أبحاثاللغة والأدب والنّقد

إشكاليّة التّأويل بين المؤلّف والمتلقّي

إشكاليّة التّأويل بين المؤلّف والمتلقّي

The Problematics of Interpretation between the Author and the Reader

د. محمّد حبلص[1]

Dr.Mohammad Hoblos

        تاريخ الاستلام 16/ 2/ 2026                            تاريخ القبول 21/ 3 /2026

لتحميل البحث بصيغة PDF

الملخّص

يتناول هذا البحث التحوّل المنهجيّ الذي شهده الدّرس اللّغويّ المعاصر، ولا سيّما انتقاله من المقاربات البنيويّة المغلقة إلى آفاق تداوليّة تربط النّصّ بسياقاته التّداوليّة ومقاصده التّواصليّة. وينطلق من مساءلة العلاقة بين المؤلّف والمتلقّي في ضوء المفاهيم التّداوليّة، بوصفها مدخلًا لإعادة النّظر في مفهوم الحداثة الشّعريّة ومعايير الحكم عليها؛ ويسعى البحث إلى إبراز الدّور المركزيّ للسّياق والقصديّة في إنتاج المعنى، مبيّنًا أنّ النّصّ الأدبيّ لا يُفهم بمعزل عن شروطه التّداوليّة ولا يكتمل إلّا بتفاعل المتلقّي معه، كما يكشف عن امتدادات التّداوليّة في التّراث النّقديّ العربيّ، بما يدلّ على أصالة هذا المنظور وإن اختلفت تسمياته.

ويخلص البحث إلى أنّ شرعيّة الحكم على حداثة القصيدة لا تنفرد بها ذات المؤلّف، بل تتشكّل في فضاء تفاعليّ يجمع بين قصد المبدع وأفق انتظار القارئ، في إطار علاقة حواريّة تُعيد المكانة للنّصّ بوصفه فعلًا تواصليًّا حيًّا.

الكلمات المفتاحيّة: التّأويل – المتلقّي – التّداوليّة – الإبداع – القصيدة.

Abstract

This study examines the methodological shift that has taken place in contemporary linguistic inquiry, particularly the transition from closed structural approaches to pragmatic perspectives that foreground context, intentionality, and communicative function. It investigates the evolving relationship between the author and the reader through the lens of pragmatics, positioning this relationship as a central axis for reassessing the concept of poetic modernity. The study emphasizes the pivotal role of context and speaker intention in the construction of meaning, arguing that literary texts cannot be fully understood in isolation from their situational and communicative frameworks.

Furthermore, the research highlights the deep roots of pragmatic thought within the Arab critical heritage, demonstrating that many of its core principles were implicitly present despite differences in terminology and theoretical formulation. It ultimately contends that the authority to judge the modernity of a poem does not reside solely with the author, but rather emerges from an interactive space shaped by both authorial intention and the reader’s horizon of expectations. Through this dialogic relationship, the text is reconstituted as a dynamic communicative act rather than a closed aesthetic entity. The study thus affirms the value of a pragmatic approach in literary analysis, viewing it as a comprehensive framework that reconciles textual structure with communicative purpose and renews the interpretive potential of literary discourse.

Keywords: Interpretation – Reader – Pragmatics – Creativity – Poem.

المقدّمة

يشهد الحقل اللّسانيّ المعاصر تحوّلًا نوعيًّا في طرائق مقاربة النّصوص الأدبيّة والخطابات اللّغويّة، إذ اتّجه الباحثون إلى تجاوز النّظريّات البنيويّة التي حصرت الدّرس اللّغويّ في حدود البنية والتّركيب، ليظهر منهجٌ جديد يقوم على ربط اللّغة بمستعمليها، وبالسّياقات التي تنتج فيها وتُتَلقّى ضمنها؛ وفي هذا الإطار برزت التّداوليّة (Pragmatics)  بوصفها أحد المناهج اللّسانيّة التي غيّرت جذريًّا نظرتنا إلى النّصّ، وإلى العلاقة بين المؤلِّف والمتلقّي، وجعلت من فعل القول ممارسة اجتماعيّة وثقافيّة تُفهم بالقصديّة، والمقام، ومجمل الظّروف الزّمانيّة والمكانيّة التي تُحيط بالخطاب.

لقد سمح هذا التّحوّل للدّارس العربيّ أن يعيد قراءة تراثه النّقديّ والبلاغيّ في ضوء آفاق تداوليّة جديدة؛ لتكشف أنّ كثيرًا من مبادئ التّداوليّة كانت حاضرة في التّراث، وإن اختلف المصطلح وتبدّلت الآليّات. ومن هنا، يجيء هذا البحث ليسهم في إعادة ترتيب العلاقة بين النّصّ ومقاصده من جهة، وبين المتلقّي وسلطته التّأويليّة من جهة أخرى، في ضوء سؤال نقديّ بالغ الحساسيّة: من يملك شرعيّة الحكم على حداثة القصيدة؟ المؤلّف أم المتلقّي؟

انطلاقًا ممّا سبق، يطرح هذا البحث عدّة تساؤلات:

  1. ما ماهيّة التّداوليّة لغةً واصطلاحًا، وما الذي أضافته إلى تحليل النّصوص الأدبيّة؟
  2. كيف تُسهم التّداوليّة في إعادة توزيع الأدوار بين المؤلّف والمتلقّي؟
  3. هل يمتلك الشّاعر حقّ الحكم على حداثة نصّه، أم أنّ سلطة الحكم تنتقل إلى المتلقّي بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى؟
  4. كيف يُسهم فهمنا لجدليّة المؤلّف/المتلقّي في إرساء شرعيّة نقديّة جديدة أكثر موضوعيّة وعمقًا؟

يهدف هذا البحث إلى استجلاء الأسس النّظريّة للتّداوليّة عبر تحديد ماهيّتها وتتبّع تطوّرها ومساحتها العلميّة في الدّرس اللّسانيّ المعاصر، بوصفها إطارًا معرفيًّا يعيد رسم حدود المعنى ووظائفه، وينطلق البحث من إبراز الدّور المحوريّ للسّياق والقصديّة في تشكيل الدّلالة وتوجيه القراءة النّقديّة، بوصفهما عنصرين فاعلين في تحديد كيفيّة تلقّي الخطاب، كما يسعى إلى الكشف عن طبيعة العلاقة الجدليّة بين المؤلّف والمتلقّي، وتحديد الأدوار التي ينهض بها كلّ منهما في إنتاج المعنى؛ بحيث لا ينفرد النّصّ بسلطة منشئه، ولا يفقد في المقابل حضوره أمام قارئه؛ ومن خلال ذلك، يبيّن البحث المعايير التّداوليّة التي تجعل حكم المتلقّي على حداثة القصيدة أكثر موضوعيّة من حكم صاحب النّصّ، استنادًا إلى مسافة التّلقّي وحياد التّجربة القرائيّة.

وانطلاقًا من جميع ما تقدّم، يتطلّع هذا البحث إلى تأسيس رؤية نقديّة تُعيد الدّور للمتلقّي بوصفه عنصرًا بنائيًّا في العمليّة الأدبيّة وشريكًا أصيلًا في صناعة الدّلالة، لا مجرّد قارئٍ متلقٍّ أو مستهلك للنّصّ.

وتجدر الإشارة إلى أنّه اعتمدنا المنهج الوصفيّ التّحليليّ في عرض المفاهيم اللّسانيّة وشرح مبادئ التّداوليّة، كما اعتمدنا المنهج التّداوليّ في تحليل النّصوص والنّماذج المقترحة، وجرى تطبيق هذين المنهجين في دراسة العلاقة بين الشّاعر والمتلقّي، وتحليل الأسس التي تقوم عليها شرعيّة الحكم على حداثة القصيدة.

المبحث الأوّل: ماهيّة التّداوليّة

  • التّداوليّة لغة

وردت مادّة (د و ل) في المعاجم العربيّة؛ فجاء في كتاب مقاييس اللّغة: “أحدهما يدلّ على تحوّل شيء من مكان إلى آخر، والآخر يدلّ على ضعف واسترخاء، فقال أهل اللّغة: اندال القوم، إذا تحوّلوا من مكان إلى مكان، تداول القوم بينهم: إذا مار من بعضهم إلى بعض”[2]؛ وقيل: “دَوَل دالت له الدّولة، ودالت الأيّام بكذا، وأدال الله بني فلان من عدوّهم، جعل الكثرة لهم عليهم، وأديل المؤمنون على المشركين يوم بدر، وأديل المشركون على المسلمين يوم أحد، والله يداول الأيّام بين النّاس مرّة لهم، ومرّة عليهم، والدّهر دول وعقب ونوب، وتداول الشّيء بينهم والماشي يداول بين قدميه، يراوح بينهما”.[3]

ويقول الشّاعر:

لكلِّ شَيءٍ إذا ما تمَّ نُقصانُ                    فَلا يُغَرَّ بِطَبيبِ العَيْشِ إِنْسانُ

هِيَ الأُمورُ كَما شاهدتُها دولٌ                   مَنْ سَرَّهُ  زَمنٌ  ساءَتْهُ  أَزْمانُ[4]

كلمة دول هنا تعني التّداول، فالذي يفرح بزمن تأتي عليه أزمان تُسيء إليه وتُحزِنُه وهذا دليل على معنى التّغيير؛ من هنا، نفهم أنّ التّداوليّة هي الانتقال من حال إلى حال هي التّغيير.

وجاء في المفهوم المعاصر للحكم معنى الدّولة، والدّولة من حيث التّسمية تختلف عن معنى الجمهوريّة أو المملكة أو الإمارة، وما إلى ذلك، فكلمة دولة تحمل معنى التّداول، أي تداول السّلطات، فالسّلطة تنتقل من شخصٍ إلى آخر، وهكذا.

والتّداوليّة نسبة إلى التّداول، والتّداول هو مصدر للفعل تداولَ، تداول الأمر تداولًا، وتداول الشّخصان الأمر، أي انتقل من واحد إلى آخر تشاركيًّا بينهما؛ وتداول الشّعب السّلطة، أي أنّ السّلطة تنتقل من فئة إلى فئة، ومن حزب إلى حزب، ومن شخص إلى شخص، ولا تنحصر حينئذٍ بفئةٍ، أو بحزبٍ، أو بأسرةٍ حاكمةٍ.

وورد في القرآن الكريم: ﴿  َتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ ١٤٠﴾(آل عمران: 140)، أي ننقلها من جيل إلى جيل، من شعب إلى شعب، من أمّة إلى أمّة مغيّرين ومبدّلين؛ كما نلحظ الانتقال من حال إلى حال، ونلحظ معنى الحركة وعدم الثّبات، فالأيّام عند ربّنا ليست جامدة وثابتة بل متداولة، وبسبب تداولها تتغيّر أنماط البشر والحضارات.

ب- التّداوليّة اصطلاحًا

إنّ كلمة التّداوليّة تدلّ في الغالب على “ما له علاقة بالأعمال والوقائع الحقيقيّة، وهكذا فإنّ الحقل الذي فتحه هذا الاختصاص العلميّ المسمّى تداوليّة، ضخم، وتلقى فيه الأعمال الهامشيّة التي لا تنتمي إلى الاختصاصات المؤسسيّة وهي اللّسانيّات وعلم الاجتماع والإنتربولوجيا وعلم النّفس الاجتماعيّ والدّلاليّة…”[5].

التّداوليّة هي نظريّة ألسنيّة جاءت بإضافات فاعلة ومهمّة في عمليّة تلقّي النّصّ، والتّفاعل معه واستنباط ما فيه من رسائل ومعاني؛ إنّها مذهب لسانيّ يدرس علاقة النّشاط اللّغويّ بمستعمليه، وكيفيّة استخدام العلاقات اللّغويّة، والسّياقات، والطّبقات المقاميّة (المكانيّة) المختلفة التي يُنجز ضمنها النّصّ والخطاب.

وتعريف التّداوليّة يتضمّن أركان عمليّة التّواصل من متحدّث، أو منشئ/ مرسل، ورسالة، وسامع، أو متلقّ/ مرسل إليه؛ فالأصوات مميّزة بالسّمع، ووسيلة السّمع الأذن، ثمّ وفاء اللّغة بحاجة أصحابها في كلّ الظّروف والمناسبات، كما أنّ لها القدرة على الآداء والاستمرار؛ وذلك بما لها من خصائص كامنة في عناصرها[6].

إنّ مفهوم الفعل الكلاميّ لا يتّضح ولا ينجلي إلّا بالرّجوع إلى نظريّة الأفعال الكلاميّة التي جاء بها الفيلسوف المعاصر جون أوستن، وطوّرها تلميذه الفيلسوف جون سير، فقد تعمّق أوستن في إنجاز فلسفة دلاليّة تهتمّ بالمضامين والمقاصد والتّواصليّة، وتختلف عمّا عرفناه عند علماء الدّلالة اللّغويّين، وخصوصًا البنيويّين منهم.

فقد كان أوستن يُلِحّ على القيمة التّداوليّة لعباراتٍ لغويّة كثيرة تستخدم في اللّغة الإنكليزيّة، وربّما في كلّ اللّغات، فقد أدخل مفهوم القصديّة في فهم كلام المتكلّم، وفي تحليل العبارات اللّغويّة، وهو مبدأ أخذه من الفيلسوف “إدموند هيسور”، والظّاهراتيّين، وتتجلّى مقولة القصديّة في التّراكيب اللّغويّة ومراعاة غرض المتكلّم والمقصد العامّ من الخطاب.

بمعنى أنّ الفعل الكلاميّ يعني التّصرّف أو العمل الاجتماعيّ أو المؤسّساتيّ الذي يُنجزه الإنسان بالكلام، ومن ثَمَّ فالفعل الكلاميّ يُراد به الإنجاز الذي يؤدّيه المتكلّم بمجرّد تلفّظه بملفوظات معيّنة؛ ومن أمثلته: الأمر والنّهي والوعد والسّؤال والتّعيين والتّعزية والتّهنئة. هذه كلّها أفعال كلاميّة.

وإذا طبّقنا هذا المعنى على اللّغة العربيّة، فإنّ المقاصد والمعاني والإفادات التي تُستفاد من صيغ التّواصل العربيّ وألفاظه كمعاني الأساليب العربيّة المختلفة خبريّةً كانت أم إنشائيّة، ودلالات حروف المعاني، وأصناف أخرى من الصّيغ والأساليب العربيّة هي التي تمثّل نظريّة الأفعال الكلاميّة في التّراث العربيّ.

ج- النّظريّة التّداوليّة

النّظريّة التّداوليّة تفيد معنى المشاركة والتّفاعل والممارسة؛ ومن مفاهيم التّداوليّة أن يُحدث القول في نفس المتلقّي تفاعلًا؛ فكما أنّ التّداوليّة تعني المشاركة في السّلطة بين الفئات والأطياف، كذلك يجب أن يتشارك الكاتب والمتلقّي في صناعة النّصّ.

فالكاتب يصنع النّصّ أوّلًا ثمّ يتلقّاه المتلقّي ويصنعه ثانيةً من خلال الاستيعاب والاستنباط، ومن خلال تفكيك الجزئيّات (جزئيّات النّصّ) ثمّ تحليل الجزئيّات في سياقها المنفرد، ثمّ تحليل الجزئيّات في سياقها العامّ؛ ليتسنّى لهذا المتلقّي أن يفهم مفهوم التّداوليّة على خير ما يُرام.

وحتّى يصل المتلقّي إلى هذا الفهم لا بُدّ أن يراعي في التّداوليّة مسألة القصديّة؛ فيجب عليه أن يتّصل بالكاتب، ليستطيع أن يصل إلى قصد الكاتب، وإلى الغاية التي رمى إليها، وليصل المتلقّي إلى قصديّة الكاتب، ينبغي عليه ألّا يتعامل مع الحدود الخارجيّة للنّصّ، كما كان عند تشومسكي، حيث من شروط التّداوليّة أن يكون القول موصولًا بالفعل، وإلّا كان كلامًا نافقًا لا فائدة منه، أي كلامًا بغير مضمون وبغير معنى.

والمقصود بكون القول موصولًا بالفعل، أي أن يرتبط التّركيب الخارجيّ بالمضمون، والتّراكيب الخارجيّة تعني البنية النّحويّة، أي لا نكتفي فقط بالوقوف عند حدود التّركيبة والبنية النّحويّة في دراسة النّصّ دراسة تداوليّة؛ فالتّداوليّة تفرض علينا أن نتجاوز البنية النّحويّة وأن نتعامل مع المضمون؛ نذكر على سبيل المثال، الأستاذ الذي كان يدرِّس تلاميذه بيتًا لأبي نوّاس يتحدّث فيه عن الخمر مخاطبًا النّادل:

أَلا فاسْقِني خَمْرًا، وَقُلْ لي: هيَ الخَمْرُ                      وَلا تَسْقِني سِرًّا إِذا أَمْكَنَ الجَهْرُ[7]

قال الأستاذ لطلّابه: الحواسّ خمس: اللّمس وقد لمس الشّاعر الكأس حين قال للنّادل: “أَلا فاسْقِني خَمْرًا”، فلا يستطيع أن يشربها إلّا إذا أمسك بالكأس، ثمّ هو ينظرها، ويراها، وهنا حاسّة ثانية وهي حاسّة النّظر، ثمّ يشمّها وهنا حاسّة ثالثة وهي حاسّة الشّمّ، ثمّ يتذوّق الخمر وهنا حاسّة رابعة وهي حاسّة التّذوّق، فبقيت الحاسّة الخامسة مفقودة وهي حاسّة السّمع، ولهذا قال الشّاعر للنّادل: “أَلا فاسْقِني خَمْرًا، وَقُلْ لي: هيَ الخَمْرُ”؛ لكي يسمع، فتشترك حاسّة السّمع مع سائر الحواسّ، حتّى يتذوّق الخمر بكلّ حواسّه.

وإذ بأبي نوّاس يُعجب ويُذهل بهذا الشّرح الذي سمعَه من الأستاذ المُبدع، فقال له: “قوّلتني ما لم أقله وجعلتني أقصد ما لم أقصده”؛ وهذه هي القصديّة في مفهوم التّداوليّة؛ وهذا المثال يندرج ضمن مفهوم نظريّة الهرمنيوطيقا لشلاير ماخر، وهي عنده باختصار شديد: فنّ الفهم، والفهم عند شلاير ماخر، بوصفه فهمًا، هو عمليّة إعادة معايشة للعمليّات الذّهنيّة لمؤلّف النّصّ، فهي عكس التّأليف؛ لأنّها تبدأ من تعبير ثابت ومكتمل، وتعود القهقرى إلى الحياة الذّهنيّة التي نبع منها[8].

يجب على الشّارح والدّارس أن يعمل بحرّيّة مُطلقة، لا يخاف من حدود النّصّ؛ بل حين يتعامل مع النّصّ بهذه الحرّيّة، وبهذه الجرأة، وبهذه الثّقة، فهو لا يُخرّب بل يبدع ويستنبط، ويأتي بإضافات لم يصل إليها الكاتب حين وضع نصّه.

وهذا دليل على أنّ التّداوليّة هي نظريّة تعمل على الإبداع، وهي تُعطي المتلقّي دورًا إبداعيًّا، لا يقلّ أهمّيّة عن دور الكاتب نفسه؛ فردّة فعل أبي نوّاس هي ردّة فعل إيجابيّة، وفيها إعجاب حين قال: “قوّلتني ما لم أقله وجعلتني أقصد ما لم أقصده”.

وتمسّكت النّظريّة التّشومسكيّة باستقلاليّة التّركيب، فجاءت التّداوليّة لتتجاوز التّشومسكيّة، وتدرس العلاقات بمستعمليها والجمل بالمتكلّمين؛ فالتّداوليّة هي تجاوز للنّظريّات التي كانت قبلها والتي كانت لا تولي أهمّيّة للمتلقّي، كما أنّ نظريّاتٍ محدودة كانت تولي أهمّيّة للتّركيب الخارجيّ أكثر من المضمون، وأكثر من المعاني؛ ولهذا من شروط التّداوليّة أن يكون القول موصولًا بالفعل؛ فالقول هو تركيب، والفعل هو مضمون. وأن يكون القول موصولًا بالفعل، يعني أن يكون التّركيب الخارجيّ موصولًا بالمضمون.

وهذا الشّرط الذي تشترطه التّداوليّة للتّعامل مع النّصّ يردّنا إلى الألسنيّين واللّغويّين من أسلافنا في تاريخنا العربيّ الذي كان عندهم ما يُشابه هذا القول؛ فعبد القاهر الجرجانيّ مثلًا رأى أنّ الكلمة لا تكتسب قيمتها إلّا في السّياق، والتّداوليّة تولي أهمّيّة للسّياق، فبغير التّعامل مع السّياق لا يمكن أن نفهم لا القول، ولا العبارة.

ولهذا نجد أنّ مفسّري القرآن الكريم عبر العصور القديمة من أسلافنا المجتهدين والفقهاء أولوا أهمّيّة لهذه السّياقيّة؛ فالعرب كانوا يطبّقون ما جاءت به التّداوليّة، وإن لم يكونوا يعرفونها مصطلحًا ألسنيًّا، أو مدرسة ألسنيّة، بدليل كان عند مفسّري القرآن وشارحيه ما يُعرف بأسباب نزول الآيات، فكانوا حتّى يفسّروا آية معيّنة يقفون عند أسباب النّزول، ولا يعزلونها، ولا يتعاملون معها منعزلة عن سياقها.

والسّياق في التّداوليّة هو سياق تركيبيّ خاضع لسياق زمانيّ ومكانيّ؛ إذ يرتبط السّياق اللّغويّ ارتباطا وثيقًا بالزّمان والمكان، ولهذا انطلق مفسّرو القرآن من أسباب نزول الآيات من أجل فهمها وشرحها؛ وانطلاقًا من ذلك، فإنّ دلالة بعض الآيات قد تتبدّل من حيث الفهم باختلاف الأزمنة، لتحوّل السياقات المحيطة به؛ إذ يتغيّر الزّمان والمكان، ويتبدّل معهما العصر العامّ، وهو ما توليه التّداوليّة عنايةً خاصّة في تحليل الخطاب.

وفي ضوء هذا التّصوّر، تُعدّ الآيات القرآنيّة، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالتّشريع والتّحليل والتّحريم، وثيقة الارتباط بأسباب نزولها؛ إذ لا يُستقام فهمها على الوجه الصّحيح إلّا باستحضار السّياق الزّمانيّ والمكانيّ الذي نزلت فيه؛ ومن ذلك قوله تعالى في شأن الخمر: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ ٤٣﴾[النساء: 43]، فهذه الآية لا تفيد تحريم شرب الخمر تحريمًا قاطعًا، بل جاءت مرحلةً تمهيديّةً تراعي واقع النّاس آنذاك وتدرّجهم في التّشريع؛ وعليه، تتجلّى أهمّيّة الوقوف على أسباب النّزول، إذ بها يُفهم لماذا جاء الحكم على هذا النّحو، وفي ذلك الزّمن بعينه؛ وإغفالها يفضي إلى تفسير قاصر لا يحقّق مقاصد النّصّ، ولا يكشف حكمته.

ولا بدّ من الأخذ بهذا الشّرط الذي تشترطه التّداوليّة، والمتمثّل في ربط القول بالفعل، وربط النّصّ بسياقه المكانيّ والزّمانيّ الذي كُتب فيه؛ إذ إنّ إغفال هذا التّرابط يُفقدنا البوصلة التي نهتدي بها إلى مقاصد النّصّ، وبالإضافة إلى الزّمان والمكان اللّذين تهتمّ التّداوليّة بهما كثيرًا، هناك السّياق العامّ للعصر، أي العصر الذي كُتِب فيه النّصّ ووُضِع.

ومن هنا، تتجلّى الكتابة بوصفها صناعة روحانيّة، أي إنّها تجسيد بالحروف للصّور الباطنة[9]؛ فإذا قرأنا معلَّقة من معلّقات العصر الجاهليّ نستطيع أن نعيش روح العصر الاجتماعيّة والقِبليّة والسّياسيّة والتّرفيهيّة من خلال تلمّس المعاني وربطها بالحقبة التي قيلت فيها من خلالها ومن خلال المكان والزّمان أيضًا؛  وعلى هذا النّحو تغدو القصيدة الجاهليّة أشبه بمشهدٍ حيّ يعيد تمثّل ذلك الزّمن، وكأنّ القارئ يشاهده رأي العين؛ وكذلك الشّأن في نصوص صدر الإسلام، ثمّ العصر الأمويّ، فالعبّاسيّ، وصولًا إلى عصرنا الحاضر، حيث يظلّ النّصّ مرآةً لعصره، لا يُفهم حقّ الفهم إلّا في ضوء سياقه الشّامل.

فمن هذا المنظور، تغدو قصيدة محمود درويش نافذةً حيّةً على معاناة الفلسطينيّ في أرضه، كما في منافي اللّجوء والتّشردّ؛ فعند قراءة شعره، تتكشّف ملامح العنف والهمجيّة التي يمارسها المعتدي بكلّ قسوته، في صورٍ شعريّة نابضة تنقل الألم من حيّز الخبر إلى حيّز المعايشة؛ وهكذا، تُدخل القصيدة الدرويشيّة القارئ في عمق التّجربة، فتجعله يعيش القضيّة الفلسطينيّة بكلّ أبعادها الإنسانيّة والتّاريخيّة؛ يقول:

أيها المارّون بين الكلمات العابرة
منكم السّيف – ومنّا دمنا
منكم الفولاذ والنّار- ومنّا لحمنا
منكم دبّابة أخرى- ومنّا حجر
منكم قنبلة الغاز – ومنّا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصّتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشّهداء
و علينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء[10]

فالتّداوليّة إذًا تولي أهمّيّة للسّياق العامّ للعصر، فيجب أن يتعامل المتلقّي مع النّصّ من خلال ربطه بهذا السّياق. فكيف سنفهم قصيدة جاهليّة مثلًا إذا عزلناها عن عصرها؟! وانطلاقًا من هذا المبدأ، يجب أن نتعامل مع النّصّ انطلاقًا من السّياق العامّ العصريّ الذي كُتِبَ فيه، ثمّ نفتح نافذةً على الحالة النّفسيّة للكاتب، فالحالة النّفسيّة للكاتب تفيدنا في التّعامل مع النّصّ والوصول إلى قصديّة صاحبه؛ وكما أنّ للكاتب قصديّة، كذلك للمتلقّي قصديّة يسعى إليها، ويجب ألّا يخاف أو يُحسّ بأنّه أخفق حين يرى أنّ قصديّته اختلفت عن قصديّة الكاتب.

وعليه، فإنّ الغاية من التّداوليّة هو أنّ نتلقّى النّصّ تلقّيًا إبداعيًّا، وأن نتشارك مع صاحبه ونحن نقرأه. فكما أنّ التّداوليّة في السّلطة تعني المشاركة كذلك التّداوليّة في التّعامل مع النّصّ تعني المشاركة، لا بدّ من التّشاركيّة بين المتلقّي وبين صاحب النّصّ.

المبحث الثّالث: بين المؤلّف والمتلقّي: جدليّة الحكم على حداثة القصيدة وشرعيّة النّقد

  • أولويّة المتلقّي في الحكم على حداثة القصيدة

من يحكم على حداثة القصيدة، الشّاعر أم المتلقّي؟ وهل صانع الشّيء جدير بالحكم عليه؟

إنّ حكم المتلقّي على حداثة القصيدة هو الأصدق؛ لأنّه هو الذي يتلقّى النّصّ ويتفاعل معه إحساسًا وعاطفةً وذوقًا فنّيًّا، فالمؤلّف في عمليّة التّأليف كالصّانع الذي يطرح ما ينتج في السّوق، فإمّا يلاقي الرّواج أو الكساد والحكم حينئذٍ للجمهور المقبل على المنتج الصّناعيّ؛ والمؤلّف شاعرًا كان أو أديبًا أو ممّن يمارسون صنعة الكتابة، يقف أمام جمهور المتلقّين ليسمع نصّ الحكم على صناعته، ولا يحقّ للمؤلّف أن يحكم على مؤلَّفه فالحكم حينئذ يأتي مشوّهًا والنّطق فيه يكون عن الهوى ولا يكون عن النُّهى؛ ولو كان حكم المؤلّف على مؤلَّفه صحيحًا لكانت المؤلّفات تتساوى، ولكان المؤلّفون جميعًا يتبوّأون الرّتبة نفسها، ولكنّ المؤلِّف ليس له دورٌ في إطلاق الحكم على مؤلَّفه.

لذلك، إنّ قياس الحكم على المؤلَّف هو قياس عقليّ، إذ لا يكون الحكم على شيء إلّا صادرًا عن العقل مجرّدًا من العاطفة والهوى؛ وعلى النّاقد ألّا يستعمل أسلوب الإكراه، وألّا يُصدر الأحكام بأفضليّة، وأن يوضّح، وسيكون القارئ الحَكَم الصّحيح لنفسه[11]؛ وإنّ اعتماد الهوى في الحكم يشوّه الحقيقة، بل يقتلها ويضع مكانها ما يناقضها في الشّكل والمضمون؛ ولأنّ الحكم يرجع إلى العقل دائمًا، والعقل هو صانع الذّوق، فإنّنا نجد عبر مراحل التّاريخ مؤلّفين كثيرين كانوا يستطيعون بقوّتهم السّياسيّة والعشائريّة أن يحتلّوا مكانة عالية وثابتة في تاريخ الأدب وتاريخ الكتابة؛ ولكنّهم ما استطاعوا برغم قوّتهم وسلطتهم؛ فالحكم على المؤلَّف الأدبيّ، كما أسلفنا، ليس بيد صاحبه، بل هو بيد جمهور المتلقّين.

ب- المتنبّي نموذجًا لسلطة المتلقّي وتجاوز المؤلّف

على الرّغم من أنّ المتنبّي لم يملك سلطة أبي فراس الحمدانيّ السّياسيّة والعشائريّة والعسكريّة، ولكنّه تفوّق عليه شعرًا، فسلطة أبي فراس لم تجعله يكافئ أبا الطّيّب بلاغة وبيانًا وفنًّا وصورةً، وهذا الانهزام أمام شاعريّة المتنبّي جعله يحقد عليه ويحسده؛ فالمتنبّي امتلك السّلطة الأقوى والأبقى وهي سلطة الشّعر سلطة الكلمات، وهيمن بها على ألباب القارئين والسّامعين، وغيرة الحاسدين للمتنبّي سببها إدراكهم أنّ الحكم على شاعريّته لا يعود إليهم، بل يعود إلى المتلقّين، وأنّ المكانة الشّعريّة الرّفيعة التي ينالها الشّاعر هو يصنعها بعبقريّته ولغته وأسلوبه، ولا يكتسبها من سلطة سياسيّة أو عشائريّة أو عسكريّة أو ماليّة؛ والواقع أنّ اللّغة هي أشبه بحقل فارغ خصب، والشّعر هو الفلّاح الموهوب الذي يستنبت منه أشجار الرّمّان والمشمش واللّيمون[12].

ولقد أدرك خصوم المتنبّي أنّه يكتب لغة شعريّة جديدة لم يكتبها أحد قبله أو أحد من معاصريه، وهذه اللّغة الشّعريّة الجديدة التي ابتدعها المتنبّي في عصره كانت حقًّا أساس الحداثة في الشّعر العربيّ، وما زالت تحرّض من يريد أن يخالف الشّعراء النّمطيّين في كتابته الشّعريّة، وستبقى لغة المتنبّي النّهر الذي لا ينضب، ستبقى النّهر الذي يغترف منه الشّعراء ويملأون الجرار؛ ألم ير المتنبّي أنّ الشّعراء من سابقيه ومعاصريه هم صدى شعره وكلماته؟! يقول:

ودعْ كلّ صوتٍ غير صوتي، فإنّني                          أنا الطّائر المحكيُّ والآخر الصّدى[13]

إنّ الشّعراء جميعًا هم مقلِّدوه، وصوتهم صدى لصوته، هو الينبوع الدّافق، هو الطّائر المغرّد وليس المقلّد؛ فهذا البيت يطرح إشكاليّة الفرق بين الإبداع والتّقليد في الشّعر، إذ إنَّ الطّائر المحكيّ يمثّل الشّاعر المبدع المجيد والآخر يمثّل الشّاعر المقلّد؛ واسم المفعول (المحكيّ) في البيت يوجب وجود الحاكي، وبين المحكيّ والحاكي إشكاليّة الإبداع والتّقليد. والمتنبّي في هذا البيت هو الشّاعر والنّاقد معًا، والحاكم الذي قضى بإلغاء كلّ شعرٍ غير شعره، وهو في هذا البيت لا يُلغي شعر سابقيه ومعاصريه وحسب، وإنّما يُلغي شعر لاحقيه، فكلّ صوتٍ غير صوته – من غير تحديد الزّمان والمكان- هو حكاية لصوته؛ فهو “روح جامحة، تيّاهة، تتلاقى فيها أطراف الدّنيا. إنّه وحيد، بل الوحيد، فوحدته قدر محتوم؛ لأنّ الإنسان خليل نفسه، كلّ متفرّد وحيد، كلّ وجود خلّاق وحيد، الرّيح وحدة كانسة، الأرض وحدة صامتة، السّماء وحدة متلألئة معتمة، المتنبّي وحدة غاضبة لا يرضيها شيء”[14].

ولم يكن المتنبّي كغيره من شعراء زمانه، فهو يقول الشّعر مجرّدًا من المعرفة النّقديّة والفنّيّة، يقوله محمّلًا بآرائه النّقديّة وحكمه ونظرته الفلسفيّة إلى الأشياء، كان يقول الشّعر سعيًا إلى الإبداع الذي لا يدركه غيره من الشّعراء؛ وهذه المعرفة النّقديّة والفنّيّة التي امتلكها المتنبّي في كتابة الشّعر هي التي حقّقت له التّفوّق على جمهور الشّعراء، وجعلته يوثر شعره على كلّ شعر يأتي بعده بثقةٍ راسخةٍ ثابتة لا تزعزعها آراء الحاسدين والخصوم:

ولا تبال بشعرٍ بعد شاعرِه                        قد أُفسِد القولُ حتّى أُحمدَ الصّمَمُ[15]

إنّ المؤلّف في هذا البيت على الرّغم من ثقته الكبيرة بشاعريّته المتميّزة يحتكم إلى رأي المتلقّي في تأكيد جودة شعره وإيثاره على شعر غيره، وكأنّ المؤلّف في هذا البيت يؤكّد أنّ الرّأي الفصل في الحكم على جودة الشّعر أو رداءته يعود إلى المتلقّي وحده، وأنّ المؤلّف لا يستطيع أن يحكم على إنتاجه الأدبيّ أو الفكريّ؛ لأنّ حكمه حينئذٍ يأتي ناقصًا وبعيدًا عن الموضوعيّة والحقيقة، نابعًا من الهوى وإيثار الذّات.

ففي هذا البيت يخاطب الشّاعر المتلقّي: (ولا تبالِ)، في إشارة إلى أنّ مبالاة المتلقّي بالشّعر هي التي تمنحه القوّة والشّهرة والانتشار؛ ومن هنا، يظهر أنّ أبا الطّيّب، على الرّغم من غلوّه في تعظيم شاعريّته، كان واقعيًّا في احتكامه إلى المتلقّي، إذ إنّ هذا التّعظيم الشّاعر لشاعريّته، إنّما يصدر عن نرجسيّته واعتزازه بصنعته الفنّيّة، ولكنّه في مسألة الحكم أدرك أن لا حكم يُلغي حكم المتلقّي، أو يعقبه فهو الحاسم بين الزّيف والحقيقة، الفاصل بين الجودة والرّداءة.

وبناء على ذلك، كان المتنبّي حين يكتب الشّعر يسعى إلى الاستيلاء على إحساس المتلقّي وذوقه الفنّيّ إدراكًا منه أنّ خلود الشّعر لا يصنعه الشّاعر وحده مهما غلا وأطنب في مدح ذاته الشّعريّة، إنّما يصنعه المتلقّي بحفظه ونقله بواسطة الرّواية إلى الأجيال الجديدة؛ وفي هذا السّياق، يغدو القارئ محورًا رئيسًا في عددٍ من الاتجاهات النقديّة الحديثة، ولا سيّما في نقد استجابة القارئ، أو اتّجاهات ما بعد البنيوية التّفكيكيّة والتّأويليّة والسّيميولوجيّة والقراءة والتّلقّي، وشكّلت فاعليّة القراءة المهمّة المركزيّة للنّقد المتمحور حول القارئ؛ ومع ذلك، فإنّ هذه الاتّجاهات على الرّغم من انضوائها تحت عنوان «استجابة القارئ»، لا تمثّل نسقًا نقديًّا موحّدًا من حيث المفاهيم والمنطلقات والأدوات، إلّا أنّها تكاد تجتمع في الاعتراض على الرّأي القائل: إنّ المعنى كامن في النّصّ الأدبيّ، وترفض حصر المعنى بالنّصّ، وتميل إلى الاعتقاد بأنّ القارئ هو الخالق الحقيقيّ للمعنى[16].

إنّ المتنبّي إذ أدرك أهمّيّة المتلقّي في تخليد الشّاعر والشّعر معًا، راح يستفزّه بغلوّه في التّعبير عن نرجسيّته المتفرّدة بين الشّعراء النّرجسيّين الذين سبقوه وعاصروه وأتوا بعده؛ وبرأيي ستبقى نرجسيّة المتنبّي متفرّدة، فلا يستطيع شاعر أن يتمثّل صفاته الشّعريّة والفنّيّة، ولكنّ استفزاز المتنبّي للمتلقّي بتعبيره عن نرجسيّته لم يكن أجوف، إنّما أتى فنّيًّا وإبداعيًّا ليؤكّد فرادته في قول الشّعر، ولولا أنّ الشّاعر عبّر عن نرجسيّته فنّيًّا وإبداعيًّا بأسلوبٍ فريد لما كان له أن يستفزّ المتلقّي ويجعله في دهشة وذهول، فيحفظه ويدرسه وينشره في أصقاع الدّنيا حتّى صحّ فيه قول ابن رشيق: “المتنبّي مالئ الدّنيا وشاغل النّاس”[17].

لم يكن المتنبّي بنرجسيّته المفرطة يملأ فراغًا في شخصيّته، ولم تأتِ نرجسيّته نتيجة لشعوره بالنّقصان، أو نتيجة لحالة مرضيّة نفسيّة أوهمته بأنّه أفضل من غيره ومتميّزٌ إبداعًا عن الشّعراء كافّة؛ بل جاءت نرجسيّة متوافقة مع عظمته الشّعريّة وقدْره في المجتمع؛ ولو لم يكن المتنبّي متصالحًا مع نفسه بريئًا من عقدة النّقص في المجتمع لما بلغ، وهو يفخر بنفسه وشعره، ذروة الذّرى، ولما كان يجرؤ على الاستمرار في تعظيم نفسه التي رآها قد بلغت الكمال:

وإذا أَتَتْكَ مَذَمَّتي منْ ناقِصٍ              فهيَ الشَّهادَةُ لي بِأَنّي كامِلُ[18]

ما كان الشّاعر ليجرؤ على هذا الغلوّ في تعظيم الذّات، ويرى أنّه بلغ الكمال وحاز صفاته، وهو يشكو من نقص في شخصيّته؛ بل على العكس، لكان أحجم عن التّفاخر بنفسه وبشاعريّته، اتّقاءً لسهام أعدائه وتجنّبًا لمواطن النّقد؛ إذ إنّ الإنسان الذي يعتريه نقصٌ ما يغدو في المجتمع ضعيفًا، يتوجّس من تعرّضه للطّعن، فيميل إلى المسالمة، والاستسلام أحيانًا؛ غير أنّنا لا نجد هذا النّمط في شخصيّة أبو الطّيّب المتنبّي ولا في شعره، إذ عاش متمرّدًا على واقعه، ثائرًا على الجهل والفساد، رافضًا لهيمنة من نالوا السّلطان بغير استحقاق.

ومن ثمّ، فإنّ تفاخر المتنبّي بنفسه يكشف أنّ الفخر حالةٌ ثابتة في قصائده، فلا تكاد تخلو واحدة منها من مظاهر الاعتداد والتّمرّد والثّورة؛ وفي هذا السّياق، ينبغي التّنبيه إلى أنّ هذا الاعتداد كان واعيًا ذا غاية؛ إذ أراد من خلاله أن ينهض بالإنسان، وأن يحثّه على امتلاك صفات العزّة والكرامة، وليس ذلك بغريبٍ عنه، وهو الذي خبر دسائس العبيد وغدرهم، وأدرك أنّ الطّمأنينة لا تتحقّق إلّا في مجتمع الأحرار؛ لذلك حمل في شعره على مظاهر الانحطاط، ونادى بالحرّيّة والكرامة لكلّ إنسان:

العَبْدُ لَيْسَ لِحُرٍّ صالِحٍ بأخٍ                           لَوْ أَنَّهُ بِثيابِ الحُرِّ مَوْلودُ[19]

إنّ هذا البيت يمثّل حقد العبيد على الأحرار، ويعكس في عمقه تجربة أبو الطّيّب المتنبّي مع أولئك الذين رضوا بالعبوديّة لغيرهم؛ ومن هنا، يبيّن الشّاعر الفرق الجوهريّ بين الحرّيّة الحقيقيّة والحرّيّة المزيّفة: فالأولى تنبع من روحٍ حرّة أصيلة، أمّا الثانية فليست سوى عبوديّة متخفّية في هيئة الأحرار؛ وعلى هذا الأساس، تتجلّى إشكاليّة الشّكل والمضمون في رؤيته؛ إذ إنّ معيار الحرّيّة والعبوديّة يقوم على الجوهر الباطن.

إنّنا نعرف الحرّ بأفعاله، والعبد بأفعاله، ولا نستطيع أن نفرّق بينهما بالنّظر إلى صورتيهما؛ فقد يتطابقان في الهيئة والرّداء، وقد يختلفان، غير أنّ الرّوح تظلّ جوهرًا خفيًّا لا يُدرك إلّا من خلال ما يصدر عنها من أفعال، فهي التي تصنّف صاحبها، فتنسبه إلى الأحرار أو إلى العبيد؛ وعلى هذا الأساس، يغدو أبو الطّيّب المتنبي في هذا البيت داعيًا إلى تحرير الإنسان وارتقائه، عبر تحرير الرّوح ذاتها؛ إذ يدرك أنّ من استوطنت العبوديّة روحه لا يمكن أن يصير حرًّا، وإن بلغ أعلى المناصب أو حاز السلطان؛ إذًا، فالشّاعر يقدّم تعريفًا عميقًا للحرّيّة الحقيقيّة، ومن خلاله يوجّه نقدًا لاذعًا إلى كافور، إذ يرى أنّ الملك والسّلطان لا يصنعان حرّيّة، ما دامت الرّوح أسيرة.

وإذا تجاوزنا هذا البعد الإنساني إلى البعد الأدبيّ، أمكن القياس بين الإنسان والنصّ؛ فكما أنّ الحرّيّة أو العبوديّة لا تُقاس بالشكل، كذلك لا تُقاس جودة النصوص أو رداءتها بصورها وأشكالها، بل تُحسم من خلال تلقّيها. ومن ثمّ، يكون الحكم النهائيّ للنصّ مرهونًا بالمتلقّي، سمعًا أو قراءةً، فهو الذي يقرّر قيمته الفنيّة.

غير أنّ هذا المتلقّي لا بدّ له أن يكون من الخاصّة، أي ممّن يمتلك ثقافةً أدبيّة واسعة وذوقًا رفيعًا، قادرًا على التمييز بين المستويات، رافضًا الانحدار إلى الأدب الهابط. وبذلك يسهم في بناء طبقاتٍ معياريّة يرتقي فيها الأديب تدريجيًّا، حتّى يستحقّ صفة الشاعر أو الأديب، وكلّما واصل الصعود وتجاوز المألوف، ترسّخ في الإبداع؛ إذ إنّ جوهر الإبداع قائم على الاختلاف والتفرّد؛ فكلّ “إبداع اختلاف. ومن هذه الزّاوية يمكن القول: ليس الشّاعر الذي يتجاوز أشكال الموروث هو الذي يكون غريبًا عن التّراث، بل إنّ الشّاعر لا يتأصّل في لغته الموروثة إلّا كان بمعنى ما غريبًا فيها”[20].

ويحوجنا شعر المتنبّي حتّى نفهمه على القَدْر العظيم الذي هو عليه، من النّاحية الموضوعيّة والأسلوبيّة والفنّيّة، إلى قراءته قراءة تخصّصيّة جديدة بعيدة عن الانفعاليّة بالإيقاع الشّعريّ الإطرابيّ، وعن حصْر الصّورة الشّعريّة ضمن حدود النّصّ؛ إنّما يجب أن نقرأ شعر المتنبّي من خلال ربطه بمقاميّة الشّاعر التي أثّرت فيه، وميّزته عن أقرانه، ووهبته لغة متميّزة، بها تميّز، وبها تفرّد في زِحام الشّعراء والأدباء والنّحويّين وأهل الفكر في عصره.

إذا أحببنا أن نعرف ما لم يعرفه السّابقون في شعر المتنبّي، يجب علينا أن نملك أسلوب القراءة الصّحيحة، وهل القراءه أسلوب؟ هي كالكتابة أسلوب؛ ولهذا يختلف الكاتبون فيما يكتبون، وتختلف كذلك النّتائج والفوائد، وللقراءة كذلك نتائج، فإمّا هي نتائج صحيحة ومفيدة قد أظهرت الحقيقة، وإمّا هي نتائج خاطئة قد أخفقت في إظهار الغاية من المكتوب.

فلا بدّ للقراءة الصّحيحة لشعر المتنبّي من أن تنطلق من مقاميّة الشّاعر، تلك التي تشكّلت في مناخها السّياسيّ والاجتماعيّ والفكريّ ملامح شاعريّته، فتنوّعت ثقافةً وإنتاجًا؛ وعليه، لا نستطيع ان نفصل شعر المتنبي عن المقاميّة التي نشأ فيها آنذاك، فهو مرتبطٌ بها، مصوّرٌ لها؛ ومن هذا المنطلق، نجد أنّ قصيدته المدحيّة تتّخذ مدح الحاكم بابًا تلج فيه؛ لتطلّ على قضايا أخرى سياسيّة، واجتماعيّة، ودينيّة، فتسجّل رأي الشّاعر في كلّ هذه القضايا؛ وإنّ المتنبّي لم يكتب القصيدة الهجائيّة على الطّريقة التّقليديّة التي اعتمدها الشّعراء قبله وفي عصره، فذمّ المهجوّ وحقّره تحقيرًا شخصيًّا، وإنّما جعل الهجاء بابًا يعبر منه إلى النّقد السّياسيّ والاجتماعيّ والفكريّ، وقصيدة (لا تشترِ العبد) هي خير دليل نورده ههنا.

وإذا انتقلنا إلى مفهوم الحداثة الشّعريّة، تبيّن أنّها لا تقوم على مجرّد تصوير أحداث العصر، كالدّعوة إلى مقاومة الاستعمار، أو مواجهة قضايا راهنة قد تزول بمرور الزّمن، بل تتجلّى في قدرة القصيدة على تجاوز ظرفها التّاريخيّ لتظلّ صالحة لكلّ عصر، مواكبةً لتحوّلات الزّمن؛ وفي ضوء ذلك، يمكن القول إنّ كثيرًا من القصائد المعاصرة، التي تتناول قضايا مثل تخاذل الحاكم العربيّ أو مآسي الشّعوب، قد لا تبلغ عمق الرّؤية التي عبّر عنها المتنبّي قبل قرون؛ إذ صوّر بحدّةٍ نقديّة هذا التّخاذل، كما في قوله:

وَذاكَ أَنَّ الفٌحولَ البيضَ عاجِزَةٌ                     عَنِ الجَميلِ فَكَيْفَ الخِصْيَةُ السُّودُ[21]؟!

إنّ ثورة المتنبّي ليست في هذا البيت على كافور حاكم مصر وحده؛ بل هي ثورةٌ على القادة العرب الذين تساووا بكافور عجزًا عن صنع الجميل؛ وهكذا اتّخذ الشّاعر ثورته على كافور -المملوك الذي حكم مصر بغير استحقاق- حافزًا لثورته على أسياد العرب لعجزهم عن شفاء الشّاعر من ألمه الذي رافقه بسبب خيبته في تحقيق أحلامه العظيمة بانتصار الأمّة حربًا ووحدةً وعلمًا ومعرفةً.

الخاتمة

إنّ البحث في التّداوليّة وما يتّصل بها من علاقة بين المؤلّف والمتلقّي يكشف عن تحوّلٍ جوهريّ في الدّرس اللّغويّ والأدبيّ المعاصر؛ إذ لم تَعُد اللّغة بنيةً مكتفيةً بذاتها، ولا النصّ كيانًا مغلقًا يتوقّف فهمه عند حدود مؤلِّفه، بل غدت العمليّة التأويليّة فعلًا تشاركيًّا يتقاطع فيه المقصد مع السّياق، والدّلالة مع الفعل، والتّركيب مع الامتداد الاجتماعيّ والثّقافيّ للقول؛ وقد أظهر البحث أنّ التّداوليّة، في بعدها النّظريّ والتّطبيقيّ، هي امتداد لما رسّخه التّراث العربيّ من شروط في فهم الخطاب وربطه بأسباب النّزول ومقامات القول، وهو ما يدلّ على أصالة الفكرة وإن اختلفت الاصطلاحات.

كما بيّن البحث أنّ المتلقّي صار ركنًا أصيلًا يُعاد عبره تشكيل النّصّ وإعادة إنتاجه، وأنّ الحكم على حداثة القصيدة لا يكتمل إلّا بصوت هذا المتلقّي الذي تمنحه التّداوليّة شرعيّةً نقديّة متقدّمة، من دون أن تُسقط دور المؤلّف أو تُلغي قصديّته؛ فتجعل القصديّتين، قصديّة الكاتب والمتلقّي، في علاقة حوارٍ لا صراع، وتفاعلٍ لا إقصاء.

لقد أبرز هذا البحث أنّ التّداوليّة بقدر ما هي نظريّة لغويّة، هي أيضًا رؤية إنسانيّة تُعيد الكينونة للحوار والتّفاعل والمعنى الحيّ، وأنّ الحداثة في القصيدة هي في طاقتها على إنتاج أثرٍ تواصليّ يتجاوز حدود الكلمات إلى وعي المتلقّي وتجربته؛ وهكذا تتجلّى قيمة النّصّ الحديثة في استطاعته إحداث تغييرٍ في وعي قارئه، تمامًا كما تتداول الأيّام مواقعها بين النّاس.

وعليه، فإنّ نتائج هذا البحث تؤكّد ضرورة اعتماد مقاربة تداوليّة في قراءة النّصوص الأدبيّة عامّة، والشّعريّة خاصّة، تحقّق توازنًا بين البنية والمقصد، وبين القول والفعل، وبين سلطة الشّاعر وسلطة القارئ؛ ليظلّ الإبداع فضاءً مفتوحًا للحوار والتّأويل، ومجالًا خصبًا لإنتاج المعنى وتجدّده عبر الأزمان.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • أدونيس. صدمة الحداثة. بيروت، دار العودة، ط 4، 1983م.
  • أدونيس. مقدّمة الشّعر العربيّ. بيروت، دار السّاقي، 2009.
  • بلانشيه، فيليب. التّداوليّة من أوستين إلى غوفمان؛ تر صابر الحباشة. سوريا، دار الحوار، ط 1، 2007م.
  • ثامر، فاضل. القصيدة والنّقد، سلطة النّصّ أم سلطة القارئ. مجلّة الأقلام، بغداد، 1988م، عدد 1.
  • الرّندي، أبو البقاء. الدّيوان. لا تا.
  • الزّمخشري. أساس البلاغة. تحق: محمّد باسل عيون السّود. بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 1.
  • ابن فارس. مقاييس اللّغة. بيروت، دار الجيل، ط 1، 1991م.
  • فضل، عاطف. الخطاب وعلم اللّغة التّداوليّ. جامعة الزّرقاء. تشرين الثّاني، 2013.
  • القيراوني، ابن رشيق. العمدة. مصر، مطبعة السعادة، ط 3، 1963م.
  • المتنبّي. الدّيوان. بيروت، دار الجيل، لا تا.
  • مصطفى، عادل. فهم الفهم. المملكة المتّحدة، مؤسّسة هنداوي، 2018م.
  • الملائكة، نازك. الأعمال النّثريّة. القاهرة، المجلس الأعلى للثّقافة، 2002م.
  • أبو نوّاس. الدّيوان. القاهرة، مطبعة مصر، 1953م.
  • ويليك، رينيه. مفاهيم نقديّة. تر محمّد عصفور. الكويت، عالم المعرفة، 1987م.

المراجع الإلكترونيّة

https://share.google/aHQ3FGYpQTn4lTNO7-

 

 

[1] شاعر لبنانيّ وأستاذ مساعد في الجامعة اللّبنانيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – الفرع الثّالث:

mouhamadhoblos1964@gmail.com

[2] ابن فارس. مقاييس اللّغة، 314.

[3] الزّمخشريّ، أساس البلاغة، ص 303.

[4] أبو البقاء الرندي. الدّيوان. ص 4 – 5.

[5] فيليب بلانشيه، التّداوليّة من أوستين إلى غوفمان، ص 17.

[6] عاطف فضل. الخطاب وعلم اللّغة التّداوليّ.

[7]  أبو نوّاس. الدّيوان. ص 28.

[8] عادل مصطفى. فهم الفهم. ص 56.

[9] أدونيس. صدمة الحداثة. ص 30.

[10] https://share.google/aHQ3FGYpQTn4lTNO7 محمود درويش: قصيدة أيّها المارّون.

[11] رينيه ويليك. مفاهيم نقديّة، تر محمّد عصفور. ص 419.

[12] نازك الملائكة. الأعمال النّثريّة. 1/ 323.

[13] المتنبّي. الدّيوان. ص 373.

[14] أدونيس. مقدّمة الشّعر العربيّ. ص 51.

[15] المتنبّي. الدّيوان. ص 424.

[16] فاضل ثامر. القصيدة والنّقد، سلطة النّصّ أم سلطة القارئ. ص 12.

[17] ابن رشيق القيراوني. العمدة. ص 100.

[18] المتنبّي. الدّيوان. ص 180.

[19] م. ن. ص 507.

[20] أدونيس. صدمة الحداثة. ص 230.

[21] المتنبّي. الدّيوان. ص 508.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى