحريّ بدأ بالظّهور فوق سطح الماء، وأدركوا حينها حجم الخطر الذي قد يهدّدهم فيما لو استطاع العدوّ إنجاز البناء وقرّروا المواجهة؛ كان ميزان القوى يميل لصالحهم في البداية فنفّذوا هجمات منتظمة على بناة الممرّ، وتميّزت الهجمات بحركيّة صوريّة عالية وقدرة على ابتكار الجديد دائمًا، كما ونفّذت وحدات خاصّة، من سكّان الجزيرة أعمالًا قتاليّة في عمق دفاع العدوّ.

أرسل الصّوريّون قوارب قتال خفيفة إلى جانبَي الممرّ، على متنها جنود رموا سهامهم على العمّال المقدونيّين فقُتل وجُرح منهم الكثير، ولم يتكبّد الصوريّون أيّ خسائر مقارنةً بالمقدونيّين الذين وقفوا على ممرّ ضيّق وسط البحر عاجزين عن حماية أنفسهم، وارتدى المقدونيّون دروعًا مصنوعة من الجلد والحديد ولكنّ الحماية التي قدّمتها هذه الدّروع لهم بقيت محدودة، فعمد المقدونيّون إلى حماية أنفسهم من خلال الاختباء أثناء العمل خلف ستائر كبيرة من الجلد، أو القماش الخشن، مثبتة على هياكل خشبيّة؛ وبالإضافة إلى الحماية التي كانت تؤمّنها، فقد سمحت هذه السّتائر بإعادة جمع الأسهم العالقة عليها تمهيدًا لاستعمالها من جديد من قبل المقدونيّين ضدّ الصّوريّين.

قام المقدونيّون ببناء برجين متحرّكين من الخشب لتأمين حقول مراقبة ورمي لصالح العاملين في الممرّ؛ وفي المقابل، جهّز الصّوريّون سفينةً قديمة وملأوها بالأغصان اليابسة والزّفت والكبريت، ثمّ أضرموا فيها النّار، وأرسلوها باتّجاه الممرّ كي ترتطم بالأبراج؛ وقد انتشرت النّيران بسرعة، وقبل أن يتمكّن العمّال من احتوائها، أحاطت بالبرجين وبآلات الحصار الأخرى وأتت عليها.

وعند عودة الإسكندر من البقاع، وجد أنّ أضرارًا كبيرة قد لحقت بالأعمال التي أُنجزت، فكان ذلك بمثابة صفعةٍ لكبريائه، فأصرّ على متابعة العمل، واللّجوء إلى تعديلاتٍ جذريّة على شكل الممرّ وموقعه؛ وقد ارتكزت هذه التّعديلات على تغيير اتّجاه الممرّ؛ ليتلاءم مع التّيّارات المائيّة الجارفة، وعلى توسيعه بما يسمح بمناورةٍ أكبر. ونتيجةً لذلك، أصبح الممرّ قادرًا على استيعاب الأبراج المتحرّكة، وآلات الحصار التي طوّروها وزوّدوها بعجلاتٍ تتيح دفعها مع تقدّم أعمال البناء.

في مقابل ذلك نفّذت مجموعات صغيرة من الصّوريّين عمليّات قتاليّة خاصّة لإفشال التّقدّم في بناء الممرّ، إذ قامت مجموعة بالتّسلّل إلى الشّاطئ حيث كان العمّال ينقلون الحجارة، فهوجموا وأغارت فرقٌ خاصّة على العمّال المقدونيّين الذين كانوا يقطعون الأشجار في جبل لبنان ملحقةً بهم الخسائر؛ بالإضافة إلى ذلك سبح الغطّاسون الصّوريّون باتّجاه الممرّ بهدف نزع الدّعائم الخشبيّة التي كانت الرّدميّات والأحجار ترتكز عليها، فقاموا بتثبيت الخطافات على هذه الدّعائم، ثمّ عادوا إلى الجزيرة، وسحبوا بواسطة الحبال هذه الخطّافات، فانهارت الدّعائم جارفة كلّ ما عليها، وما حولها من صخور إلى الأعماق1.

3 – 3 انقلاب ميزان القوى لصالح المقدونيّين

أخضع الإسكندر آسيا الصغرى بسرعة لا مثيل لها، ووقف أمام أسوار صور يخسر الوقت، ولا يحقّق أيَّ نتائج، وبدأ يفكّر بفكّ الحصار ومتابعة الزّحف إلى مصر، لكنّه كان يخشى على اسمه وشهرته، إذ قد يعيّره أعداؤه بالهزيمة؛ وفي ظلّ هذا التّخبّط استطاع الإسكندر إنشاء أسطول بحريّ كبير، وإدخاله في المعركة، فيما أنهى جنوده بناء الممرّ، وأصبح بإمكانه أن يصل إلى أسوار صور عبر البرّ؛ وإلى جانب ذلك لم يصل التّعزيز الذي كان ينتظره الصّوريّون من قرطاج؛ فغيّرت هذه الأحداث مجريات المعركة وقلبت ميزان القوى لصالح الإسكندر2.

كان الإسكندر يدرك أنّه يسير بخطى ثابتة نحو الهزيمة ما لم يُدخِل في أعماله القتاليّة آلة الحرب البحريّة بهدف فرض حصار بحريّ على صور، فتوجّه إلى صيدا لإنشاء أسطوله البحريّ؛ في هذه الأثناء قرّر ملكا أرواد وجبيل اللّذان علما بسيطرة الإسكندر على مدينتيهما، تَرْك الأسطول الفارسيّ والعودة إلى موانئهما، ومن ثمّ الالتحاق بأسطول الإسكندر.

إضافة إلى ذلك انضمّت مجموعة كبيرة من السّفن التّابعة لقبرص، ولبعض الجزر اليونانيّة للأسطول المقدونيّ، فعاد الإسكندر من صيدا بأسطول بحريّ يقدّر بـ223 سفينة، ففرض حصارًا بحريًّا على صور، فنفّذ الصّوريّون هجومًا بحريًّا لفكّ الحصار، واختاروا تنفيذه في وقت ما بعد الظهر، بوصفه وقت الاستراحة لدى المقدونيّين. غير أنّ الحظّ أسعف الإسكندر، الذي لم يكن قد أخذ قيلولته بعد، فقاد هجومًا بحريًّا معاكسًا محقّقًا النّجاح، ففشل الهجوم الصّوريّ.

وإنّ الخطر الذي شكّله دخول الأسطول المقدونيّ المستحدث في المعركة لا يكمن في فرض الحصار البحريّ على صور فقط، فقد استعملت السّفن كحاملات لماكينات الحصار التي كانت تتألّف من الأبراج والمدقّات. وتعرّف المدقّة بأنّها عامود خشبيّ ذو رأس معدني معلّق بواسطة حبال على مركبة تسير على عجلات، بحيث يمكن أرجحة العامود ودفعه بقوة لضرب أسوار المدن؛ وفي حصار صور، استُعين أحيانًا بسفينتين لحمل البرج الواحد أو المدقّة الواحدة.

وفي تطوّرٍ ميدانيّ مهمّ، حقّق المقدونيّون إنجازًا آخر في المعركة، شكّل ضربة قويّة للصّوريّين، فقد انتهى بناء الممرّ البريّ، وأضحى من الممكن الوصول إلى صور عبر البرّ؛ ونتيجة لذلك نُصِبت أبراج الحصار والمدقّات أيضًا مقابل الأسوار، وثُبِّتت على الأرض اليابسة فوق الممرّ.

وقد دافع الصّوريّون ببسالة عن المدينة، فملأوا أكياسًا من الجلد، ووضعوا داخلها أعشابًا بحريّة، وألصقوها بالأسوار لتخفيف صدمات المدقّات، ثم ملأوا قدورًا بالرّمل المتوهّج والزّيت المغليّ، وأفرغوها من أعلى الأسوار، فكانت حبّات الرّمل تُغرز في دروع وأجساد المقدونيّين، إضافة إلى ذلك قام الغطّاسون بقطع حبال تثبيت المراكب التي كانت تحمل الأبراج والمدقّات بمحاذاة الأسوار، فأُجبر الإسكندر على استبدالها بجنازير حديديّة.

كما تلقّى الصّوريّون ضربة أخرى، تتعلّق بالدّعم الذي كانوا ينتظرونه من قرطاج، فلقد وصل إلى صور وفد قرطاجيّ معلنًا أنّ قرطاج لن تتمكّن من إرسال التّعزيزات إلى صور كونها منشغلة هي الأخرى بالحرب؛ وإزاء هذه التّطوّرات، رأى كبير الكهنة في حلمه الإله ملكارت وهو يغادر المدينة، فكان ذلك نذير شؤم كبير، وأدرك الصّوريّون خطورة الموقف، وبدأوا بإجلاء مَن استطاعوا إجلاءه من نساء وشيوخ وأطفال إلى قرطاج، ورُفعت الصّلوات في هيكل ملكارت علّه يتدخّل لنجدة المدينة.

3 – 4 سقوط المدينة وارتكاب المجازر بحقّ أهلها

رأى الإسكندر أنّ الوقت قد حان لشنّ الهجوم الحاسم على صور، فالمتغيّرات الّتي طرأت على سير أحداث المعركة كانت لصالحه بحرًا وبرًا، فشنّ هجومه الحاسم في شهر آب مستعملًا عظيم قواه، فاستطاع فتح ثغرة في الأسوار الجنوبيّة للمدينة ساعدته على دخولها؛ فدافع الصّوريّون عن أرضهم حتّى الرّمق الأخير، فكان ذلك سببًا آخر لجعل انتقام الإسكندر كبيرًا، فارتكب أفظع الجرائم في صور بعد دخولها، ثمّ عمد إلى تنظيم احتفالات النّصر بداخلها وتقديم القرابين لإلهها.

وشنّ المقدونيّون هجومًا حاسمًا على صور، فطوّقت الأبراج والمدقّات الجزيرة من مختلف الجهات؛ وقد تبيّن للإسكندر أنّ الأسوار الشّرقيّة كانت شاهقة التّحصين، في حين بدت التّحصينات الجنوبيّة أضعف نسبيًّا وأقلّ ارتفاعًا، فركّز جهده على هذه الجهة لإحداث ثغرة فيها.

وبالفعل، استغلّ الإسكندر ذلك، وحاول إحداث ثغرة في الأسوار الجنوبيّة؛ لكي ينفذ منها إلى الدّاخل فنجح، ووجّه جهده الرّئيس باتّجاه الخرق، فرمت السّفن السّلالم، ووثب بعض المقاتلين من خلالها عبر مجموعات منظّمة إلى الأسوار، ومنها إلى داخل المدينة؛ فتمكّنت مجموعة الأسوار من احتلال برجين من أبراج الجزيرة، فيما تقدّمت المجموعة المخترقة تحت حماية مجموعة الأبراج إلى الدّاخل عبر الثّغرة، وتوجّهت مباشرة إلى القصر الملكيّ فحاصرته وداهمته.

وفي هذه الأثناء تقدّمت السّفن الفينيقيّة باتّجاه موانئ المدينة، وتمكّنت سفن الصّيدونيّين والجبيليّين والأرواديّين من فتح المرفأ الجنوبيّ، في هاجمت سفن القبارصة المرفأ الشّماليّ، فتدفَّق المقاتلون المقدونيّون إلى الدّاخل؛ وما إن ضعف جهاز الدّفاع، حتّى شكّلت الأبراج الملاصقة للأسوار جسور عبور لآلاف المقاتلين المقدونيّين إلى داخل المدينة.

سقطت صور من النّاحية العسكرية إلّا أنّ أهلها لم يستسلموا، بل واجهوا آلة القتل المقدونيّة ببسالة قلّ نظيرها عبر التّاريخ؛ فلقد اتّخذ أغلبيّة الصّوريّين قرار المقاومة حتّى الرّمق الأخير، فانتشر جنود المدينة أمام المنازل وبين المهاجمين، يقاومون ويقاتلون حتّى الموت، فلا يقضون دون أن ينتقموا من الغزاة، فيما صعد من لا يملك منهم سلاحًا إلى سطوح المنازل، واستلّوا حجارة وصخورًا، رموا بها الأعداء في أثناء مرورهم في الأزقّة، واحتمى عدد من الشّيوخ والنّساء والأطفال في هيكل ملكارت، وأغلق عدد آخر منهم أبواب منازلهم بعد أن احتموا بداخلها منتظرين مصيرهم، في حين التجأ آخرون إلى السّفن الفينيقيّة الرّابضة في المرفأ الجنوبيّ، فعلى الرّغم من مشاركة هذه السّفن في الحرب إلى جانب الإسكندر، إلّا أنّ صلات القربى التي تربطهم بأبناء صور حرّكت ضمائرهم، فدفعتهم إلى نجدة إخوتهم ولو سرًّا.

أمر الإسكندر بقتل السّكان جميعًا، باستثناء من يلجأ منهم إلى معابد المدينة، فجاب المنادون الشّوارع يعلنون ذلك مرارًا لكنّ أحدًا من المدافعين لم يرضخ، فحصلت مجازر أدّت إلى مقتل ثمانية آلاف صوريّ بحسب المصدر اليونانيّ؛ وبعدما تعب المقدونيّون من القتل قاموا بصلب ألفي مقاتل صوريّ على الشّاطئ، كما وبيع ثلاثون ألفًا من النّاجين كعبيد.

ومشى الإسكندر على الدّماء متوجّهًا إلى هيكل ملكارت، حيث قدّم الأضحية فيه، بحضور جنده، وملك صور، والهيئة الإداريّة، الذين أُجبروا على الحضور للاحتفال بالنّصر؛ وزُيّنت السّفن المشاركة في القتال بالأعلام والأنوار، وتهادت أمام الجزيرة في مشهد مهيب، كما نُظّمت أمام المعبد مبارياتٌ رياضيّة وسباقاتٌ بالمشاعل؛ وكان فرح الإسكندر عارمًا، فالكابوس الذي كاد أن يقضي على أحلامه قد انتهى1. فهو قادر الآن على متابعة زحفه إلى مصر ومنها إلى فارس وغيرها؛ ليسطّر اسمه كواحد من أعظم القادة العسكريّين في التّاريخ، وكواحد من مجرمي الحرب بمفهومنا المعاصر.

 

الخاتمة

في نهاية البحث لا بدّ لنا من استقاء العبر من معركة حصار مدينة  صور التي راح ضحيّتها عشرات آلاف الجنود أثناء دفاعهم عن موطنهم، إذ قاومت صور ولمدّة سبعة أشهر واحدًا من أعظم الجيوش التي عرفها التّاريخ، وكادت أن تهزمه.

إنّ الشّواهد على ملاحم الشّجاعة التي سطّرها أهل صور قد نقلها إلينا مؤرّخون مقدونيّون أنفسهم، فيضفي عليها قدرًا كثيرًا من المصداقيّة؛ غير أنّ تقييم موقف الصّوريّين يظلّ رهينًا باختلاف الزّمان والمكان؛ إذ يرى بعض الباحثين أنّ خيار الخضوع للإسكندر، كما فعلت سائر المدن الفينيقيّة، كان من شأنه أن يجنّب المدينة الدّمار الذي لحق بها؛ وعلى اختلاف هذه الرّؤى، يبقى ثابتًا أنّ أهل صور قدّموا تضحيات جسيمة دفاعًا عن مدينتهم، كما لا يُغفل في هذا السّياق أثر انحياز صيدا وجبيل وأرواد إلى جانب الإسكندر، فأسهم في ترجيح كفّة القوى لصالحه.

ومن هنا، يقتضي تحليل هذا الموقف تجنّب إسقاط الحاضر على الماضي، واعتماد مقاربة تضع الأحداث في سياقها التّاريخيّ والجغرافيّ؛ ومع ذلك، يمكن القول إنّ تفرّق المدن الفينيقيّة وتغليبها لمصالحها الضّيّقة كان عاملًا مهمًّا في إضعاف الموقف العامّ، ومهّد، في جانبٍ منه، لما آل إليه مصير صور.

لا بدّ من التّأكيد أنّ معركة صور تمثّل مصدرًا مهمًّا، بل نادرًا، لفهم جانبٍ من التّاريخ العسكريّ للفينيقيّين؛ فعلى الرّغم من اشتهار هذا الشّعب ببراعته في التّجارة والعمارة وفنون الملاحة، وبابتكاره الأبجديّة، فإنّ معطياتنا عن قدراته العسكريّة ظلّت محدودة؛ ومن ثمّ، تغدو أحداث هذه المعركة مادّةً غنيّة تقدّم معطيات قيّمة لإعادة بناء هذا الجانب من تاريخه.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن للمادّة التي يتضمّنها هذا البحث أن تشكّل نواةً لدراسات أوسع وأعمق تُسهم في إضاءة التّاريخ العسكريّ للفينيقيّين؛ كما يُؤمَل أن يسهم هذا العمل في تعزيز الوعي بأهمّيّة دراسة التّاريخ بوصفه مدخلًا لفهم الحاضر واستلهام العِبر.

وختامًا، لعلّ هذه الدّراسة تساعد ولو جزئيًّا في التّنبيه على ضرورة الحفاظ على المواقع الأثريّة في لبنان بوصفها شاهدًا على الأحداث الغابرة.

 

لائحة المصادر والمراجع

المصادر والمراجع باللغة العربية

  1. أريانوس. (1998). حملة الإسكندر (ترجمة أحمد حمادة). دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر.
  2. الجنابي، ق. (2015). الإسكندر المقدوني ومشروعه العالمي في بابل. مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية.
  3. توماس، ك. ج. (1982). عالم الإسكندر الأكبر. مكتبة المشرق الإلكترونية.
  4. زهيلاتي، م. (1999). الإسكندر الكبير. دمشق: دار طلاس.
  5. سلامة، ر. (1985). أعلام ومشاهير: الإسكندر الكبير. بيروت: دار المستقبل.
  6. الصليبي، ك. (1991). تاريخ لبنان الحديث (الطبعة السابعة). بيروت: دار النهار للنشر.
  7. فارس، ن. (1983). الإسكندر المقدوني (الطبعة الثالثة). بيروت: دار العلم للملايين.
  8. لامب، هـ. (1965). الإسكندر المقدوني (ترجمة عبد الجبار المطلبي ومحمد ناصر الصانع). بغداد – نيويورك: مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر.

المصادر والمراجع باللغة الأجنبية

  1. (1971). The campaigns of Alexander. London: Penguin Books.
  2. Clausewitz, C. von. (1993). On war. London: Campbell Publishers Ltd.
  3. DeVries, K. (2008). Siege of Tyre, 332 BC. In Battles that changed warfare 1457 BC – AD 1991 .London: Amber.
  4. Jidejian, N. (1969). Tyre through the ages. Beirut: Dar el-Mashreq Publishers.
  5. Philip Freeman, Alexander the Great, First Edition, Simon & Schuster Publishing House, USA, 2011.
  6. (1844). La vie des hommes illustres. Paris: Didier.

[1]  دكتور محاضر في كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة الإسلاميّة.

1  Philip Freeman, Alexander the Great, First Edition, Simon & Schuster Publishing House, USA, 2011,P. 45.

1  تقع مقدونيا في الزّاوية الشّماليّة الشّرقيّة لشبه الجزيرة اليونانيّة وعلى الرّغم من أنّ بعض اليونانيّين القدماء كانوا يرون أنّ حدود بلادهم الشّماليّة تقع عند جبال الأولمب؛ أي أنّها لا تمتدّ لتشمل مقدونيا إلّا أنّ الباحثين يتّفقون اليوم على كون المقدونيّين جزءًا من الشّعوب اليونانيّة أو الهلينيّة. (نبيه فارس، الإسكندر المقدوني، دار العلم للملايين، بيروت، الطّبعة الثّالثة، 1983، ص 11–14).

2  هارولد لامب، الإسكندر المقدونيّ، ترجمة: عبد الجبّار المطلبي ومحمّد ناصر الصّانع، مؤسّسة فرانكلين للطّباعة والنّشر، بغداد، نيويورك، 1965، ص 15.

3  متوديوس زهيلاتي، الإسكندر الكبير، دار طلاس، الطبعة الأولى، دمشق، 1999، ص 12.

1  متوديوس زهيلاتي، المرجع السابق، ص 52.

2  قيس الجنابي، الإسكندر المقدوني ومشروعه العالمي في بابل، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، المجلّد 5، العدد 1، 2015، ص 211.

1  انظر: أريانوس، “حملة الإسكندر”، ترجمة د. أحمد حمادة، دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، 1998، ص 45.

1    أريانوس، المرجع السابق، ص 54.

 

1  Jidejian, N., Tyre through the Ages, Dar el-Mashreq Publishers, Beirut, 1969, p.39

1  كارول جي توماس، عالَم الإسكندر الأكبر»، مكتبة المشرق الإلكترونيّة، 1982، ص 62.

2  متوديوس زهيلاتي، الإسكندر الكبير، دار طلاس، الطبعة الأولى، دمشق، 1999، ص 57.

1  Clausewitz, Carl von, On War, David, Campbell Publishers Ltd, London, 1993, p:120

1  Arrian, The Campaigns of Alexander, Penguin Books, London, 1971, p.124

2  DeVries, Kelly. “Siege of Tyre, 332 BC.” In Battles that Changed Warfare 1457 BC – AD 1991, 28-37, Amber, London, 2008, p:30

3 اسم لبنان كان يطلق على الجبال المشرفة على السّاحل الشّرقيّ للبحر الأبيض المتوسّط، وقد ذكر لبنان للمرّة الأولى في التّاريخ في الألفيّة الثّالثة قبل الميلاد، حيث قصده البطل الأسطوريّ غلغامش باحثًا عن الخلود في جبال الأرز. الأمر نفسه فعله المصريّون الذين استعملوا خشب الأرز في بناء الأهرامات، وفي تصنيع مراكب الشّمس الفرعونيّة. (كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، دار النهار للنشر، بيروت، الطبعة السابعة، 1991، ص 13–18).

 

1 ‏ Arrian, The Campaigns of Alexander, Penguin Books, London, 1971, p. 124

 

1  رؤوف سلامة، أعلام ومشاهير: الإسكندر الكبير، دار المستقبل، الطبعة الأولى، بيروت، 1985، ص 57.

2  هارولد لامب، الإسكندر المقدوني، ترجمة: عبد الجبار المطلبي ومحمد ناصر الصانع، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بغداد، نيويورك، 1965، ص 59.

 

1 Plutarque, La vie des hommes, Didier, Paris ,1844, p.291

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى