أبحاثاللغة والأدب والنّقد

ماهيّة التّناصّ في الفكْر العربيّ

ماهيّة التّناصّ في الفكْر العربيّ

The nature of intertextuality in Arab thought

د. أسامة محمّد شعبان([1])

Dr. Oussama Mohammad Chaaban

تاريخ الاستلام 15/ 12/ 2025                                 تاريخ القبول 20/ 1/ 2026

لتحميل البحث بصيغة PDF

الملخّص

يتناول هذا البحث مفهوم “التّناصّ” بوصفه ظاهرةً نقديّةً وأدبيّةً تقوم على تفاعل النّصوص وتداخلها، حيث يتشكّل النّصّ الجديد من خلال استحضار نصوصٍ سابقةٍ وتوظيفها ضمن بنيةٍ دلاليّةٍ جديدة؛ وينطلق البحث من إشكاليّةٍ رئيسةٍ تتمثّل في التّساؤل حول مدى معرفة الأدباء العرب القدماء بفكرة التّناصّ، وإن لم يُطلقوا عليها هذا المصطلح بصيغته الحديثة، وما إذا كان التّناصّ مفهومًا أصيلًا في التراث العربيّ أم وافدًا من النّقد الغربيّ المعاصر.

ويهدف البحث إلى تأصيل مفهوم التّناصّ في التّراث العربيّ، والكشف عن جذوره في المصطلحات البلاغيّة والنّقديّة القديمة، مثل: الاقتباس، والتّضمين، والمعارضة، والتّقليد، وبيان أنّ اختلاف التّسميات لا ينفي وحدة الظّاهرة في جوهرها؛ كما يسعى إلى إبراز دور التّناصّ في بناء المعنى الأدبيّ، بوصفه عمليّةً إبداعيّةً تقوم على إعادة إنتاج النّصوص ضمن سياقاتٍ جديدةٍ تُغني الدّلالة وتوسّع آفاق التّعبير.

وقد اعتمد البحث المنهج التّاريخيّ لتتبّع حضور الظّاهرة في مختلف العصور الأدبيّة، منذ العصر الجاهليّ وصولًا إلى العصر الحديث، والمنهج التّحليليّ لدراسة النّماذج النّصّيّة واستجلاء مظاهر التّعالق النّصّيّ فيها؛ وأظهرت نتائج البحث أنّ الأدب العربيّ عرف أشكالًا متعدّدةً من التّناصّ قبل ظهوره كمصطلحٍ حديث، وأنّ القرآن الكريم كان من أبرز المصادر النّصّيّة التي استلهم منها الأدباء أساليبهم وصورهم، فأكّدت عمق التّفاعل بين النّصوص في التّراث العربيّ.

وخلص البحث إلى أنّ التّناصّ هو عمليّةٌ إبداعيّةٌ قائمةٌ على التّفاعل والتّحوّل والإضافة، تساعد في تجديد النّصّ الأدبيّ وإغنائه، وتؤكّد استمراريّة التّراث في تشكيل الإبداع المعاصر؛ كما يثبت أنّ التّناصّ، وإن كان مصطلحًا حديثًا، فإنّ جذوره ضاربةٌ في عمق التّراث النّقديّ العربيّ، فهو امتداد لتراكمٍ معرفيٍّ وأدبيٍّ أسهم في تشكيل الهويّة الأدبيّة العربيّة عبر العصور.

الكلمات المفتاحيّة: تناص، سرقة، مقابلة، اقتباس، تضمين، انزياح.

Abstract

This study examines the concept of intertextuality as a critical and literary phenomenon based on the interaction and interpenetration of texts, whereby a new text is formed through the incorporation and transformation of prior textual elements within a renewed semantic structure. The research addresses a central question concerning whether classical Arab scholars and literary figures were familiar with the essence of intertextuality, even if they did not employ the modern term, and whether intertextuality represents an indigenous feature of Arabic literary tradition or a concept derived from modern Western criticism.

The study aims to trace the roots of intertextuality within Arabic literary and rhetorical heritage by identifying its manifestations in classical critical concepts such as quotation, incorporation, imitation, and adaptation. It further seeks to demonstrate that the multiplicity of terms reflects a unified underlying phenomenon and to highlight the role of intertextuality as a creative mechanism that contributes to the construction and enrichment of literary meaning.

Methodologically, the study adopts both historical and analytical approaches. The historical method is employed to investigate the presence and evolution of intertextual practices across different literary periods, from the pre-Islamic era to the modern age, while the analytical method is used to examine selected textual examples and reveal patterns of textual interaction. The findings indicate that Arabic literature had long embodied various forms of intertextuality prior to the emergence of the modern term, and that the Qur’an, in particular, served as a central intertextual source that influenced literary expression across centuries.

The study concludes that intertextuality is not merely a process of borrowing but a dynamic and creative act involving transformation, reinterpretation, and textual renewal. It affirms that intertextuality represents a deeply rooted feature of Arabic literary tradition, demonstrating continuity between classical heritage and modern literary creativity, and underscoring its enduring role in shaping Arabic literary identity.

Keywords :intertextuality, plagiarism, parallelism, quotation, allusion, deviation.

المقدّمة

“التّناصّ” هو تضمين نصّ في نصّ آخر، هو تفاعل أدبيّ بين النّصّ المستحضِر والنّصّ المستحضَر، فالنّصّ ليس إلّا توالد النّصوص التي سبقته، وهو مجموعة من النّصوص المستترة التي يحتويها النّصّ في بنيته، وتعمل بشکل باطنيّ عضويّ على تحقّق النّصّ وتشکّل دلالته([2])؛ فالتّناصّ هو كتابة نصٍّ على نص، جملة على أخرى، بيت شعر على بيت آخر، أو بيت شعرٍ على حديث نبويّ، أو آية قرآنيّة، أو جملة نثريّة على كلام مأثور.

وكثر الكلام مؤخّرًا حول التّناصّ، وخصوصًا في الأدب المقارن، وظهرت إشكاليّة تسأل: هل التّناصّ قديم أو جديد؟ عرفه الأقدمون أو لا؟ هل هو عربيّ أو غربيّ؟ فجاء هذا البحث ليجيب على هذه الأسئلة.

إشكاليّة البحث

تدور في الأذهان مباحث كثيرة حولَ “التّناصّ”؛ إرْهاصًا، وفِكرةً، وأبعادًا، وجمالًا، ومقابلةً، في ظِلِّ سؤالٍ مُلِحٍّ حول أسبقِيّة العرب إلى هذا الفنّ، وحولَ مسمَّياتِه وتوظيفاتِه في الحبكةِ الأدبيّة؛ ومن ها هنا تمخَّضَت هذه الإشكاليّة:

هل عَرَفَ الأقدَمون من الأدباء العرب فِكرة “التّناصّ”، وإنْ بمصطلَحٍ آخَر؟

فرْضيّات البحث

إنَّ إشكاليَّة هذا البحث تتطلَّب بحثًا في الكتب القديمة وأدبيّاتها ومسمَّياتها عبر الزَّمن؛ وفي سبيل ذلك هذه جمهرة من الفرضيّات:

  • الأدب العربيّ والبلاغة العربيّة لم يُغفلا فنًّا كبيرًا إلّا وتعرَّضا له.
  • اضطراب التّسميات العلميّة مردّه إلى غياب مرجعيّة موحَّدة تضبط إطلاق المصطلحات عبر العصور المتلاحقة.
  • “التّناصّ” اسم حديث جامِع مانع لكلِّ التّسميات القديمة وفروع جذورها بشكل عامّ.
  • أهمّيّة مفهوم “التّناصّ” في أبعادِه التَّقابُلِيّة والتَّراكميّة حتَّمَت وجوده في النّصوص العربيّة القديمة.
  • “التّناصّ” في العصر الحديث أتى بجديد غفَلَ عنه أقدمو أدباء العرب، فهو صراع النّصوص والإضافة عليها.

أهمّيَّة البحث وأهدافه

يُعالِجُ هذا البحثُ موضوعًا مهِمَّا جديدًا له علاقة بالمصطلَح العربيّ الحديث “التّناصّ”، من ناحية تأصيلِ فكرة أنَّ العرَبَ سبّاقون إلى مثل هذه الفنون المجموعة في هذا العنوان العامّ، ولم يقتبِسوه من الغرب، لا قديمًا ولا حديثًا، وإن عرف انزياحًا قليلًا بالمفهوم الحديث.

منهج البحث

البحث الذي بين ظهْرانينا يُناسِبه الآتي:

  • المنهج التّاريخيّ؛ لأنَّه يستدرِجُنا إلى ملاحقة الماضي وما اكتنَزَ فيه الأدباء من نصوص.
  • المنهج التَّحليليّ؛ لأجلِ النَّظَر في هذه النُّصوص، واستخراج ما ينبغي أن يُقابَلَ مع النُّصوص الحديثة المشابِهة.

حدود البحث

  • الحدود الزَّمانيّة: من العصر الجاهلي عند العرب إلى العصر الحالِيِّ في القرن الواحِد والعشرين.
  • الحدود المكانيَّة: الوطن العربيّ.

الدّراسات السّابقة

كثرت الدّراسات حول التّناصّ بالمعنى القديم والحديث، لا سيّما في السّنوات الأخيرة، ومن ذلك مثالًا لا حصرًا:

  • الآمدي، الحسن بن بشر. (370هـ)، الموازنة بين شعر أبي تمّام والبحتري، دار المعارف، القاهرة، الطّبعة الرّابعة.
  • العميدي، محمّد بن أحمد. (1961م)، الإبانة عن سرقات المتنبّي، دار المعارف، القاهرة، د.ط.
  • النّجّار، محمّد رجب. (2001م)، توفيق الحكيم والأدب الشّعبيّ أنماط من التّناصّ الفولكلوريّ، عين للدّراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، الكويت، الطّبعة الأولى.
  • الشّعينيّ، مصطفى. (2005م)، في التّناصّ الشّعريّ، د.ب، د.ط.

أوّلًا: ماهيّة التّناصّ

  • سيرورة العلوم والآداب

عرف الأدب العربيّ أشكالًا متنوّعة للتّناصّ، ومنها: الاقتباس، والتّضمين، والمحاكاة، والمعارضات الشّعريّة، والتّقليد، والرّدود على شاعر، أو أديب سابق، وإعادة إخراج موضوعات تُشُبّع من القراءة فيها وعنها، تشابه المشارب والثّقافة والرّؤية والمَخَاض الفنّيّ، إلى آخره.

وهكذا فما لبثت النّصوص الأدبيّة عامّةً، والعربيّة خاصّةً، تنهج الأسلوب عينه، واللّفظ ذاته، في بعض المناحي، وفي مسَلَك بعض المعاني، والأفكار، والصّور، والعبارات، والمباني، والبيان، والبديع؛ فالمعلّقات العشر الجاهليّة (عنترة بن شدّاد)، وقصائد النّقائض الأمويّة (جرير والفرزدق) تتفاعل وتتكامل وتتصارع وتتصادم فيما بينها، وهذه سُنّة الحياة في الأدب الإنسانيّ، فالنّصّ لا يعيش منعزلًا عن بيئته، ولا عن نصوص الآخرين والنّاقدين.

ومن تأمّل يجد أنّ المعاني الإنسانيّة مطروحة منذ خلْق الإنسان الأوّل آدم عليه السّلام الذي كان يجيد التّعبير عمّا يريد([3]) وعلّم هو بدوره أولادَه فنون الحياة وأساليب العيش، وأكمل أولاد نوح عليه السّلام المهمّة: سام، وحام، ويافث، وانتشروا في الأرض ونشروا اللّغات، ومنها خرجت آلاف اللّهجات، وتنوّعت الأساليب؛ وما يزال الإنسان يتفنّن في الكلام شعرًا ونثرًا، حتّى كان العصرُ العبّاسيّ وأبو الطّيّب المتنبّي مالئ الدّنيا وشاغل النّاس، وهكذا إلى يومنا هذا.

ومهما قيل فإنّه قيل من قبل، بصورة أو بأخرى، ومن هنا يُعزى الكلام بالمعنى إلى غير ما علَم من الأعلام؛ وآدم عليه السّلام هو الوحيد الذي كان يستطيع أن يتجنّب التّكرار؛ لأنه أبو البشر وأوّلهم.

  • تعريف التّناصّ
  • التّناصّ لغةً

ورد في لسان العرب: “النّصّ: رفعك الشّيء، نصّ الحديث ينصّه نصًّا: رفعه ونصّ المتاع: جعله بعضه علي بعض”([4])ـ؛ والتّناصّ بمعنى الاتّصال: “يقال هذه الفلاة تناصي أرض کذا، وتواصيها، أي تتّصل بها”([5])؛ وجاء في تاج العروس: “نصّ الشّيء أظهره، وکلّ ما ظهر فقد نصّ”([6]) والتّناصّ بمعنى الازدحام، يُقال: “تناصَّ القوم: ازدحموا”([7]).

وكلمة التّناصّ ذات جذور شبيهة في المعاجم العربيّة؛ وهكذا، فمعنى النّصّ له جذور عربيّة معجميّة قديمة.

  • التّناصّ اصطلاحًا

عرّف “بول ريکور” النّصّ بقوله: “لنطلق کلمة نصّ على کلّ خطاب تمّ تثبيته بواسطة الکتابة”([8])؛ وبالنّسبة إلى “جوليا کريستيفا” فقد عمدت إلى تعريف النّصّ تعريفًا جامعًا فهو: “جهاز نقل لسانيّ يعيد توزيع نظام اللّغة واضحًا الحديث التّواصليّ؛ نقصد المعلومات المباشرة في علاقة مع ملفوظات مختلفة سابقة أو متزامنة”([9])؛ ويورد “محمّد مفتاح” تعريفات عدّة للنّصّ، حسب التّوجّهات المعرفيّة المختلفة:

  • مدوّنة کلاميّة: يعني أنّه مؤلّف من کلام.
  • حدث: إنّ کلّ نصّ هو حدث يقع في زمان ومکان معينين.
  • تواصليّ: يهدف إلى توصيل معلومات ومعارف ونقل تجارب إلى المتلقّي.
  • تفاعليّ: إقامة علاقات اجتماعيّة بين أفراد المجتمع.
  • مغلق: انغلاق سمته الکتابيّة الأيقونة التي لها بداية ونهاية.
  • توالديّ: إنّ الحدث اللّغويّ ليس منبثقًا من عدم، وإنّما هو متولّد من أحداث تاريخيّة ونفسيّة ولغويّة([10]).

إذًا النّصّ هو مدوّنة حدث کلاميّ ذي وظائف متعدّدة، والتّناصّ نصوص جديدة تنفي مضامين النّصوص السّابقة، وتؤسّس مضامين جديدة خاصّة بها، يستخلصها مؤوّل بقراءة إبداعيّة مستكشفة، وغير قائمة على استقراء أو استنباط([11])؛ وفي تعريف جامع: التّناصّ هو “تعالق الدّخول في علاقة مع نصّ حدث بکيفيّات مختلفة”([12]).

  • ظهور التّناصّ

بعد تناول النّقاد للنّصّ بمفهومه الجديد، ومحاكاته للنّصوص الأجنبيّة، وفي عمليّة تاريخيّة تراكميّة… کان لا بدّ من أن يظهر مفهوم جديد يتّصل بالنّصّ، وهو “التّناصّ”؛ ولقد ظهر هذا المصطلح في حقل النّقل العربيّ الحديث بعد صياغات وترجمات عدّة؛ فالتّناصّ هو بطريقة أو أخرى عمليّة وراثيّة للنّصوص، فالنّصّ المتناصّ يکاد يحمل بعض صفات الأصول.

  • إرهاصات التّناصّ في النّقد الغربيّ الحديث

ربّما تعود جذور التّناصّ بهذا المفهوم الآنف إلى الغرب، ولعلّ أوائل النّقّاد وأبرزهم الذين تحدثّوا عنه البلغاريّة الفرنسيّة “جوليا کريستيفا” (1941)، ومن أواخرهم “جيرار جينيت” (1930 ـــــ 2018)؛ ويمكن أن نقول أنّ الجذر الأساس لمصطلح التّناصّ الذي قام حديثًا ظهر مع الرّوس انطلاقًا من فيكتور شکلوفسکي (1893 ـــــ 1984) الذي فتق الفکرة؛ ولکنّ ميخائيل باختين (1895 ــــ 1975) هو أوّل صائغ لنظريّة واقعيّة في تعدّد القِيم النّصّيّة المتداخلة.

لقد استعمل “باختين” کلمة أخرى غير “التّناصّ”، وهي “التّداخل”؛ مثل: “التّداخل السّيميائيّ”، و”التّداخل اللّفظيّ”؛ فالکاتب بحسَبه يتطوّر في عالَم مليء بکلمات الآخرين، فلا وجود لخطاب خالٍ من آخر، وهذه هي الحقيقة عند “باختين”؛ لذا، تراه يطرح نظريّة الحواريّة: “الصّوت المتعدّد”، وتُعدّ هذه النّظريّة مقدّمة أساسيّة وجذريّة لمفهوم التّناصّ الذي تبلور على يد الباحثة “جوليا کريستيفا” في أبحاث لها عدة کتبت بين 1967 و1996، وصدرت في مجلّتي “تيل کيل” و”کرتيك”، وأعيد نشرها في کتابيها “سيموتيك” و”نصّ الرّواية”؛ فالنّصّ عندها لا يخلو من مدخلات نصوص أخرى، وفي ذلك تقول: “إنّ کلّ نصّ هو عبارة عن لوحة فسيفسائيّة من الاقتباسات، وکلّ نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى”([13]). فهي ترى النّصّ بؤرة تستقطب إشعاعات النّصوص الأخرى، وتتّحد مع هذه البؤرة؛ لتؤسّس النّصّ الجديد “المتناصّ”، فيخضعا معًا إلى قوانين “التّشکّل” أو البناء، وقوانين “التّفکّك” أي الإحالة إلى مرجعيّة، أو إلى نصوص أخرى([14]).

  • بدايات التّناصّ في النّقد العربيّ الحديث

نكاد نعدّ أنّ مفهوم التّناصّ من المفهومات الحديثة في الکتابات النّقديّة العربيّة، وربّما لا تعود إلى أکثر من عقد مضى من الزّمان؛ اعتمادًا على طروحات النّقّاد الغربيّين السّابقي الذّكر؛ ولعل الاستخدام النّقديّ لنظريّة التّناصّ في النّقد العربيّ الحديث وصل متأخّرًا، يمكن ما يقارب ربع قرن على ظهوره في النّقد الغربيّ، وعليه حمل انتقاله إلى الميادين النّقديّة العربيّة الإشكاليّات الّتي كان يعاني منها علی المستويين النّظريّ والمفهوميّ، خصوصًا؛ إضافة إلى أنّ هذا المفهوم قوبل عربيًّا كغيره من المفاهيم النّقديّة الوافدة بتباين واضح في الموقف منه.

ولا يفوتنا ذكر أنّ هذا المفهوم غير بعيد عن الاستخدام النّقديّ في النّقد العربيّ القديم، ولا يسعنا في هذا المقام أن نتغافل عن كون عبد القاهر الجرجاني ذكره، واشترط للتّمييز بينه وبين الانتحال والسّرقة والنّسخ، تحقيق الإضافة والتّجديد، إذ “متى أجهد أحدُنا نفسه، وأعمل فكره، وأتعب خاطره، وذهنه في تحصيل معنى، يظنّه غريبًا مبتدعًا، ونظم بيتًا يحسبه فردًا مخترعًا، ثمّ يتصفّح الدّواوين لم يخطئه أن يجده بعينه، أو يجد له مثالًا يغضّ من حسنه، ولهذا السّبب أحضر على نفسي، ولا أرى لغيري بثَّ الحكم على شاعر بالسّرقة”([15]

لقد طرح التّناصّ قضايا عدّة على صعيد علاقة النّصوص بعضها ببعضها الآخر من جهة، وعلى صعيد علاقتها بالعالَم، وبالمؤلّف الذي يكتبها من جهة أخرى، كما طرح موضوع العناصر الدّاخلة في عمليّة تلقيننا لأيّ نصّ وفهمنا له، في إشارة إلى أغلوطة استقلاليّة النّصّ الأدبيّ التي تتبنّاها بعض المدارس النّقديّة (أصحاب النّظريّة البنيويّة) الّتي انطوت بدورها على تصوّر إمكانيّة أن يصبح النّصّ عالمًا متكاملًا في ذاته، مغلقًا عليها في الوقت عينه، وهي إمكانيّة معدومة إذا ما أدخلنا المجال التّناصّيّ في الحسبان، وإذا ما عددناه مجالًا حواريًّا في الوقت عينه([16]).

وهكذا فإنّ موضوع التّناصّ ليس جديدًا تمامًا في الدّراسات النّقديّة المعاصرة، ولعلّ جذوره الأولى تعود في الدّراسات الشّرقيّة والغربيّة إلى تسميات ومصطلحات أخری، كالاقتباس، والتّضمين، والاستشهاد، والقرينة، والتّشبيه، والمجاز، والمعنى، وما شابه ذلك في النّقد العربيّ القديم، فهي مصطلحات أو مسائل تدخل ضمن مفهوم التّناصّ في صورته الحديثة، لكنّه يؤشّر إلى مسألة مهمّة تتمثّل في التّفاوت الحاصل في رسم حدود المصطلح وتحديد موضوعاته؛ ولعلّ هذه الإشكاليّة المنهجيّة تتجاوز مفهوم التّناصّ إلى غيره من النّظريّات النّقديّة الحداثيّة وما بعد الحداثيّة، نظرًا لتعدّد الاتّجاهات والتّيّارات النّقديّة التي تنشأ داخل كلّ نظريّة من تلك النّظريّات([17]).

ثانيًا: مسمّيات التّناصّ ومفاهيمه

  • أسماء التّناصّ

ذُكر التّناصّ بغير ما اسم في علم النّقد الأدبيّ، ومن أشهرها: المتناصّة، والتّناصّيّة، والنّصوصيّة، والتّفاعل النّصّيّ، والتّناصّ، وتداخل النّصوص، والنّصوص المتداخلة، والنّصّ الغائب، والنّصوص المهاجرة، وتضافر النّصوص، والنّصوص الحالة والمزاحة، والتّداخل النّصّيّ، والتّعدّي النّصّيّ، عبر النّصصيّة، والبينصوصيّة، والتّنصيص؛ ولعل تعدّد التّسمية والفوضى في ذلك يرجع إلى عدم وجود مرجعيّة واحدة في التّسمية والتّرجمة.

ومن المعلوم أنّ النّقد العربيّ القديم اعتنى بالقضيّة المتعلّقة بتداخل النّصوص، لكنّه أدرجها في مبحث موسوم بـ “السّرقات الأدبيّة”، ولأنّ هذا التّعبير يحمل سمة الطّابع الأخلاقيّ لهذا المصطلح فقد أُلغي في النّقد الحديث، وعوّض بـ “التّناصّ”، و”النّصّ الغائب”، و”التّداخل النّصّيّ”.

وتشابهت المضامين مع تنوّع العناوين حول مفهوم واحد، ومن ذلك: السّرقات الأدبيّة، والاقتباسات، والتّضمينات، والأدب المقارن، والمثاقفة؛ والمتأمّل في معاني التّناصّ يلمس بُعد هذه الاصطلاحات عن جوهر التّناصّ الأدبيّ.

  • المُتعالقات النَّصِّيَّة

يشير مفهوم التّناصّ إلى أحد أهمّ المصطحات النّقديّة الّتي ترتبط بتفاعل النّصوص الأدبيّة مع بعضها بعضًا، وما يترتّب على ذلك من دلالات في سياق النّصوص الأدبيّة ذاتها؛ ويُطلَقُ هذا المفهوم على مجموعة العلاقات النّصّيّة التي تجعل نصًّا ما يتعالق مع نصّ آخر بشكلٍ ضمنيّ أو تصريحيّ، وتكون هذه العلاقات النّصّيّة متناظرة بشكل مباشر، أو غير مباشر، ويدخل في مفهوم المتعاليات النّصّيّة ما يحدث من استشهاد بأقوال، أو أبيات شعريّة، أو نصوص أدبيّة معروفة كالأمثال، عند التّمثيل على ذكر شيء من باب الاستحضار، أو المشابهة، حيث يكون بين هذه النّصوص الأدبيّة حضورٌ داخل بعضها بعضًا ما يؤدّي إلى حال من التّزامن في الأفكار، أو الأنماط اللّغويّة، أو الصّور الفنّيّة، ويرتبط مفهوم التّناصّ ارتباطًا وثيقًا بمفهوم المتعاليات النّصّيّة.

  • حتميّة التّناصّ

النّصّ محکوم بالتّناصّ، بالتّداخل مع نصوص أخرى، فالنّصّ عبارة عن فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيّات مختلفة، فإنّ الكتابة الأدبيّة خليط لكلّ ما قرأ الإنسان ووعى، بالإضافة إلى أنّ الخاطر يقع على الخاطر، كما يقع الحافر على الحافر، فالمعاني الإنسانيّة واحدة، وهي مطروحة في الطّرقات، والعبرة للأسلوب.

فالنّصّ يولد من نصوص أخرى، يعني أنّ المرجعيّة الوحيدة للنّصّ هي النّصوص، وهو حين ينبثق، أو يتداخل، أو يتعالق مع نصوص أخرى؛ فهذا لا يعني بحال الاعتماد عليها بالكلّيّة، أو محاکاتها حرفيًّا، لا، فالتّناصّ يتجسّد من خلال صراع النّصّ مع نصوص أخرى، قديمة، أو جديدة، أو ربّما مستقبليّة؛ ولا ننسى أنّ النّصّ الجديد قد يضفي على النّصوص القديمة لمسة مميّزة، أو تفسيرات جديدة، أو يلبسها حلّة فريدة، أو يزيل الغبار عنها([18]).

  • أهمّيّة التّناصّ في النّقد الحديث

الأديب، شاعرًا، أو صحفيًّا، أو روائيًّا، أو قاصًّا، هو مثقّف بامتياز، وقارئ نهم للتّراث، ومختزِن للتّجارب الإنسانيّة الّتي مرّت على الماضين؛ لتشكّل هذه القراءات خزّانًا يسقي منه ما يزرع كتابةً وإنتاجًا؛ لتخرج إلى النّور لوحة فسيفسائيّة من الاقتباسات والتّشرّبات، سمّاها النّقادُ “التّناصّ”، وهي من أهمّ مباحث النّقد الحديث الّذي يرى كينونة العمليّة الإبداعيّة عمليّة تفاعل، وتداخل، وتكامل لا انفصام لها في عمليّة الطّلْق الأدبيّة، الحالةُ التي تجعل الأدب قريبًا من الأفهام، مطابقًا للموروثات المَعِيشة.

وفي تضاعيف التّصوّرات التّقليديّة لعمليّة الإبداع الأدبيّ، يتبيّن من خلال التّصوّر النّظريّ لهذا المفهوم أنّ النّصّ الأدبيّ ليس معزولًا عن النّصوص السّابقة، ولا يتميّز بالنّقاء الإبداعيّ الخالص، في كثير من الأحيان، بسبب وجود علاقة تشابك دقيقة بينه وبين مختلف النّصوص السّابقة التي وقع عليها المبدع قبل الانخراط بعمليّة الكتابة الواعية.

ومن أبرز مظاهر الشّهر الحداثيّ، زيادةً على البنية التّركيبيّة الدّلاليّة، ظاهرة استحضار النّصوص الغائبة المتوارية في الزّمان الماضي، والّتي يُشتغَل على تفعيلها في الزّمان الحاضر.

ثالثًا: شروط التّناصّ وأركانه

  • درجات التّناصّ

يحتمل أن يكون التّداخل التّناصّيّ للنّصوص بعضها ببعض متدرّجًا، أو متفاوتًا، وعليه يأخذ التّناصّ أشكالًا متنوّعة، وهناك ستّ درجات للتّناصّ هي:

1_ التّطابق: النّصوص متماثلة في النّتائج الوظيفيّة والخصائص البنيويّة، وهو يتحقّق بالنّصوص المستنسخة.

2_ التّفاعل: حالة من التّفاعل بين نصّين جديد وقديم، ويكون الجديد متكيّفًا مع النّصّ القديم المتفاعل معه، بشريطة مراعاة حفظ أهداف الكاتب ومقاصده في كتابة نصّه؛ فأيّ نصّ هو نتيجة تفاعل مع نصوص أخرى، تنتمي إلى آفاق ثقافيّة مختلفة، تكون درجات وجودها بحسب نوع النّصّ المنقول إليه.

3_ التّداخل: حالة من الممازجة الأدبيّة، فتؤدّي إلى حالة من الصّلة بين النّصّين المتمازجين، وذلك في فضاء نصّيّ عامّ؛ وهذا التّداخل، أو الدّخول، أو المداخلة لم يحقّق الامتزاج، أو التّفاعل بينها، وهي تظلّ دخيلة تحتلّ حيّزًا من النّصّ المركزيّ.

4_ المجاورة (التّحاذي والموازاة): الجمل اللّغويّة في حالة من المجاوَرَة، بشريطة أن يحتفظ كلّ نصّ ببنيته ووظائفه وهويّته الأدبيّة.

5_ التّباعد (أسلوب التّقاصي): تنشأ بعض التّقابلات بين النّصوص الأدبيّة الّتي تختلف عن بعضها بعضًا في النّوع الأدبيّ المنتمية إليه؛ وبعبارة أخرى، هو التّحاذي الشّكليّ، والمعنويّ، والفضائيّ، وقد يتحوّل إلى تباعد شكليّ، ومعنويّ وفضائيّ.

6_ التّقاصي: يقوم على التّقابل بين النّصوص الدّينيّة والنّصوص الفاجرة السّخيفة على سبيل المثال([19]).

  • قوانين التّناصّ ومرجعيّاته

يحدث التّناصّ من خلال قوانين ثلاثة، وهي:

1_الاجترار.

2_ الامتصاص.

3_ الحوار([20]).

وللنّصّ المتناصّ مرجعيّات عدّة، ومنها:

1_ الثّقافيّة.

2_ الدّينيّة.

3_ الأسطوريّة.

4_ التّاريخيّة.

5_ الکلام اليوميّ([21]).

  ج- مظاهر التّناصّ

التّناصّ تناصّان، وهما:

  • التّناصّ العامّ: علاقة نصّ الکاتب بنصوص غيره من الکتّاب.
  • التّناصّ الخاصّ: علاقة نصوص الکاتب بعضها ببعض.

والتّناصّ يظهر بشكلين، وهما:

1_ التّفاعل النّصّيّ الخاصّ: حين يقيم نصّ ما علاقة مع نصّ آخر محدّد، وتبرز هذه العلاقة بينهما على صعيد الجنس والنّوع والنّمط معًا.

2_ التّفاعل النّصّيّ العامّ: يبرز فيما يقيمه نصّ ما من علاقات مع نصوص عدّة، مع ما بينها من اختلاف علي صعيد الجنس والنّوع والنّمط([22]).

رابعًا: التّناصّ وشبيهه

  • الفَرْق بين التّلميح([23]) والتّناصّ

التّناصّ إشارة ظاهرة إلى التّداخل والتّعالق؛ أمّا التّلميح فهو من الأساليب التي تشير في خفاء إلى المطلوب، وذلك أن يضمّن المتكلّمُ كلامَه بكلمة، أو كلمات، من آية، أو قصّة، أو بيت من الشّعر، أو مثَل سائر، أو معنى مجرّد من كلام، أو حكمة؛ والتّلميح أنواع، كالتّلميح في القرآن، والحديث النّبويّ، والشّعر المشهور، والمثل السّائر، ونحو ذلك…

والتّلميح لغةً: من لمحه إذا أبصره ونظر إليه، وكثيرًا ما تسمعهم يقولون: لمح فلان هذا البيت: فقال كذا، وفي هذا البيت تلميح إلى قول فلان([24])؛ أمّا التّلميح اصطلاحًا فهو الإشارةُ في فحوى الكلام إلى قصّةٍ معلومةٍ، أو شعرٍ مشهورٍ، أو مثلٍ سائرٍ، من غير ذكره صريحًا([25]).

  • أقسام التّلميح

ينقسم التّلميح إلى أقسام عدّة:

الأوّل: هو الإشارةُ إلى قصّةٍ معلومةٍ، نحو قول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السّلام: {قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)}([26])، فأشار يعقوبُ عليه السّلام في كلامٍ هنا لأولاده، بالنسبة إلى خيانتهِم السّابقةِ في أمر أخيهم يوسفَ عليه السّلام، وهو قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)}([27]).

الثّاني: الإشارةُ إلى شعرٍ مشهورٍ، كقول([28]): [الطّويل]

لَعمروٌ معَ الرمضاءِ والنارُ تلتظي
 
أَرَقُّ وأَحفَى منكَ في ساعةِ الكَرْبِ

والرّمضاءُ: الأَرض الشّديدةُ الحرّ([29])، وأحفى: من حَفِيَ فلان، إِذا بالغ في إكرامه، وأظهر السّرور والفرح، وأكثر السّؤال عن حاله([30])؛ والشّاهدُ فيه: التّلميحُ إلى البيتِ المشهورِ([31])، وهو: [البسيط]

الـمُسْتَجيرُ بعَمْرٍو وعند كُرْبَتِهِ
 
كالمستجيرِ منَ الرَّمْضاءِ بالنَّارِ([32])

يُضرَبُ لطالب الشّيءِ بعد فوتهِ.

الثّالث: الإشارةُ إلى مثلٍ سائرٍ من غير ِذكره،ِ كقول الشّاعر([33]): [مجزوء البسيط]

مَنْ غابَ عنكُمْ نسيتُمُوهُ
 
وقلبُهُ عندكُمْ رهينَهْ
أظنُّكُمْ في الوفاءِ ممَّنْ

 

 

 

صُحبتُهُ صُحبةَ السفينَهْ([34])

فهو يشير إلى مثل وضعه شاعر في بيت شعر، وهو: [الهزج]

ومن غابَ عن العينِ
 
فقدْ غابَ عنِ القَلْبِ([35])

خامسًا: نقد التّناصّ وعيّنات عنه

  • أهمية النّقد بالنسبة إلى التّناصّ

نجد على مرّ الأيّام أناسًا يهتمّون بالمقارنة، ويراقبون الظّواهر، ويحلّلون ويحكّمون، يسمّون “النُّقَّاد”، وهم مهمّون للعمليّة الأدبيّة برمّتها، وحاجة مُلِحّة في كلّ زمان، وهم قلّة قليلة جيّدة في زماننا، وتنظيراتهم، وملاحظاتهم، وإسقاطاتهم غناء للأدب، وإهداء مجانيّ للأديب، لتحسين الأداء، وتعليم للأجيال الذّوق الأدبيّ، ومعرفة ما له وما عليه؛ نعَمْ، نجد بعضهم _ والكلام على النّقّاد الحقيقيّين أصحاب الغرابيل الدّقيقة المحكمة الصّنع، المتساوية الثّقوب، لفصل القمح عن النُّخالة من زؤان وأحساك وأوساخ _ من يعمّم، ومن يبالغ، ومن يقسو، ومن يتّهم، لكنّه في نهاية المطاف ضرورة عضويّة، ومعراج حقيقيّ للأدب في المجتمع والأمّة، نحو العلا والرّقيّ، وسموّ الذّوق العامّ، وتحصين الحياة وتحسينها.

  • أمثلة على التّناصّ من الأدب الحديث

من الأمثلة المعاصرة للتّناصّ قول محمود درويش في قصيدة “طريق دمشق”([36]): [قصيدة التّفعيلة]

“وينشقُّ في جثّتي قمرٌ.. ساعةُ الصّفرِ دقَّتْ

وفي جثتي حبةٌ أنبتتْ للسنابلِ

سبعَ سنابلَ، في كلِّ سنبلةٍ ألفُ سنبلة..”

اقتبس الشّاعر آية قرآنيّة: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ٢٦١﴾ ([37]).

ويقول محمود درويش([38]): [الخفيف]

“باطلٌ، باطلُ الأباطيلِ.. باطلْ      كلُّ شيءٍ على البسيطةِ زائلْ”

إذ يتناصّ هذا البيت مع بيت شعريّ معروف للبيد بن أبي ربيعة المخضرم (الجاهليّ الصّحابيّ)([39]): [الطّويل]

“ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ      وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ”

يقول المغربيّ “أحمد المجاطي” في مقطع شعريّ من قصيدة “السّقوط”([40]): [قصيدة التّفعيلة]

“وقبلَ أنْ أغمسَ في الضوءِ

سرابَ الشكِّ واليقين

أُقيمُ من قهقهةِ السّكارى

عرسًا

وراءَ اللحظةِ الشّمطاء

والدقائقِ العذارى

أقولُ: يا أرضُ، ابلَعِي ماءَكِ أو فلتغرَقي

في الدمِ والأشلاءِ والأنين”

يستحضر الشاعرُ آية قرآنية: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}([41]).

وتقول الشّاعرة الفلسطينيّة “فدوى طوقان” في قصيدتها “لن أبكي”([42]): [قصيدة التّفعيلة]

“على أبوابِ يافا يا أحبائي

وفي فوضى حطامِ الدُّورْ

بين الردمِ والشوكِ

وقفتُ وقلتُ للعينينِ:

قفا نبكِ”

تقاطع هذا النّصّ مع قول الشّاعر الجاهليّ امرىء القيس([43]): [الطويل]

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ      بسقطِ اللِّوى بينَ الدخولِ فحومَلِ([44])

 

خاتمة البحث

لا يخفى أنّ القرآن الكريم هو أكثر كتاب تمّت محاكاته، والاقتباس منه، وتقليد أساليبه، واستعمال صوره البلاغيّة، وذلك على مرّ القرون الأربعة عشرة الماضية، من قِبل العرب والمسلمين.

وفِكْرُ الإنسان هو نسيج ما قرأ، واستوعب، وحفظ، وجرّب، واقتنع، وناقش، وتلاقح، وتأمّل، واعتقد، وفهم، في سنوات حياته؛ فالمعاني ليست ملك أحد من النّاس، في عصر من العصور، أو لغة من اللّغات، وتحتاج أن تلبس لَبُوس عصرها؛ لتكون في متناول الجمهور، وهنا مهمّة الأديب، ويتفاضل في هذا الأدباء، والشّعراء، والحكماء، والعلماء، والبلغاء؛ وبذلك يستفيد الأدب.

والتّناصّ بحث عمره مئة عامّ تقريبًا في ميدان النّقد الأدبيّ، ولا شكّ أنّ العرب عرفوا أشباهه من تضمين، واقتباس ونحو ذلك، بَيْدَ أنّ التّناصّ له خصوصيّة في التّعالق، والتّشابك مع النّصوص الأخرى، فهو ليس مجرّد أخذ، بل هو بناء وزيادة، وخدمة للنّصّ القديم، أو الجديد، أو المستقبليّ، هو عمليّة معقّدة، وسهلة في آن معًا، هو تكثيف للثّقافات والمعارف، على حسبان أنّ المعرفة لا تكون في فراغ، وكذلك الأدب هو كلّ ما قرأت، وسمعت، وجرّبت، وفكّرت قبل، فكلّ هذا تأثير خفيّ تارّةً، وعلنيّ تارّةً أخرى، في كلّ الكتابات الفنّيّة الحاليّة والمستقبليّة، فهذه سُنَّة الأدب.

وكما كانت أهمّيّة “التّناصّ” بمسمّياته الكثيرة قديمًا في أبعادِه التَّقابُلِيّة والتَّراكميّة في النّصوص العربيّة القديمة، فإنّ أهمّيّته تتجدّد اليوم في الأدب المقارن على أنواعه.

وأخيرًا يمكن القول: التّناصّ شكل جديد للإبداع، بعيدًا عن تصوّراته التّقليديّة.

 

فهرس المصادر والمراجع

الكتب

_ ابن أبي الإصبع، عبد العظيم بن الواحد، تحرير التّحبير في صناعة الشّعر والنّثر، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

_ ابن حجر، امرؤ القيس، ديوان امرئ القيس، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1425هـ/ 2004م.

_ ابن أبي ربيعة، لبيد، ديوان لبيد بن أبي ربيعة، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1425هـ/ 2004م.

_ ابن منظور، محمّد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1374ه ـــ 1995م.

_ أبو البقاء العكبري، عبد الله بن الحسين، الكلّيّات، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

_ الأصفهاني، أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمّد، الأغاني، دار الفكر، بيروت، ط3، د.ت.

_ باختين، ميخائيل، الخطاب الرّوائيّ، ترجمة محمد برادة، دار الفکر للدّراسات والنّشر والتّوزيع، القاهرة/ باريس، ط1، 1987م.

_ بنيس، محمد، حداثة السّؤال، دار التّنوير للطّباعة والنّشر، بيروت، ط1، 1985م.

_ التّفتازاني، سعد الدّين، مختصر المعاني، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

_ الجرجاني، عبد القاهر بن طاهر، الوساطة بين المتنبّي وخصومه، مطبعة عيسى الحلبيّ، القاهرة، د.ط، 1900م.

_ درويش، محمود:

أ_ جداريّة محمود درويش، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

ب_ عاشق من فلسطين، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

_ الزّبيدي، مرتضى، محمّد بن محمّد، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، بيروت، د.ط، د.ت.

_ الزّعبي، أحمد، التّناصّ نظريًّا وتطبيقيًّا، مؤسّسة عمّان للنّشر، عمّان، د.ط، 2000م.

_ صبري، حافظ، أفق الخطاب النّقديّ دراسات نظريّة وقراءات تطبيقيّة، دار شرقيّات، القاهرة، د.ط، 1996م.

_ العاملي الهمذاني، محمد بن حسين الحارثي، الكشكول، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

_ العبَّاسي، عبد الرّحيم بن أحمد، معاهد التّنصيص على شواهد التّلخيص، تحقيق مُحَمَّد محيي الدّين عبد الحميد، مطبعة السّعادة، مصر، د.ط، د.ت.

_ العسكري، الحسن بن عبد الله، جمهرة الأمثال، دار الفكر، د.ب، ط2، 1988م.

_ علوش، سعيد، معجم المصطلحات الأدبيّة المعاصرة، دار الکتاب اللّبنانيّ، بيروت، د.ط، 1985م.

_ کريستيفا، جوليا، علم النّصّ، ترجمة فريد الزّاهي، مراجعة عبد الجليل ناظم، دار توبقال للنّشر، المغرب، ط1، 1991م.

– كريستيفا، جوليا وباختين، ميخائيل وآخرون، آفاق التناصية المفهوم والمنظور، ترجمة محمد خير البقاعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998م.

_ المجاطي، أحمد، الفروسيّة، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

_ مفتاح، محمّد:

أ_ تحليل الخطاب الشّعريّ استراتيجيّة التّناصّ، د.ن، د.ب، د.ط، د.ت.

ب_ المفاهيم معالم نحو تأويل واقعيّ، الدّار البيضاء، بيروت، د.ط، 1999م.

_ ناهم، أحمد، التّناصّ في شعر الرّواد، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، بغداد، ط1، 2004م.

_ النّويري، أحمد بن عبد الوهّاب، نهاية الأرب في فنون الأدب، دار الكتب المصريّة، القاهرة، د.ط، 1929م.

_ يقطين، سعيد، انفتاح النّصّ الرّوائيّ: النّصّ والسّياق، المرکز الثّقافيّ العربيّ، دار البيضاء، بيروت، ط1، 1989م.

المجلّات

_ ريکور، بول، النّصّ والتّأويل، مجلّة العرب والفکر العالميّ، بيروت، عدد 3، 1983م.

_ قدور، أحمد محمّد، التّناصّ الأدبيّ ومفهومه في النّقد العربيّ الحديث، مجلّة بحوث جامعة حلب، سوريا عدد 1، 1991م.

الشّابكة

_ طوقان، فدوى، قصيدة خارج الأعمال الشّعريّة الكاملة، منشورة على الشابكة.

_ لغتيري، مصطفى، موقع القدس العربيّ، التّناصّ والسرقات الأدبية، 15 حزيران 2020م. www.alquds.co.uk

 

([1]) دكتور محاضر وباحث أكاديميّ الجامعة اللّبنانيّة UL/ الجامعة اللّبنانيّة الدّوليّةLIU / الجامعة العالميّة   GU

o.shaaban1976@gmail.com

 

([2]) أحمد محمد قدور، التّناصّ الأدبي ومفهومه في النقد العربي الحديث، مجلة بحوث جامعة حلب، سنة 1991، عدد 1، ص250 وما بعدها.

 

([3]) قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ٣١ قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ٣٢ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ٣٣﴾ [البقرة، 31-33 ].

([4]) ابن منظور، لسان العرب، ج7، ص97، مادة ن ص ص.

([5]) ابن منظور، لسان العرب، ج15، ص327، مادة ن ص ا.

([6]) مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج18، ص179، مادة ن ص ص.

([7]) مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج40، ص95، مادة ن ص ي.

([8]) بول ريکور، النّصّ والتأويل، مجلة العرب والفکر العالمي، 1983، عدد3، ص37.

([9]) جوليا کريستيفا، علم النص، ص16.

([10]) سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص215.

([11]) محمد مفتاح، المفاهيم معالم نحو تأويل واقعي، ص41.

([12]) محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التّناصّ، ص121.

([13]) جوليا كريستيفا وميخائيل باختين وآخرون، آفاق التناصية المفهوم والمنظور، ترجمة محمد خير البقاعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998م، ص37.

([14]) باختين، الخطاب الروائي، ص53-54.

([15]) الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، ص214.

([16]) صبري حافظ، أفق الخطاب النقدي دراسات نظرية وقراءات تطبيقية، ص 58.

([17]) أحمد الزعبي، التّناصّ نظريًّا وتطبيقيًّا، ص19.

([18]) أحمد ناهم، التّناصّ في شعر الرواد، ص 21.

([19]) محمد مفتاح، المفاهيم معالم نحو تأويل واقعي، ص41.

([20]) محمد بنيس، حداثة السؤال، ص 117.

([21]) محمد بنيس، حداثة السؤال، ص 117.

([22]) سعيد يقطين، انفتاح النّصّ الروائي: النص، السياق، ص95.

([23]) سماه ابن المعتز “حسن التضمين”، وسماه المطرزي “التمليح” بتقديم الميم، وسماه الفخر الرازي في نهاية الإيجاز “التلويح”. أبو البقاء العكبري، الكليات، ج3، ص430.

([24]) انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج2، ص584، مادة ل م ح.

([25]) راجع: التفتازاني، مختصر المعاني، ج1، ص295. ابن أبي الأصبع، تحرير التحبير، ج1، ص110. النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج2، ص304. العباسي، معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، ج1، ص431.

([26])  يوسف، 64.

([27])  يوسف، 13.

([28]) قاله أبو تمام. ابن أبي الإصبع، تحرير التحبير، ج1، ص14.

([29]) ابن منظور، لسان العرب، ج7، ص160، مادة ر م ض.

([30]) ابن منظور، لسان العرب، ج14، ص186، مادة ح ف ا.

([31]) ابن أبي الأصبع، تحرير التحبير، ج1، ص15.

([32]) قاله أبو نجدة. الأصفهاني، الأغاني، ج24، ص52.

([33]) القائل مجهول.

([34]) البهاء العاملي، الكشكول، ج1، ص197.

([35]) صاحب البيت أبو نواس. القول بلفظ: “من غاب عن العين غاب عن القلب”. أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال، ج2، ص270.

([36]) محمود درويش، عاشق من فلسطين، ص22.

([37]) البقرة، 261.

([38]) محمود درويش، جدارية محمود درويش، ص44.

([39]) لبيد بن أبي ربيعة، ديوان لبيد بن أبي ربيعة، ص85.

([40]) أحمد المجاطي، الفروسية، ص33.

([41]) هود، 44.

([42]) فدوى طوقان، قصيدة خارج الأعمال الشعرية الكاملة، منشورة على الشابكة.

([43]) امرؤ القيس، ديوان امرئ القيس، ص21.

([44]) انظر: مصطفى لغتيري، القدس العربي، التّناصّ والسرقات الأدبية، 15 حزيران 2020م. www.alquds.co.uk

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى