واقع الإنتاجات الإعلاميّة العربيّة الموجّهة للأطفال ودورها في تشكيل هويّة الطّفل العربيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ العربيّة

واقع الإنتاجات الإعلاميّة العربيّة الموجّهة للأطفال ودورها في تشكيل هويّة الطّفل العربيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ العربيّة
Research Title: The Reality of Arabic Children’s Media Productions and Their Role in Shaping the Arab Child’s Identity in the Age of Artificial Intelligence
د. ليلى شمس الدين[1]
تاريخ الاستلام 5/ 12/ 2025 تاريخ القبول 21/ 1/2026
“نشكِّل أدواتنا،
ثم تعود أدواتُنا فتُشكِّلنا”[2]
ملخّص
يتناول هذا البحث واقع الإنتاجات الإعلاميّة العربيّة الموجّهة للأطفال في سياق التّحوّل الرّقميّ المتسارع، محلّلًا دورها في تشكيل القيم والهويّة الرّقميّة والمخيال الاجتماعيّ للطّفل العربيّ. ينطلق البحث من مقاربة تركيبيّة تدمج تحليل المضمون القيميّ، وتحليل أنماط التّمثيل البصريّ واللّغويّ، ودراسة نماذج المنصّات الرّقميّة المتعدّدة، بما يسمح بفهم العلاقة بين البنية التّقنيّة للمنصّة والوظيفة التّربويّة للمحتوى.
اعتمدت الدّراسة منهجًا نوعيًّا– تحليليًّا قائمًا على تحليل عيّنات من قنوات فضائيّة ومنصّات رقميّة عربيّة موجّهة للأطفال، مع تشغيل أطر نظريّة مستمدّة من دراسات الإعلام الرّقميّ، والتّنشئة الثّقافيّة، وتصميم القيم في التّكنولوجيا. وتُظهر النّتائج هيمنة المحتوى المستورد والمدبلج، وضعف الاستثمار في الإنتاج الرّقميّ الأصليّ، وتفاوت مستويات المواكبة التّقنيّة بين نماذج منصّات تربويّة عموميّة، وتجاريّة عالميّة، ومتخصّصة مغلقة. كما يكشف التّحليل اختلالًا في توازن منظومات القيم لصالح قيم اجتماعيّة سطحيّة على حساب القيم المعرفيّة والنّقديّة العميقة.
ويقترح البحث انتقالًا استراتيجيًّا من منطق “القيم المفترضة” إلى منطق “القيم المصمَّمة”، عبر إدماج القيم داخل هندسة المنصّات والخوارزميّات وأدوات القياس التّربويّ، بما يدعم بناء هوية رقميّة ناقدة ومتجذّرة ثقافيّا لدى الطّفل العربيّ. ويختتم البحث بتوصيات سياسات عمليّة لتطوير الإنتاج الإعلاميّ الرّقميّ العربيّ الموجّه للأطفال.
الكلمات المفتاحية: إعلام الطّفل، الهويّة الرّقميّة، القيم، المنصّات الرّقميّة، التّربيّة الإعلاميّة، الذّكاء الاصطناعيّ.
Abstract
This study examines the current landscape of Arab children’s media production within the context of accelerated digital transformation, analyzing its role in shaping values, digital identity, and the social imaginary of Arab children. The research adopts an integrative analytical framework combining value-based content analysis, visual and linguistic representation analysis, and platform ecology assessment, allowing for a comprehensive understanding of the relationship between technological infrastructures and educational functions.
The study employs a qualitative analytical methodology based on the examination of selected Arab television channels and digital platforms targeting children, drawing on theoretical perspectives from digital media studies, cultural socialization, and value-sensitive design. Findings reveal the dominance of imported and dubbed content, limited investment in original digital production, and uneven levels of technological adaptation across three main platform models: public educational platforms, commercial global platforms, and specialized closed platforms. The analysis also identifies an imbalance in value systems, privileging surface-level social values over deeper cognitive and critical ones.
The study proposes a strategic shift from “assumed values” to “designed values” by embedding educational and ethical values into platform architectures, algorithms, and learning analytics, supporting the development of a culturally grounded and critically aware digital identity for Arab children. The paper concludes with policy-oriented recommendations for strengthening Arab digital children’s media ecosystems.
Keywords: Children’s media, Digital identity, Values, Digital platforms, Media literacy, Artificial intelligence.
مقدّمة
يتعرّض الطّفل في العالم العربيّ، كزنه جزءًا من النّظام العالميّ، لبيئة إعلاميّة معقّدة ومتعدّدة التوجّهات، وبالتالي فهي تعدّ مصدرًا رئيسًا للمدخلات الثّقافيّة التي تشكّل هويّته وقيمه. إذ تُظهر الأدبيّات الحديثة أنّ الطّفرة في انتشار الإنترنت والهواتف الذّكيّة في المنطقة العربيّة أعادت تشكيل أنماط التعرّض الإعلاميّ لدى الأطفال، بحيث صار الاستهلاك متعدّد المنصّات ومتزامنًا (فيديو، ألعاب، شبكات اجتماعيّة، مراسلة)، بما يخلق بيئةً شديدةَ الكثافة من الرّسائل والمحفِّزات الإعلاميّة تشبه ما يُوصف بالـ”مشهد أو البيئة فائقة التّشبّع”؛ وفي هذه البيئة، يتعرّض الطّفل العربيّ، على غرار نظرائه عالميًا، لمدخلات ثقافيّة متنوّعة، وقد تتعارض أحيانًا مع القيم المحافظة والخطابات العابرة للحدود والثّقافات[3].
نقارب في هذه الورقة مفهوم “البيئة الإعلاميّة” أو “الفضاء الإعلاميّ المركّب” الذي يتحرّك داخله الطّفل المعاصر، بوصفه منظومة متعدّدة المصادر والمنصّات، تتداخل فيها الوسائط التّقليديّة والرّقميّة، وتشكّل أحد الحقول المركزيّة في دراسات الطّفولة والإعلام. ولا يُنظر إلى الطّفل هنا كمتلقٍ سلبيّ للمضامين، بل كفاعل يتفاعل مع محتويات إعلاميّة تتقاطع مع منظوماته الأسريّة، والتّربويّة، والدّينيّة، والاقتصاديّة، والثّقافيّة، ما يجعل أثر الرّسائل الإعلاميّة أثرًا نسبيًّا، ومتغيّرًا كما مركّبًا، يصعب قياسه بمعايير خطّية مباشرة، خاصّة وأنّ البث المرئيّ لا يمثّل سوى أحد مكوّنات عملية التّنشئة الاجتماعيّة الأوسع.
وتنبع أهمية هذا البحث من تركيزه على القيم التي تُنتج وتُتداول ضمن البرامج الإعلاميّة الموجّهة للطّفل العربيّ، في سياق ثقافيّ يتّسم بتداخل المرجعيات المحليّة مع أنماط الثّقافة المعولمة، بما يفضي إلى عمليّات مستمرة من التّثاقف، وإعادة التّأويل، والتّحوّل القيميّ. ومن ثمّ، فإنّ دراسة هذه المضامين لا تكتفي بوصف ما يُعرض للأطفال، بل تفتح أفقًا نقديًا لفهم ديناميات تشكّل المعنى والهويّة في بيئة إعلاميّة عابرة للحدود، وتؤسّس لمسارات بحثيّة مستقبليّة في حقل إعلام الطّفل وتحليل مضامينه.
وانطلاقًا من ذلك، يبرز تساؤل إشكاليّ حول الكيفيّة التي تُسهم بها القنوات الفضائيّة والمنصّات الرّقميّة الموجّهة للطّفل العربيّ في رسم ملامح الهويّة الثّقافيّة لجمهورها. غير أنّ مقاربة هذا السّؤال تقتضي “عدم فصل أي إنتاج إعلاميّ عن سياقه الاجتماعيّ والثّقافيّ المنتج له، إذ يُبنى الخطاب الإعلاميّ على منظومة معرفيّة وقيميّة تعبّر عن بنية المجتمع الذي أنتجه” (الموسوي، نانسي ـ رعد، مريم، 2016، صفحة 2). ويتعزّز هذا الإشكال في ظل تسارع التّحوّلات الاجتماعيّة وتعدّد الخيارات الرّمزيّة، حيث “لم تعد الهويّة تُفهم بوصفها بنية مستقرّة ونهائية، بل كعملية دينامية تُعاد صياغتها باستمرار ضمن شروط الحداثة المتقدّمة” (عيسى، 2017، صفحة 5).
وفي عالم إعلاميّ مفتوح ومتعدّد الوسائط، تتكثّف المدخلات الثّقافيّة التي يتعرّض لها الطّفل عبر التّلفزيون والمنصّات الرّقميّة والفضاءات التّفاعليّة، ما يجعل عملية التّنشئة أكثر تعقيدًا، ويُنتج أجيالًا تتشكّل هويّاتها ضمن منظومات رمزيّة هجينة يصعب ضبط اتّجاهاتها أو التّنبؤ بمآلاتها الثّقافيّة والاجتماعيّة.
الجدير بالذّكر، أنّ أهمية دراسة الإنتاجات الإعلاميّة الموجّهة للأطفال تنبع من كونها إحدى الآليات المركزيّة التي تسهم في بناء تمثّلات الطّفل للعالم الاجتماعيّ والثّقافيّ الذي يعيش فيه، وفي تشكيل منظومة قيمه وهويته الرّمزيّة المبكرة. فالمضامين الإعلاميّة لا تقتصر على نقل المعرفة أو التّرفيه، بل تؤدّي وظيفة تنشئة رمزيّة تُعيد إنتاج المعاني، وأنماط السّلوك، وصور الذّات والآخر، ضمن سياقات ثقافيّة محدّدة. كما تؤدّي القنوات الفضائيّة والمنصّات الرّقميّة دورًا متزايدًا في دعم عمليات التّعلّم المبكر، وفي تعزيز أنماط التّفاعل الاجتماعيّ واللّغويّ والمعرفيّ لدى الأطفال، بما يجعل الإعلام شريكًا بنيويًّا في العملية التّربويّة المعاصرة.
غير أنّ المعطيات الإحصائيّة تكشف عن اختلال بنيويّ في الحقل الإعلاميّ العربيّ المتعلّق بالطّفولة؛ إذ يشير تقرير “البثّ الفضائيّ العربيّ للعام 2023” الصّادر عن اتّحاد إذاعات الدّول العربيّة[4]، إلى وجود قناة واحدة فقط مخصّصة للأطفال[5] من أصل نحو 190 قناة عموميّة عربيّة[6]. ولا يُفهم هذا الرّقم بوصفه معطى تقنيًا فحسب، بل كونه مؤشّرًا دالًا على محدوديّة الاستثمار المؤسّسيّ في إنتاج خطاب إعلاميّ تربويّ وثقافيّ موجّه للطّفل العربيّ، وعلى هيمنة منطق السّوق والتّرفيه العام على حساب بناء رأس مال رمزيّ موجّه للأجيال النّاشئة.
ويترتّب على هذا الواقع اتّساع اعتماد الأطفال على مضامين غير متخصّصة، أو مستوردة، أو عابرة للثّقافات، ما يفتح المجال أمام تشكّل هويّات هجينة تتغذّى على منظومات قيمية قد لا تنسجم بالضّرورة مع السّياقات الثّقافيّة المحلية. ومن ثمّ، فإنّ ضعف البنية الإنتاجية لإعلام الطّفل لا يؤثّر فقط في جودة المحتوى، بل يطال بصورة أعمق مسارات تشكّل الهويّة والانتماء والخيال الاجتماعيّ لدى الطّفل العربيّ.
وانطلاقًا من محدوديّة البنية المؤسّسيّة لإعلام الطّفل في الفضاء العربيّ، كما تكشفه المعطيات الإحصائيّة المتعلّقة بعدد القنوات المتخصّصة ومضامينها[7]، تتبلور إشكاليّة هذا البحث في مساءلة الكيفيّة التي تُسهم بها الإنتاجات الإعلاميّة الموجّهة للأطفال، في ظل ندرتها وتشتّت مرجعياتها الثّقافيّة، في تشكيل تمثّلات الطّفل العربيّ لذاته وللعالم المحيط به. فالإعلام لا يُقارب هنا بوصفه وسيطًا تقنيًّا لنقل الرّسائل، بل كجهاز رمزيّ فاعل في إنتاج المعنى، وإعادة توزيع القيم، وبناء أنماط الانتماء والخيال الاجتماعيّ.
وبذلك، يسعى هذا البحث إلى تحليل مضامين نماذج مختارة من الإنتاجات الإعلاميّة العربيّة الموجّهة للأطفال[8]، للكشف عن أنساق القيم والتمثّلات التي تبنيها، وحدود انسجامها أو توتّرها مع السّياقات الثّقافيّة والاجتماعيّة المحلية، وذلك ضمن مقاربة تحليليّة تستند إلى تقاطعات دراسات الإعلام، والطّفولة، والهويّة الثّقافيّة.
أوّلًا: البيئة الإعلاميّة المركّبة وتحول أنماط التلّقي الطفولي
لم يعد الإعلام في السّياق المعاصر يُفهم بوصفه قناة لنقل الرّسائل أو مجرد وسيط تقني، بل بحسبانه بيئة رمزيّة شاملة تُعيد تشكيل أنماط الإدراك والمعنى والسّلوك الاجتماعيّ. يشير مفهوم “البيئة الإعلاميّة” إلى أن الوسائط لا تنقل المحتوى فقط، بل تُعيد تنظيم طرائق التّفكير، والتّمثّل، وبناء الواقع الاجتماعيّ (Postman, 1985, pp. 11-17)؛ وفي ظلّ التّحوّل الرّقميّ المتسارع، يعيش الطّفل ضمن فضاء إعلاميّ متعدّد المنصّات، تتقاطع فيه الشاشة التلفزيونية مع التّطبيقات الرّقميّة والألعاب والمنصّات التّفاعليّة، بما ينتج أنماطًا هجينة من التلقّي والمشاركة والتّفاعل.
وتؤكّد دراسات الطّفولة الرّقميّة أنّ الطّفل المعاصر لم يعد متلقّيًا سلبيًّا، بل فاعلًا يشارك في إعادة إنتاج المعنى عبر الممارسة الرّقميّة، والتّفاعل الاجتماعيّ، وتشكيل ثقافات الأقران (Corsaro, 2015, pp. 26-40). غير أنّ هذا التّفاعل لا يحدث في فراغ ثقافيّ، بل ضمن منظومات رمزيّة مشبعة بالقيم والافتراضات الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة، ما يجعل البيئة الإعلاميّة أحد أهم فضاءات التّنشئة غير النّظامية التي تنافس الأسرة والمدرسة والمؤسّسات التّربويّة التّقليديّة.
وبذلك، ينطلق هذا البحث من مقاربة تركيبيّة ترى أنّ القيم، والصّورة، واللّغة لا تعمل بوصفها عناصر منفصلة في الخطاب الإعلاميّ الموجّه للأطفال، بل تتكامل ضمن منظومة رمزيّة واحدة تُسهم في إنتاج المخيال الاجتماعيّ، وفي إعادة تشكيل أنماط الهويّة والانتماء. فالقيم تمثّل البنية المعياريّة العميقة التي تنظّم ما يُعدّ مرغوبًا أو مرفوضًا، طبيعيًا أو استثنائيًا، فيما تؤدّي الصّورة وظيفة التّمثيل البصريّ التي تُجسّد هذه القيم في أنماط مرئية محسوسة تُخاطب الإدراك والخيال والانفعال. أما اللّغة، فتعمل كآلية تأطير دلاليّ تقوم بترميز المعنى، وتوجيه التّأويل، وتطبيع القيم ضمن سرديّات تبدو بديهية أو طبيعيّة.
ومن خلال هذا التّفاعل الثلاثي، يتشكّل المخيال الطفوليّ بوصفه مخزونًا رمزيّا من الصور الذهنية والسرديات والقيم التي تنظّم علاقة الطّفل بذاته وبالآخر وبالعالم الاجتماعيّ. فالصّورة تمنح القيم حضورًا حسّيًا، واللّغة تمنحها شرعيّة خطابيّة، فيما يرسّخ التّكرار الإعلاميّ هذا التّرابط عبر آليات التّطبيع والاعتياد، بما يحوّل المعاني الثّقافيّة إلى مكوّنات شبه لاواعيّة في بنية الإدراك والذّوق والسّلوك.
وبهذا المعنى، لا يُنتج الإعلام مجرد مضامين ترفيهيّة أو تعليميّة، بل يشارك في بناء “بنية رمزيّة” تُعيد تشكيل الهابيتوس الثّقافيّ للطّفل، وتوجّه مسارات تشكّل الهويّة الفرديّة والجماعيّة ضمن سياقات معولمة متداخلة المرجعيات.
ثانيًّا: تشكّل شخصية الأطفال بحسب الخصائص العمريّة
تتشكّل شخصيّة الطّفل ضمن مسار نمائيّ متدرّج تحكمه خصائص عمريّة متمايزة، وتتأثر بجملة من العوامل البيئيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة التي تختلف باختلاف السّياقات المجتمعيّة. ولا تُفهم الشّخصيّة هنا بوصفها معطى ثابتًا أو بنية مكتملة، بل كعملية ديناميّة تتكوّن عبر التّفاعل المستمر بين الاستعدادات الفرديّة والبنى الرّمزيّة والاجتماعيّة المحيطة. وفي هذا السّياق، تمثّل مرحلة الطّفولة اللّبنة التّأسيسيّة في بناء الهابيتوس الثّقافيّ للفرد، حيث تتشكّل القيم الأساسية، والاتّجاهات، والميول، وأنماط التّفاعل الاجتماعيّ، وتتحدّد المسارات الأولى للنّمو الجسميّ والمعرفيّ والوجدانيّ (بشير، هدى وآخرون، 2015، صفحة 9).
وتؤكّد الأدبيات البحثيّة التّأثير البنيويّ لوسائل الإعلام في إعادة تشكيل الذّات ونظام القيم، وفي بناء تصوّرات الأفراد عن العالم الاجتماعيّ، بما يجعلها فاعلًا مركزيًا في عمليات التّنشئة الرّمزيّة الحديثة (Richards, 2010, p. 17). ولا يقتصر تأثير الإعلام على نقل المعلومات أو التّرفيه، بل يمتد إلى إنتاج منظومات معيارية غير مباشرة تسهم في تطبيع أنماط السّلوك، وإعادة إنتاج القيم، وصياغة مرجعيات الانتماء الثّقافيّ.
وتتزايد أهمية هذا الحقل البحثيّ في السّنوات الأخيرة لارتباطه بتشكّل الوعي المبكّر والهويّة الثّقافيّة والاجتماعيّة للأطفال (رضا، 2015، صفحة 36)، إذ تؤدّي القيم دورًا توجيهيًا في تشكيل المواقف الإيديولوجيّة، وتنظيم العملية التّربويّة، وبناء التّصوّرات الفرديّة والجماعيّة للعالم (سفيان، 2012، صفحة 93). وفي هذا الإطار، تشير الدّراسات السّوسيولوجيّة إلى أنّ بناء الشّخصيّة الإنسانيّة يتم عبر ثلاثة مجالات مترابطة: التّنشئة الاجتماعيّة، ونقل الأفكار، وإعادة إنتاج منظومات القيم، بما يجعل الإعلام أحد أهم الفواعل المعاصرة في هذا المسار (patrick-charaudeau, 2006).
وفي ظل التّحوّل الرّقميّ، يزداد ثقل الإعلام بوصفه وسيطًا قيميًا فاعلًا يسهم في إعادة تشكيل المرجعيات المعيارية للأطفال ضمن بيئات رمزيّة كثيفة التّأثير. ومن منظور تحليليّ، يمكن تصنيف القيم إلى حقول متعدّدة تتقاطع مع البنى الثّقافيّة، والاجتماعيّة، والدّينيّة، والاقتصاديّة، والسّياسيّة، غير أنّ القيم لا تتغيّر في جوهرها بقدر ما تتبدّل طرائق تأويلها وتمثّلها اجتماعيّا، بما ينعكس على أنماط السّلوك الجماعي وتبريراته الثّقافيّة.
وانطلاقًا من هذا التّصوّر، يعتمد البحث نموذج القيم الذي اقترحه سِبرانجر (Spranger, 1928) بوصفه إطارًا تصنيفيًّا يسمح بتحويل القيم من مفاهيم تجريديّة إلى مؤشّرات تحليليّة قابلة للرّصد والقياس داخل المضامين الإعلاميّة.
ويتيح هذا النّموذج تتبّع حضور القيمة النّظريّة المرتبطة بالمعرفة والاستكشاف، والقيمة الجماليّة المتجليّة في السرد البصريّ والموسيقي، والقيمة الاجتماعيّة المتمثلة في التعاون والتعاطف، والقيمة الاقتصاديّة المرتبطة بخطابات الاستهلاك والسلع، والقيمة السّياسيّة المرتبطة بالمواطنة والانضباط والمشاركة، إضافة إلى القيم الدّينيّة والأخلاقية التي تُسهم في بناء الحكم المعياري والبعد الرّوحيّ. وبهذا ينتقل التحليل من مستوى الوصف الانطباعي إلى مستوى القياس القيميّ المنهجي، بما يسمح بالكشف عن “البصمة القيميّة” لكل قناة موجّهة للأطفال، وتحليل تموضعاتها الرّمزيّة داخل فضاء التنافس الإعلاميّ الرّقميّ.
ويعرّف كنعان القيم بوصفها منظومة المعتقدات والمعايير التي يؤمن بها المجتمع وتؤثّر في سلوك أفراده وتوجّهاتهم، بصورة مباشرة أو ضمنية، بما يسهم في تشكيل ملامح الشّخصيّة ومسارات الفعل الاجتماعيّ (علي، 1995، صفحة 136). ويضمّ هذا التصنيف عشرة مجموعات قيمية تتفرّع إلى نحو سبعين قيمة فرعية، ما يتيح تحويل القيم من مفهوم تجريدي إلى أداة تحليل قابلة للتشغيل المنهجي عبر مصفوفة ترميز تربط بين وحدات المحتوى التلفزيوني والقيم السائدة فيها.
ويُمكن، على سبيل المثال، رصد تعزيز القيم المعرفيّة والثّقافيّة في برامج الاستكشاف والعلوم، والقيم الرّوحيّة والأخلاقية في فواصل السّلوك الإيجابيّ، والقيم الرياضية في فقرات النشاط البدني، والقيم الصحية والوقائية في حملات التوعية الصحيّة، فيما تسهم الأناشيد والهويّات البصريّة المحليّة في ترسيخ القيم القوميّة والوطنيّة. ويتيح هذا النّهج الانتقال من التّحليل الوصفيّ العام، إلى قياس قيميّ مُمنهج يسمح بمقارنة القنوات والمراحل الزّمنيّة المختلفة وفق ما يمكن تسميته “البصمة القيميّة” لكل قناة، بدل الاقتصار على المؤشرات الكمية المرتبطة بزمن البث أو عدد البرامج.
ولا ينفصل هذا الإطار التّحليليّ المحلي عن النّقاش العالميّ حول القيم[9]؛ إذ تستند دراسات القيم المعاصرة إلى مسوحات واسعة عابرة للثّقافات تقيس التّحوّلات القيميّة المرتبطة بقضايا العدالة، والأخلاق، والحوكمة، والمخاطر، والهجرة، والهويّة، والعلاقات الدّوليّة، بما يتيح إمكانات المقارنة بين المجتمعات والأنساق الثّقافيّة المختلفة[10].
وعلى الرّغم من القيمة التّحليليّة التي توفّرها نماذج تصنيف القيم الكلاسيكيّة، مثل نموذج سِبرانجر أو النّماذج العربيّة المشتقّة عنه، في تحويل القيم إلى مؤشّرات قابلة للرّصد المنهجيّ، إلا أنّ هذه النماذج تواجه تحدّيات إبستمولوجيّة متزايدة في سياق البيئة الرّقميّة المعاصرة. فقد صيغت هذه الأطر في سياقات اجتماعيّة تتّسم باستقرار نسبيّ في أنماط التّواصل، ومركزيّة المؤسّسات التّربويّة والإعلاميّة التّقليديّة، وحدود واضحة بين المنتج والمتلقّي، وهو ما لم يعد قائمًا في ظل المنصّات التّفاعليّة، وخوارزميات التّوصية، واقتصاد الانتباه، وتحوّل الطّفل إلى منتِج جزئيّ للمحتوى لا مجرّد متلقٍ له ( Livingstone, Sonia; Blum-Ross, Alicia , 2020) .
كما تُظهر دراسات القيم العابرة للثّقافات أنّ التّحوّلات الرّقميّة تُنتج أنماطًا هجينة من القيم تجمع بين الفردانيّة، والمرونة الهوياتيّة، وتسليع الذّات، وتسييل الانتماءات، وهي تحوّلات لا تنعكس دائمًا بوضوح داخل الفئات القيميّة التّقليديّة المستقرة نسبيًا. وفي سياق الحداثة الرّقميّة، تتعمّق هذه الهجنة عبر ما يسميه باومان “تسييل الهويّة والانتماء”، حيث تصبح الذات مشروعًا دائم إعادة التشكيل (Bauman, 2000, pp. 83-91)..
وفي هذا السّياق، تشير أدبيّات العقد الأخير إلى اتجاهات متكرّرة في أنماط القيم المضمَّنة في محتوى برامج الأطفال، مع فروق واضحة بين الإنتاجات المحليّة والمحتوى الأجنبيّ المدبلج، وبين القنوات الفضائيّة التّقليديّة والمنصّات الرّقميّة المصاحبة. وانطلاقًا من ذلك، يعرض هذا البحث بصورة تركيبيّة نتائج دراسات حديثة (2019–2025) لرصد التّحوّلات القيميّة في إعلام الطّفل العربيّ ضمن بيئة إعلاميّة رقميّة متغيّرة.
ثالثَا: مروحة القيم في مضامين البرامج الموجّهة للطّفل العربيّ
تشير تحليلات متعدّدة لمضامين البرامج التي تُبث عبر القنوات العربيّة الموجّهة للأطفال إلى أنّ الأعمال الأجنبيّة المُستَورَدة والمدبلجة تُشكِّل الغالبيّة منها، حيث تجاوزت حصّتها في عدد من العينات ثلثي المحتوى المعروض. فقد أظهرت دراسة دكتوراليّة حلّلت عينات من برامج قنوات MBC3 وسبيستون وطيور الجنة، رجحان[11] المواد المستوردة والمدبلجة على الإنتاج الأصليّ ضمن جداول البث المرمّزة، بما يؤكّد محدودية حضور المحتوى المحلي، وإن بدرجات متفاوتة بين القنوات والدّورات البرامجيّة.
وفي السّياق نفسه، بيّن تحليل حديث لعينة من عروض الأنمي المدبلجة إلى العربيّة على قناة سبيستون (1985–2020) أنّ العينة كانت مدبلجة بنسبة 100% بحكم طبيعة هذا النوع البرامجيّ، ما يدعم فرضية هيمنة المحتوى المدبلج في قطاعات واسعة من البرمجة الموجّهة للأطفال (سعاد، 2024، صفحة 580).
كما أظهرت دراسة أُجريت عام 2024 على ثلاث سلاسل تعليميّة – ترفيهية تُبث بنسخها العربيّة على قناتي MBC3 وجيم، أنّ الأعمدة التّعليميّة الأكثر حضورًا تُقدَّم أساسًا عبر نسخ مدبلجة من أعمال أجنبيّة، ما يفسّر استمرار سيطرة هذا النّمط على ساعات بثّ معتبرة (Saed, Hadeel & others, 2024).
وبيّنت وثائق عدد من القنوات العربيّة اعتماد نموذج “التّعليم التّرفيهيّ”[12] بوصفه إطارًا برامجيًّا معلنًا، يُقدَّم غالبًا باللّغة العربيّة الفصحى، مع حضور بدائل لهجية متفاوتة وفق سياسات كل قناة[13] ومتطلبات الملاءمة الثّقافيّة، مع تباين ملحوظ في وزن البعد التّعليميّ قياسًا بالتّرفيهي وطبيعة استراتيجيّات الدّبلجة (Abulawi, Farah Mustafa & Others, 2022, pp. 125 -141). غير أنّ هذا التبنّي الشّكليّ للنّموذج لا يرافقه بالضّرورة إعادة هندسة ثقافيّة عميقة للمضامين، إذ تبقى البنى السّرديّة والقيميّة في كثير من الحالات مستندة إلى مرجعيات ثقافيّة أجنبيّة.
وتعزّز هذه النّتائج ما تشير إليه دراسات الصناعة الإعلاميّة للأطفال من بطء تطوّر الإنتاج الثّقافيّ المحلي العربيّ واستمرار اعتماد القنوات الرائدة على الرسوم المستوردة (Sakr Naomi, Steemers Jeanette , 2017, p. 1) ، وهو ما يحدّ من أصالة المحتوى الثّقافيّ ويضعف قدرته على تمثيل التّجربة الاجتماعيّة المحليّة للطّفل العربيّ. ومن ثمّ، لا تُفهم هيمنة المدبلج بوصفها مسألة تقنية أو اقتصاديّة فحسب، بل كتحوّل رمزيّ يؤثّر في مروحة القيم المتداولة داخل المخيال الطفوليّ، ويعيد تشكيل أنماط الانتماء والخيال والتمثّل الثّقافيّ ضمن سياق معولم.
وتُظهر نتائج تحليل القيم في العيّنة المدروسة (Saed, Hadeel & others, 2024, pp. 361-406) ، كما يُظهر تحليل الخَصاونة لبرامج براعم[14] (Alkhasawneh, 2024, pp. 10-15) تمايزًا واضحًا بين البصمة القيميّة للمحتوى المدبلج وتلك الخاصّة بالإنتاجات المحلية المحدودة. فقد ساد في الأعمال المدبلجة حضور مرتفع للقيم الفردانيّة المرتبطة بالإنجاز الشّخصيّ، والمغامرة، والتّميّز، والاستهلاك الرّمزيّ، إلى جانب أنماط سرديّة تُبرز البطولة الفرديّة والتنافس والنّجاح القائم على الأداء، في مقابل حضور أقل للقيم الجماعيّة المرتبطة بالتّكافل، والانتماء المجتمعيّ، والذّاكرة الثّقافيّة المحليّة. ولوحظ تركيز بصريّ ولغويّ كثيف على أنماط جماليّة وعلاقات اجتماعيّة تنتمي إلى سياقات ثقافيّة غير عربيّة، حتى وإن قُدّمت باللّغة العربيّة، ما يعكس استمرار المرجعيّات الرّمزيّة الأجنبيّة داخل البنية العميقة للسّرد.
في المقابل، أظهرت المقاطع المحليّة، رغم محدودية حجمها، حضورًا نسبيًا أعلى لقيم التعاون، والرّوابط الأسريّة، والهويّة اللّغويّة، والرّموز الثّقافيّة المحليّة، غير أنّ هذه القيم غالبًا ما قُدّمت ضمن أطر سرديّة بسيطة أو تعليمية مباشرة، ما قلّل من قدرتها التّنافسية في جذب الانتباه مقارنة بالإنتاجات المدبلجة ذات الكثافة البصريّة العالية والإيقاع السّرديّ السّريع. ويشير هذا التفاوت إلى أنّ السوق الإعلاميّة لا تُعيد فقط توزيع زمن البث، بل تعيد أيضًا توزيع الوزن الرّمزيّ للقيم داخل المخيال الطفولي.
وتدعم هذه النّتائج فرضية أنّ هيمنة المحتوى المدبلج لا تُنتج مجرّد تنوّع لغوي أو ترفيهيّ، بل تُسهم في إعادة تشكيل منظومة القيم التي يتشرّبها الطّفل العربيّ ضمن سياق تهجيني، حيث تتجاور القيم المحلية مع نماذج عالمية للنجاح، والجسد، والعلاقات، والسلطة الرّمزيّة. وبهذا المعنى، تتشكّل الهويّة الطفولية في منطقة توتّر بين الانتماء الثّقافيّ المحلي ومنطق العولمة الرّمزيّة، بما يعيد إنتاج مخيال هجيني قد يفتقر إلى رسوخ مرجعي واضح.
لذا يمكن القول، إنّ هذه المحصّلة تُنتج ثلاث دلالات بحثيّة وتطبيقيّة أساسيّة على مستوى برمجة القنوات العربيّة الموجّهة للأطفال، كما يبيّنه تحليل الخصاونة (2024) لبرامج قناة براعم. تتمثّل الدّلالة الأولى في هيمنة المنظومة القيميّة الاجتماعيّة، بما يرجّح وظيفة التّنشئة الاجتماعيّة في البناء البرامجيّ، ويؤشّر في الوقت نفسه إلى حاجة ملحّة لإعادة موازنة هذا التوجّه عبر تعزيز القيم المعرفيّة والعلميّة، وإدماج مفاهيم المواطنة الرّقميّة، بما يدعم التعلّم المقصود، ولا يقتصر على ترسيخ السّلوكيات المقبولة اجتماعيّا فقط.
أمّا الدلالة الثّانية فتتمثّل في وضوح أداة الترميز المعتمدة في الدّراسة، سواء على مستوى المحتوى أو الشكل، بما يمنحها قابلية عالية للتّعميم المنهجيّ، ويجعلها صالحة للاستخدام كمعيار قياس عابر للقنوات والمنصّات الرّقميّة المختلفة، بما يسمح بإجراء مقارنات طولية وعرضية لرصد تحوّلات المزيج القيميّ في سياق التوزيع الإعلاميّ الهجين.
وتشير الدّلالة الثّالثة إلى أنّ اعتماد العدسة القيميّة يعزّز ما تذهب إليه أدبيات الدبلجة من محدودية نقل الأبعاد التّعليميّة والثّقافيّة الدقيقة في المحتوى المستورد، ما يجعل الإنتاج المحلي أو التكييف الثّقافيّ العميق خيارًا أكثر ملاءمة عندما تكون القيمة التّعليميّة هدفًا صريحًا للبرمجة، خصوصًا في ظل التّحوّل نحو نماذج توزيع متعدّدة المنصّات تعيد تعريف معايير الوصول، والسلامة الرّقميّة، والمشاركة التّفاعلية. وبذلك، يتحوّل تحسين “مزيج القيم” من توصيف وصفي للمحتوى إلى عنصر استراتيجي في تخطيط السياسات البرمجية لإعلام الطّفل.
وفي سياق متصل، تُظهر البيانات أنّ عددًا معتبرًا من القنوات والمنصّات العربيّة الموجّهة للأطفال يعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مضامين دينية في تشكيل هويته البرمجية. إذ تشير المعطيات الرّقميّة إلى أنّ 13 قناة من أصل 27 تُدرج البرامج الدّينيّة ضمن رسالتها الأساسيّة.
وبما أنّ الدّين يشكّل أحد المكوّنات الجوهرية للسلوك الاجتماعيّ والوعي الجمعي، ويؤثّر في أنماط الإدراك والقيم والتمثّلات الثّقافيّة (موسى حلس و ناصر ومهدي، 2010، صفحة 147)، فإنّ حضور هذه المضامين يكتسب أهمية تحليليّة خاصة، تستدعي تفكيكها ليس فقط من حيث حجمها الزمني داخل البرمجة، بل من حيث أنماط الخطاب القيميّ التي تنتجها، وحدود انسجامها مع متطلّبات التّنشئة النّقديّة والانفتاح الثّقافيّ في السّياق الرّقميّ المعاصر.
ومن دون الخوض تفصيليًا في كيفية تمثّل الهويّة الدّينيّة في مضامين القنوات والمنصّات الموجّهة للأطفال، سواء من حيث الحيّز الزمني أو الأشكال السردية أو طبيعة الخطاب، يظل من الضروري التوقّف عند موقع هذا النوع من البرامج في التأثير الاجتماعيّ طويل الأمد. ويُستأنس في هذا السّياق بالمقاربة الفيبيرية التي لا تنظر إلى الدين بوصفه منظومة عقدية معزولة، بل كنسق قيمي متداخل في الممارسات اليومية، يسهم في تشكيل أنماط السّلوك والتّنظيم الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسّياسيّ داخل الجماعات (فلوري، 2008، الصفحات 37 – 40). وعليه، فإنّ المضامين الدّينيّة الموجّهة للأطفال لا تُنتج فقط معارف إيمانية، بل تسهم ضمنيًا في بناء تصوّرات عن السّلطة، والانضباط، والمسؤولية، والعمل، والعلاقة بالآخر.
ومع ذلك لا بدّ من الإشارة، إلى أنّ هناك تمايزًا بين قنوات ووسائط إعلاميّة متعدّدة تتوجّه للأطفال العرب، ويتأتى هذا التمايز من أهدافها الأساسية، ومصادر تمويلها، وطرق تسويقها، والمشاهدين المستهدفين، ومدى البث، أي البعد الجغرافي لبثّها، واستخدام ومحتوى البرامج الرّقميّة لديها.
وفي هذا الإطار، يجد الطّفل العربيّ نفسه أمام منظومة إعلاميّة هجينة تجمع بين قيم تقليديّة منتَجة محلّيًا وقيم معولمة محمولة عبر المحتوى الأجنبي المدبلج، ما يُنتج مخيالًا ثقافيّا مركّبًا تتداخل فيه مرجعيات متباينة قد تتراوح بين تعزيز الانتماء المحلي والانجذاب إلى أنماط ثقافيّة عالمية. ولا يحدث هذا التّهجين في فراغ اجتماعيّ، بل يتقاطع مع واقع معيشيّ موسوم بالأزمات السّياسيّة والاقتصاديّة والعنف والتّهجير، ما يوسّع الفجوة بين القيم المثالية المعروضة إعلاميّا وتجارب الحياة اليوميّة للأطفال.
في المحصّلة، نجد أنّ غياب استراتيجيات إعلاميّة واضحة مبنية على رؤى تربويّة وتنمويّة متكاملة، وضعف الالتزام بمعايير حماية الطّفل وبناء الكفاءة الإعلاميّة، يطرح تساؤلات جدّية حول قدرة عدد من القنوات على أداء هذا الدور بصورة مسؤولة ومستدامة. وبذلك، لا يقتصر النّقاش على تقييم جودة المضامين، بل يمتد إلى مساءلة الحوكمة الثّقافيّة لإعلام الطّفل ودورها في تشكيل الهويّة والوعي في المجتمعات العربيّة المعاصرة.
رابعًا: واقع المنصّات الإعلاميّة العربيّة الموجّهة للأطفال
شهد العالم خلال العقود الثّلاثة الأخيرة تحوّلًا جذريًّا في أنماط الاتصال الرّقميّ، إذ انتقل الإنترنت من فضاء محدود النّطاق إلى بنية كونيّة يتّصل بها اليوم ما يقارب خمسة مليارات شخص. وفي العديد من السّياقات الاجتماعيّة، لم تعد التّقنيّات الرّقميّة تُعدّ ترفًا للأطفال، بل أصبحت جزءًا بنيويًا من أنماط اللعب، والتعلّم، وبناء العلاقات الاجتماعيّة، واكتساب مهارات المستقبل، بما يعيد تشكيل شروط التّنشئة والهويّة في الطّفولة المعاصرة. غير أنّ هذا التّحوّل لا يتم بوتيرة متكافئة عالميًا، إذ تستمر الفجوات الرّقميّة بين المناطق المتّصلة وغير المتّصلة، وبين المجتمعات المنتِجة للمحتوى وتلك المستهلكة له[15].
ومع صعود المنصّات الرّقميّة وتحوّل نماذج توزيع برامج الأطفال نحو صيغ هجينة تجمع بين البث الفضائيّ والمنصّات الشّبكيّة، يشهد الخطاب التّربويّ انتقالًا من نموذج الحماية السّلبيّة القائم على الرّقابة والحجب، إلى نموذج التّمكين النّقديّ الذي يركّز على تنمية التّفكير النّقديّ، والمشاركة الواعيّة، والكفاءة الرّقميّة لدى الأطفال. غير أنّ الإنتاج العربيّ الموجَّه للطّفولة ما يزال متباطئًا في تبنّي تكنولوجيا الوسائط الجديدة، وفي تطوير بدائل رقميّة أصيلة مثل التطبيقات التّفاعلية، ومنصّات الفيديو التّعليميّة، والألعاب الرّقميّة الداعمة للتعلّم، على الرغم من ازدهار هذا القطاع عالميًا.
وتظهر ملامح هذا التّحوّل بالاستناد إلى ما برز من خلال دراسة عبير سالم التي أظهرت أنّ التصوّرات العربيّة المعاصرة للتّربية الإعلاميّة بدأت تتجاوز منطق الوقاية إلى بناء “جمهور ممكَّن” قادر على التحقّق، والمساءلة، والمشاركة الفاعلة في البيئة الرّقميّة (Salem, 2024). كما تبيّن أبحاث ساكر وستيمرز أنّ التوزيع الهجين يعيد تعريف علاقة الطّفل بالمحتوى الإعلاميّ، ويربط سياسات الوصول، والسلامة، والمشاركة باستراتيجيات تمكينية تتلاءم مع بيئة رقميّة متحوّلة (Sakr Naomi, Steemers Jeanette , 2021, pp. 222-241).
وفي ظل هذه التّحوّلات، تواجه القنوات الفضائيّة الموجّهة للأطفال تحدّيات بنيويّة في مواكبة التّطوّر التكنولوجيّ وتلبية حاجات جيل رقميّ نشأ في سياق الذّكاء الاصطناعيّ والمنصّات التّفاعليّة. وتشير أدبيّات علوم التّعلّم إلى تحوّل منهجي من سؤال “ماذا نعرض للطّفل؟” إلى سؤال “كيف يتفاعل الطّفل مع المحتوى؟ وكيف تُصمَّم التّجربة الرّقميّة بما يدعم التعلّم النشط، والانخراط، والمعنى، والتّفاعل الاجتماعيّ، والتّكرار الممتع؟ (Zosh, Jennifer M. & Others, 2017, pp. 206-208)
ويطرح هذا الواقع تساؤلًا إشكاليًا حول مدى قدرة المنصّات والقنوات العربيّة على الانتقال من نموذج البثّ التّقليديّ إلى بناء بيئات رقميّة تعليمية تفاعلية تُسهم في تنمية الكفاءة الرّقميّة والهويّة الثّقافيّة للأطفال، بدل الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمحتوى.
وبذلك، يُعاد تعريف الهويّة الطفولية في البيئة الرّقميّة المعاصرة بوصفها عملية تفاعلية تُبنى عبر الممارسة، والمشاركة، والتخصيص الخوارزمي، لا عبر التلقّي الأحادي للمحتوى فقط. فالمنصّات الرّقميّة لا تتيح للأطفال استهلاك المضامين فحسب، بل تُنشئ فضاءات لتجريب الذات، وبناء الحضور الرّمزيّ، وتشكيل أنماط الانتماء والتّعبير والتّفاعل الاجتماعيّ. وبهذا المعنى، تتكوّن “الهويّة الرّقميّة للطّفل” عند تقاطع التّمثيلات البصريّة واللّغويّة للمحتوى، وأنماط التّفاعل التّقنيّ المتمثّلة في الإعجاب، والتّعليق، والمشاركة، واللّعب التّفاعليّ، وفق سياسات المنصّات التي تنظّم الرّؤية والانتشار والوصول.
وفي السّياق العربيّ، يواجه تشكّل الهويّة الرّقميّة للطّفل تحدّيًا مزدوجًا: فمن جهة، يظلّ الإنتاج الرّقميّ المحليّ الموجّه للأطفال محدودًا من حيث الابتكار التّفاعلي والتمثيل الثّقافيّ العميق، ما يدفع الأطفال إلى التّفاعل المكثّف مع منصّات ومحتويات عالمية تُعيد إنتاج نماذج هوياتيّة وقيميّة عابرة للسياقات المحلية؛ ومن جهة أخرى، لا تزال استراتيجيات التّربيّة الإعلاميّة العربيّة تميل إلى منطق الحماية والضّبط، أكثر من تمكين الطّفل من بناء ذات رقميّة واعية وناقدة، وقادرة على التّفاوض الثّقافيّ. وينتج عن هذا التّوتّر تشكّل هويّة رقميّة هجينة تتأرّجح بين الانتماء الثّقافيّ المحليّ ومنطق العولمة الرّقميّة، وتفتقر في كثير من الأحيان إلى أطر مرجعيّة تربويّة واضحة تنظّم علاقة الطّفل بالفضاء الشبكي.
كما أنّ التّحوّل من معيار “زمن المشاهدة” إلى معيار “جودة التّفاعل” يعيد تعريف وظيفة المنصّات من قنوات بثّ إلى بيئات بناء للهوية، حيث تتشكّل الكفاءة الرّقميّة، والقدرة على التعبير الذاتي، وإدارة الخصوصية، والتمييز النّقديّ بين المصادر، بوصفها مكوّنات أساسية للهويّة الرّقميّة النّاشئة. وبذلك، لا يصبح السّؤال المركزيّ مقتصرًا على نوعية المحتوى الموجّه للأطفال، بل يمتد إلى نوعية التّجربة الرّقميّة التي تُصمَّم لهم، وإلى مدى قدرتها على دعم بناء ذات رقميّة متجذّرة ثقافيًّا، منفتحة نقديًّا، وآمنة اجتماعيًّا.
خامسًا: الإعلام الموجّه للطّفل العربيّ في العصر الرّقميّ
يشهد الفضاء الإعلاميّ العربيّ منذ العقدين الأخيرين تحوّلًا بنيويًّا في إنتاج وتوزيع المحتوى الموجّه للأطفال، حيث لم يعد هذا المحتوى محصورًا في القنوات الفضائيّة التّقليديّة، بل أصبح يتدفّق عبر منظومة هجينة تجمع بين البثّ التّلفزيونيّ والمنصّات الرّقميّة التّفاعليّة. إذ لم يعد الطّفل متلقيًّا سلبيًّا، بل فاعلًا رقميًّا يشارك في اختيار المحتوى، وضبط زمن التّفاعل، وتقييم المواد، وإعادة تداولها ضمن بيئات شبكية متعدّدة (Sabry, T., & Mansour, N., 2019, p. 112).
وتُظهر الدراسات الإثنوغرافية أنّ التغلغل الواسع للإعلام الرّقميّ في المجتمعات العربيّة أعاد تشكيل علاقة الطّفل بالوسيط الإعلاميّ، ليس فقط من حيث أنماط الاستخدام، بل أيضًا من حيث تفاوت فرص الوصول إلى التكنولوجيا، وتنوّع المهارات الرّقميّة، وما يترتّب على ذلك من فروق في أنماط التعلّم والمشاركة والتمثّل الثّقافيّ (Sabry, T., & Mansour, N., 2019, p. 7).
وفي هذا السّياق، تتمايز القنوات الفضائيّة والمنصّات الرّقميّة بنيويًّا؛ فالأولى تقوم على بثّ خطّي بمحتوى مضبوط زمنيًّا ومحدودية في أدوات التّفاعل، بينما توفّر الثّانية وصولًا فوريًا، وخيارات تخصيص فردية، وإمكانات واسعة للتفاعل والتعليق والمشاركة، بما يعيد توزيع السلطة الرّمزيّة من المؤسسة الإعلاميّة إلى البنية التّقنيّة والخوارزمية (Children and social media, 2024).
كما تُتيح المنصّات الرّقميّة تنوّعًا لغويًا وأسلوبيا أكبر، إذ يمكن للأطفال الوصول إلى محتوى باللهجات المحلية أو باللغات الأجنبية، مع إمكانات الترجمة والدبلجة، إضافة إلى قدرتها على الاستجابة السريعة للتفضيلات الفردية، ما يعزّز الطابع الشخصي للتجربة الإعلاميّة (Ofcom, Children and Parents: Media Use and Attitudes Report, 2024, pp. 43-48). غير أنّ هذا التخصيص الخوارزمي لا يخلو من آثار ثقافيّة ومعرفيّة، إذ يسهم في تشكيل الذوق، وتكريس أنماط استهلاك متكرّرة، وقد يحدّ من الانفتاح على تنوّع المرجعيات الثّقافيّة.
وفي المقابل، لا يزال الإنتاج العربيّ الرّقميّ الموجَّه للأطفال محدودًا من حيث الابتكار التّفاعلي والاستثمار طويل الأمد، في ظل هيمنة المحتوى الأجنبي المدبلج الذي يقلّص الحوافز الاقتصاديّة والثّقافيّة لتطوير منتجات رقميّة أصيلة (Sakr Naomi, Steemers Jeanette , 2017, p. 7).
سادسًا: الإعلام ووعي الطّفل العربيّ في العصر الرّقميّ
تُعدّ مرحلة الطّفولة المرحلة التّأسيسيّة في بناء الوعي وتشكّل الهويّة، حيث تتميّز القدرات المعرفيّة والوجدانيّة بدرجة عالية من المرونة والقابلية للتشكّل بفعل المحيطات الرّمزيّة والاجتماعيّة (Vygotsky, L. S. & Others, 1978, pp. 52-58). وتشير أدبيات علم النفس النمائي إلى أنّ عمليات الإدراك، والانتباه، وبناء المعنى تكون في هذه المرحلة أكثر حساسية للمثيرات الثّقافيّة والوسائط التكنولوجية، بما يجعل أنماط التعرّض الإعلاميّ عنصرًا فاعلًا في إعادة تنظيم الخبرة المعرفيّة المبكّرة (Anderson, Daniel. R. & Others, 1981, pp. 151-157) .
وفي السّياق المعاصر، لم تعد عمليتا التّنشئة الاجتماعيّة وبناء المعنى محصورتين في الأسرة والمؤسّسة المدرسيّة، بل بات الإعلام الرّقميّ فاعلًا مركزيًّا يعيد تشكيل أنماط الإدراك والانتباه والتّفاعل، في ظل ما تصفه ليفنغستون بانتقال الطّفولة إلى بيئة “مُمَأسَسة بالبيانات” حيث تُعاد صياغة علاقة الطّفل بالمحتوى عبر الخوارزميات ومنطق المنصّات (Livingstone, Sonia & Others, 2019, p. 3)
ويُوصف أطفال اليوم غالبًا بأنّهم “رقميّون أصليون” نتيجة تعرّضهم المبكّر للتكنولوجيا الرّقميّة (Prensky, 2001, pp. 1-3) ، غير أنّ هذا المفهوم تعرّض لنقد واسع في الدّراسات الحديثة التي تؤكّد أنّ الكفاءة التّقنيّة لا تعني بالضرورة امتلاك وعي نقدي رقميّ أو قدرة على التمييز المعرفيّ، وأنّ الفجوات الطبقية والثّقافيّة ما تزال تُنتج تفاوتات عميقة في أنماط الاستخدام والتمكّن (Dijk, Digital inequality today is primarily about differences in skills, usage, and outcomes rather than mere access to technology, 2020, p. 71)
وتجدر الإشارة، إلى أنّ نموذج البثّ الخطي القائم على الجدولة الزّمنيّة والتّلقّي السّلبيّ لم يعد منسجمًا مع أنماط استهلاك الأطفال في البيئات الرّقميّة، حيث انتقلت الممارسة الإعلاميّة إلى المشاهدة عند الطلب، والتخصيص، والتّفاعل المباشر مع المحتوى ( Livingstone, Sonia; Blum-Ross, Alicia , 2020, pp. 27-33). وتُظهر التقارير أنّ الأطفال يفضّلون بشكل متزايد المنصّات التّفاعلية على التلفزيون التّقليديّ، ما يضع القنوات التي لا تزال تعمل وفق منطق البثّ الخطي أمام فجوة بنيوية في الاستجابة لتوقّعات الجمهور الناشئ (Ofcom, Children and parents: media use and attitudes report 2024, 2024, pp. 43-48) .
وفي السّياق العربيّ تحديدًا، تؤكّد الدراسات استمرار الاعتماد الكبير على البثّ الفضائيّ مقابل تباطؤ الاستثمار في المنصّات الرّقميّة الأصيلة للأطفال (Sakr Naomi, Steemers Jeanette , 2021, pp. 121-128). تفاوت بنيوي يُنتج فجوة متنامية بين منطق العرض التلفزيوني القائم على التوحيد الزمني للمحتوى، وبين توقّعات الأطفال الذين اعتادوا على التخصيص والمشاركة الفاعلة في بناء تجربتهم الإعلاميّة. ولا تعبّر هذه الفجوة عن إشكالية تقنية فحسب، بل عن تحوّل أعمق في توزيع السلطة الرّمزيّة، حيث تنتقل عملية تشكيل المعنى تدريجيًا من المؤسّسة الإعلاميّة إلى البنية الخوارزمية التي تتحكّم في الرّؤية، والانتشار، والإيقاع السّرديّ، بما يحوّل المنصّة إلى وسيط تربويّ غير مرئي ينظّم ما يُرى وما يُعاد تداوله (Gillespie, 2018, pp. 145-152).
وبذلك، يصبح وعي الطّفل العربيّ في العصر الرّقميّ نتاجًا لتفاعل معقّد بين المحتوى، والتّقنيّة، والتّفاعل، والوساطة الخوارزمية، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في وظائف الإعلام التّربويّة والثّقافيّة بوصفها جزءًا من بناء الهويّة الرّقميّة الناشئة، لا مجرّد قناة لنقل المعرفة أو الترفيه.
الجدير بالذكر، أنّه في أثناء قياس مستوى “المواكبة التّقنيّة” لدى القنوات العربيّة الموجّهة للأطفال، من حيث قدرتها على الانتقال إلى نماذج توزيع متعدّدة المنصّات تشمل التّطبيقات، والألعاب الرّقميّة، ومنصّات الفيديو عند الطّلب، برزت ثلاثة نماذج تطبيقيّة تعبّر عن درجات متفاوتة من التّحوّل المنصّاتي.
أوّلاً: يُجسّد النّموذج الأول تجربة قناة “ماجد” التّابعة لأبوظبي للإعلام، التي بادرت مبكرًا إلى بناء منظومة رقميّة متكاملة عبر إطلاق تطبيق Majid Universe، الجامع بين الفيديو، والألعاب، والأرشيف الرّقميّ للمجلة (800 ساعة، وأكثر من 2000 عدد)، ضمن حساب موحّد يعمل عبر أجهزة متعدّدة.
ويعكس هذا النموذج انتقالًا من منطق القناة إلى منطق النظام البيئي الإعلاميّ ــــــ التّعليميّ، حيث لا يقتصر الاستهلاك على البثّ الخطيّ[16]، بل يمتد إلى تجربة تفاعليّة متعدّدة الوسائط. ومع انتقال مركز الاستهلاك لاحقًا إلى منصة ADtv، التي توفّر البثّ الحي والمشاهدة عند الطّلب وإتاحة موسميّة مجانيّة، يتكرّس نموذج المنصّة العمومية بوصفها وسيطًا مركزيًّا لإدارة العلاقة مع جمهور الأطفال، وإعادة تنظيم الوصول إلى المحتوى والأرشيف والذّاكرة الثّقافيّة الرّقميّة.
ثانيًا: يتمثّل النّموذج الثّاني في تجربة قناة MBC3 ، المجموعة السّعوديّة، ضمن منظومة منصة “شاهد”، حيث يتجلّى تحوّل القناة إلى بيئة توزيع رقميّة قائمة على البثّ المباشر، والكتالوج المصنّف للأطفال، وأدوات الأمان الأبويّ، وبروفايلات الاستخدام المنفصلة، إضافة إلى تدفّق شراكات محتوى مدبلج عالية الكثافة. ويعكس هذا النّموذج منطق المنصّة التّجاريّة الخوارزميّة التي تعيد تشكيل تجربة الطّفل مع منطقة Kids المخصّصة للأطفال، وأدوات التحكّم الأبوي، وبروفايلات منفصلة تُهيّئ مشاهدة آمنة ومُوجّهة وفقًا للعمر، وفق آليات التخصيص والاشتراك واقتصاد الانتباه، بما ينقل الهويّة الإعلاميّة للطّفل إلى فضاء استهلاكي عالمي الطابع.
وفي شباط/ فبراير في العام 2024 أطلقت شاهد BBC Kids بنحو 200 ساعة، مدبلجة بالكامل إلى العربيّة وفي بيئة مشاهدة آمنة، مع وصول عناوين بارزة إلى شاشة MBC3 مثل Hey ـــــــــ Duggee وهو ما يدعم التحديث المستمر في نافذة الأطفال داخل المنصّة. في حين شهد العام 2025 توسيع المحفظة بصفقات محتوى جديدة مثل TwelveP Animation ، ما يعكس تدفّقًا مُنتظمًا لأعمال أطفال إضافية إلى المنصّة[17].
ثالثًا: يُجسّد النموذج الثالث منصّة Spacetoon GO بوصفها خدمة OTT متخصّصة، تعتمد نموذج الاشتراك الخالي من الإعلانات(SVOD)، وتوجّه محتواها أساسًا نحو الرّسوم والأنمي المدبلج بالعربيّة، مع تركيز واضح على جودة العرض، والضّبط الأبويّ، وإدارة الوصول الانتقائيّ مع مكتبة تُسوِّق نفسها كـ “آمنة ــــــــ نظيفة للعائلة”، مدعّمة Full-HD وخيارات العرض على الشّاشات الذّكيّة، وهذه الخصائص موثَّقة في صفحات التّطبيق على App Store وGoogle Play وفي الموقع الرّسميّ الخاص بالقناة. يُنتج هذا النّموذج تجربة رقميّة أكثر نوعية، حيث تتشكّل هوية رقميّة قائمة على التّخصّص الثّقافيّ والانتقاء، لكنّها أقل اندماجًا في الفضاء الاجتماعيّ الرّقميّ الواسع.
وتضمّ المنصّة ميزة Cinema GO، حيث تتيح الشّراء والاستئجار داخل التّطبيق، ومن جهة نموذج الوصول، تُبيّن صفحة الفوترة المباشرة أنّ الخدمة VOD موجّهة للرسوم والأنمي، وأنّ معظم المكتبة مُدبلَج بالعربيّة، مع ضبطٍ أبويّ، مع إتاحة الفرصة لتقديم الحلقتين الأوليتين مجانًا من كل مسلسل قبل الحاجة للاشتراك[18].
في هذا الإطار، تكشف المقارنة بين هذه النّماذج أنّ “المواكبة التّقنيّة” ليست معيارًا تقنيًا محضًا، بل مؤشرًا على اختلاف أنماط بناء العلاقة بين الطّفل والمنصّة، وعلى تنوّع تموضعات الهويّة الرّقميّة بين نموذج تربويّ عمومي، ونموذج تجاريّ عالميّ، ونموذج متخصّص انتقائيّ.
كما تُظهر هذه النماذج أنّ تشكّل الهويّة الرّقميّة للطّفل العربيّ لم يعد مرتبطًا بمضمون القناة فقط، بل بالبنية المنصّاتية التي تنظّم الوصول، والتّفاعل، والتخصيص، والحوكمة، بما يجعل المنصّة نفسها وسيطًا هوياتيًا فاعلًا في إعادة إنتاج القيم والمخيال والانتماء، فيُعيد تشكيل أنماط التعلّم، والذوق، والانتماء، وحدود السيادة الرّمزيّة في البيئة الرّقميّة العربيّة.
في سياق متّصل، بيّنت قناتا جِيم وبراعم (beIN) ملامح تحوّل تقني متعدّد المنصّات يقوم على دمج البثّ الفضائيّ بالتطبيقات التّفاعلية والحضور المنظّم على يوتيوب وخدمات المشاهدة عند الطلب. فالمواد التعريفيّة الرّسميّة تؤطّر جِيم كمنصّة تعليميّة–ترفيهيّة تعتمد برامج تفاعليّة محدّدة ومسابقات مباشرة توظّف وحدات تفاعل موجّهة، فيما تقدّم براعم نفسها كمنصّة رقميّة تستهدف مرحلة الطّفولة المبكرة، بما يعكس انتقالًا جزئيًا من منطق البثّ الخطي إلى حضور رقميّ منظّم. ويُعزّز إتاحة بعض البرامج بصيغة VOD على منصّات المجموعة، مثل برنامج جِيم جواب على خدمة TOD، من تكريس نموذج التّوزيع الهجين دون بلوغ مستوى التّكامل التّفاعليّ الكامل[19].
وتعتمد SAT-7 KIDS نموذج المنصّة الرّقميّة عبر خدمة SAT-7 PLUS التي تجمع البثّ المباشر والمكتبة عند الطلب[20]، بما يعكس انتقالًا واضحًا من القناة إلى بيئة رقميّة ذات وظيفة قيمية وتربويّة موجّهة. كما تتيح قناة المجد للأطفال محتواها عبر تطبيق HADIF (أندرويد والتّلفاز الذّكي)، مع بثّ مباشر ومكتبة ضخمة تتضمّن أكثر من 10,000 حلقة من الرّسوم والبرامج التّعليميّة للأطفال، وتقدّم برامجها ضمن بيئة خالية من الإعلانات[21]، ما يعكس نموذج منصّة مغلقة نسبيًا عالية الضّبط القيميّ.
في المقابل، أدخلت قنوات مثل طيور الجنة[22] وكراميش[23] تحوّلًا رقميّا قائمًا أساسًا على الحضور المكثّف في يوتيوب وتطبيقات الهواتف الذّكيّة، بما يضع المحتوى ضمن منطق المنصّات الجماهيرية المفتوحة الخاضعة لاقتصاد الانتباه والخوارزميات، ويعكس تحوّلًا إلى منظومة توزيع رقميّ موازية للبثّ.
أمّا قناة Koogi TV القبطية ، فتُطوّر حضورًا رقميّا عبر متاجر التطبيقات إلى جانب البثّ الفضائيّ، موجّهًا إلى جمهور هويّاتي خاص، بما يعزّز تشكّل هوية رقميّة جماعاتية داخل فضاء رقميّ أوسع[24].
وفي المحصّلة، تكشف هذه النماذج أنّ “المواكبة التّقنيّة” لدى القنوات العربيّة الموجّهة للأطفال ليست مسارًا موحّدًا، بل طيفًا من أنماط التّحوّل يتراوح بين الرقمنة الوظيفية التي توسّع قنوات التّوزيع، والرّقمنة البنيويّة التي تعيد تشكيل العلاقة بين الطّفل والمنصّة، والتّفاعل، والضّبط القيميّ. ويترتّب على ذلك اختلاف جوهريّ في أنماط تشكّل الهويّة الرّقميّة، بين نماذج تربويّة منضبطة، ونماذج استهلاكية مفتوحة، ونماذج قيمية مغلقة، وهو ما يستدعي إدراج البعد المنصّاتي ضمن تحليل الهويّة الثّقافيّة للطّفل العربيّ.
وفي هذا السّياق، لم يعد الفضاء العمومي مقتصرًا على مؤسّسات الإعلام التّقليديّة، بل أصبح موزّعًا عبر منصّات رقميّة تُنظّم التّفاعل والخطاب وفق منطق تقنيّ وخوارزميّ، الأمر الذي يؤثّر مباشرة في أنماط تشكّل الوعي والخيال الاجتماعيّ لدى الفئات الناشئة (Dijk, The Platform Society: Public Values in a Connective World (2018), 2018, p. 27).
غير أنّ هذه المشاركة الرّقميّة لا تُعدّ بالضّرورة ممارسة ديمقراطيّة خالصة، إذ تخضع لآليات ضبط غير مرئية تتعلّق بالتّصميم التّقنيّ، واقتصاد الانتباه، وسياسات المنصّات، ما يجعل إنتاج الخطاب ذاته مشروطًا ببُنى السلطة الرّقميّة المعاصرة (Gillespie, 2018, pp. 145-152). وعليه، لا يمثّل هذا التّحوّل بالنّسبة للطّفل العربيّ مجرّد توسّع في أدوات التّعبير، بل إعادة تشكيل تدريجيّ للبنية الفكريّة وأنماط الإدراك والقيم، ضمن فضاء رمزيّ متداخل بين المحلي والمعولم.
وفي هذا الإطار، تشير تقارير اليونسكو إلى أنّ عددًا متزايدًا من القنوات العربيّة يسعى إلى مواكبة التطوّر التّكنولوجيّ في مضامينه وأدواته، وإن بدرجات متفاوتة من الجودة والتّخصّص، مع استمرار فجوة واضحة مقارنة بالمنصّات المتقدّمة عالميًا في دمج الذّكاء الاصطناعيّ، والتعلّم التّفاعليّ، وتصميم الخبرات الرّقميّة الموجّهة للأطفال (UNESCO, 2024, pp. 18-24).
كما تؤكّد مراجعات اليونيسف أنّ البيئة الرّقميّة لم تعد خيارًا ترفيهيًا للأطفال، بل ضرورة بنيويّة، غير أنّ فجوات البنية التحتيّة، والمهارات الرّقميّة، وآليات القياس والتقويم قد تؤدّي إلى تعميق اللامساواة إن لم تُعالَج ضمن سياسات شمولية ومنهجية (UNICEF, 12 June, 2025, pp. 6-11) .
ولا ينطلق هذا التّحليل من موقع التقويم الأخلاقي أو المفاضلة بين النّماذج الإعلاميّة، بقدر ما يهدف إلى توصيف التّحوّلات البنيويّة التي تشهدها القنوات والمنصّات العربيّة الموجّهة للأطفال التي باتت تعتمد رؤى استراتيجيّة، ونماذج تقييم، وسياسات توسّع تتجاوز الحدود الوطنيّة نحو فضاءات عابرة للثّقافات. ويُنتج هذا التّحوّل نموذجًا جديدًا لفضاء إعلاميّ عربيّ للأطفال، يختلف عن النّمط التّلفزيونيّ التّقليديّ من حيث منطق التّوزيع، والتّفاعل، وبناء الجمهور.
وفي ضوء ذلك، تتكامل الأدبيات النّظريّة وأدلّة الأثر والسّياسات الدّولية لتدعم انتقال التّربيّة الإعلاميّة من نموذج الحماية السّلبيّة القائم على الحجب والرّقابة، إلى نموذج التّمكين النّقديّ الذي يركّز على تنمية مهارات الوصول الآمن، والتحقّق، والتّفكير النّقديّ، والمشاركة الواعية في الفضاء الرّقميّ (European Audiovisual Observatory, 2024, pp. 3-4)، غير أنّ هذا التّحوّل لا يزال محدود الحضور داخل المنظومة العربيّة الموجّهة للأطفال، ما يفتح مجالًا واسعًا لإعادة بناء السّياسات والبرامج وفق مقاربة تربويّة رقميّة مستدامة.
خاتمة
نحو “قيمٍ” تُصمَّم… لا تُفترض
يؤكّد هذا البحث أنّ أحد المحاور الجوهرية في بناء سياسات إعلاميّة موجّهة للطفولة يتمثّل في الانتقال من التعامل مع القيم بوصفها مضامين أخلاقية مُفترضة، إلى مقاربتها بوصفها أنساقًا تصميمية مضمَّنة داخل البنى التّقنيّة والمنصّات الرّقميّة التي تشكّل خبرات الطّفل اليومية. ففي عصر تُعاد فيه صياغة التجربة الإعلاميّة عبر خوارزميات التوصية، وواجهات التّفاعل، وأنظمة القياس، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا يشاهد الأطفال؟ بقدر ما أصبح: أي منظومة قيم تُبنى ضمنيًا حين نختار المحتوى، ونُدبلجه، ونُنتجه، ونُقيّمه؟
وقد أظهر التحليل أنّ جزءًا واسعًا من الإنتاجات العربيّة الموجّهة للأطفال لا يزال محكومًا بمنطق الترفيه السريع والدبلجة، مع حضور غير متوازن للقيم العميقة المرتبطة بالمعرفة، والتعاطف، والمسؤولية، والتفكير النّقديّ، مقارنةً بقيم عابرة قصيرة الأثر. في المقابل، يفتح الذّكاء الاصطناعيّ إمكانات غير مسبوقة لتحويل القيم من شعارات عامة إلى متغيّرات تربويّة قابلة للتصميم والقياس والتخصيص، شريطة إخضاعها لإطار أخلاقي وتربويّ صارم يحدّ من تحيّزات الخوارزميات.
وتُحيل فكرة “الهندسة القيميّة” عمليًا إلى تصميم أنشطة رقميّة، وسيناريوهات تفاعليّة، وألعاب تعليميّة تُقاس آثارها على مؤشّرات مثل تنمية التعاطف، وتوسيع المفردات اللّغويّة، وتحسين مهارات حلّ المشكلات، بحيث تصبح التّحليلات الرّقميّة خادمة للأهداف التّربويّة لا موجِّهة لها. ويتقاطع هذا التوجّه مع مقاربات التصميم الحسّاس للقيم التي تؤكّد ضرورة إدماج المبادئ الأخلاقية منذ المراحل الأولى لتصميم النّظم التّقنيّة مع نتائج علوم التّعلّم، التي تبيّن أنّ الخبرات الأكثر فاعليّة هي تلك التي تكون نشِطة، ذات معنى، اجتماعيّة التّفاعل، وتكراريّة تخدم الهدف المأمول.
كما يقتضي هذا التّحوّل إعادة تعريف مفهوم “التّوطين الإعلاميّ” ليغدو ترجمةً قيميّة وثقافيّة لا لغويّة فقط، تحافظ على المعنى الرّمزيّ والسّياق الحضاريّ وتُسهم في ترسيخ اللّغة والهويّة، بدل الاكتفاء باستيراد القوالب السّرديّة والتّمثيليّة الجاهزة. وعليه، تدعو نتائج البحث صُنّاع القرار والمنتجين إلى الانتقال من مؤشّرات الكمّ، المتمثّل عادّة في عدد السّاعات، نسب المشاهدة، إلى مؤشّرات الأثر القيميّ– التّعليميّ، مثل تطوّر المهارات اللّغويّة، وجودة السّرد، وأنماط المشاركة، ومستويات الأمان والعدالة الخوارزميّة. ويتطلّب ذلك بناء مصفوفات قياس واضحة، ومختبرات محتوى قائمة على التّجريب والتّقويم المستمر، ضمن شراكات تجمّع الإعلاميّين بالمختصّين التّربويّين والاجتماعيّين والنّفسيين.
وفي هذا الأفق، لا يعود الذّكاء الاصطناعيّ مجرّد أداة تقنية لتكثيف الاستهلاك، بل منصّة لإعادة تشكيل الخيال الطّفوليّ ضمن إطار قيمي واعٍ يوازن بين الإبداع، والهويّة، والعدالة الرّقميّة، بما يفتح سؤالًا بحثيًا واستراتيجيًا مفتوحًا حول قدرة الإعلام العربيّ الموجّه للأطفال على الانتقال الفعليّ نحو نموذج تصميمي قيمي يُراعي مصلحة الطّفل الفُضلى.
المراجع والمصادر
- Herman, Edward S.; Chomsky, Noam . (1988). Manufacturing consent: The political economy of the mass media. New York, USA: Pantheon Books.
- Livingstone, Sonia; Blum-Ross, Alicia . (2020). Parenting for a Digital Future: How Hopes and Fears about Technology Shape Children’s Lives . Oxford, England: Oxford University Press.
- Shoemaker, Pamela J.; Reese, Stephen D. . (2014). Mediating the Message in the 21st Century. Oxford, England: Routledge .
- Abulawi, Farah Mustafa & Others. (2022). Modern Standard Arabic vs. Egyptian Vernacular in Dubbing Animated Movies: A Case Study of A Bug’s Life. United States: International Journal of Communication and Linguistic Studies.
- Alkhasawneh, I. F. (2024). The role of animation in instilling values in children: An analytical study of “Baraem” Channel Programmes. Mutah Journal of Humanities and Social Sciences, 39.
- Anderson, Daniel. R. & Others. (1981). The effects of TV program comprehensibility on preschool children’s visual attention to television. Society for Research in Child Development, 7.
- Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity. Cambridge, UK: Polity Press .
- Corsaro, W. A. (2015). The Sociology of Childhood. California, USA: SAGE Publications, Inc.
- Dijk, V. (2018). The Platform Society: Public Values in a Connective World (2018). The International Society of Markets and Development, 10.
- Dijk, V. (2020). Digital inequality today is primarily about differences in skills, usage, and outcomes rather than mere access to technology. Canbridge, UK: Polity Press.
- European Audiovisual Observatory. (2024). Media literacy and the empowerment of users. Strasbourg, France: Council of Europe.
- Gillespie, T. (2018). Custodians of the Internet: Platforms, Content Moderation, and the Hidden Decisions That Shape Social Media. New Haven, USA: Yale University Press.
- https://www.esafety.gov.au/research/children-and-social-media, Australian. (2024, September). Retrieved from eSafety Commissioner.
- Livingstone, Sonia & Others. (2019). Children’s data and privacy online: Growing up in a digital age. An evidence review. London, UK: London School of Economics and Political Science.
- Marcus Banks, Howard Morphy. (1997). Rethinking Visual Anthropology. London – UK: Yale University Press.
- Muller, P. (2001). Politiques Publiques et effets d’information “ papier presente’ a: les Effets d’information en politique : (Vle congres de l’ Association francaise de science politique ). Paris – France: Harmattan.
- (2024). Children and Parents: Media Use and Attitudes Report. London, UK.: Ofcom.
- (2024). Children and parents: media use and attitudes report 2024. London, UK: Ofcom.
- patrick-charaudeau. (2006). Identités sociales, identités culturelles et compétences. Retrieved from http://www.patrick-charaudeau.com/Identites-sociales-identites.html.
- Postman, N. (1985). Amusing Ourselves to Death. New York, U.S.A. : Penguin Group.
- Prensky, M. (2001). Digital Natives, Digital Immigrants. The International Journal of Learning Futures, 7.
- Richards, M. B. (2010). Mass Media ‘s Relationship with Adolescents ‘ Values and Behaviors: A Theory of Mediated Valueflection. Georgia state: Georgia state University.
- Sabry, T., & Mansour, N. (2019). Children and screen media in changing Arab contexts: An ethnographic perspective. Cham / Switzerland: Palgrave Macmillan / Springer Nature.
- Saed, Hadeel & others. ( 2024). Dubbing English edutainment: Localizing educational content for Arab children. Research Journal in Advanced Humanities, 17.
- Sakr Naomi, Steemers Jeanette . (2017). Children’s TV and Digital Media in the Arab World: Childhood, Screen Culture and Education. New York, USA: Bloomsbury Academic.
- Sakr Naomi, Steemers Jeanette . (2021). Children’s Television in an Era of Digital Distribution: Arab and European Responses. New York, USA: New York University Press.
- Salem, A. (2024). Media Literacy and Forces of Change:Perspectives from the Arab World (Vol. 9). Giza, Egypt: MSA University, Faculty of Mass Communication.
- Spranger, E. (1928). Types of men: The psychology and ethics of personality. Halle (Saale), Germany: M. Niemeyer (Max Niemeyer Verlag).
- (2024). UNESCO supports Arab States in developing AI competencies for students and teachers . UNESCO.
- (12 June, 2025). Childhood in a Digital World. Florence, Italy: UNICEF Office of Research – Innocenti.
- Vygotsky, L. S. & Others. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard, USA: Harvard University Press.
- Zosh, Jennifer M. & others. (2017). Learning through play: A review of the evidence. Billund, Denmark: The LEGO Foundation.
- Zosh, Jennifer M. & Others. (2017). Putting Education in “Educational” Apps: Lessons From the Science of Learning. Psychological Science in the Public Interest, 31.
- القمة العالميّة لمجتمع المعلومات. (10 ـ 12 كانون الأول ـ ديسمبر, 2003). إعلان مبادئ جنيـف. الأمم المتحدة. جنيـف. تاريخ الاسترداد 10 حزيران ـ يونيو, 2015، من http://www.itu.int/net/wsis/outcome/booklet/declaration_Aar.html
- الموسوي، نانسي ـ رعد، مريم. (2016). القيم المتضمنة في القصص المعرّبة الموجّهة للاطفال من عمر ثلاث إلى ثماني سنوات ـ دراسة تحليلية. بيروت ـ لبنان: كلية التّربيّة ـ الجامعة اللبنانية.
- إنتصار عبد الرزاق، صفد الساموك. (2011). الاعلام الجديد.. تطور الأداء والوسيلة والوظيفة (الإصدار الطبعة الأولى). بغداد ـــ العراق: جامعة بغداد.
- بشير، هدى وآخرون. (2015). واقع ثقافة الطّفل في المجتمع القطري. قطر: المركز الثّقافيّ للطفولة ـ واعدون، إدارة البحوث والتطوير ـ قطر.
- بلقزيز، عبد الإله، وآخرون. (تشرين الثاني ـ نوفمبر, 2013). الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم. سلسلة كتب المستقبل العربيّ 69، صفحة 195.
- بو عطيط، سفيان. (2012). القيم الشّخصيّة في ظل التغير الاجتماعيّ. منتوري، الجزائر: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ـ كلية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة.
- دراحي، السعيد. (كانون الأول ـ ديسمبر, 2013). التلفزيون والأطفال .. الإيجابيات المأمولة والانعكاسات السلبية المحذورة. التواصل في العلوم الانسانية والاجتماعيّة، صفحة 215.
- روبرت وشنو وآخرون. (2009). سلسلة العلوم الاجتماعيّة. تأليف التحليل الثّقافيّ (ترجمة فاروق مصطفى وآخرون، المترجمون). الاسكندرية ـ جمهورية مصر العربيّة: مكتبة الاسكندرية.
- روبرت وشنو وآخرون. (2009). سلسلة العلوم الاجتماعيّة. تأليف التحليل الثّقافيّ (ترجمة فاروق مصطفى وآخرون، المترجمون). الاسكندرية ـ جمهورية مصر العربيّة: مكتبة الاسكندرية.
- سيرجيو سبيني. (2001). التّربيّة اللّغويّة للطّفل. (فوزي عيسى وعبد الفتاح عبد الفتاح، المترجمون) القاهرة ـ مصر، دار الفكر العربيّ.
- صبحي غندور. (تشرين الثاني ـ نوفمبر, 2007). الهويّة الثّقافيّة العربيّة. تاريخ الاسترداد 15 ايلول ـ سبتمبر, 2016، من org: www.voltairenet.org/article152659.html
- عبد الغني عماد. (2009). سوسيولوجيا الثّقافة المفاهيم والإشكاليات. بيروت ـــ لبنان: مركز دراسات الوحدة العربيّة.
- علاء كاظم. (2013). الصّورة حكاية أنثربولوجية ـ معاينات مونوغرافية في ” الأنثروبولوجيا المرئية “ (الإصدار الطبعة الأولى). بيروت ـ لبنان: دار التنوير.
- غي غوتيه. (2012). الصّورة، والمكوّنات، والتأويل،. (سعيد بنكراد، المترجمون) بيروت ـ لبنان: المركز الثّقافيّ العربيّ.
- كنعان، أحمد علي. (1995). أدب الأطفال والقيم التّربويّة. دمشق، الجمهورية العربيّة السورية: دار الفكر.
- لعزيزي، سعاد. (2024). دور القنوات الفضائيّة المتخصصة في برامج الأطفال في تدعيم الهويّة الثّقافيّة العربيّة في ظل العولمة: دراسة ميدانية وتحليلية لعينة من برامج قنوات Spacetoon، MBC3، طيور الجنة (. الجزائر: جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال.
- لوران فلوري. (2008). ماكس فيبر (الإصدار الطبعة الأولى). (محمد علي مقلد، المترجمون) بيروت ـ لبنان: دار الكتاب الجديد المتّحدة.
- مجموعة من الباحثين والمفكرين العرب. (2008). تقرير حوار مستقبل الاستدامة في العالم العربيّ ـ رؤية من الجنوب. الاسكندرية ـ جمهورية مصر العربيّة: مكتبة الاسكندرية.
- معهد البحوث الاجتماعيّ والاقتصادي. (أيار ـ مايو, 2014). ملف العدد ـ مشروع مسح القيم العالميّة. مجلة قطر للبحوث(العدد الثالث).
- موسى حلس و ناصر ومهدي. (2010). دور وسائل الإعلام في تشكيل الوعي الاجتماعيّ. سلسلة العلوم الانسانية، المجلد 12(العدد 2).
- نصيرة لعموري. (تشرين الأول ـ اكتوبر, 2013). مشكلة اللّغة العربيّة عند الطّفل الجزائري. مجلة المعارف، السنة الثامنة(العدد 14).
- نهوند القادري عيسى. (2017). تأثير وسائل التواصل الاجتماعيّ في الشباب وصناعة التغيير. مؤتمر ثقافة الحوار ووسائل التواصل الاجتماعيّ. بيروت ـ لبنان: مديرية الدراسات والمنشورات في وزارة الاعلام اللبنانية.
- هلال، رضا. (2015). التعليم والتّنشئة السّياسيّة في العالم العربيّ. سلسلة دراسات.
[1] باحثة في الإعلام والأنثروبولوجيا، خبيرة ومستشارة إعلامية، أستاذة في الجامعة اللبنانية.
[2] “We shape our tools, and thereafter our tools shape us.” John M. Culkin, He was an American academic and former priest who was a leading media scholar and critic, educator, writer and consultant.
[3] هو اتجاه تؤكّده تقارير اليونيسف عالميًا، ومسوحٌ إقليمية طويلة المدى حول استخدام الوسائط في الشرق الأوسط، وتناولتها أيضًا دراساتٌ متخصّصة في إعلام الأطفال عربيًا، وكذلك أدبيات التربية الإعلامية والمعلوماتية في المنطقة، ومنها: . (UNICEF, 2017; Northwestern University in Qatar, 2019; Sakr & Steemers, 2017; Abu-Fadil, Grizzle, Melki, & Maaliki, 2016; DW Akademie, 2021).
[4] https://arabsatellitebroadcasting.net
[5] هي ماجد، قناة عمومية، تتبع لشبكة أبو ظبي للإعلام، وتبث برامجها باللغة العربية
[6] هذه النتائج تعود إلى إحصاء وتصنيف اجرته الباحثة ليلى شمس الدين خلال شهر حزيران 2025 استنادّا إلى تقرير إتحاد إذاعات الدول العربية عن “البث الفضائي العربي للعام 2023”.
[7] القنوات العربية الخاصّة 889 بينها 54 مخصّصة للأطفال، وفق إحصاء وتصنيف اجرته الباحثة ليلى شمس الدين خلال شهر حزيران 2025.
[8] تجدر الإشارة إلى أنّ جميع الأرقام والإحصائيات والمعلومات التي تضمّنها هذا البحث هي من تصميم الباحثة استنادًا إلى المعطيات التي أوردتها المراجع المذكورة ضمن هذه الورقة البحثية.
[9] بدأت منظمة مسح القيم العالمية عملها منذ العام 1981، بتنفيذ بحوث استقصائية وطنية من خلال مشروع الأبحاث العالمية بهدف تقديم إنتاجات بحثية بمواصفات دقيقة وذات جودة عالية، وقد نفّذت بحوثها حتى اليوم باستخدام الاستبيان المشترك فيما يقرب من 100 دولة، وهو ما يلامس 90 بالمائة من سكان العالم، بما في ذلك مقابلات مع ما يقرب من 400.000 مشارك، وعلاوة على ذلك تعتبر دراسات مسح القيم العالمية أكبر دراسة زمنية في مقارنة غير تجارية عبر الدول، التي تغطي هذا الكم من الدراسات الموحّدة مع تغطية عابرة للمناطق الثقافية الرئيسية في العالم.
[10] World Values Survey Association. (n.d.). History of the WVSA.
Center for Political Studies, University of Michigan. (n.d.). World Values Survey (WVS).
IHSN/World Bank Microdata Catalog. (n.d.). World Values Survey – project description.
McMaster University Library. (n.d.). World Values Survey (WVS).
WVS site (news/about). (2020). …over 100 countries containing 90% of the world’s population; largest base of empirical evidence…. تمّ الاسترجاع بتاريخ 5 أيلول / سبتمبر 2025
[11] بحيث فاقت نسبة العناوين، أو الدقائق المرمَّزة، من الأعمال الأجنبية المدبلجة الـ 50% من عيّنة التحليل ضمن القناة في الفترة المدروسة؛ وبالتالي شكّلت الغالب عدديًا وزمنيًا مقارنةً بالأعمال الأصلية المنتَجة محليًا.
[12] beIN Media Group. JeemTV (edutainment positioning; multi-platform). From https://www.bein.com/en/kids/jeemtv/
[13] beIN Media Group. Baraem (pan-Arabic preschool channel; family/learning focus).
from https://www.bein.com/en/kids/baraem/
[14] أظهر تحليل محتوى 118 حلقة من برامج قناة “براعم” للأطفال أنّ هذه البرامج تحمل قيمًا اجتماعية وعلمية وجمالية واقتصادية تساهم في غرس القيم لدى الطفل، مع تباين نسبها، بالإضافة إلى توصية بتركيز الإنتاج المحلي لتعزيز القيم الإيجابية لدى المشاهد الصغير.
[15] بحسب تقرير لليونيسف بعنوان” Childhood in a Digital World ” الطفولة في عالم رقمي، نُشر في حزيران / يونيو العام 2025، وقد ورد هذا المضمون في مقدّمة التقرير. https://www.unicef.org/innocenti/reports/childhood-digital-world، تاريخ الاسترداد في 15 أيلول/ سبتمبر 2025.
[16] https://www.admn.ae/en/Article/4231604/abu-dhabi-media-launches-majid-universe-app–a-new-digital-p تمّ الاسترداد بتاريخ 10 ايلول/ سبتمبر 2025
[17] BroadcastPro ME. (2024, February 2). BBC Kids content to launch on MBC Group’s Shahid.
C21Media. (2024, February 2). MBC picks up BBC Kids content for streamer Shahid; Hey Duggee lands on MBC3.
Shahid. (n.d.). Watch MBC3 – Live on Shahid.
Shahid. (n.d.). Parental control (Kids hub/promo page).
C21Media. (2025, July 8). MBC’s Shahid adds kids’ content from TwelveP Animation.
Worldscreen/TVKids. (2025, July 9). MBC’s Shahid Expands Kids’ Portfolio. تمّ الاسترداد لجميع هذه المواقع في 3 أيلول / سبتمبر 2025
[18] Spacetoon Go: Anime & Cartoons [App Store listing]. Apple Inc. Retrieved September 27, 2025, from the App Store.
Spacetoon Go: Anime & Cartoons [Google Play listing]. Google LLC.
Spacetoon GO – Official site [Arabic website: features, parental control, subscriptions
Spacetoon GO – Direct billing information [Partner page: VOD, “mostly dubbed in Arabic,” parental control, and “first two episodes free”. يُظهر الموقع الرسمي واجهة عربية وقسم “الميزات” و”التحكّم الكامل للأهل”، وتحديثات الكتالوج، بما يعزّز الصورة كمنصّة “تحت الطلب” موجّهة عائليًّا. تمّ الاسترداد في 4 أيلول/ سبتمبر 2025
[19]beIN Media Group. JeemTV.
beIN Media Group. Baraem.
BroadcastPro ME. (2020, October 7). beIN’s Baraem and JeemTV channels reveal new programme line-up for kids. (Confirms targeted educational programmes on YouTube as well as on linear beIN channels).
Jeem TV. Official YouTube channel.
TOD (beIN). (2025). Jeem Jawab . تمّ الاسترداد بتاريخ 1 أيلول / سبتمبر 2025
[20] SAT-7 PLUS. Live – SAT-7 KIDS. from SAT-7 PLUS website.
SAT-7. (2025, May 27). SAT-7 PLUS and the global shift towards streaming. تمّ الاسترداد في 4 أيلول / سبتمبر 2025
[21] Vision247. (2024, September 30). Hadif – Apps on Google Play.
Vision247. Hadif TV – Apps on Google Play.
[22]Toyor Aljanah TV, Official YouTube channel. تحديثات 2025
Toyor Aljanah. (2025, March 7). طيور الجنة – بدون إنترنت (Android app). Google Play.
[23] Karameesh Channel. Official YouTube channel. Karameesh. (2018). Karameesh (iOS app). App Store.
[24] Coptic Koogi. (n.d.). Developer page (Android apps). Google Play.
International Telecommunication Union. (2019). Regulating Over-the-Top (OTT) services [Briefing paper]. Geneva: ITU.




