أبحاثاللغة والأدب والنّقد

سيميائيّةُ الخِطابِ الحِجاجيّ وتمثيلُ الهُويّةِ العامليّة في كتاب”المراجعات” للسّيّد عبد الحسين شرف الدّين

سيميائيّةُ الخِطابِ الحِجاجيّ وتمثيلُ الهُويّةِ العامليّة في كتاب”المراجعات” للسّيّد عبد الحسين شرف الدّين

The Semiotics of Argumentative Discourse and the Representation of Ameli Identity in Al-Murajaʿat by Sayyid Abd al-Husayn Sharaf al-Din

د. وائل صبحي جزّيني[1]

Dr. Wael Jezzini

تاريخ الاستلام  1/  3/ 2026                                      تاريخ القبول  25/ 4/2026

لتحميل البحث بصيغة PDF

الملخّص

يهدفُ هذا البحثُ إلى دراسةِ سيميائيّةِ الخطابِ الحجاجيّ وتمثيلِ الهويّةِ العامليّة في كتاب» المراجعات « للسّيّد عبد الحسين شرف الدّين، فهو نصّ حواريّ ومعرفيّ يتجاوز وظيفته العقديّة المباشرة إلى بناء صورة مخصوصة للذّات العامليّة في فضاء علميّ عابر للحدود .وينطلق البحث من إشكاليّة مفادها أنّ» المراجعات «قُرئ غالبًا على أنّه كتاب في الحوار المذهبيّ أو الاحتجاج الكلاميّ، في حين يمكن مقاربته بوصفه خطابًا حجاجيًّا منتجًا للهويّة، تتجلّى فيه الذّات المتكلّمة ذاتًا عالمةً، وموثِّقةً، ومحاورةً، وقادرةً على بناء مشروعيّتها من خلال الدّليل والسّؤال والجواب والاستشهاد وتنظيم العلاقة مع الآخر.

يعتمد البحث مقاربةً في السّيميائيّات الحجاجيّة، كونها إطارًا إجرائيًّا يدرس العلامة داخل فعل الإقناع، ولا يفصل بين بناء الحجّة وصورة المتكلّم وتمثيل الهويّة .ويحلّل البحث عيّنة قصديّة من المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة؛ لأنها تمثّل المسار التّأسيسيّ للحجاج في الكتاب :من ميثاق المناظرة، إلى صياغة الإشكال المركزيّ، إلى بناء الجواب بالدّليل؛ كما يلتزم البحث توثيقًا أكاديميًّا دقيقًا يقوم على إيراد الشّواهد النّصّيّة مع الإحالة إلى مواضعها المحدّدة، والتّمييز بين المتن الأصليّ وتعليقات المحقّق والمصادر المساندة.

وتخلص الدّراسة إلى أنّ» المراجعات «ينهض بوظيفة رمزيّة أعمق؛ إذ يحوّل الحجاج إلى أداة في بناء الاعتراف، ويجعل من المعرفة والتّوثيق والحوار وسائل لتمثيل إيثوس علميّ عامليّ يمكن قراءته على أنّه نموذج مكثّف لبعض ملامح الهابيتوس العلميّ في جبل عامل، من غير أن يُختزل هذا الهابيتوس في شخص المؤلّف أو نصّ واحد.

الكلمات المفتاحيّة :السّيميائيّات الحجاجيّة؛ الخطاب الحجاجيّ؛ الهويّة العامليّة؛ الإيثوس؛ المراجعات؛ عبد الحسين شرف الدّين؛ التّوثيق؛ الاعتراف؛ الهابيتوس العلميّ.

Abstract

This study examines the semiotics of argumentative discourse and the representation of Ameli identity in Al-Murajaʿat by Sayyid Abd al-Husayn Sharaf al-Din. It approaches the book not merely as a doctrinal or theological text, but as a structured dialogic discourse through which evidence, documentation, correspondence, and scholarly ethos become tools for constructing legitimacy and recognition.

Methodologically, the study adopts argumentative semiotics as an operational framework that analyzes signs within persuasive discourse. It focuses on the first, third, and fourth reviews as a purposive sample because they establish the foundational movement of the book: the pact of debate, the formulation of the central problem, and the first evidence-based answer. The study distinguishes between the individual ethos constructed by Sharaf al-Din and Ameli identity as a broader cultural and scholarly habitus.

The research concludes that Al-Murajaʿat is not only a work of doctrinal argumentation, but also a symbolic act of intellectual presence. Through question and answer, citation, textual authority, and dialogic discipline, the book produces a scholarly self that can be read as an intensified representation of aspects of the Ameli learned habitus, without reducing that habitus to one author or one text.

Keywords: argumentative semiotics; argumentative discourse; Ameli identity; ethos; Al-Murajaʿat; Abd al-Husayn Sharaf al-Din; documentation; recognition; scholarly habitus.

المقدّمة والإطار المنهجيّ

تمهيد وإشكاليّة البحث

يقوم هذا البحث على قراءة كتاب «المراجعات» بوصفه حوارًا علميًّا بين السّيّد عبد الحسين شرف الدّين والشّيخ سليم البشري؛ ويُراد بالسّيّد عبد الحسين شرف الدّين هنا العالم العامليّ الموسويّ الذي جمع بين التّكوين الفقهيّ والحضور الإصلاحيّ والكتابة الحجاجيّة، ويُعدّ كتاب «المراجعات» من أبرز آثاره الحواريّة في عرض مسائل الخلاف من خلال المراسلة الموثّقة[2].

أمّا الشّيخ سليم البشري، فهو عالم أزهريّ تولّى مشيخة الجامع الأزهر، ويمثّل في الكتاب الطّرف المخاطَب الذي يطلب البيان ويستأذن في المناظرة؛ لذلك يأتي حضوره بوصفه شريكًا في بناء الحجاج من خلال السّؤال وطلب الدّليل[3].

يُعدّ كتاب» المراجعات «للسّيّد عبد الحسين شرف الدّين واحدًا من النّصوص العلميّة والحجاجيّة البارزة في الفكر الإسلاميّ الحديث؛ لأنّه يقدّم نموذجًا دالًّا على قدرة الخطاب الحواريّ على بناء المعنى، وتنظيم الاختلاف، وتمثيل الذّات في فضاء معرفيّ واسع؛ فالكتاب، في بنيته الظّاهرة، يقوم على مراجعات متبادلة بين طرفين علميّين، غير أنّ هذه البنية المراسليّة تتحوّل إلى آليّة حجاجيّة دقيقة تُبنى فيها الأسئلة والأجوبة، وتتراكم الشّواهد، وتنتظم الإحالات، وتتشكّل من خلالها صورة الذّات المتكلّمة في هيئة ذات عالمة، وموثّقة، ومحاورة، وقادرة على مخاطبة الآخر من موقع الثّقة والاقتدار.[4]

ومن هنا، ينظر هذا البحث إلى» المراجعات «من زاوية كونه خطابًا حجاجيًّا مركّبًا ينتج تمثيلًا مخصوصًا للهويّة العامليّة؛ فالسّيّد عبد الحسين شرف الدّين يظهر فاعلًا خطابيًّا يمثّل ذاتًا علميّة ذات امتداد عامليّ، تستند إلى المعرفة، والتّوثيق، والمرجعيّة النّصّيّة، والحوار المنظّم، وتعيد من خلال ذلك بناء حضورها في مجال معرفيّ عابر للحدود المحلّيّة.[5]

تتحدّد مشكلة هذا البحث في أنّ» المراجعات «كثيرًا ما قُرئ بوصفه نصًّا كلاميًّا أو مذهبيًّا أو حواريًّا، في حين لم يُدرس بما يكفي من جهة كونه خطابًا حجاجيًّا وسيميائيًّا منتجًا للهويّة؛ فالكتاب يبني من خلال شكل المراسلة، وبنية السّؤال والجواب، وآليّات الاستشهاد والإحالة، صورة مخصوصة للذّات المتكلّمة: ذات عالمة وموثّقة ومحاورة .كما يعيد تشكيل العلاقة مع الآخر المخاطَب بأنّه طرف في فضاء اعتراف متبادل، تتحدّد فيه المشروعيّة من خلال الدّليل والنّصّ والسّند والإنصاف وأدب الحوار[6].

ينطلق البحث من سؤال رئيس مفاده :كيف أسهم الخطاب الحجاجيّ في كتاب» المراجعات «للسّيّد عبد الحسين شرف الدّين في تمثيل الهويّة العامليّة وبناء صورة الذّات العالمة المحاورة ضمن فضاء معرفيّ عابر للحدود؟ ويتفرّع من هذا السّؤال عدد من الأسئلة :ما الخصائص الحجاجيّة التي تنظّم بنية الخطاب في الكتاب؟ كيف تعمل صيغة المراسلة وبنية السّؤال والجواب على إنتاج المعنى؟ ما العلامات السّيميائيّة الأبرز التي تسهم في تمثيل الهويّة العامليّة؟ وكيف تتحوّل الإحالة إلى النّصوص والمصادر إلى أداة في بناء المشروعيّة المعرفيّة؟

منهج البحث وأداته الإجرائيّة

يعتمد هذا البحث مقاربةً نوعيّة في السّيميائيّات الحجاجيّة، تجعل منها إطارًا تحليليًّا يدرس العلامة داخل فعل الإقناع؛ ويهدف البحث إلى بناء أداة تحليل واحدة تنطلق من الخطاب الحجاجيّ في كتاب» المراجعات«، وتقرأ علاماته الدّالّة في ضوء وظيفتها في إنتاج المشروعيّة والاعتراف.

وتقوم هذه المقاربة على تحليل بنية السّؤال والجواب، وآليّات الاستشهاد والإحالة، وصورة الذّات المتكلّمة، وصورة الآخر المخاطَب، والعلامات التي تمنح الخطاب قوّته المعرفيّة، مثل الدّليل، والسّند، والنّصّ، والمصدر، والإنصاف، وأدب المحاورة .ويُستفاد من نظريّات الحجاج، ولا سيّما عند بيرلمان وتولمين، في فهم مسار الإقناع وبناء الدّليل، كما يُستفاد من السّيميائيّات، ولا سيّما عند إيكو، في قراءة النّصّ، والسّند، والإحالة، بوصفها علامات منتجة للمعنى .أمّا النّقد الاجتماعيّ فيُعتمد هنا كأفق تفسيريّ مساعد لفهم الصّلة بين صورة شرف الدّين الخطابيّة وبين النّسق الثّقافيّ العامليّ الذي ينتمي إليه[7].

 

محور التّحليل المؤشّرات النّصّيّة الوظيفة التّحليليّة
بنية الحجاج السّؤال، الجواب، الاعتراض، التّدرّج، الاستشهاد الكشف عن طريقة بناء الإقناع
صورة المتكلّم / الإيثوس نفي التّعصّب، الاحتكام إلى الدّليل، أدب المخاطبة تحديد صورة شرف الدّين بوصفه عالمًا محاورًا
علامات المشروعيّة النّصّ، السّند، المصدر، الدّليل الشّرعيّ، الإحالة بيان كيف تُبنى السّلطة المعرفيّة داخل الخطاب
صورة الآخر طالب حقيقة، مستأذن في المناظرة، مخاطَب علميّ تحليل العلاقة بين الاختلاف والاعتراف
الهويّة العامليّة الدّقّة، الموسوعيّة، الحوار، عبور المحلّيّ إلى المجال الإسلاميّ العامّ تفسير انتقال الإيثوس الفرديّ إلى تمثيل ثقافيّ عامليّ

 

عيّنة البحث ومسوّغات اختيارها

يعتمد هذا البحث عيّنة قصديّة محدّدة من كتاب» المراجعات«، تتمثّل في المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة؛ لأنها تمثّل اللّحظة التّأسيسيّة في بناء الخطاب الحجاجيّ للكتاب؛ فالمراجعة الأولى تؤسّس ما يمكن تسميته ميثاق المناظرة، إذ يبدأ الحوار فيها بصيغة استئذان في البحث، وتحديد لمجال المناظرة، وإعلان أنّ الغاية طلب الحقيقة .ومن ثمّ، فهي تكشف الإطار الأخلاقيّ والمعرفيّ الذي سينتظم الخطاب اللّاحق.[8]

أمّا المراجعة الثّالثة فتمثّل انتقال الحوار من التّمهيد إلى صياغة الإشكال المركزيّ، حيث يُطرح السّؤال عن سبب عدم الأخذ بمذاهب الجمهور؛ وبذلك، تتحوّل المراجعة من مجرّد مراسلة افتتاحيّة إلى سؤال حجاجيّ مباشر يستدعي من شرف الدّين بناء جواب يبرّر الموقف، وينقله من دائرة الاتّهام المحتمل بالتّعصّب إلى دائرة الدّليل . وتأتي المراجعة الرّابعة بوصفها جوابًا حجاجيًّا أوّل على هذا الإشكال، وفيها تتجلّى آليّة شرف الدّين في بناء المشروعيّة :نفي التّحزّب والتّعصّب، ثمّ الاحتكام إلى الأدلّة الشّرعيّة، ثمّ مساءلة دعوى حصر الرّجحان في مذاهب الجمهور.[9]

وعليه، فإنّ اختيار هذه المراجعات يقوم على تتبّع مسار تأسيسيّ متكامل :تأسيس الحوار، ثمّ صياغة الإشكال، ثمّ بناء الجواب بالدّليل؛ ولهذا تصلح هذه العيّنة للكشف عن البنية الحجاجيّة الأولى التي سيستند إليها الكتاب لاحقًا، كما تصلح لتحليل صورة المتكلّم، وصورة الآخر، والعلامات المنتجة للمشروعيّة والاعتراف .ولا يدّعي البحث أنّ هذه العيّنة تستنفد جميع إمكانات »المراجعات«، بل يتعامل معها بوصفها مدخلًا تحليليًّا كاشفًا لآليّات الخطاب في بداياته التّأسيسيّة.

أوّلًا: الإطار المفاهيميّ والإجرائيّ للبحث

يوظّف هذا البحث استعمال المفاهيم السّيميائيّة، والخطاب الحجاجيّ، والهويّة العامليّة، والاعتراف، والمقاومة الرّمزيّة أدوات إجرائيّة موجّهة لتحليل كتاب» المراجعات«؛ ومن هنا، فإنّ ضبط هذه المفاهيم يُعدّ شرطًا منهجيًّا أساسيًّا؛ لأنّ البحث يدرس الكتاب كخطاب حجاجيّ وسيميائيّ ينتج صورة مخصوصة للذّات العامليّة. وتستند هذه المقاربة إلى تقاليد تحليل العلامة عند أمبرتو إيكو، وإلى نظريّات الحجاج عند بيرلمان وتيتيكا وتولمين، وإلى النّقد الاجتماعيّ عند إدمون كروس، فضلًا عن المراجع التّاريخيّة العربيّة المتّصلة بجبل عامل وشخصيّة شرف الدّين.[10]

1- السّيميائيّة والخطاب الحجاجيّ

تُعتمد السّيميائيّة في هذا البحث بأنّها مدخل إلى تحليل العلامات التي تنتج دلالات أوسع تتّصل بالهويّة والمشروعيّة والاعتراف؛ فالعلامة في» المراجعات «تشمل الصّيغة الخطابيّة، وبنية المراسلة، واستدعاء المصادر، وطريقة تنظيم الجواب، وصور الاحترام المتبادل بين المتحاورين .ويجد هذا التّوسيع لمفهوم العلامة سندًا في السّيميائيّات الحديثة، ولا سيّما عند أمبرتو إيكو، الذي يتعامل مع السّيميائيّة أنّها نظريّة عامّة في إنتاج الدّلالة والتّأويل[11]؛ وعلى هذا الأساس، فإنّ الدّليل في» المراجعات «هو علامة على انضباط الذّات المتكلّمة بالبرهان . والسّند علامة على المشروعيّة المعرفيّة، والمراجعة علامة على إمكان الحوار، وإعادة النّظر، والانتقال من الاختلاف إلى الفحص .وبذلك يصبح النّصّ شبكة من العلامات التي تنتج صورة الذّات العامليّة في هيئة ذات عالمة، ومحاورة، وموثّقة.

ويُفهم الخطاب الحجاجيّ في هذا البحث بأنّه طريقة في تنظيم العلاقة بين المتكلّم والمخاطَب، وفي توجيه مسار الاقتناع .وهذا الفهم يتّفق مع البلاغة الجديدة عند بيرلمان وأولبرختس-تيتيكا، حيث لا تنفصل فاعليّة الحجاج عن المخاطَب والجمهور الذي يسعى الخطاب إلى كسب اقتناعه .كما يفيد نموذج تولمين في فهم البنية العمليّة للحجّة؛ إذ يلفت إلى أنّ الحجاج يقوم على دعوى، ومعطيات، وضمانات، ودعائم، واعتراضات، فيساعد على قراءة المراجعات على أنّها وحدات حجاجيّة مركّبة[12].

2- الهويّة العامليّة والإيثوس والاعتراف

يتعامل هذا البحث مع الهويّة العامليّة بوصفها إنجازًا خطابيًّا يتشكّل في طريقة الكلام والحجاج والتّوثيق؛ فالهويّة العامليّة في »المراجعات «تظهر أساسًا من خلال حضور نمط علميّ عامليّ في إدارة الحوار، وإنتاج الدّليل، ومخاطبة الآخر من موقع النّدّيّة المعرفيّة.

ويستند هذا الفهم إلى المراجع التّاريخيّة التي تؤكّد أنّ جبل عامل مثّل بيئة علميّة وثقافيّة فاعلة في إنتاج العلماء والفقهاء والأدباء، كما يظهر في» تاريخ جبل عامل «لمحمّد جابر آل صفا، وفي» خطط جبل عامل « لمحسن الأمين .فقد تناول آل صفا جبل عامل موضوعًا تاريخيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، فيما قدّم الأمين في »خطط جبل عامل «عرضًا للمنطقة وأعلامها وتواريخها، وما نبغ فيها من علماء وشعراء وأدباء.[13]

ولا يتعامل هذا البحث مع الهويّة العامليّة بوصفها تطابقًا مباشرًا بين شخص السّيّد عبد الحسين شرف الدّين وجماعة جبل عامل بأسرها، ولا يفترض أنّ كل خصيصة خطابيّة تظهر في» المراجعات «تمثّل تلقائيًّا البيئة العامليّة كلّها .لذلك يميّز البحث بين إيثوس المتكلّم، أي صورة الذّات التي يبنيها شرف الدّين داخل الخطاب بوصفه عالمًا محاورًا موثّقًا ملتزمًا بالدّليل، وبين الهويّة العامليّة بصفتها نسقًا ثقافيًّا أوسع تشكّل تاريخيًّا في بيئة علميّة عُرفت بحضور العلماء والفقهاء والأدباء.[14]

ومن هنا، يفترض البحث أنّ إيثوس شرف الدّين في »المراجعات «يمكن أن يُقرأ على أنّه تمثيل مكثّف لبعض ملامح الهابيتوس العلميّ العامليّ؛ فالدّقّة التّوثيقيّة، وسعة الإحالة، وأدب المحاورة، والقدرة على مخاطبة المجال الإسلاميّ العامّ، مؤشّرات خطابيّة يمكن ربطها بسياق علميّ عامليّ أوسع، شرط ألّا تُحوَّل إلى أحكام كلّيّة على الجماعة كلّها[15].

ويُوظَّف مفهوم الاعتراف في هذا البحث للدّلالة على انتقال الذّات المتكلّمة من موقع الدّفاع عن نفسها إلى موقع إثبات أهلّيّتها للمشاركة في المجال العلميّ؛ فالاعتراف هنا يعني الإقرار بأنّ الذّات المتكلّمة تمتلك حقّ الكلام، وأهلّيّة الاستدلال، وقدرة المحاورة؛ ومن هنا، فإنّ الآخر المخاطَب في”المراجعات” يكون جزءًا من بناء الاعتراف؛ لأنّه يسأل ويستوضح ويطلب الدّليل، ومن خلال ذلك يتيح للذّات المتكلّمة أن تظهر بأنّها ذات قادرة على الجواب[16].

ثانيًا: الإطار المرجعيّ والتّاريخيّ والدّراسات السّابقة

1- الإطار المرجعيّ والتّاريخيّ

تُدرج كتب التّاريخ والتّراجم العامليّة في هذا البحث مصادر مرجعيّة تساعد على فهم السّياق العلميّ والثّقافيّ الذي انبثقت منه شخصيّة السّيّد عبد الحسين شرف الدّين؛ ومن هذا الباب تأتي الاستفادة من كتب مثل» تاريخ جبل عامل «لمحمّد جابر آل صفا، و»خطط جبل عامل «لمحسن الأمين، و»أعيان الشّيعة «لمحسن الأمين؛ لأنّ هذه المصادر تقدّم مادّة تاريخيّة وترجميّة مهمّة عن جبل عامل وأعلامه وبنيته العلميّة والثقافيّة .غير أنّ وظيفة هذه المصادر في البحث تظلّ تأطيريّة؛ أي إنّها تساعد على فهم الخلفيّة العامليّة لشرف الدّين، ولا تقوم مقام التّحليل النّصّيّ لكتاب المراجعات.[17]

وتكمن أهمّيّة هذا الإطار المرجعيّ في أنّه يبيّن أنّ شرف الدّين ينتمي إلى تقليد علميّ عامليّ عُرف بحضور العلماء والفقهاء والأدباء، وبقدرتهم على الجمع بين المعرفة الدّينيّة والوظيفة الاجتماعيّة والكتابة الحجاجيّة . ومع ذلك، يتعامل البحث مع خطابه نموذجًا مكثّفًا يمكن أن يكشف بعض ملامح الهابيتوس العلميّ العامليّ حين يُقرأ في ضوء سياقه التّاريخيّ والمعرفيّ.

2- الدّراسات السّابقة والفجوة البحثيّة

تتّصل الدّراسات السّابقة بموضوع البحث من ثلاث جهات: جهة العناية بشخصيّة السّيّد عبد الحسين شرف الدّين، وجهة قراءة كتاب» المراجعات «في سياقه العقديّ والحواريّ، وجهة الدّراسات النّظريّة التي تناولت الحجاج والخطاب والهويّة .وقد غلب على كثير من القراءات المتّصلة بـ »المراجعات «الاهتمام بمادّته العقديّة، أو بقيمته في الحوار والتّقريب، أو بكونه نصًّا استدلاليًّا يعتمد على النّصوص والمصادر .وهذا الاهتمام مشروع بحكم طبيعة الكتاب، غير أنّه لا يستنفد إمكانات قراءته؛ لأنّ الكتاب يبني خطابًا حجاجيًّا له بنية مخصوصة وصورة متكلّم وعلاقة منظّمة بالآخر المخاطَب.

وتفيد الدّراسات النّظريّة في الحجاج، ولا سيّما أعمال بيرلمان وتولمين، في نقل البحث من مجرّد تتبّع مضمون الأدلّة إلى تحليل طريقة بنائها ووظيفتها في الإقناع .كما تساعد السّيميائيّات، ولا سيّما عند إيكو، على النّظر إلى الدّليل والسّند والإحالة بوصفها علامات منتجة للمعنى والمشروعيّة .وبذلك تتحدّد الفجوة البحثيّة في أنّ كتاب» المراجعات «لم يُقرأ، في حدود ما تيسّر للباحث الاطّلاع عليه، قراءة كافية من زاوية السّيميائيّات الحجاجيّة؛ أي من زاوية العلاقة بين بناء الحجّة وتمثيل الإيثوس الفرديّ لشرف الدّين من حيث كونه مدخلًا إلى فهم صورة الهويّة العامليّة.[18]

               وعليه، يحدّد هذا البحث إضافته في دراسة » المراجعات «في تحويل زاوية النّظر من السّؤال العقديّ :ماذا يثبت الكتاب؟ إلى السّؤال الخطابيّ السّيميائيّ :كيف يبني الكتاب حجّته؟ وكيف يصوغ صورة المتكلّم؟ وكيف تتحوّل الإحالة والتّوثيق إلى علامات على المشروعيّة والاعتراف؟ ومن هنا، تأتي خصوصيّة البحث في الجمع بين التّحليل الحجاجيّ للخطاب، وقراءة العلامات المنتجة للهوية، من غير توسيع المنهج إلى مناهج متعدّدة غير مضبوطة إجرائيًّا.

ثالثًا: السّيّد عبد الحسين شرف الدّين وكتاب » المراجعات«: السّياق والمناسبة والدّلالة

1- شرف الدّين: الموقع العلميّ والسّياق العامليّ

يُعدّ السّيّد عبد الحسين شرف الدّين الموسويّ واحدًا من أبرز أعلام جبل عامل في العصر الحديث، من جهة مكانته الفقهيّة والعلميّة  ومن جهة قدرته على تحويل المعرفة الدّينيّة إلى خطاب حواريّ عابر للبيئة المحلّيّة . فقد نشأ في سياق عامليّ عُرف بتداخل العلم الدّينيّ، والوظيفة الاجتماعيّة للعالم، والحضور الإصلاحيّ في المجال العامّ، بما جعل شخصيّته امتدادًا لتقليد علميّ عامليّ راسخ، وفي الوقت نفسه نموذجًا لعالم قادر على مخاطبة فضاءات أوسع من مجاله الجغرافيّ المباشر؛ ومن هنا، فإنّ دراسة كتاب» المراجعات «لا تستقيم إذا فُصلت عن هذا الموقع المركّب لشرف الدّين :موقع العالم الفقيه، والمصلح الاجتماعيّ، والمحاور الذي ينقل قضايا الخلاف من دائرة السّجال المغلق إلى دائرة المراجعة العلميّة الموثّقة.[19]

2- حضور شرف الدّين في «المراجعات» وتمثيل الإيثوس العامليّ

يُقرأ حضور شرف الدّين في» المراجعات «بوصفه حضور ذات علميّة تمثّل نمطًا مخصوصًا من الهويّة العامليّة .فهذه الهويّة تظهر من خلال الأداء الخطابيّ نفسه :دقّة الإحالة، وكثافة التّوثيق، وأدب المحاورة، وتنظيم السّؤال والجواب، والقدرة على نقل الاختلاف إلى مستوى البرهان .وبذلك يصبح شرف الدّين في الكتاب أكثر من طرف في مراسلة علميّة؛ إنّه يمثّل صورة العالم العامليّ الذي يطلب الاعتراف من داخل الحقل المعرفيّ، ويجعل من قوّة الدّليل وسيلة لبناء الحضور.

3- كتاب «المراجعات»: البنية المراسليّة والدّلالة السّيميائيّة

يتميّز كتاب» المراجعات«  من حيث بنيته بأنّه يقدّم مادّته في صورة مراسلات متتابعة بين طرفين علميّين . وهذه الصيغة جزء من معنى الكتاب ووظيفته؛ لأنّ المراسلة تتيح بناء الحجاج على نحو متدرّج، يبدأ بالسّؤال، ثمّ يتّسع في الجواب، ثمّ يستدعي الشّواهد والمصادر، ثمّ ينتهي إلى تثبيت النّتيجة أو إعادة فتح المسألة؛ ولهذا فإنّ عنوان الكتاب نفسه،» المراجعات«، يحمل دلالة سيميائيّة مهمّة؛ إذ يحيل إلى فعل المراجعة بما هو إعادة نظر، وطلب بيان، وانتقال من الادّعاء إلى التّحقّق، ومن الاختلاف إلى الفحص العلميّ.[20]

4- المناسبة الحواريّة وبناء النّصّ

تنبع مناسبة الكتاب من هذا الأفق الحواريّ تحديدًا؛ فهو يقوم على بناء تواصليّ منظم يُخاطب فيه شرف الدّين عالمًا آخر، ويستجيب لأسئلة محدّدة، ويحوّل كلّ مراجعة إلى وحدة حجاجيّة قائمة بذاتها؛ ومن هنا، تبدو المناسبة العلميّة للكتاب جزءًا من بنيته الدّلاليّة؛ لأنّ وجود المخاطَب، وطلبه البيان، واستئذانه في المناظرة، كلّها عناصر تجعل الحوار أصلًا في إنتاج المعنى.[21]

وتتّضح أهمّيّة هذه الصّيغة منذ المراجعات الأولى؛ ففي المراجعة الأولى يظهر الاستئذان في المناظرة بوصفه مدخلًا إلى تأسيس علاقة حواريّة قائمة على طلب الحقيقة، كما تظهر المراجعة الثّالثة بوصفها انتقالًا من المجاملة الافتتاحيّة إلى السّؤال المركزيّ عن سبب عدم الأخذ بمذاهب الجمهور، في حين تأتي المراجعة الرّابعة لتقدّم نموذجًا واضحًا للبنية الحجاجيّة التي تبدأ بنفي التّعصّب، ثمّ تحيل الموقف إلى سلطان الأدلّة الشّرعيّة .وهذا التّدرّج من طلب الحوار، إلى تحديد الإشكال، إلى بناء الجواب، يكشف أنّ» المراجعات «هندسة حجاجيّة واعية.[22]

5- المعطيات التّعريفيّة والجدل حول طبيعة المراسلات

تفيد المعطيات التّعريفيّة المتاحة عن الكتاب أنّ المراجعات انتظمت في مئة واثنتي عشرة مراجعة، وأنّها ارتبطت بسياق لقاء علميّ بين شرف الدّين والشّيخ سليم البشري في مصر، ثمّ بالمراسلات التي اطّردت بعد عودة شرف الدّين إلى بلاده .غير أنّ الإفادة من هذه المعطيات في هذا البحث ترمي إلى توضيح أنّ النّصّ، في صيغته التي وصلتنا، يقوم على بنية مراسليّة واعية تجعل السّؤال والجواب والتّوثيق أدوات في بناء الحجاج.[23]

ولا يغفل هذا التّمهيد أنّ كتاب» المراجعات «أثار لاحقًا نقاشًا حول حقيقته وطبيعة صياغته، بين من قرأه بوصفه مراسلات تاريخيّة مكتملة، ومن أثار أسئلة حول إعادة بنائه أو تحريره بعد زمن من وقوع اللقاءات .غير أنّ موقع هذا البحث من ذلك الجدل يبقى محدّدًا :فهو يقرأ الكتاب نصًّا حجاجيًّا متداولًا، له بنية داخليّة قائمة على المراجعة، والاستدلال، وتوزيع الأدوار بين سؤال المخاطَب وجواب المتكلّم.

6- السّياق العامليّ وبنية الخطاب

إنّ شرف الدّين يحضر في الكتاب بوصفه ذاتًا علميّة تتصرّف داخل تقليد معرفيّ له أدواته في الاستدلال، وأدبه في المخاطبة، وحساسيّته تجاه التّوثيق .ومن ثمّ، فإنّ فهم السّياق يظهر كيف تحوّل ذلك السّياق إلى طريقة في الكلام، وإلى نظام في بناء الدّليل، وإلى أسلوب في إدارة الاختلاف.

7- الشّيخ سليم البشري وصورة المخاطَب العلميّ

تزداد دلالة موقع الشّيخ سليم البشري إذا استُحضر أنّه كان مخاطَبًا عالمًا أزهريًّا مالكيًّا تولّى مشيخة الأزهر، وكان يمثّل في الكتاب أفقًا علميًّا مختلفًا يملك أهلّيّة السّؤال والمراجعة؛ لذلك فإنّ صوته في المراجعات يوفّر الشّرط الحواريّ الذي يسمح لإيثوس شرف الدّين أن يتشكّل أمام قارئ يراقب انتقال الخطاب من المجاملة العلميّة إلى الاختبار الحجاجيّ.[24]

8- من المشافهة العابرة إلى الكتابة الموثّقة

وتتجلّى أهمّيّة» المراجعات «أيضًا في أنّه ينقل المناظرة من حيّز المشافهة العابرة إلى حيّز الكتابة الموثّقة؛ فالكتابة هنا هي شرط من شروط تثبيت الحُجّة؛ لأنّها تجعل السّؤال والجواب قابلين للعودة، والمقارنة، والتّحقّق، وتحوّل الحوار إلى نصّ يمكن تداوله وفحصه .ومن هذه الزّاوية، يغدو عنوان »المراجعات «دالًّا على حركة معرفيّة تتجاوز مجرّد تبادل الرّسائل؛ إذ يحيل إلى فعل المراجعة بما هو عودة إلى الدّليل، وإعادة ترتيب للمسلّمات، وتدرّج في نقل الخلاف من الانطباع إلى البرهان.

وعلى هذا الأساس، يصبح القسم الأوّل مدخلًا بنيويًّا إلى البحث كلّه؛ فهو يربط بين المؤلّف والكتاب والمخاطَب والمناسبة، ويبيّن أنّ السّياق يُستحضر لتفسير البنية الحجاجيّة التي سيحلّلها البحث لاحقًا .وبذلك يتحقّق التّوازن بين التّعريف والتّأويل :تعريف القارئ بمن هو شرف الدّين، ومن هو البشري، وما طبيعة» المراجعات«، ثمّ الانتقال من هذا التّعريف إلى بيان القيمة الدّلاليّة والمنهجيّة لهذا النّصّ في تمثيل الإيثوس العلميّ العامليّ.

رابعًا: البنية الحجاجيّة في كتاب» المراجعات«

يمثّل كتاب »المراجعات« نصًّا حجاجيًّا بامتياز؛ لأنّ بنيته تقوم على تنظيم القول في صورة مراجعات متتابعة، تتدرّج من السّؤال إلى الجواب، ومن طلب البيان إلى إقامة الدّليل، ومن الاعتراض أو الاستشكال إلى بناء الإقناع؛ ولذلك لا يمكن قراءة الكتاب قراءة دقيقة إذا جرى الاكتفاء بمضمونه العقديّ، أو إذا عُدَّ مجرّد تجميع للأدلّة؛ لأنّ قوّته الأعمق تكمن في طريقة بناء الحجاج، وفي تحويل المراسلة إلى بنية معرفيّة تنتج المشروعيّة، وتمثّل الذّات المتكلّمة ذاتًا عالمة، وموثّقة، ومحاورة.

1- السّؤال والجواب بوصفهما بنية منظّمة للخطاب

تقوم البنية الظّاهرة في» المراجعات «على تبادل السّؤال والجواب، غير أنّ هذا التبادل يعمل بوصفه آليّة عميقة لتنظيم المعرفة؛ فالسّؤال في الكتاب يؤدّي وظيفة حجاجيّة واضحة :إنّه يحدّد موضع الخلاف، ويضبط مجال البحث، ويستدعي من المجيب بناء حجّته في ضوء مطلب محدّد .وبهذا المعنى، يبدأ الحجاج من السّؤال نفسه؛ لأنّ السّؤال يوجّه مسار البرهنة، ويحدّد طبيعة الدّليل المطلوب، ويجعل الخطاب يتحرّك داخل أفق مراجعة.

أمّا الجواب، في» المراجعات «فيتّخذ غالبًا هيئة بناء استدلاليّ متدرّج؛ فهو يبدأ بتثبيت موضع المسألة، ثمّ ينتقل إلى عرض الدّليل، ثمّ يستدعي الشّاهد أو المصدر، ثمّ يربط الدّليل بالنّتيجة المراد إثباتها .وبهذا يصبح الجواب وحدة حجاجيّة كاملة؛ فيُمنح الكتاب قوّته الخطابيّة؛ إذ إنّ كلّ مراجعة تكاد تكون حلقة في سلّم إقناعيّ يتراكم فيه الدّليل، وتتكشّف فيه صورة الذّات المتكلّمة، صورة ذات متمكّنة من مادّتها، قادرة على تنظيمها، وإدارتها في مواجهة السّؤال.

2- الاستشهاد والإحالة وبناء سلطة الدّليل

إذا كانت بنية السّؤال والجواب تنظّم الحركة العامّة للخطاب في» المراجعات«، فإنّ الاستشهاد والإحالة يمثّلان القلب المعرفيّ لهذه الحركة؛ فالكتاب يقوم على كثافة واضحة في استدعاء النّصوص والمصادر، ويتعامل مع الدّليل على أنّه بناء يحتاج إلى إسناد؛ ومن هنا، فإنّ الإحالة في »المراجعات «هي جزء من منطق الحجاج نفسه.

تتجلّى وظيفة الاستشهاد أوّلًا في تثبيت الدّليل؛ فالمتكلّم يحيل، ويستند، ويسعى إلى بيان الطّريق الذي يؤدّي إليها؛ فيُمنح الخطاب طابعًا علميًّا واضحًا، ويجعله قابلًا للمراجعة والتّحقّق؛ ومن ثمّ، فإنّ القارئ يواجه خطابًا يحاول أن يبني سلطته من خلال المادّة التي يستند إليها.

3- نماذج من البنية الحجاجيّة في المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة

تتّضح البنية الحجاجيّة في كتاب» المراجعات «على نحو خاصّ في المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة؛ لأنّ هذه المراجعات تمثّل، في تتابعها، مسارًا دالًّا يبدأ بتأسيس أدب المناظرة، ثمّ ينتقل إلى صياغة الإشكال المركزيّ، ثمّ ينتهي إلى بناء الجواب على قاعدة الدّليل؛ ومن ثمّ، فإنّ تحليل هذه المراجعات يساعد على فهم آليّة اشتغال الخطاب الحجاجيّ فيه، وكيف تتحوّل المراسلة إلى بناء معرفيّ منظّم ينتج صورة الذّات المتكلّمة ويحدّد موقع الآخر المخاطَب.

4- تفعيل شبكة التّحليل في التّطبيق

لئلّا تبقى شبكة التّحليل الإجرائيّة إطارًا نظريًّا منفصلًا عن التّطبيق، سيُقرأ كلّ موضع من العيّنة وفق المحاور الخمسة التي حدّدها البحث :بنية الحجاج، وإيثوس المتكلّم، وعلامات المشروعيّة، وصورة الآخر، ثمّ إمكان انتقال الإيثوس الفرديّ إلى تمثيل ثقافيّ عامليّ؛ لذلك يتتبّع التّحليل الآتي كيف يعمل السّؤال في إنتاج الإشكال، وكيف يبني الجواب صورة المتكلّم، وكيف تتحوّل الإحالة إلى مصدر أو دليل إلى علامة على المشروعيّة، وكيف يشارك صوت المخاطَب نفسه في تشكيل الحجاج، بوصفه طرفًا في بناء المسار الحواريّ. [25]

5- المراجعة الأولى وتأسيس أدب المناظرة

تؤدّي المراجعة الأولى وظيفة تأسيسيّة في بنية الكتاب؛ فهي تبدأ بتهيئة المجال الحواريّ، وتحديد شروط المناظرة؛ وهذا أمر بالغ الدّلالة؛ لأنّ الخطاب الحجاجيّ يبدأ هنا من موقع الاستئذان في البحث، وإعلان الرّغبة في الوصول إلى الحقيقة .وفي هذا السياق يقول المخاطِب إنّه» ليس باحثًا عن عثرة ولا متتبّع عورة«، بل» نشّاد ضالّة، وبحّاث عن حقيقة .«وهذه العبارة تكشف طبيعة العلاقة الحجاجيّة التي يريد الكتاب أن يبنيها منذ البداية : علاقة تقوم على طلب البيان والمراجعة والبحث عن الحقّ[26].

       وتزداد هذه الوظيفة وضوحًا حين يحدّد المخاطِب مجال البحث في مبحثين، فيقول إنّه سيقتصر، إن أُذن له، على مبحثين: أحدهما في إمامة المذهب، وثانيهما في الإمامة العامّة؛ فهذه تنظّم الحوار مسبقًا وتمنع تشتّته . وهذا يعني أنّ الحجاج في» المراجعات «يتشكّل بناء له خطّة وترتيب ومجال محدّد.[27]

6- الصّوت الآخر وبناء الحجاج المشترك

تُظهر المراجعة الأولى أنّ الحجاج في »المراجعات «بناء مشترك يتولّد من سؤال المخاطَب ومن طريقته في طلب البيان؛ فالشّيخ سليم البشري، كما يُقدَّم في النّصّ، يضع شروطًا أخلاقيّة ومعرفيّة للمناظرة :ينفي طلب العثرة، ويعلن طلب الحقيقة، ويستأذن في الدّخول إلى المباحث .وبهذا يصبح صوته جزءًا من بنية الحجاج؛ لأنّه هو الذي يفتح مجال المساءلة، ويحدّد أفق البحث، ويمنح جواب شرف الدّين موضعه الحجاجيّ .ومن ثمّ، تتشكّل صورة المتكلّم العالِم أمامه وبسببه، في علاقةٍ تجعل الاعتراف نتيجةً لمسار تواصلي مشترك.[28]

ومن هذه الزّاوية، فإنّ صورة الآخر المخاطَب ينبغي قراءتها مؤشّرًا إجرائيًّا داخل شبكة التّحليل؛ فالسّؤال، والاستئذان، وطلب الدّليل، كلّها علامات على أنّ المخاطَب يشارك في صناعة المجال الذي ستظهر فيه كفاءة شرف الدّين الحجاجيّة .إنّ الحجاج هنا متشارك البناء؛ لأنّ الجواب نفسه لا يكتسب ضرورته وشكله إلّا من خلال سؤال الآخر وموقعه العلميّ.

7- المراجعة الثّالثة وصياغة الإشكال المركزيّ

بعد التّمهيد الحواريّ في المراجعة الأولى، تأتي المراجعة الثّالثة لتنقل الخطاب من مستوى الاستئذان العامّ إلى مستوى الإشكال المحدّد .وهنا يطرح المخاطِب سؤاله عن السّبب في عدم أخذ الشّيعة بمذاهب الجمهور .وتكمن دلالة هذا السّؤال في أنّه يُطرح اختبارًا لمشروعيّة الاختيار المذهبيّ، واستدعاء لجواب يبرّر هذا الاختيار أمام مخاطَب ينتمي إلى أفق معرفيّ آخر.[29]

إنّ صياغة هذا السّؤال تجعل المراجعة الثّالثة لحظة مفصليّة في البناء الحجاجيّ للكتاب؛ ففيها ينتقل الحوار من إعلان الرّغبة في المناظرة إلى تحديد موضع الخلاف؛ وبذلك يصبح السّؤال أداة لتكثيف الإشكال؛ فهو يضع الذّات المتكلّمة أمام ضرورة تفسير موقفها :لماذا لا تأخذ بمذاهب الجمهور؟ وما الأساس الذي تستند إليه في اختيارها؟ وهل هذا الاختيار ناتج من تعصّب، أم من دليل؟ وهذه الأسئلة الضّمنيّة هي التي ستحرّك جواب المراجعة الرّابعة.

8- المراجعة الرّابعة ونقل الحجاج من التّهمة إلى الدّليل

تأتي المراجعة الرّابعة جوابًا عن السّؤال المركزيّ الذي طرحته المراجعة الثّالثة، وفيها تتجلّى بوضوح قوّة البناء الحجاجيّ عند شرف الدّين؛ فهو يبدأ بنفي الدّافع العصبيّ، فيقرّر أنّ عدم الأخذ بمذاهب الجمهور» لم يكن لتحزّب أو تعصّب«، ثمّ ينتقل مباشرة إلى قاعدة الدّليل بقوله إنّ الأدلّة الشّرعيّة» أخذت بأعناقنا.« وهذا الانتقال من نفي التّعصّب إلى إثبات سلطان الدّليل يمثّل لحظة حجاجيّة شديدة الأهمّيّة. [30]

ويتّضح عمق هذا الجواب حين يوسّع شرف الدّين مجال ذكر الأدلّة الشّرعيّة على نحو عامّ؛ ليجعلها حاضرة في فروع الدّين وعقائده وأصول الفقه وقواعده .وهذا التّعداد له وظيفة حجاجيّة واضحة؛ إذ يبيّن أنّ الموقف لا يتعلّق بمنظومة معرفيّة كاملة؛ فالذّات المتكلّمة تقدّم نفسها ملتزمة بمقتضيات دليل يتوزّع على مستويات الاعتقاد والعمل والمنهج.[31]

ثمّ يتقدّم الجواب خطوة أخرى حين يناقش دعوى وجوب اتّباع مذاهب الجمهور، فيقرّر أنّه لا دليل على رجحان مذهب من هذه المذاهب على غيره، وأنّ الاجتهاد والأمانة والعدالة ليست محصورة في أصحابها .وهنا يتحوّل الجواب من مجرّد الدّفاع عن عدم الأخذ بمذاهب الجمهور إلى مساءلة الأصل الذي يجعل اتّباعها واجبًا أو أرجح؛ وهذا هو التّدرّج الحجاجيّ في أوضح صوره :دفع التّهمة، ثمّ إثبات سلطان الدّليل، ثمّ تفكيك الدّعوى المقابلة، ثمّ توسيع مجال النّظر في المشروعيّة [32].

ومن زاوية سيميائيّة، تكشف المراجعة الرّابعة عن صورة الذّات المتكلّمة، صورة ذات تحرص على أن تُقرأ من خلال الدّليل؛ فعبارة» لم يكن لتحزّب أو تعصّب «تؤدّي وظيفة تعريفيّة أيضًا، إذ تعيد تعريف الذّات أنّها ذات علميّة، وعبارة» الأدلّة الشّرعيّة أخذت بأعناقنا «تجعل الدّليل سيّد الموقف، وتحوّل الالتزام المذهبيّ من انتماء هويّاتيّ مغلق إلى نتيجة حجاجيّة ومعرفيّة؛ وهكذا يصبح الدّليل علامة على الهويّة.

9- شبكة التّحليل ونتائج التّطبيق الأوّليّ

تبيّن من تطبيق شبكة التّحليل على المراجعات الثّلاث أنّ كلّ محور من محاورها يجد مقابله النّصّيّ في العيّنة؛ فبنية الحجاج تظهر في الانتقال من الاستئذان إلى السّؤال ثمّ الجواب؛ والإيثوس يظهر في نفي التّعصّب والاحتكام إلى الدّليل، وعلامات المشروعيّة تتجسّد في النّصّ والسّند والمصدر والأدلّة الشّرعيّة؛ وصورة الآخر تظهر في لغة طلب الحقيقة والاستئذان في المناظرة؛ أمّا الهويّة العامليّة فتتبدّى أثرًا ينشأ من انتظام هذه المؤشّرات في أداء علميّ هادئ وموثّق؛ وبهذا، يثبت التّطبيق أنّ شبكة التّحليل أداة فعليّة في قراءة النّصّ.

ونخلص بعد قراءة المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة أنّ» المراجعات «يقوم على بنية حجاجيّة متدرّجة؛ فالمراجعة الأولى تؤسّس أدب المناظرة وتعلن طلب الحقيقة، والمراجعة الثّالثة تصوغ الإشكال المركزيّ المتعلّق بعدم الأخذ بمذاهب الجمهور، أمّا المراجعة الرّابعة فتقدّم الجواب في صورة حجاجيّة تبدأ بنفي التّعصّب وتنتهي إلى تثبيت سلطان الدّليل .ومن خلال هذا التّدرّج، تتكوّن صورة الذّات المتكلّمة ذاتًا عالمة، ومحاورة، وموثّقة، قادرة على تمثيل إيثوس علميّ عامليّ داخل فضاء معرفيّ أوسع.

خامسًا: سيميائيّة الهويّة العامليّة في» كتاب المراجعات«

1- صورة الذّات المتكلّمة :العالم، والمحاور، والموثّق

تُبنى صورة الذّات المتكلّمة في» المراجعات «من خلال شبكة من العلامات الخطابيّة التي تتجاوز حدود المتكلّم الفرد إلى تمثيل موقع معرفيّ وثقافيّ أوسع؛ فشرف الدّين يظهر في الكتاب عالمًا يمتلك أدوات الحجاج، ومحاورًا يلتزم آداب المخاطبة، وممثّلًا ضمنيًّا لتقليد علميّ عامليّ يتقدّم إلى فضاء أوسع طلبًا للاعتراف العلميّ والمعرفيّ.

أوّل ما يلفت في صورة هذه الذّات أنّها تُبنى من خلال العلم؛ فالخطاب يترك البنية الحجاجيّة نفسها تنتج صورة العالم المتمكّن .يظهر ذلك في طريقة ترتيب الجواب، وفي الإحالة إلى المصادر، وفي القدرة على نقل المسألة من مستوى السّؤال المباشر إلى مستوى البرهنة المنظّمة .وبذلك يصبح العلم علامة سيميائيّة مركزيّة في تمثيل الذّات؛ إذ يعبّر عن موقع رمزيّ يملك أهلّيّة الكلام والمراجعة.

ولا تقلّ علامة التّوثيق أهمّيّة عن علامة العلم؛ فالإحالات الكثيفة في» المراجعات «تبني صورة الذّات ذاتًا تستند إلى نصوص ومصادر وأسانيد؛ ومن هنا، يصبح التّوثيق مكوّنًا من مكوّنات الهوية الخطابيّة :إنّه يعلن أنّ الذّات العامليّة قادرة على الدّخول إلى المجال العلميّ بأدواته المعترف بها، وقادرة على إنتاج حجّتها من داخل شبكة المصادر التي يحتكم إليها المخاطَب.

2- صورة الآخر المخاطَب: من الاختلاف إلى الاعتراف

لا تتشكّل صورة الذّات في» المراجعات «بمعزل عن صورة الآخر المخاطَب؛ فالآخر في الكتاب هو شرط من شروط بناء الخطاب؛ ومن خلال أسئلته ومراجعاته وطلباته، تتاح للذّات المتكلّمة فرصة بناء حجّتها، وإظهار علمها، وتنظيم خطابها .لذلك فإنّ دراسة الآخر في» المراجعات «هي جزء من دراسة الحجاج والهويّة معًا.

يظهر الآخر أوّلًا مخاطَبًا علميًّا؛ فهو يُقدَّم في صورة المحاور الذي تُوجَّه إليه الحجّة، ويُطلب منه النّظر والمراجعة .وهذا التّمثيل مهم؛ لأنّه ينقل الاختلاف من مستوى الخصومة إلى مستوى الحوار .فالاختلاف يُنظّم، ويُدار بالسّؤال والجواب والدّليل؛ وبهذا يصبح الآخر جزءًا من بنية الاعتراف المتبادل، حتّى وإن ظلّ الاختلاف قائمًا.

وتكشف المراجعة الأولى أنّ الآخر يدخل النّصّ طالب حوار، إذ يعلن المخاطِب أنّه ليس باحثًا عن عثرة ولا متتبّع عورة، بل نشّاد ضالّة وبحّاث عن حقيقة .وهذه الصّياغة مهمّة؛ لأنها تؤسّس العلاقة بين الطّرفين على طلب الحقيقة، وتجعل الآخر شريكًا في إنتاج المسار الحجاجيّ. [33]

3- الهويّة العامليّة بوصفها حضورًا معرفيًّا عابرًا للمكان

تُفهم الهويّة العامليّة في» المراجعات «بوصفها نمطًا من الحضور المعرفيّ الذي يتجاوز حدود المكان من خلال العلم، والحجاج، والتّوثيق، وأدب المحاورة؛ فشرف الدّين يجعل الانتماء العامليّ يتجلّى في هيئة الخطاب نفسه :في دقّة السّؤال، وبناء الجواب، واستحضار النّصوص، ومخاطبة الآخر من داخل فضاء مرجعيّ مشترك؛ ومن هنا، فإنّ الهويّة العامليّة في» المراجعات «لا تُقال بقدر ما تُمارَس، ولا تُعلَن بقدر ما تُبنى داخل الأداء الحجاجيّ.

وتدلّ هذه الخاصيّة على انتقال مهمّ في معنى الهويّة؛ فالهويّة تتحوّل إلى قدرة على الحضور في مجال معرفيّ أوسع؛ فيصبح كتاب» المراجعات «نصًّا مهمًّا في تمثيل الذّات العامليّة؛ لأنه ينقلها من موقع الانتماء المحلّيّ إلى موقع الفاعليّة الخطابيّة .فالذّات التي تظهر في الكتاب تطلب الاعتراف؛ لأنّها تمتلك أدوات الخطاب العلميّ :الدّليل، والمصدر، والإحالة، والتّنظيم، والقدرة على المراجعة .وبهذا يصبح المكان حاضرًا بوصفه منطلقًا لإنتاج معرفة عابرة للمكان.

وتبرز المراجعة الرّابعة مثالًا واضحًا على هذا المعنى، حين ينفي شرف الدّين أن يكون عدم الأخذ بمذاهب الجمهور ناتجًا من تحزّب أو تعصّب، ثمّ يردّ الأمر إلى أنّ الأدلّة الشّرعيّة أخذت بأعناقنا .ففي هذا الموضع، يعيد شرف الدّين تعريف الذّات المتكلّمة أنّها ذات محكومة بالدّليل. وهنا تتجلّى الهويّة العامليّة حضورًا معرفيًّا؛ لأنها تستند إلى قدرتها على تحويل الموقف إلى حجّة، والانتماء إلى برهان، والاختلاف إلى سؤال قابل للمناقشة.[34]

ومن الزّاوية السّيميائيّة، يمكن عدّ الدّليل والسّند والمصدر والمراجعة علامات على عبور الهويّة حدود المكان؛ فالدّليل يفتح الخطاب على مرجعيّة قابلة للتّداول، والسّند يمنحه بعدًا توثيقيًّا، والمصدر يربطه بفضاء علميّ مشترك، أمّا المراجعة فتجعل العلاقة مع الآخر علاقة منتجة للمعنى .هذه العلامات مجتمعة تجعل الهويّة العامليّة في الكتاب هويّة أدائيّة؛ أي إنّها تتشكّل بما تفعله داخل الخطاب.

4- المعرفة والتّوثيق: مقاومة رمزيّة للتّهميش

تتجاوز وظيفة» المراجعات «حدود الحوار العقديّ لتبلغ مستوى أعمق يتمثّل في مقاومة التّهميش المعرفيّ. والمقصود بالمقاومة هنا معناها الرّمزيّ والثّقافيّ :أي قدرة الخطاب على تثبيت الحضور، وانتزاع الاعتراف، ومواجهة صور الإلغاء، أو التّبسيط،  أو الاستبعاد من خلال المعرفة والتّوثيق والحجاج.

في هذا السّياق، يصبح التّوثيق فعلًا رمزيًّا؛ فالذّات التي تُحيل، وتستشهد، وتستند، وتدقّق، تفعل ذلك لتقول ضمنيًّا إنّها جزء من المجال العلميّ، وإنّها قادرة على استعمال أدواته، وإنّها لا تقبل أن تُختزل في هامش جغرافيّ، أو مذهبيّ، أو اجتماعيّ؛ ومن هنا، فإنّ كثافة الإحالات في» المراجعات «هي جزء من قوّته الرّمزيّة.

ويفيد النّقد الاجتماعيّ في فهم هذه المسألة؛ لأنّه يتيح قراءة الاجتماعيّ داخل النّصّ، فالتّهميش أو طلب الاعتراف يظهران في بنية الخطاب نفسها :في الإصرار على التّوثيق، وفي اختيار مخاطَب خارج المجال المحلّيّ، وفي التّوجّه إلى مصادر مشتركة، وفي تحويل الحوار إلى امتحان للمعرفة .وبذلك يصبح النّصّ حاملًا لعلاقة اجتماعيّة وثقافيّة أوسع من موضوعه المباشر.[35]

5- الهابيتوس العلميّ العامليّ والمقاومة الرّمزيّة

تُظهر المراجعات المختارة أنّ أداء شرف الدّين يمكن قراءته أثرًا لِـهابيتوس علميّ تشكّل في بيئة عامليّة أعطت للعلماء موقعًا مركزيًّا في إنتاج المعرفة وتمثيل الجماعة؛ فهدوء العبارة، ودقّة الإحالة، واحترام المخاطَب، والانتقال من التّهمة المحتملة إلى سلطان الدّليل، كلّها مؤشّرات على تطبّع علميّ يقدّم الذّات في هيئة قادرة على مخاطبة المخالف بأدوات العلم؛ وبهذا المعنى، يصبح الخطاب الحجاجيّ في» المراجعات «ممارسةً رمزيّةً لإثبات الوجود المعرفيّ؛ لأنّه يُظهر أنّ الذّات العامليّة قادرة على الحضور في المجال الإسلاميّ الأوسع من خلال البرهان والتّوثيق.[36]

ومن ثمّ، فإنّ المقاومة الرّمزيّة في الكتاب تظهر انضباطًا معرفيًّا يرفض أن يُختزل الاختلاف في العصبيّة؛ فحين يردّ شرف الدّين موقفه إلى الأدلّة الشرعيّة، وحين يخاطب الآخر بلغة الاحترام والمراجعة، فإنّه يحوّل الهابيتوس العلميّ إلى أداة لإنتاج الاعتراف؛ وهذا ما يجعل الهويّة العامليّة في النّصّ حضورًا أدائيًّا :تتجلّى في طريقة بناء الحجّة، لا في مجرّد التّصريح بالانتماء.

نستتخلص في هذا المبحث أنّ الهويّة العامليّة في» المراجعات «تُبنى من خلال العلامات التي تنتجها البنية الحجاجيّة نفسها؛ فالذّات المتكلّمة تظهر ذاتًا عالمة، وموثّقة، ومحاورة، ومنفتحة على الآخر، وقادرة على بناء مشروعيّتها من خلال النّصّ والدّليل .وفي المقابل، يظهر الآخر مخاطَبًا علميًّا يشارك في إنتاج الاعتراف من خلال السّؤال والمراجعة.

الخاتمة

سعى هذا البحث إلى دراسة سيميائيّة الخطاب الحجاجيّ وتمثيل الهويّة العامليّة في كتاب» المراجعات « للسّيّد عبد الحسين شرف الدّين، بوصفه نصًّا مركّبًا تتداخل فيه بنية الحجاج مع إنتاج الدّلالة وتمثيل الذّات .وقد انطلق البحث من فرضيّة مفادها أنّ قوّة» المراجعات «تكمن في طريقة تنظيم هذه المادّة داخل خطاب مراجع، ومتدرّج، وموثّق، يربط بين السّؤال والجواب، وبين الدّليل والمخاطَب، وبين التّوثيق وبناء المشروعيّة.

وقد اقتضى ذلك اعتماد مقاربة في السّيميائيّات الحجاجيّة، كونها إطارًا إجرائيًّا يدرس العلامة داخل فعل الإقناع، ويتجنّب في الوقت نفسه الازدحام المنهجيّ النّاتج من الجمع غير المضبوط بين مناهج متعدّدة .فالبحث نظر إلى الدّليل، والسّند، والمصدر، والمراجعة، وصيغ المخاطبة، أنّها علامات حجاجيّة تؤدّي وظيفة مزدوجة :فهي من جهة تسهم في بناء الإقناع، ومن جهة أخرى تنتج صورة مخصوصة للمتكلّم وللعلاقة مع الآخر .وهنا تتجلّى القيمة المنهجيّة للبحث؛ إذ إنّه يحاول استخراج أدواته التّحليليّة من داخل البنية الخطابيّة للكتاب نفسه.

وقد أظهر البحث أنّ العيّنة المختارة، أي المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة، تشكّل المسار التّأسيسيّ للحجاج في الكتاب؛ فالمراجعة الأولى تضع ما يمكن تسميته ميثاق المناظرة، حيث يتأسّس الحوار على طلب الحقيقة، وعلى الاستئذان في البحث. وتأتي المراجعة الثّالثة لتنتقل بالخطاب من التّمهيد الأخلاقيّ إلى صياغة الإشكال المركزيّ :سبب عدم الأخذ بمذاهب الجمهور .أمّا المراجعة الرّابعة فتقدّم الجواب الحجاجيّ الأوّل، وفيه تتّضح آليّة شرف الدّين في بناء المشروعيّة :نفي التّعصّب والتّحزّب، ثمّ الاحتكام إلى الأدلّة الشّرعيّة، ثمّ مساءلة الأساس الذي يجعل اتّباع مذاهب الجمهور واجبًا أو أرجح .وبهذا التّتابع، تكون العيّنة بنية صغرى كاشفة عن منطق الكتاب :تأسيس الحوار، وتحديد الإشكال، وبناء الجواب بالدّليل.

ومن أهمّ ما كشفه البحث أنّ التوثيق في» المراجعات «يتحوّل إلى علامة سيميائيّة على المشروعيّة المعرفيّة؛ فالإحالة إلى النّصوص والمصادر هي جزء من صورة المتكلّم ومن طريقة بناء سلطته العلميّة .وحين يردّ شرف الدّين موقفه إلى الأدلّة الشرعيّة، فإنّه يعيد تعريف ذاته الخطابيّة بوصفها ذاتًا محكومة بالدّليل؛ ولذلك يصبح التّوثيق في الكتاب علامة على الانضباط، وسعة الاطّلاع، والقدرة على مخاطبة الآخر داخل مجال معرفيّ مشترك.

كما تبيّن أنّ صورة الآخر في» المراجعات «هي صورة مخاطَب يشارك في إنتاج الحجاج من خلال سؤاله واستيضاحه وطلبه الدّليل، فالآخر هنا عنصر بنيويّ في تشكيل الخطاب؛ إذ لولا السّؤال لما تشكّل الجواب على هذه الصّورة، ولولا طلب البيان لما ظهرت الحاجة إلى هذا النّمط من التّوثيق والتّدرّج؛ ومن ثمّ، فإنّ الاعتراف في »المراجعات «يُبنى بإدخال المخاطَب في فضاء المراجعة؛ فيُمنح الكتاب قيمة حواريّة مميّزة؛ فهو يجعل الاختلاف مجالًا لاختبار الحجّة وإظهار كفاءة المتكلّم.

وبذلك يكتسب صوت المخاطَب قيمة منهجيّة خاصّة في نتائج البحث؛ فهو يشارك في بناء الحجاج نفسه؛ لأنّ طلبه للدّليل واستئذانه في المناظرة هما اللّذان يحدّدان شكل الجواب ودرجة توثيقه؛ ومن هنا، فإنّ الاعتراف في النّصّ يُبنى حواريًّا.

أمّا على مستوى الهويّة، فقد حرص البحث على تجنّب القفز التّعميميّ من شخص شرف الدّين إلى جماعة جبل عامل بأسرها .لذلك ميّز بين إيثوس المتكلّم، أي صورة الذّات التي يبنيها شرف الدّين داخل الخطاب، وبين الهويّة العامليّة بوصفها نسقًا ثقافيًّا أوسع؛ وبناءً على هذا التّمييز، يرى البحث أنّ خطاب شرف الدّين في »المراجعات «يقدّم نموذجًا مكثّفًا لبعض ملامح الهابيتوس العلميّ العامليّ: الدّقّة التّوثيقيّة، وسعة الإحالة، وأدب المحاورة، والقدرة على العبور من المجال المحلّيّ إلى المجال الإسلاميّ الأوسع. وبهذا المعنى، تتجلّى الهويّة العامليّة حضورًا معرفيًّا يتكوّن داخل الخطاب ومن خلاله.

معالجة الإشكاليّة وأسئلة البحث

وبالعودة إلى إشكاليّة البحث المركزيّة، التي تساءلت عن الكيفيّة التي يسهم بها الخطاب الحجاجيّ في كتاب »المراجعات «في تمثيل الهويّة العامليّة وبناء صورة الذّات العالمة المحاورة، يمكن القول إنّ البحث قد بيّن أنّ هذه الهويّة تُبنى في الكتاب من خلال بنية حجاجيّة دقيقة تنتج صورة المتكلّم وتمنحه مشروعيّته .فالذّات العامليّة تظهر في النّصّ عبر إيثوس شرف الدّين بوصفه عالمًا موثّقًا، ومحاورًا منضبطًا، ومحتكمًا إلى الدّليل، وقادرًا على مخاطبة الآخر من داخل مجال معرفيّ مشترك؛ وبهذا تكون الإجابة عن الإشكاليّة أنّ» المراجعات «يمثّل الهويّة العامليّة بوصفها حضورًا معرفيًّا يتشكّل في الخطاب ومن خلاله.

أمّا السّؤال الأوّل، المتعلّق بخصائص البنية الحجاجيّة في »المراجعات«، فقد أظهر البحث أنّ هذه البنية تقوم على تدرّج واضح يبدأ بتأسيس ميثاق المناظرة في المراجعة الأولى، ثمّ ينتقل إلى صياغة الإشكال المركزيّ في المراجعة الثّالثة، ثمّ إلى بناء الجواب بالدّليل في المراجعة الرّابعة .وهذا التّدرّج يكشف أنّ الحجاج في الكتاب مسار منظّم ينتقل من طلب الحقيقة إلى تحديد موضع الخلاف، ثمّ إلى الاحتكام إلى الأدلّة الشّرعيّة.

وأمّا السّؤال الثّاني، المتعلّق بوظيفة السّؤال والجواب في تنظيم العلاقة بين الذّات والآخر، فقد بيّن البحث أنّ السّؤال يعمل آليّة لإنتاج الحجاج نفسه؛ إذ يستدعي الجواب، ويحدّد مجال البرهنة، ويجعل الآخر حاضرًا في بنية الخطاب؛ كما أنّ الجواب يبني صورة المتكلّم من خلال التّوثيق، والتّدرّج، وضبط العلاقة مع المخاطَب .وبذلك تصبح المراسلة بنية لإنتاج المعنى والاعتراف.

وأمّا السّؤال الثّالث، المتعلّق بالعلامات السّيميائيّة التي تمثّل الهويّة العامليّة، فقد خلص البحث إلى أنّ أبرز هذه العلامات هي: الدّليل، والسّند، والإحالة، والمصدر، وأدب المحاورة، ونفي التّعصّب، والاحتكام إلى الأدلّة الشّرعيّة؛ فهذه العناصر تعمل بوصفها علامات على صورة الذّات العالمة، وعلى مشروعيّتها داخل المجال الحواريّ؛ ومن هنا، فإنّ الهويّة العامليّة تُستنتج من طريقة اشتغال هذه العلامات داخل النّصّ.

وأمّا السّؤال الرّابع، المتعلّق بتحوّل الإحالة إلى النّصوص والمصادر إلى أداة في بناء المشروعيّة، فقد تبيّن أنّ التّوثيق في» المراجعات «هو جزء من منطق الحجاج، فحين يربط شرف الدّين موقفه بالأدلّة الشّرعيّة، وينفي أن يكون صادرًا عن تحزّب أو تعصّب، فإنّه يجعل من التّوثيق علامة على الانضباط العلميّ وعلى أحقّيّة المتكلّم بالمشاركة في المجال المعرفيّ؛ وبذلك تتحوّل الإحالة إلى وسيلة لإنتاج الاعتراف.

أمّا السؤال الخامس، المتعلّق بإمكان قراءة» المراجعات «بوصفه مقاومة رمزيّة للتهميش المعرفيّ، فقد أظهر البحث أنّ هذه المقاومة تظهر في تحويل المعرفة إلى وسيلة للحضور، فالكتاب يقاوم اختزال الاختلاف في العصبيّة من خلال ردّه إلى الدّليل، ويقاوم التّهميش عبر بناء صورة ذات علميّة قادرة على مخاطبة الآخر من موقع النّدّيّة .ومن ثمّ، فإنّ المقاومة الرّمزيّة في» المراجعات «هي مقاومة بالمعرفة والتّوثيق والحوار.

وبناءً على معالجة الإشكاليّة وأسئلة البحث، يمكن إجمال نتائج الدّراسة في أنّ كتاب» المراجعات «يبني مشروعيّته من خلال تضافر الحجاج والتّوثيق والحوار؛ فالسّؤال يظهر فيه بوصفه آليّة لتنظيم الإشكال، والجواب يأتي بناءً متدرّجًا لصورة المتكلّم وسلطته العلميّة .كما تبيّن أنّ الإحالة إلى النّصوص والمصادر تتحوّل داخل الكتاب إلى علامة على المشروعيّة، وأنّ إيثوس شرف الدّين، بما يتضمّنه من دقّة توثيقيّة وأدب حواريّ واحتكام إلى الدّليل، يقدّم نموذجًا مكثّفًا لحضور علميّ عامليّ عابر للمكان .وبذلك تظهر الهويّة العامليّة في» المراجعات « أثرًا خطابيًّا يتشكّل من خلال المعرفة والحجاج والاعتراف.

ولا يدّعي البحث أنّه استنفد جميع دلالات» المراجعات «أو أحاط ببنيته كاملة؛ إذ اقتصر على عيّنة تأسيسيّة محدّدة من المراجعات الأولى والثّالثة والرّابعة، قصد بها الكشف عن آليّات البناء الأولى في الخطاب؛ ومن هنا، يمكن أن تتّجه دراسات لاحقة إلى تحليل مراجعات أخرى أكثر امتدادًا، أو مقارنة» المراجعات «بنصوص حواريّة أخرى في الفكر الإسلاميّ الحديث، أو دراسة لغة المجاملة العلميّة، وصيغ الاعتراف، وصورة الآخر، وأنماط التّوثيق في مجمل الكتاب.

 

المصادر والمراجع

أولًا: المصادر والمراجع العربيّة

  • ابن منظور. «لسان العرب». بيروت: دار صادر، د.ت.
  • الأمين، محسن». أعيان الشيعة. «تحقيق حسن الأمين. بيروت :دار التعارف للمطبوعات، 1983/1403هـ.
  • الأمين، محسن».خطط جبل عامل. «بيروت :دار المحجّة البيضاء، .2002
  • آل صفا، محمّد جابر».تاريخ جبل عامل .«بيروت :دار النهار، .1998
  • الزركلي، خير الدّين. «الأعلام». بيروت: دار العلم للملايين، 2002.
  • شرف الدّين، عبد الحسين».المراجعات .«تحقيق وتعليق حسين الرّاضي. ط .3. بيروت :الدّار الإسلاميّة.
  • صليبا، جميل. «المعجم الفلسفي». بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982.
  • عباسي، مهرداد ».العلاّمة شرف الدين في كتابات المستشرقين :مقالة وارنر أندي أنموذجًا .«ترجمة أحمد عبد الجبّار، 7 كانون الأول/ديسمبر .2016
  • اللواتي، مشتاق بن موسى ».حقيقة كتاب المراجعات للعلامة شرف الدين الموسوي .«مركز الأبحاث العقائدية، 16 تشرين الأول/أكتوبر. 2023
  • مركز الأبحاث العقائدية». سليم البشري. « مركز الأبحاث العقائدية، 16 تشرين الأول/أكتوبر. 2023
  • مكي، محمّد كاظم» .الحركة الفكريّة والأدبيّة في جبل عامل .«بيروت :دار الأندلس، .1988

ثانيًا: المراجع الأجنبيّة

  • Amossy, Ruth. “Argumentation and Discourse Analysis.” In The Discourse Studies Reader: Main Currents in Theory and Analysis, edited by Johannes Angermuller, Dominique Maingueneau, and Ruth Wodak. Amsterdam/Philadelphia: John Benjamins, 2014.
  • Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice. Translated by Richard Nice. Cambridge: Cambridge University Press, 1977.
  • Cros, Edmond. Theory and Practice of Sociocriticism. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988.
  • Eco, Umberto. A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press, 1976.
  • Perelman, Chaïm, and Lucie Olbrechts-Tyteca. The New Rhetoric: A Treatise on Argumentation. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1969.
  • Toulmin, Stephen. The Uses of Argument. Cambridge: Cambridge University Press, 1958

 

[1] وائل جزينيّ، حائز على دكتوراه في اللّغة العربيّة من الجامعة اللبنانيّة، ودراسات عليا في العلوم التربويّة من جامعة القدّيس يوسف، فضلًا عن شهادة الكفاءة في تعليم اللّغة العربيّة من كلية التربيّة. محاضر جامعيّ، ومشرف وباحث ومدرّب تربويّ، وخبير مناهج.

 

[2] السّيّد عبد الحسين شرف الدّين الموسويّ من أعلام جبل عامل في العصر الحديث، عُرف بالفقه والكتابة الإصلاحيّة والحضور الاجتماعيّ. وكتاب «المراجعات» مراسلات علميّة بينه وبين الشيخ سليم البشري، انتظمت في مراجعات متبادلة حول مسائل الخلاف والإمامة، وتعود مناسبته إلى سياق حواريّ علميّ أفضى إلى تحويل المناظرة إلى نصّ مراسليّ موثّق؛ يُنظر: عبد الحسين شرف الدّين، «المراجعات»، تحقيق وتعليق حسين الرّاضي، ط. 3، بيروت: الدّار الإسلاميّة، ص. 27-51، 61-68؛ ومحسن الأمين، «أعيان الشيعة»، تحقيق حسن الأمين، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1983/1403هـ.

[3] الشيخ سليم البشري من علماء الأزهر، تولّى مشيخة الجامع الأزهر، ويمثّل في «المراجعات» الطرف المخاطَب الذي يطلب البيان ويستأذن في المناظرة، بما يجعل صوته جزءًا من بناء المسار الحواريّ؛ يُنظر: شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61-63؛ وخير الدّين الزركلي، «الأعلام»، بيروت: دار العلم للملايين، 2002.

 

[4] عبد الحسين شرف الدّين، «المراجعات»، تحقيق وتعليق حسين الرّاضي، ط. 3، بيروت: الدّار الإسلاميّة، ص. 61-68.

[5] للتعريف بشرف الدّين وسياقه العاملي، يُنظر: محسن الأمين، «أعيان الشيعة»، تحقيق حسن الأمين، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1983/1403هـ؛ ومحمّد جابر آل صفا، «تاريخ جبل عامل»، بيروت: دار النهار، 1998.

[6] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61-68.

[7] Chaïm Perelman and Lucie Olbrechts-Tyteca, The New Rhetoric: A Treatise on Argumentation, Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1969; Stephen Toulmin, The Uses of Argument, Cambridge: Cambridge University Press, 1958; Umberto Eco, A Theory of Semiotics, Bloomington: Indiana University Press, 1976.

[8] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61.

[9] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 65-68.

[10] في ضبط المصطلحات المركزيّة المستعملة في البحث، يُنظر في المعنى اللغوي والمعجمي إلى: ابن منظور، «لسان العرب»، بيروت: دار صادر، د.ت؛ وجميل صليبا، «المعجم الفلسفي»، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982. ويُنظر في السيميائيّة والحجاج والنقد الاجتماعي إلى: Umberto Eco, A Theory of Semiotics; Perelman and Olbrechts-Tyteca, The New Rhetoric; Toulmin, The Uses of Argument; Edmond Cros, Theory and Practice of Sociocriticism, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988

[11] Eco, A Theory of Semiotics.

[12] Perelman and Olbrechts-Tyteca, The New Rhetoric; Toulmin, The Uses of Argument.

[13] محمّد جابر آل صفا، »تاريخ جبل عامل؛ «محسن الأمين، «خطط جبل عامل»، بيروت: دار المحجّة البيضاء، 2002.

[14] Ruth Amossy, “Argumentation and Discourse Analysis,” in The Discourse Studies Reader, eds. Johannes Angermuller, Dominique Maingueneau, and Ruth Wodak, Amsterdam/Philadelphia: John Benjamins, 2014.

[15] Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice, translated by Richard Nice, Cambridge: Cambridge University Press, 1977

[16] Amossy, “Argumentation and Discourse Analysis.”

[17] آل صفا، «تاريخ جبل عامل؛ الأمين»، «خطط جبل عامل»؛ الأمين، «أعيان الشيعة».

[18] آل صفا، «تاريخ جبل عامل؛ الأمين»، «خطط جبل عامل»؛ الأمين، «أعيان الشيعة».

[19] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 27-51؛ الأمين، «أعيان الشيعة».

[20] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61.

[21] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61-63.

[22] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61، 65-68.

[23] للمزيد من المعطيات التعريفيّة حول بنية كتاب «المراجعات»، وعدد مراجعاته، وسياق اللقاء بين شرف الدّين والبشري، وتأخّر نشر الكتاب، يُنظر: مركز الأبحاث العقائدية، «سليم البشري»؛ ومشتاق بن موسى اللواتي، «حقيقة كتاب المراجعات للعلامة شرف الدين الموسوي»، مركز الأبحاث العقائدية، 2023.

[24] حول ترجمة الشيخ سليم البشري وموقعه الأزهري ومؤلفاته ولقائه بشرف الدّين، يُنظر: مركز الأبحاث العقائدية، «سليم البشري»؛ وخير الدّين الزركلي، «الأعلام»، بيروت: دار العلم للملايين، 2002.

[25] في الحجاج بوصفه ممارسةً خطابيةً تتشكل في علاقة بالمخاطَب، يُنظر: Perelman and Olbrechts-Tyteca, The New Rhetoric; Amossy “Argumentation and Discourse Analysis.”

[26] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61.

[27] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61.

[28] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61؛ ويُنظر في مفهوم البناء الخطابي المشترك للحجاج: Amossy, “Argumentation and Discourse Analysis.”

[29] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 65.

[30] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 66.

[31] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 66-67.

[32] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 67-68.

[33] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 61.

[34] شرف الدّين، «المراجعات»، ص. 66-68.

[35] Cros, Theory and Practice of Sociocriticism.

[36] Bourdieu, Outline of a Theory of Practice؛ ويُنظر أيضًا: آل صفا، «تاريخ جبل عامل»؛ الأمين، «خطط جبل عامل»، في تأطير البيئة العلميّة العامليّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى