أبحاثالتاريخ وعلم السياسة والاقتصاد

منابر الشّارع الغائب: في جدوى المظاهرات ومآلاتها في نصرة غزّة

منابر الشّارع الغائب: في جدوى المظاهرات ومآلاتها في نصرة غزّة

The Absent Platforms of the Street: On the Efficacy and Trajectories of Demonstrations in Support of Gaza

د. محمود أحمد سمهون     ود. رئيفه محمّد الرّزوق

Dr. Mahmoud Ahmad Samhoun & Dr.  Raifa Mohammad al Razzouk

تاريخ الاستلام 31/ 8/ 2025                                    تاريخ القبول 2/ 10 /2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

ملخّص البحث

يتناول هذا البحث مسألة دور المظاهرات في نصرة غزّة من منظور دينيّ واجتماعيّ، مبيّنًا كيف شكّلت هذه المظاهرات عبر العقود وسيلة تعبيريّة تعبّر عن التزام الشّعوب العربيّة والإسلاميّة بقضيّة فلسطين، كونها قضيّة دينيّة قبل أن تكون سياسيّة.

ويستعرض البحث تحليل أسباب تراجع هذا الحراك الجماهيريّ في السّنوات الأخيرة، مركّزًا على مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها: تدهور الأوضاع المعيشيّة، وتصاعد القبضة الأمنيّة، وغياب القيادة الشّعبيّة الجامعة، والانقسام في الخطاب الإعلامي العربيّ، والإحباط المتراكم من جدوى التّظاهر في ظلّ غياب الاستجابة الرّسميّة.

ويخلص البحث إلى أنّ هذا التّراجع لا يعني انطفاء الوعي الشّعبيّ، بل يدعو إلى إعادة تفعيل أدوات التّعبير الجماعيّ بروح جديدة، تستلهم الدّين والواجب الأخلاقيّ، وتعتمد وسائل أكثر فاعليّة وتأثيرًا في ظلّ الظّروف الرّاهنة.

الكلمات المفتاحيّة: التّظاهرات – غزّة – النّصرة – القضيّة الفلسطينيّة – الإعلام.

Abstract

This study examines the role of demonstrations in supporting Gaza from both religious and social perspectives, highlighting how, over the decades, such demonstrations have served as an expressive vehicle that reflects the commitment of Arab and Islamic societies to the Palestinian cause—conceived primarily as a religious cause before a political one.

The research analyzes the reasons behind the decline of this popular movement in recent years, focusing on a set of interrelated factors, most notably: deteriorating living conditions, the intensification of security restrictions, the absence of unifying grassroots leadership, the fragmentation of Arab media discourse, and the accumulated frustration regarding the effectiveness of demonstrations in light of the lack of official responsiveness.

The study concludes that this decline does not signify the extinction of popular consciousness; rather, it underscores the need to reactivate collective modes of expression in a renewed spirit—one that draws upon religion and moral responsibility while adopting more effective and impactful means under current circumstances.

Keywords: Demonstrations – Gaza – Support – Palestinian Cause – Media

المقدّمة

تُعدّ المظاهرات واحدةً من أبرز أشكال التّعبير الجماهيريّ في العصر الحديث، وقد اقترنت في وجدان الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، بقضايا الأمّة الكبرى، وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينيّة. ولم تكن هذه المظاهرات مجرّد حشود غاضبة في الشّوارع، بل كانت تحمل في طيّاتها بُعدًا دينيًّا متجذّرًا، يستمدّ مشروعيّته من قيم النّصرة، والتّضامن، ورفض الظّلم، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. وقد شكّلت غزّة، بما تمثّله من رمز للمقاومة والصّمود، محورًا مركزيًّا لهذا الحضور الجماهيريّ، فكانت المظاهرات في نصرتها أشبه بشعائر احتجاجيّة تُستحضر فيها روح الأمّة، وضميرها الحيّ.

غير أنّ المتأمّل في المشهد العربيّ الرّاهن يلحظ فتورًا ملحوظًا في هذا الشّكل من أشكال الدّعم، حيث تراجعت وتيرة المظاهرات في العديد من العواصم العربيّة، على الرّغم من تصاعد العدوان على قطاع غزّة. ويطرح هذا التّراجع أسئلة حقيقيّة حول التّحوّلات العميقة التي طرأت على الوعي الجمعيّ، والدّوافع التي أضعفت هذا الزّخم، على الرّغم من استمراريّة المأساة، وربّما تصاعدها.

يهدف هذا البحث إلى تناول الدّور الدّينيّ للمظاهرات في نصرة غزّة، بوصفها فعلًا تعبّديًا وسياسيًّا في آن، كما يسعى إلى تفكيك العوامل التي أسهمت في انحسار هذا الدّور في الواقع العربيّ المعاصر، من خلال مقاربة تحليليّة تجمع بين البُعد القيميّ والمجتمعيّ، وبين المعطيات السّياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة التي تُلقي بظلالها على الفعل الاحتجاجيّ في الفضاء العربيّ.

أهمّيّة البحث

تنبع أهمّيّة هذا البحث من كونه يتناول قضيّةً محوريّة تتّصل بجوانب دينيّة، وإنسانيّة، وسياسيّة في آن واحد، إذ يستقصي دور المظاهرات في التّعبير عن واجب النّصرة لغزّة، ويحلّلها بوصفها فعلًا جماهيريًّا له جذور في الوجدان الدّينيّ والتّكليف الأخلاقي، لا مجرّد حراك سياسيّ ظرفيّ.

كما تبرز أهمّيّة البحث في تسليط الضّوء على التّحوّلات العميقة التي طرأت على المجتمعات العربيّة التي أضعفت قدرتها على التّعبير الجماعيّ، على الرّغم من اشتداد العدوان واتّساع المظلوميّة. ويكمن البعد الحيويّ لهذا الموضوع في استنهاض أدوات الفعل المدنيّ السّلميّ، وفي إعادة مساءلة الضّمير الجمعيّ العربيّ حول دوره ومسؤوليّته، خصوصًا في ظلّ صمتٍ يتناقض مع عدالة القضيّة وبشاعة المأساة.

إشكاليّة البحث

على الرّغم من مركزيّة قضيّة فلسطين في الوعي العربيّ والإسلاميّ، وخصوصًا ما تمثّله غزّة من رمز حيّ للمقاومة، فإنّ التراجع الملحوظ في وتيرة المظاهرات المؤيّدة لها في العالم العربيّ يثير تساؤلات جوهريّة حول التّحوّلات الطّارئة على الفعل الاحتجاجيّ الشّعبيّ؛ فكيف نفسّر هذا التّراجع، على الرّغم من استمرار العدوان واشتداد صور القتل والحصار؟ وما الأسباب الكامنة خلف فتور الحشود وتراجع الحماسة الجماهيريّة؟ ثمّ إلى أيّ مدى يمكن عدّ المظاهرات فعلًا دينيًّا تعبّديًا يندرج ضمن واجب النّصرة، لا مجرّد تعبير سياسيّ عابر؟ وهل غيابها يُعدّ مؤشّرًا على تغيّر في الأولويّات، أم على تآكل أدوات التّعبير الشّعبيّ بفعل القمع، أو الانقسام، أو الإحباط؟

منهج البحث

ولمعالجة إشكاليّة البحث اعتمدنا المنهج الوصفيّ التّحليليّ في تناول موضوعه، إذ وصفنا ظاهرة المظاهرات الدّاعمة لغزّة بوصفها مظهرًا من مظاهر النّصرة الدّينيّة والسّياسيّة، ثمّ حلّلنا العوامل التي أسهمت في تراجع هذا الشّكل من الحراك الشّعبيّ في العالم العربيّ، مستندين إلى رصد الوقائع الميدانيّة والسّياقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة التي أحاطت بها. وقد سعينا في هذا البحث إلى الجمع بين العرض الموضوعيّ للأحداث وتحليل دلالاتها ومآلاتها، استنادًا إلى النّصوص الدّينيّة والمواقف التّاريخيّة التي تبرز أهمّيّة نصرة المظلوم وأثر الكلمة والموقف الجماعي في دعم القضايا العادلة، فيتعزّز فهم الظّاهرة ويتعمّق الوعي بالتّحدّيات التي تواجهها وسبل التّعامل معها.

أوّلًا: تعريف التّظاهرات

المظاهرة لغة: المظاهرة تُفيد معنى المعاونة والمشاركة في الفعل، فمنه قول تظاهر القوم، أي تعاونوا وتعاضدوا، وظهرت الثّوب إذا جعلت له ظهارة وبطنته إذا جعلت له بطانة، وجمع البطانة بطائن والظهارة، بالكسر: نقيض البطانة. وظهرت البيت: علوته. وأظهرت بفلان: أعليت به. وتظاهر القوم: تدابروا كأنه ولى كل واحد منهم ظهره إلى صاحبه[1]، يقول تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ (التحريم: 4) فقوله تظاهرا، أي تتعاونا على النّبيّ ﷺ، وقوله “ظهير” أي نصير ومعين[2].

واللّفظ مشتقّ من “الظّاهر” في مقابل “الباطن”، ومنه ظاهر الثّوب، أي جهته الخارجيّة[3]؛ كما يُطلق التّظاهر على السّير الجماعيّ للنّاس في العلن، تعبيرًا عن موقف موحّد من الرّضا أو السّخط تجاه أمرٍ من الأمور، ويُقال: تظاهر النّاس، أي خرجوا مجتمعين لإبداء رأيهم جهارًا[4].

أمّا اصطلاحًا فتُعرَّف المظاهرات بأنّها تجمّعات بشريّة، تُقام في ظروف مخصوصة، يُعبَّر من خلالها عن إرادة جماعيّة أو مشاعر مشتركة، بدوافع متعدّدة كإظهار الولاء، أو إعلان الرّأي، أو الاحتجاج على أمر معيّن؛ ويختلف أسلوب التّعبير فيها باختلاف السّياقات، فقد يُعتمد فيها على الهتاف والصّياح، أو ترديد الشّعارات، أو رفع اللّافتات والصّور، أو غير ذلك من الوسائل التّعبيريّة[5].

كما تُطلق المظاهرة على اجتماع عددٍ من الأفراد في طريقٍ عامّ أو في موضع محدّد، بقصد التّعبير عن إرادة جماعيّة ومشاعر مشتركة، سواء أكانت دوافعها سياسيّة أم اجتماعيّة أم اقتصاديّة. ويتّخذ هذا التّعبير صورًا متعدّدة، كالهتاف، والصّراخ، أو استخدام الإشارات واللّافتات، وغيرها من الوسائل التّعبيريّة[6].

وقد حفظت القوانين حقّ الإنسان في التّظاهر، إذ أكّد الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان على حقوق الإنسان، حيث نصّت المادة الأولى منه: “أنّ جميع النّاس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، حيث إنّهم وهبوا العقل والوجدان وعليهم معاملة بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.

وتأكيدًا على ما سبق فقد نصّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لعام على 1948م، بشكل صريح على الحقّ في التّجمّع السّلميّ وتأليف الجمعيّات.

من خلال ما سبق، نرى أنّ المظاهرة هي تجمّع علنيّ منظّم لمجموعة من النّاس في مكان عامّ، يعبّرون فيه عن موقف جماعيّ تجاه قضيّة معيّنة، سواء كان ذلك تأييدًا أم احتجاجًا، باستخدام وسائل تعبير سلميّة كالهتاف ورفع اللّافتات. وهي شكل من أشكال التّعبير عن الرّأي، وقد كفلتها القوانين والمواثيق الدّوليّة كحقّ من حقوق الإنسان.

ثانيًا: أهمّيّة التّظاهرات

إذا تأمّلنا مسار التّاريخ، نجد أنّ التّغيير الاجتماعيّ والسّياسيّ لا يحدث بصورة خطّية مستقيمة، بل يتّبع نمطًا تراكميًّا يتجلّى في ما يمكن تسميته بـ “خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء”. وفي هذا السّياق، تؤدّي التّظاهرات والحركات الاجتماعيّة أدوارًا محوريّة، إذ تكتسب بمرور الزّمن شرعيّة تدريجيّة تؤهّلها لمراكمة القوّة والضّغط؛ وتكمن فاعليّتها في قدرتها على فضح الانتهاكات وكشف ممارسات الظّلم، فضلًا عن تبادل الخبرات فيما بينها، فتُعزز من تطوّرها ونضجها التّنظيميّ والفكريّ.

وتُستمدّ قوّتها كذلك من قدرتها على تسليط الضّوء من القاعدة الشّعبيّة باتّجاه قمّة السّلطة، كاشفةً عن لا شرعيّة الأنظمة القمعيّة التي تفتقر إلى آليّات المساءلة والمحاسبة؛ كما تسهم هذه الحركات في رفع منسوب الوعي المجتمعيّ، وتحويل مسارات النّقاش العامّ، وإعادة تشكيل اللّغة والخطاب الجمعيّ، بما ينعكس على الذّهنيّات والسّلوكيات في المجتمع، حتّى تُحدث نقطة التّحوّل المرجوّة.

وقد أدّت هذه الدّيناميكيات، على مرّ الزمن، إلى تحقيق تحوّلات إيجابيّة ملموسة في مجالات عدّة، منها: تحسين منظومات الحوكمة، ورفع مستوى شروط العمل وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعيّة، وتعزيز المساواة بين الجنسين، والاعتراف بالحقوق الجنسيّة والإنجابيّة، فضلًا عن السّعي لتحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات السّابقة لحقوق الإنسان، والتّصدّي لقضايا كبرى مثل العنصريّة والتّمييز والتّدهور البيئيّ والتّغير المناخيّ، وغيرها من الإشكاليّات البنيويّة[7].

ويُعدّ التّظاهر شكلًا سلميًّا من أشكال التّحرّك المباشر، يُتيح للأفراد والجماعات التّعبير العلنيّ عن مظالمهم ومطالبهم، خصوصًا في السّياقات التي تُقيّد فيها الأنظمة السّياسيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو الثّقافيّة سبل المطالبة بالحقوق، أو تتجاهلها بصورة منهجيّة. ويُصنَّف التّظاهر ضمن صور المشاركة الفاعلة في الحيّز المدنيّ، إذ يُمثّل وسيلة ضغط شعبيّ أثبتت فاعليّتها في إحقاق عدد من حقوق الإنسان الأساسيّة عبر التّاريخ.

وتتنوّع أشكال هذا التّعبير المدنيّ؛ لتشمل التّحرّكات الفرديّة والجماعيّة، مثل الإضرابات، والمسيرات، والاعتصامات، والوقفات الاحتجاجيّة، والمواكب، وحملات المقاطعة، وقطع الطّرق، واحتجاجات “قرع الأواني”، والفعاليّات الثّقافيّة أو الدّينيّة، فضلاً عن أنماط مختلفة من العصيان المدنيّ. وقد استُخدمت هذه الوسائل في عدد لا يُحصى من الحركات التّحرريّة والسّاعية إلى العدالة خلال القرن الماضي، حيث تتّسم هذه الأساليب بمرونة كبيرة، وتتطوّر باستمرار من حيث تنوّعها وإبداعها وقوّتها التّأثيريّة.

ولا شكّ أنّ التّظاهر يُجسّد أحد أبرز مظاهر الوعي الجمعيّ ورفض الاستكانة، إذ يُعبّر عن إيمان الشّعوب بقدرتها على التّغيير، ويُعدّ في جوهره فعلًا حضاريًّا يعكس نبض المجتمع ويُترجم طموحه في بناء واقع أكثر عدلًا وحرّيّة. ومن ثمّ، فإنّ الحفاظ على هذا الحقّ وتعزيزه يُعدّ من علامات نضج الدّولة الحديثة ومؤشّرًا حاسمًا على حيويّة الحياة المدنيّة فيها.

ثالثًا: مشروعيّة التّظاهر في الإسلام

لقد رسّخ الخلفاء الراشدون في وجدان الأمّة وواقعها العمليّ (فقه الاحتجاج)، مُقرّين بحقّ الأمّة في التّعبير عن رأيها والاعتراض على ما لا ترتضيه من سياسات الحكّام، وقد تجلّى هذا المعنى بصورة جليّة في نهجهم السّياسيّ، إذ كان كلّ خليفة يستهلّ عهده بخطبة جامعة يُعلن فيها خضوعه للمساءلة الشّعبية، وينفي عن نفسه العصمة أو التّعالي على النّقد والتّقويم. ولعلّ خطبة الخليفة الأوّل “أبو بكر الصدّيق” t بعد تولّيه الخلافة، تُعدّ نموذجًا رفيعًا لهذا المنهج، حيث قال: “أيّها النّاس، فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت… فأعينوني، وإن أسأت… فقوّموني”[8].

إنّ هذا الخطاب المبكّر يُظهر بوضوح أنّ ممارسة النّقد البنّاء، والاحتجاج على انحراف السّلطة، لم تكن طارئة على التّجربة الإسلاميّة، بل كانت مكوّنًا أصيلًا من مكوّنات نظامها السّياسيّ الرّاشد. وقد علّق الإمام مالك على مقولة الصدّيق تلك بقوله: “لا يكون أحد إمامًا أبدًا إلّا على هذا الشّرط”.

ونذكر أيضًا أنه “أتى عمر بن الخطاب، مشربة بني حارثة، فوجد محمّد بن مسلمة، فقال عمر: كيف تراني يا محمّد؟ فقال: أراك والله كما أحبّ، وكما يحبّ من يحبّ لك الخير، أراك قويًّا على جمع المال، عفيفًا عنه، عادلًا في قسمته، ولو ملتَ عدلناك كما يُعدل السّهم في الثّقاف! فقال عمر: هاه، فقال: لو ملت عدلناك، كما يعدل السّهم في الثّقاف، فقال عمر: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني”[9].

ثمّ برز أوّل اختبار حقيقيّ لحقّ الأمّة في الاحتجاج السّلميّ خلال خلافة عثمان بن عفّان t، وذلك حين عبّرت جماعات من أقاليم متعدّدة عن رفضها لبعض سياسات الخليفة، وسياسات ولاته.

وبغضّ النّظر عن مدى دقّة الدّوافع التي ساقها المحتجّون، فإنّ موقف الخليفة عثمان مثّل مثالًا راقيًا في احترام هذا الحقّ، إذ أقرّ مبدأ الاحتجاج، على الرّغم من ما شابه من مظاهر التّشدّد، وامتنع عن استخدام القوّة لردّه أو قمعه؛ بل إنّه، في موقف يعكس وعيًّا عميقًا بفقه الاعتراض، رفض تدخّل الصّحابة الكرام لفضّ الاحتجاج بالقوّة، مفضّلًا التّضحية بنفسه على أن تُسفك دماء المسلمين دفاعًا عنه، وهو الخليفة الشّرعيّ؛ ليخلّد بذلك موقفًا بالغ الدّلالة على إعلاء حقّ الأمّة في التّعبير والمساءلة.

وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير في “البداية والنهاية”: “قال عثمان للذين عنده في الدّار من أبناء المهاجرين والأنصار -وكانوا قريبا من سبعمئة-… ولو تركهم لمنعوه: أقسم على من لي عليه حقّ أن يكفّ يده، وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصّحابة وأبنائهم جمّ غفير. وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حُرٌّ”[10].

نرى في هذا الموقف عظمة الفقه السّياسيّ الإسلاميّ المبكّر الذي لم يرَ في السّلطة وسيلة للبطش والاستئثار، بل أداة لحفظ الكرامة والعدل، ما دام الخليفة نفسه يُخضع أفعاله للمحاسبة، ويمنع استعمال القوّة دفاعًا عن ذاته، وهو في ذروة موقعه؛ فالخليفة عثمان بن عفّان t، وهو من المبشّرين بالجنّة، واجه أزمة سياسيّة واجتماعيّة شديدة التّعقيد، لكنّه اختار أن يسمو على الانفعال والغلبة، وأقرّ فعليًّا – لا قولًا فقط – بحقّ الأمّة في الاعتراض، حتّى وإن تجاوز بعضهم حدود الأدب والشّرعيّة.

من خلال ما تقدّم، يتجلّى بوضوح أنّ الخلفاء الرّاشدين لم يكونوا مجرّد ولاة أمرٍ وساسة، بل كانوا أنموذجًا سامقًا في ترسيخ دعائم الحكم الرّشيد، وبناء منظومةٍ أخلاقيّةٍ تُعلي من كرامة الإنسان، وتُنزّه السّلطة عن الاستبداد. لقد سطّروا، بأفعالهم قبل أقوالهم، معالم تجربةٍ سياسيّةٍ نادرة، قامت على مبدإ المساءلة، ومُنحت فيها الأمّةُ حقّ الاعتراض والتّقويم، في وقتٍ لم تعرف فيه البشريّة بعدُ هذا المستوى من الوعي السّياسيّ. وإنّ في ذلك النّموذج شاهدًا حضاريًّا ناصعًا على أنّ الإسلام سبق الدّساتير الحديثة في إقرار “حقّ الاحتجاج السّلميّ”، لا من خارج منظومة الحكم فحسب، بل من قلبها، فغدت تجربة الخلافة الرّاشدة تاجًا على جبين الحضارات، ومصدر فخرٍ للأمّة في ماضيها وحاضرها.

ومن العلماء المعاصرين، من يؤكّد على حقّ الأمّة في التّظاهر، إذ يقول الدّكتور يوسف القرضاوي عن المظاهرات: “… من حقّ المسلمين كغيرهم من سائر البشر أن يسيروا المسيرات وينشئوا المظاهرات تعبيرًا عن مطالبهم المشروعة، وتبليغًا بحاجاتهم إلى أولي الأمر، وصنّاع القرار، بصوت مسموع لا يمكن تجاهله، فإنّ صوت الفرد قد لا يسمع ولكنّ صوت المجموع أقوى من أن يتجاهل، وكلّما تكاثر المتظاهرون وكان معهم شخصيّات لها وزنها كان صوتهم أكثر إسماعًا وأشدّ تأثيرًا؛ لأنّ إرادة الجماعة أقوى من إدارة الفرد، والمرء ضعيف بمفرده قويّ بجماعته”.[11]

وأصدرت جهة علماء الأزهر بيانًا حول مظاهرات 25 يناير (يوم الغضب) جاء فيه: “اخرجوا فلن تكونوا أبداً نملًا، فالنّمل وحده هو الذي قبل من النّملة نصيحتها بدخول الجحور خشية أن يحطّمها جيوش الغادرين… فليخرج كلّ قادر؛ ليسمع الظّالمين صوته، وليبرئ ذمّته أمام الله تعالى الذي لا يقبل عذرًا من مخذلٍ أو متخاذلٍ في مثل تلك المواقف…”[12].

وعن مظاهرات النّصرة لدعم فلسطين يقول الدّكتور سلمان العودة: “لا نرى بأسًا أن يتجمّع المسلمون للإعراب عن احتجاجهم على معاناة إخوانهم في فلسطين، بحيث تكون مظاهرة سلميّة بعيدة عن مضايقة السّكّان، أو إزعاجهم، أو تعويقهم عن أعمالهم وألّا يكون بها ارتكاب لما حرّم الله تعالى، وهذا من نصرة إخوانكم وله الأثر البالغ على اليهود، وعلى من يناصرهم في كلّ مكان، ومن شأنه أن يوصل الرّأي الإسلاميّ إلى الشّعوب الغربيّة التي طالما هيمن اليهود على عقولها، وأوصلوا لها رسالة مضللة عن القضيّة، والأصل في مثل هذه الأمور الجواز، ولا تحتاج إلى دليل خاصّ”[13].

رابعًا: أسباب تراجع المظاهرات في العالم العربيّ لدعم غزّة

لقد غدت المظاهرات الدّاعمة لغزّة ظاهرةً عالميّة تتجاوز حدود الانتماء القوميّ والدّينيّ، إذ لم تقتصر على الشّعوب العربيّة والإسلاميّة وحدها، بل شاركت فيها جماهير من مختلف القارّات، من آسيا إلى أوروبا وأميركا اللّاتينية، تأكيدًا على عالميّة القضيّة الفلسطينيّة وارتباطها بالقيم الإنسانيّة الكونيّة، كالعدالة والحرّيّة ورفض الاضطهاد. وما يلفت الانتباه أنّ هذا الحراك لم يقتصر على المتضامنين من غير اليهود، بل انخرط فيه أيضًا بعض اليهود حول العالم ممّن يرفضون السّياسات الاستعماريّة والإجراءات القمعيّة ضدّ الشّعب الفلسطينيّ، إذ يرون أنّ الوقوف إلى جانب غزّة موقفًا أخلاقيًّا يتجاوز الحسابات السّياسيّة الضّيقة؛ وبذلك، تشكّل هذه المظاهرات فضاءً عابرًا للحدود والهويّات، يعبّر عن التقاء الضّمير الإنسانيّ على رفض الظّلم الواقع على غزّة، ويجعل من التّضامن مع الفلسطينيّين قضيّة إنسانيّة شاملة وليست شأنًا إقليميًّا فحسب.

غير أنّه، على الرّغم من اشتداد المأساة في غزّة وتفاقم المعاناة الإنسانيّة، يلاحظ تراجع لافت في زخم المظاهرات الشّعبيّة المؤيّدة للقضيّة الفلسطينيّة في الشّارع العربيّ؛ هذا الغياب لا يعكس فتورًا وجدانيًّا بالضّرورة، بل يكشف عن تعقيدات سياسيّة واجتماعيّة ونفسيّة متراكمة، ولعلّ الوقوف عند أبرز الأسباب يضيء على هذا المشهد المتغيّر ويفسّر أبعاده العميقة.

  • تدهور الأوضاع الاجتماعيّة

لقد بات تدهور الأوضاع المعيشيّة في كثير من الدّول العربيّة عاملًا ضاغطًا لا يُستهان به في تشكيل المزاج العامّ، وتوجيه أولويّات الأفراد والجماعات؛ ففي ظلّ الانهيارات الاقتصاديّة المتتالية، وانعدام الاستقرار الماليّ، وتراجع القدرة الشّرائيّة بشكل حادّ، لم يعد المواطن في هذه البلدان يملك المساحة النّفسيّة أو الجسديّة الكافية للمشاركة في تحركات تضامنيّة، حتّى ولو كانت تمسّ وجدانه وأعماق انتمائه. فالمواطن الذي يقف في طوابير الخبز أو المحروقات، أو الذي يستيقظ كلّ يوم على أرقام جديدة من التّضخّم، أو على قرارات تقشفيّة تزيد من فقره، ليس من السّهل أن يُقنع نفسه بأنّ النزول إلى الشارع –مهما كانت القضيّة نبيلة– هو أولويّة واقعيّة أمام معركة البقاء اليوميّ.

وفي دول مثل لبنان حيث اللّيرة فقدت أكثر من 90% من قيمتها، وسوريا حيث الاقتصاد يكاد ينهار تحت وطأة العقوبات والحرب، والسّودان حيث النّزاعات المسلّحة شلّت مؤسّسات الدّولة، واليمن حيث الفقر ينهش البنية الاجتماعية… باتت المظاهرات ترفًا يصعب تحمّله؛ فالمشهد العامّ في أغلب الدّول العربيّة مشحون بالخوف، ومتخم بالخذلان، ومحاط بانهيار المنظومات الصّحيّة والتّعليميّة، فينعكس على شعور جماعيّ باللّاجدوى، وبأنّ الاحتجاج –ولو من أجل قضايا عادلة– لن يغيّر شيئًا في معادلة مختلّة أساسًا.

الأزمة هنا ليست فقط مادّيّة، بل أصبحت وجوديّة ونفسيّة، إذ تآكلت لدى النّاس مشاعر القدرة على الفعل والتّأثير، بل يمكن القول إنّ هناك نوع من الإحباط الجماعيّ الذي يُنتج ما يشبه الشّلل في المبادرة، وكأنّ هناك حاجزًا داخليًّا يمنع التّفاعل الفعليّ حتّى مع القضايا التي تحرّك القلب والضّمير.

وهكذا يتحوّل الحزن على غزّة أو الغضب ممّا يجري فيها إلى مشاعر مكتومة، أو تنفيسات عاطفيّة على وسائل التّواصل، من دون أن تتجسّد في فعل جماهيريّ واسع، لا لغياب القناعة، بل لأنّ الواقع الخانق لا يسمح حتى بالتقاط الأنفاس، فضلًا عن الخروج إلى السّاحات.

  • التّضييق الأمنيّ والخوف من القمع

في أعقاب موجات الرّبيع العربيّ وما تبعها من تحوّلات سياسيّة وأمنيّة، أعادت الأنظمة في كثير من الدّول العربيّة ترتيب أولويّاتها، فجعلت من السّيطرة على المجال العامّ هدفًا مركزيًّا، فضُيّقت المساحات المتاحة للتّعبير، وتقيّدت حركة النّاس في الشّارع تحت ذرائع شتّى، أبرزها حفظ الأمن والاستقرار؛ هذا التّحوّل لم يكن مجرّد إجراءات مؤقّتة، بل اتّخذ طابعًا مؤسّسيًّا، عبر ترسانة قانونيّة وتنظيميّة، تتيح للدّولة التّدخل في تفاصيل أيّ حراك جماهيريّ، وتعاقب بشدّة أي خروج عن المألوف، حتّى لو كان الهدف منه إنسانيًّا أو تضامنيًّا.

ولم يعد الشّعب العربيّ في ظلّ هذا الواقع ينظر إلى التّظاهر بصفته حقًّا مضمونًا، بل بات يتعامل معه كفعل محفوف بالمخاطر، قد يؤدّي إلى مساءلة قانونيّة أو ملاحقة أمنيّة أو تشويه إعلاميّ؛ والقلق من القمع لم يعد مقتصرًا على النّشطاء أو قادة الرّأي، بل امتدّ إلى عامّة النّاس الذين أصبحوا يُفاضلون بين التّعبير عن مواقفهم وبين الحفاظ على سلامتهم، وأعمالهم، وحرّيّتهم الشّخصيّة، حتّى أولئك الذين يكنّون تعاطفًا كبيرًا مع القضايا العادلة، مثل قضيّة غزّة، صاروا يتريّثون في التّفاعل الميدانيّ؛ لأنّ الكلفة قد تكون باهظة وغير متوقّعة.

إضافة إلى ذلك، إنّ كثيرًا من الدول أوجدت آليّات إداريّة تحول دون التّنظيم الفوريّ أو العفويّ لأيّ تظاهرة، عبر اشتراط الحصول على تراخيص معقّدة، أو ربط الموافقة الأمنيّة بمعايير فضفاضة قد تُستخدم لرفض الطّلب من دون مبرر واضح؛ وهذا المنع غير المباشر أدّى إلى تجميد ديناميكيّة الشّارع، فحتّى حين تتوفّر لدى النّاس الرّغبة في الاحتجاج، يجدون أنفسهم مكبّلين بأنظمة قانونيّة تجعل من التّظاهر فعلًا استثنائيًّا لا يُقدم عليه إلّا من يقبل دفع الثّمن.

ومع الوقت، تشكّل وعي جديد لدى المواطنين، قوامه الحذر والخوف والتّوجّس، وهو وعي يختزن التّجارب السّابقة في الاعتقال والتّنكيل والتّشهير، حتّى صار السّكوت يبدو لبعضهم خيارًا أكثر أمنًا من المجاهرة بالموقف؛ فالاستبداد بوصفه ظاهرة من ظواهر الاجتماع السّياسيّ “لا يولد اعتباطًا ولا يتراكم جزافًا، وإنّما تحكمه مجموعة معقّدة ومتشابكة من الأسباب والشّروط والظّروف، يتداخل فيها الذّاتيّ، والموضوعيّ، والدّاخليّ، والخارجيّ، والاقتصاديّ، والثّقافيّ. فهو ثمرة مركّبة من القوى والبواعث المختلفة في طبيعتها، المتفاوتة في درجة تأثيرها، المتشكّلة بظروف المكان والزّمان”[14].

وهكذا، تضاءلت مشاهد الجماهير المحتشدة، لا لأنّ قضايا الأمّة لم تعد تلامس وجدانهم، بل لأنّ أدوات التّعبير عنها أصبحت في نظرهم غير متاحة أو محفوفة بالعواقب؛ وفي هذا المناخ، تفقد المظاهرات زخمها لا بسبب انطفاء الضّمير، بل بفعل طوق أمنيّ صلب يغلّ يد الشّارع عن الحركة.

  • انقسام الخطاب العربيّ تجاه القضيّة الفلسطينيّة

الإعلام “هو عمليّة ديناميكيّة تهدف إلى توعية وتثقيف وتعليم وإمتاع مختلف فئات الجمهور التي تستقبل الموادّ المختلفة، وتتابع برامجه وفقراته، فهو العمليّة التي يترتّب عنها نشر الأخبار والمعلومات الدّقيقة التي ترتكز على الصّدق والصّراحة ومخاطبة عقول الجماهير وعواطفهم”[15]. وقد بات لاعبًا رئيسًا في المجتمع، ومؤثّرًا على السّاحتين المحلّيّة والعالميّة؛ فجميع النّاس يتعاملون مع وسائل الإعلام بطرق مباشرة وغير مباشرة، حيث تعدّ هذه الوسائل المصدر الأوّل للأخبار والمعلومات، ووسيلة للتّخاطب بين الحكومات ورجال السّياسة، وأصحاب الأقلام وغيرهم من جهة، وبين أفراد الشّعب بكافّة أطيافه من جهة أخرى.

وأدّى الانقسام الحاصل في الخطاب العربيّ الرّسميّ تجاه القضيّة الفلسطينيّة إلى حدوث تصدّعات عميقة في وجدان الشّعوب العربيّة، وخلق نوعًا من الالتباس في وعي الجماهير بين ما اعتادوه من مركزيّة القضيّة في الضّمير الجمعيّ، وبين ما يلاحظونه من تغيّرات في المواقف الرّسميّة وبعض التوجّهات الإعلاميّة. فحين تدخل دول عربيّة في مسار تطبيع علنيّ مع الاحتلال، وتُقدَّم تلك الخطوات ضمن أطر “السلام” أو “المصلحة الوطنيّة العليا”، يجد المواطن العاديّ نفسه أمام مشهد متناقض: كيف يدعو لمظاهرة دعمًا لغزّة فيما قنوات بلاده تتحدّث عن شراكات اقتصاديّة أو اتّفاقيّات “حوار حضاريّ” مع نفس العدوّ الذي يرتكب المجازر بحقّها؟ هذا التّباين لا يخلق فقط حالًا من الفتور، بل يضعف الإحساس بالشّرعيّة الشّعبية للاحتجاج، ويزرع نوعًا من الشّك في النّفس: هل ما نفعله لا يزال مقبولًا؟ هل يعارض المصلحة الوطنيّة؟

كما أنّ وسائل الإعلام الرّسميّة وشبه الرّسميّة في بعض الدّول باتت تمارس نوعًا من التّعتيم أو التّحييد، فتُخفّف من وقع المشاهد القادمة من غزّة، أو تقدّمها بلغة باهتة، خالية من الإدانة والوضوح الأخلاقيّ، فتؤثّر في مستوى التّفاعل العاطفيّ مع ما يجري، بل إنّ بعض تلك الوسائل يتجنّب تغطية التّظاهرات المؤيّدة لفلسطين، أو يعمد إلى التّقليل من أهمّيّتها، فتضعف قدرة الشّعوب على قراءة أنفسها في مرآة إعلامها، ويجعل الفرد يشعر أنّه وحيد في انفعاله، في حين إنّ التّعبئة النّفسيّة الجماعيّة كانت أحد أهمّ دوافع خروج النّاس إلى الشّارع.

وفي ظلّ هذا التّشتّت في الخطاب، وفقدان الصّوت الجمعيّ الصّريح، تتراجع قوّة الدّفع المعنويّ نحو التّعبير الميدانيّ، لا لأنّ القلوب تغيّرت، بل لأنّ البوصلة الجماعيّة لم تعد واضحة، فتتراجع الحماسة، ويغلب الصّمت، وتخفت نداءات الغضب، ويغدو التّظاهر وكأنّه فعل خارج السّياق الرّسميّ، لا يجد له ظهرًا يحميه ولا خطابًا يشرّعه.

  • غياب القيادة الشّعبيّة الجامحة

لا توجد “نخبة قائدة في المنطقة العربيّة تكون على معرفة عميقة بالمصالح الوطنيّة وقادرة على العمل المشترك، ويرجع ذلك بشكل أساسيّ إلى غياب الحياة الدّيمقراطيّة في القيادة السّياسيّة”[16]، وأسهم غياب القيادة الشّعبيّة الجامعة في إضعاف القدرة الجماهيريّة على التّعبئة المنظّمة والاستجابة الموحّدة لقضايا كبرى، كقضيّة فلسطين.

ففي مراحل سابقة، كانت النّقابات المهنيّة، والأحزاب السّياسيّة، والتّيّارات الإسلاميّة، تشكّل منصّات حيويّة لتحريك الشّارع والتّواصل مع قواعده، فتتكامل الأدوار بين الخطاب الجماهيريّ، والتّنظيم الميدانيّ، وحماية المتظاهرين قانونيًّا أو معنويًّا؛ أمّا اليوم، فقد فُكّكت كثير من هذه البنى أو أُفرغت من مضمونها؛ إمّا عبر الحلّ المباشر، أو من خلال الرّقابة الصّارمة، أو التّهميش الممنهج، فأدّى إلى تآكل فاعليّتها وانكفائها عن المشهد العامّ.

هذا الغياب لم يقتصر أثره على البنية التّنظيميّة، بل طال الرّوح العامّة للاحتجاج، إذ إنّ الحراك الذي لا تقوده جهة ذات مصداقيّة شعبيّة، يفتقر إلى التّنسيق، ويبدو عشوائيًّا، ومتقطّعًا، وسريع الزّوال، فيغيب التّخطيط، والتّأطير، وتأمين الغطاء الشّعبيّ والسّياسيّ، فيُضعف تأثيره ويُقلّل من القدرة على الاستمرار أو إيصال الرّسالة بوضوح، كما أنّ غياب القيادة يجعل الفرد متردّدًا في النّزول إلى الشّارع؛ إذ لا يشعر أنّه جزء من مشروع منظّم يحميه ويمنحه صوتًا.

وعلاوة على ذلك، فإنّ الأنظمة تجد في هذا الفراغ القياديّ ذريعة إضافيّة للتّشكيك في أيّ حراك، ووسيلة لتفتيته واحتوائه، بدعوى أنّه غير ممثّل أو غير مشروع؛ وهكذا يتحوّل الحراك الشّعبيّ من موجة موحّدة ذات أهداف واضحة، إلى حركات مشتّتة يسهل تجاهلها أو كسرها، وهو ما انعكس جليًّا في الفتور الرّاهن تجاه التّظاهر من أجل غزّة، على الرّغم من فداحة المأساة هناك، وعمقها في الضّمير العربيّ.

  • الإحباط من جدوى التّظاهر

الإحباط من جدوى التّظاهر بات عاملًا نفسيًّا عميقًا يُثقل الوعي الجمعيّ العربيّ، ويشكّل حاجزًا يمنع انخراط الكثيرين في أيّ حراك شعبيّ داعم للقضيّة الفلسطينيّة، فقد تراكمت عبر السّنوات تجارب مريرة خرجت فيها الشّعوب إلى الشّوارع تهتف وتصرخ وتعلن تضامنها، لكنّها لم تجد لذلك صدى حقيقيًّا في دوائر القرار، ولا أثرًا ملموسًا على الأرض؛ هذا التّراكم خَلَق شعورًا عامًّا بالعجز، ورسّخ قناعة بأنّ التّظاهر، مهما اتّسع واشتدّ، لن يُجبر الحكومات على تغيير مواقفها، ولا يُقوّض الاحتلال ولا يُنقذ الضّحايا.

وقد عمّق هذا الإحساسَ التّحوّل في أنماط الصّراع، إذ باتت الحروب تُدار بمعادلات معقّدة من القوّة والسّياسة والتّحالفات، فشعرت الشّعوب أنّ صوتها لا يبلغ تلك المستويات المتشابكة من القرار، ولا يؤثّر فيها؛ بل إنّ بعض النّاس باتوا يرون في التّظاهر طقسًا رمزيًّا متكرّرًا، لا يخرج عن كونه “تنفيسًا مؤقتًا”، سرعان ما ينطفئ من دون أثر حقيقيّ، لا سيّما حين تقابله الحكومات بالتّجاهل، أو الإعلام بالتّعتيم.

وكلّما تكررت المآسي وتكرّر العجز، تآكلت الثقة في أدوات التّعبير الجماهيري، فصارت الحماسة تُستبدَل بالتّبلّد، والصّراخ بالصّمت، والتّضامن العمليّ بالاستهلاك الرّقميّ البارد؛ إنّ هذا الإحباط، بقدر ما هو نتيجة لانسداد الأفق، هو أيضًا أحد أبرز ما تحتاج الشّعوب إلى مقاومته؛ إذ إنّ بقاءه على حاله يُهدّد بفقدان آخر أدوات التّعبير المتاحة، ويكرّس الانكفاء بدل الانخراط، والتّسليم بدل المقاومة.

وعلى الرغم من هذا التّراجع الظّاهريّ، فإنّ القضيّة الفلسطينيّة لم تخرج من وجدان الشّعوب، وإنّما تغيّر شكل التّعبير عنها؛ فالمظاهرات قد تكون خفّت، لكنّ نبض التّضامن لا يزال حيًّا، ويظهر في المقاطعات، وفي الإعلام البديل، وفي دعم المقاومة، وفي الوعي الشّعبيّ المتنامي، إنّه فقط ينتظر لحظة مناسبة؛ لينفجر من جديد، كما اعتادت هذه الأمّة أن تفعل كلّما تجاوز الألم حدّه.

 

خامسًا: دور المظاهرات في نصرة غزة دينيًّا

من وجهة نظر الدّين الإسلاميّ، تُعدّ المظاهرات وسيلة مشروعة – بل في كثير من الأحيان واجبة – لنصرة المظلومين، وإظهار الحقّ، والدّفاع عن قضايا الأمّة، وعلى رأسها قضيّة غزّة، لما فيها من مظلمة عظيمة وعدوان مستمرّ على أهل فلسطين، وعلى مقدّسات الأمّة؛ ويمكن بيان دورها من خلال النّقاط التّالية:

  • القيام بواجب النّصرة الشّرعيّة

القيام بواجب النّصرة الشّرعيّة أصل راسخ في الشّريعة الإسلاميّة، ومبدأ أصيل من مبادئ الأخوة الإيمانيّة؛ وقد دلّت على ذلك نصوص القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة المطهّرة التي أوجبت على المسلمين الوقوف إلى جانب إخوانهم المستضعفين، ونصرتهم في وجه العدوان والظلم. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: 72)، فجعل النّصرة واجبة متى طلبها المظلوم، لا سيّما إذا تعلّق الأمر بالدّين والعقيدة، كما هو الحال في غزّة التي تتعرّض لعدوان غاشم يستهدف الأرض والعرض والمقدّسات، ويحاول طمس الهويّة الإسلاميّة لفلسطين.

وإذا كانت النّصرة بالسّلاح والمال هي الأكمل والأقوى، فإنّ من عدم الوسيلة المادّيّة لا يُعفى من مسؤوليّة النّصرة، بل ينتقل إلى ما يستطيعه من وسائل التّعبير والمواقف الدّاعمة، كالكلمة الصّادقة، والمشاركة في المظاهرات السّلميّة، ورفع الصّوت في وجه الظالمين؛ فالمظاهرات في هذا السّياق تُعدّ صورة مشروعة من صور النّصرة، ووسيلة فعّالة لإعلان الموقف الشّرعيّ والأخلاقيّ، والتّعبير عن التّضامن العمليّ مع أهل غزّة، لا سيّما حين تصدر من قلوب صادقة، وعزائم نقيّة، ترى في الوقوف إلى جانب المظلوم عبادةً وقُربة، وفي التّخاذل عنه خيانةً وتفريطًا، ومن لا يملك المال ولا السّلاح، فإنّه يملك الموقف، ويملك أن يصدح بالحقّ، ويجاهر بالمطالبة برفع الظّلم.

  • إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يُعدّ من أهمّ معالم الشّريعة الإسلاميّة، ومن أعظم القربات التي تُقيم بها الأمّة كيانها، وتحفظ بها كرامتها وهويّتها. يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)

وإنّ مظاهر الطّغيان والعدوان، كما يحدث في غزّة من استباحة للدّماء وهتكٍ للحرمات وترويعٍ للآمنين، تُعدّ من أفظع المنكرات التي يجب على الأمّة إنكارها بكلّ وسيلة مشروعة، والمظاهرات السّلميّة التي تخرج للتّنديد بهذه الجرائم، وللمطالبة برفع الظّلم وإحقاق الحقّ، تُعدّ من الوسائل المعاصرة التي تدخل تحت مظلّة الإنكار باللّسان، خصوصًا حين يعجز النّاس عن الإنكار باليد أو تغييره بالقوّة.

وقد دلّ الحديث الشّريف على مراتب الإنكار، بقوله r: “من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”[17]؛ ففيه بيان واضح بأنّ الإنكار باللّسان واجب على من لا يملك اليد، والمظاهرة من أبرز صور الإنكار باللّسان الجماعيّ، إذ يجتمع فيها النّاس على كلمة واحدة، وموقف موحّد، يهزّ الضمير العالمي، ويُسمع صوت المظلوم في زحمة الضّجيج الإعلاميّ الموجَّه.

ولا شكّ أنّ الصّمت أمام الظّلم خذلان، والسّكون على الباطل إثم، وقد ذمّ الله تعالى الذين كتموا الشهادة، فقال: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283)؛ والمظاهرة، حين تكون واعية ومنضبطة، هي شهادة حقّ تُعلن في وجه الظالم، وإنكار علنيّ للمنكر، وتعبير جماعيّ عن رفض القهر والعدوان، فتُسهم في بثّ الوعي، وإحياء روح المقاومة، واستنهاض همم الأمّة للقيام بواجبها الشّرعيّ والأخلاقيّ تجاه قضاياها المصيريّة.

  • وسيلة للتّعبير عن الولاء للأمّة

الانتماء إلى جماعة المسلمين، والتّفاعل الحيّ مع قضاياهم، يُعدّ من أركان الولاء الإيمانيّ، ومن مقتضيات الأخوّة الإسلاميّة التي تربط المؤمنين برباط العقيدة والمصير المشترك. وقد عبّر النّبيّ rعن هذا الارتباط الرّوحيّ العميق بقوله: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى”[18]؛ فالتفاعل مع آلام الأمّة، والتّجاوب مع معاناتها، ليس ترفًا شعوريًّا ولا عاطفة عابرة، بل هو دليل حياة الإيمان، ومظهر من مظاهر الولاء الشّرعيّ للجماعة.

والمظاهرات التي تُقام نصرةً لقضيّة عادلة، أو دعمًا لشعب مظلوم، تُجسّد هذا المعنى النّبويّ العظيم؛ لأنها تعبّر عن وحدة الشّعور، وتلاحم القلوب، وتؤكّد أنّ الأمّة، مهما تباعدت أو تفرّقت جغرافيًّا، فإنّها تظلّ كالجسد الواحد، إذا أصيب طرفه تألّمت سائر الأطراف؛ والمشاركة في هذه المواقف الجماعيّة ليست مجرّد حركة ظاهريّة، بل هي إعلان صادق للانتماء، وتأكيد عمليّ على التّراحم والتّعاطف، وتجديد الميثاق الأخويّ الذي تقوم عليه وحدة المسلمين.

فالمظاهرة الواعية تعبّر عن التزام المسلم بقضايا أمّته، ورفضه لعزلته أو حياده السّلبيّ، كما تُظهر للمظلومين أنّهم ليسوا وحدهم، وأنّ في الأمّة من يشاركهم الألم، ويقف إلى جانبهم، ويجعل من صوت الجموع سندًا لقضيّتهم ودرعًا لحقّهم.

  • رفع الصّوت ضدّ الظّالمين وتحريك همم الأمّة واستنهاض القلوب

المظاهرات التي تنطلق رفضًا للظّلم، واحتجاجًا على التّواطؤ أو التّقصير، تُعدّ من الوسائل المؤثّرة في رفع الصّوت بالحقّ، واستنهاض الضّمائر الحيّة في وجه الطّغيان. وقد دلّ الحديث النّبويّ الشّريف على قيمة الجهر بالحقّ، حين قال النّبيّ r: “أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر”[19]، وهذا يشمل كلّ قولٍ أو فعلٍ سلميّ، يُعبّر فيه الإنسان عن موقفه، وينكر فيه الظّلم، ويدافع فيه عن حقوق المظلومين، وخاصّة إذا وُجّه الخطاب إلى الأنظمة الظّالمة أو الجهات المتقاعسة.

ولا تقتصر وظيفة المظاهرات على الإعلان عن الموقف، بل تتجاوزها إلى إيقاظ القلوب، وشحذ الهمم، وتحريك السّاكن في ضمير الأمّة، لا سيّما في زمن تغيب فيه كثير من الأصوات، أو تُكتم فيه الحقائق؛ فهي تثير المشاعر، وتفتح العيون، وتعيد إلى النّاس شعورهم بالمسؤوليّة، وتُسهم في بناء الوعي الجمعيّ بقضايا الأمة، وتغذّي روح التّواصي بالحقّ، والتّحريض المشروع على نصرة المستضعفين.

إنّها دعوة جماعيّة للانتصار للمظلوم، وصيحة في وجه القهر، ورسالة تقول إنّ الأمّة لم تمت، وإنّ في القلوب بقيّة من حياة، وفي الضّمائر جذوة لا تزال قادرة على أن تتّقد حين يُداس الحقّ، ويُستباح العدل، وتُهدر الكرامات.

  • إغاظة العدوّ وإضعاف معنويّاته

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ (البقرة: 217)؛ هذه الآية الكريمة تبيّن لنا حقيقة الصّراع المستمرّ بين المؤمنين وأعداء دينهم الذين يسعون جاهدين إلى إضعاف قوّة المسلمين وإثنائهم عن عقيدتهم؛ وفي هذا السّياق، فإنّ أيّ حركة جماعيّة تؤكّد وحدة المسلمين وتظهر قوّتهم، حتّى وإن كانت بشكل سلميّ، تمثّل ردّة فعل مؤثّرة على أعداء الأمّة، فتشكّل نوعًا من الرّدع النّفسيّ لهم، وتكسر غرورهم.

والمظاهرات السّلميّة تحمل في طيّاتها رسالة قويّة إلى الأعداء، مفادها أنّ الأمة الإسلاميّة لا تزال حيّة، وقادرة على التّحرّك والوقوف صفًّا واحدًا ضدّ محاولات النّيل منها؛ هذه التّحرّكات تعكس قوة الإيمان ووحدة الصّفّ، وتجعل أعداء الأمّة يدركون أنّ المسلمين لن يتراجعوا عن مبادئهم، ولن يخضعوا للظّلم مهما كانت التّحدّيات.

وإظهار قوّة المسلمين وتلاحمهم في مثل هذه الأوقات يسهم في إضعاف معنويّات العدوّ، ويُفقدهم القدرة على التّفوّق النّفسيّ الذي يعتمد عليه كثيرًا في إخماد روح المقاومة؛ فالمظاهرات التي تخرج في لحظات الشّدّة هي بمثابة إعلان عن تمسّك الأمّة بحقوقها، وتعزيز للمقاومة الشّعبيّة التي تُظهر للعالم أنّ المسلمين مستمرون في الجهاد، بالحقّ والصّبر، وأنّهم لا يهابون جبروت الطّغاة.

خاتمة البحث

بعد كلّ ما سبق، خلص البحث إلى أنّ:

* المظاهرات أثبتت على مرّ التّاريخ الحديث أنّها وسيلة فاعلة في التّعبير عن رفض الظّلم ونصرة المظلوم، وكانت قضيّة فلسطين – وغزّة تحديدًا – في قلب هذا الحراك الجماهيريّ.

* المشاركة تُعدّ في المظاهرات الدّاعمة لغزّة من صور النّصرة الواجبة شرعًا، بما تحمله من إظهار للتّضامن، وكسر لصمت الظّالمين، واستنهاضٍ للضّمير الإنسانيّ.

* تراجُع وتيرة المظاهرات في العالم العربيّ لا يعكس بالضّرورة فتورًا في الوجدان الشّعبيّ، بل هو نتاجٌ مركّب لمجموعة من العوامل المتشابكة: القمع الأمنيّ، وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة، وغياب الجهات المنظّمة، والإحباط من الجدوى، وانقسام الخطاب السّياسيّ والإعلاميّ حول القضيّة الفلسطينيّة.

* ما زال الشّارع العربيّ يحتفظ بطاقة كامنة كبيرة يمكن تفعيلها، شرط وجود حريّة نسبيّة، وتأطير جماهيريّ منظّم، وخطاب صادق وموحَّد يذكّر الأمة بواجباتها تجاه القضيّة الفلسطينيّة.

* تفعيل ثقافة التّظاهر السّلميّ وتحريرها من أُطر التّخويف والتّشويه، يمثّل خطوة في تجديد الوعي الشّعبيّ وإحياء روح المسؤوليّة الجمعيّة تجاه قضايا الأمّة.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • بن حجاج، مسلم. صحيح مسلم. القاهرة: دار إحياء الكتب العربيّة، لا ط، لا تا.
  • بن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد. بيروت: دار إحياء التّراث العربي، لا ط، 1993م.
  • الرّازي، محمّد أبي بكر. مختار الصّحاح. بيروت: دار الكتاب العربيّ، لا تا.
  • الرّبيعي، إسماعيل نوري، وآخرون. الاستبداد في نظم الحكم العربيّة المعاصرة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005م.
  • السّويدي، شكري، والفارسي إيهاب. التّحوّل الدّيمقراطيّ في الوطن العربيّ – المحّددات – والمعوّقات. مجلة المعهد العالي للدّراسات النّوعية، يوليو، 2024.
  • سيد‌،‌ رفعت ‌عيد. التّظاهر ‌وانعكاس ‌طبيعتها ‌على ‌التّنظيم‌ القانونيّ ‌في‌ جمهوريّة ‌مصر‌ العربيّة ‌دراسة‌ تحليليّة ‌نقديّة‌.‌ القاهرة‌: ‌دار ‌النّهضة ‌العربيّة‌، ‌2008م.
  • السّيوطيّ، جلال الدّين. تاريخ الخلفاء. الدّوحة: طبعة وزارة الأوقاف القطريّة، ط 2، 2013م.
  • عبد الحميد، حسين، رشوان، أحمد. العلاقات العامّة والإعلام من منظور علم الاجتماع. الإسكندريّة: المكتب الجامعيّ الحديث، لا ط، 2003.
  • القرطبيّ، شمس الدّين محمّد بن أحمد الأنصاري. الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السّنّة وآي القرآن. تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش. بيروت: دار الفكر، لا ط، لا تا.
  • ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنّهاية. الرّياض: دار عالم الكتب، 2003م.
  • بن المبارك، عبد الله. الزّهد. بيروت: دار الكتب العلميّة. لا تا.
  • منظمة العفو الدّوليّة. لنحمِ التظاهر! لماذا علينا حماية حقنا في التّظاهر؟ ط 1، 2022.
  • ابن منظور، محمّد بن مكرم، لسان العرب. بيروت: دار صادر، ط 1، 2000م.
  • نصراوين، ليث. التّجمّع السّلميّ في القانون الأردنيّ والاتفاقيّات الدّوليّة. عمّان- الأردن: دار صادر ناشرون، 2013م.
  • الهناني، علي بن الحسين. المنجد في اللّغة والإعلام. بيروت: دار المشرق العربي، ط 30، 1986م.

المراجع الإلكترونيّة

 

 

 

[1] ابن منظور، لسان العرب، مادّة (ظ ه ر)

[2] القرطبي، تفسير القرطبي، 18/ 174.

[3] محمد أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، ص 171 و407.

[4] علي بن الحسين الهناني، المنجد في اللّغة والإعلام، ص 482.

[5] ليث نصراوين، التّجمّع السّلميّ في القانون الأردنيّ والاتفاقيّات الدّوليّة، ص 238

[6] رفعت‌ عيد سيّد، التّظاهر ‌وانعكاس ‌طبيعتها ‌على ‌التّنظيم‌ القانونيّ ‌في‌ جمهوريّة ‌مصر‌ العربيّة،‌ ص 20.

[7] تقرير موجز لمنظمة العفو الدولية، لنحمِ التّظاهر! لماذا علينا حماية حقّنا في التّظاهر؟ ص 10.

[8] جلال الدين السّيوطيّ، تاريخ الخلفاء، ص 153.

[9] عبد الله بن المبارك، الزّهد، 1/ 179.

[10] ابن كثير، البداية والنهاية، 22/ 36.

[11]  www.islamonlione.net

[12]  http://rasoolway.com

[13] www. islamtoday. net

[14]. إسماعيل نوري الرّبيعي وآخرون، الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، ص 280.

[15] . حسين عبد الحميد، أحمد رشوان، العلاقات العامّة والإعلام من منظور علم الاجتماع، ص 50.

[16] شكري السويدي وإيهاب الفارسي، التحول الدّيمقراطي في الوطن العربي – المحددات – والمعوقات، ص 1202.

[17]مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنّ النّهي عن المنكر من الإيمان، وأنّ الإيمان يزيد وينقص وأنّ الأمر بالمعرف والنّهي عن المنكر واجبان، رقمه 49، 1/ 69..

[18] صحيح مسلم، كتاب البر والصّلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، رقمه 2586، 4/ 1999 – 2000.

[19] أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد، رقمه 18351، 4/ 315.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى