أبحاثاللغة والأدب والنّقد

مساربُ الرؤيا التي تهدم الجدار تحليل نص الشّاعر عمر شبلي

مساربُ الرؤيا التي تهدم الجدار تحليل نص الشّاعر عمر شبلي

بقلم الناقد الجزائري الدكتور عبد القادر فيدوح

لتحميل البحث بصيغة PDF

يقتضي أفقُ الاستبصارِ في هذا المنظر الانعِتاقَ نحو “معراج الصمت الخلاق“، ذلك الفضاءِ السديميِّ الذي تتخلقُ فيه الصورةُ بوصفِها جوهرًا يشفُّ ولا يبين، “تَرى ولا تُرى“، مستكينةً في طوايا الكينونة كـ “ذخيرةٍ غيبية” تفيضُ بالمعاني البكر قبل أن يُقيدَها مِدادُ البيان. إنها اللحظةُ التي يتكثفُ فيها الوجودُ في ذروةِ احتقانِهِ، حيثُ لا تزالُ الفكرةُ طاقةً محضةً ترفضُ التجسدَ اللساني، محتميةً بـ “براءتِها الغاشمة” في مكمنِ الرّوح، لتظلَّ الرّؤيا قبلَ ولادتِها في الحرفِ عبارةً عن “نورٍ باطن” يدركُ الحقيقةَ بكليتِها دونَ حاجةٍ لوساطةِ الدال. إنها المرحلة التي لا تشير إلى صمت العدم أو غياب النطق، بل هي حالة من “الامتلاء الأنطولوجي” والاحتقان الكونيّ؛ حيث تبلغ المادة الخام للوجود ذروة غليانها وتوترها في رحم الخيال الإنساني، متأهبة للانبثاق العسير قبل أن تتنازل عن بكارتها لترتدي ثوب الشّاعر أو تنصاع لأسيجة النظم، على نحو ما جاء في قول الشّاعر:

تعاندُ القصيدةْ

حين تريدُ وصلَها

كأنها خريدةْ

تُلِحُّ في عنادها وتُجبرُ الإحساسَ أن

يبحثَ في لغتها عن لغةٍ جديدةْ

هذي هي القصيدة

تَرى ولا تُرى

لكنّها في داخلي محبرةٌ

وفي دمائي حبرُها كثيف

تأمرني فأنزفُ

وحبرُها لا ينشفُ[1]

يكشف هذا النص عن صراع مرير يقع في منطقة “اللاشكل“، حيث لا تظهر القصيدة بوصفها منتجًا لغويًّا طيّعا، بل بوصفه كيانًا وجوديًّا “يعاند” الشّاعر، ويرفض الانصياع لقوالب التعبير الجاهزة. إن وصفها بـ “الخريدة” (اللؤلؤة البكر أو الفتاة الخفرة/ المنسية) يخرج بها من حيز الصناعة الكلامية إلى حيز “الاستعصاء الكينوني“؛ فهي تأنف أن تكون صدى للغة قديمة، وتجبر الإحساس البشري الخام على خوض مغامرة البحث عن “لغة جديدة” تليق بجلال صمتها قبل النطق. هنا، نلمس ملامح تلك “الطاقة الهلامية” التي ترفض التحيز، وتصر على البقاء في حالة من السيولة التي تسبق هندسة الإيقاع وضوابط النحو، ما يضع الشّاعر – عمر شبلي – في مواجهة مباشرة مع هول التكوين.

تتجلى عظمة الرؤيا في هذا النص حين يؤكد الشّاعر أن القصيدة “تَرى ولا تُرى“؛ فهي بصيرة باطنية تسبق البصر الحسي، وهي “محبرة” مستقرة في الأعماق لا في الخارج. إن تحول الدم إلى “حبر كثيف” هو التجسيد الأقصى لاستعادة البعد الإنساني في الإبداع؛ فالمادةُ الأوّليّةُ هنا لا تَقومُ على مفرداتٍ مُستجلبةٍ من ذاكرةِ القواميس، بل هي “انبجاسٌ كيانيٌّ” و”أرقٌ وجوديٌّ” يتدفقُ في مَجاري الحَياة؛ حيثُ يتحوّلُ الوجعُ الشخصيُّ إلى مِدادٍ حَيٍّ يَسري في الشرايينِ قبلَ أن يَسيلَ على الورق. إنها لَحْظةٌ يتماهى فيها الوجودُ باللغة، لِيُصبحَ النَّصُّ “خُلاصةً مَقطوعةً من لَحْمِ التجربة“، فوق كونه “تراصفًا بيانيًا يفتقر إلى النبض“، بل هو احتراقٌ ذاتيٌّ يَتجذّرُ في العُروقِ، ويستمدُّ سُلطتَهُ من صِدْقِ تلكَ المكابدةِ التي تُحوّلُ النبضَ الإنسانيَّ إلى دالٍّ مَشحونٍ بالحياة. الشّاعر هنا لا يكتب القصيدة، بل “ينزفها” استجابة لأمرها القهري، وهو ما يؤكد أن الفعل الشّعري هو عملية “تفريغ للاحتقان الكوني” الذي تكتنز به الرّوح في محراب صمتها.

في هذا الفضاء السديمي، تتلاشى الحدود الفاصلة بين الكينونة الإنسانية للشاعر وبين القصيدة بوصفها حتمًا وجوديًا؛ إذ يقعُ الحلولُ التام بين الذات المتألمة وتجليها النّصيّ، ليغدو الفعل الشّعريُّ قدرًا لا مفرَّ منه، لا خيارًا جماليًا فائضًا. هنا، لا تعود القصيدة مادةً خارجيةً يصيغُها الشّاعر، بل تصبحُ هي هويّتَهُ المنبثقة من لُجّة الغيب، ويصبح هو قَناتها الإنسانية التي تعبر من خلالها المادة الخام إلى الوجود، في اتحادٍ أنطولوجي يجعل من النزف الذاتي والتشكل الفني وجهاً لعملةٍ كونيّةٍ واحدة، حيث يظل “حبرها لا ينشف“؛ لأن منبعها هو الحياة ذاتها في دفقها المستمر، لا في دلالاتها المنتهية. إن البحث عن “لغة جديدة” هو في جوهره محاولة الشّاعر لترميم الشرخ بين عظمة ما يختلج في داخله من “لاشكل“، وبين ضيق ما تمنحه اللغة من “أشكال“. وبذلك، يظل النص شاهدًا على تلك اللحظة التي ترفض فيها الفكرة أن تولد ميتة في الدال، فتختار أن تظل نابضة بحرارة الدم، متأبية على الجفاف، لتبقى القصيدة دائمًا هي ذلك “الغيب” الذي يتجلى في الحضور، والسر الذي يفيض عن طاقة التسمية.

في منطقة “اللاشكل“، لا يسكن الشّاعر لغةً جاهزة، بل يواجه سيولةً عارمة من الأخيلة التي لا يضبطها إيقاع، ولا يحكمها نحو؛ إذ تتحرك الفكرة في هذه العتمة الإبداعية كطاقةٍ هلامية، تسعى إلى امتلاك كينونتها. إن فك شفرة هذا الصمت يكشف لنا أن الفكرة تبدأ كـ “رعشةٍ حسية” أو “شرخٍ في الوعي”، حيث يتأّمل الإنسان في العالم بذهولٍ بدائي، فتصطدم الأشياء بذاته دون وسائط لسانية، مما يجعل “اللاشكل” هو المختبر الحقيقي الذي تنصهر فيه التجربة الإنسانية؛ لتتحول من واقعةٍ عابرة إلى “بؤرةٍ رؤيوية” مكثفة.

في هذه المساحة البرزخيّة، تمارس الفكرة حقها في التّمنع والغموض، وهي الحالة التي وصفتها العرب قديماً بـ “المكابدة”؛ حيث لا يواجه المبدع الكلمات، بل يواجه “هول الوجود” الذي يستعصي على التسمية. إن الصمت هنا هو “لغةُ المعنى قبل أن ينكسر على صخرة اللفظ”؛ فالفكرة في منطقة اللاشكل تكون في أبهى درجات كمالها وحريتها؛ لأنها لم تُسجن بعد في أطر الدال، ولم تخضع لعمليات البتر والحذف التي تفرضها ضرورة التواصل.

إنّنا في هذا المقامِ لا نُخضِعُ نَصًا “مُنجزًا” أو “مُغلقَ المَعنى” للتشريحِ المخبري، فذاك شأنٌ يجدُ مُستقرهُ في مَداراتِ القراءةِ الدلاليةِ، التأويلية؛ بل إنَّ مَسعانا يَنصبُّ على رَصْدِ “سَيْرُورةِ التَّخَلُّقِ” ذاتِها، وملاحقةِ الفكرةِ في عُنفُوانِ جُموحِها قبلَ أن تَستكينَ لِهَدْأةِ المعنى المُستقر. فنحنُ لا نَقِفُ على ضِفافِ القصيدةِ بوصفِها جُثةً لسانيةً هامدة، وإنما نَنْفُذُ إلى لُجّةِ “الانْبِثاقِ الأول“، حيثُ المعنى لا يزالُ بَرْقًا يَلمعُ في خيالِ الشّاعر قبلَ أن تُؤطِّرَهُ الدَّلالة، وحيثُ الفكرةُ مَحْضُ قَلَقٍ يرفضُ التَّحيُّزَ في قوالبَ نهائية.

إننا في هذا المقام لا نقتفي أثر المقاصد النهائية، أو الغايات الدّلاليّة التي قد يرمي إليها المبدع، فذاك انشغال بـ “ثمرة النص” بعد نضجها؛ بل إن مسعانا يتركز حول سبر أغوار “عنفوان التكوين” ورصد تلك الحركة الزلزالية التي يقرر فيها الإنسان الانعتاق من طمأنينة الصمت البكر ليقتحم وعورة المجاز. وهي في جوهرها لحظة “فداء وجودي” كبرى؛ إذ يدرك الشّاعر في مخاض بحثه عن جسد لغوي للفكرة أن كل عملية تسمية هي في الواقع بتر للامتداء اللانهائي، ومصادرة اللانهاية، وأن كل تعيّن في حرف هو فقدان قسري لرحابة “اللاشكل” الأولى، حيث كانت الرؤيا تفيض بالاحتمالات قبل أن يسجنها القول في ضيق العبارة، أو في إخضاعها إلى مغالطة “المصادرة على المطلوب” مع فلسفة البحث في “مهاد الرؤيا” تشابكًا عضويًا يكشف عن قصور المناهج النقدية التي تحاكم النص بنتائج مسبقة؛ فالبحث في المادة الخام للرؤيا هو في جوهره انحياز لمنطقة “اللاشكل” التي ترفض منطق الحجة الدائرية، حيث لا يمكن اعتبار النص نتيجة حتمية لمقدمات لغوية أو بنيوية مقررة سلفًا. إن المصادرة على المطلوب، بوصفها “مغالطة تداولية”، تقع حين يفشل الناقد في تغيير درجة ثقته بالمعنى، مكتفياً بإعادة إنتاج التزاماته الاعتقادية الأصلية، وهو تماماً ما تفعله المناهج التي تختزل الإبداع في “اللسانيات”، إذ تصادر على “إنسانية الشّاعر” قبل أن يبدأ بالقول، وتفترض في مقدماتها أن النص مجرد نظام مغلق، لتصل في النهاية إلى النتيجة ذاتها، مما يجعل من التحليل دوراً منطقياً لا ينفذ إلى جوهر المكابدة الإنسانية. وعلى هدي ما ذهب إليه جون ستيوارت مِل من أن القياس الاستنباطي قد يرتكب هذه المغالطة حين تفترض مقدمته الكبرى صحة النتيجة، فإن قراءة بداءة الفكرة تتطلب التحرر من “سطوة الموقف المسبق” الذي قد يخدع الناقد ويجعله يرى في “المادة الخام” صدى لتصوراته الذهنية لا حقيقة وجودية بكر؛ فمحبو الحكمة والجمال يدركون أن الرؤيا السديمة في طريقها لبلورة المعنى لا تحتاج إلى “تسوير” منطقي يصادر احتمالاتها، بل تحتاج إلى ملاحقة “ديناميكية التخلق” التي تجعل من المشكلة طريقاً للحل لا حلاً جاهزاً، ومن الدعوى مغامرة للبرهنة لا دليلاً ثابتاً. إن هذا المنظور يعيد الاعتبار للمسافة القلقة بين “الصمت البكر” وبين “وعورة القول”، رافضاً تحويل النص إلى “مصادرة وجودية” تكرر المقدمات في النتائج، ومؤسساً بدلاً من ذلك لمنطق الصيرورة الذي يرى في القصيدة وثبة نحو المجهول لا تقبل الارتهان لنتائج مبرمجة أو حجج دائرية تقتل “براءة الرؤيا” قبل أن تكتمل في جسد الدال.

يتسع أفق الاستبصار في هذا المنظور ليتجاوز التوصيف النقدي المعتاد، متجهًا نحو سبر أغوار “الكينونة المبدعة” في لحظة تجليها الأولى، حيث يغدو “برزخ ما قبل النص” هو الميدان الحقيقي لاختبار جوهر الإنسانية. إن هذا البحث يسعى إلى ردم تلك الهوة السحيقة التي خلفها النقد الأدبي التقليدي؛ فبينما انهمكت البنيوية والأسلوبية في تشريح “الجثة اللسانية” للنص بعد اكتماله، وانشغلت برصد العلاقات الهيكلية بين الألفاظ، كانت تغفل عن “شرارة الانبثاق“، التي لا تنتمي لعالم اللغة بقدر ما تنتمي لعالم الوجود. إن أسئلة “التخلق الإبداعي” لم تجد مأواها في النقد الأدبي الذي استلم مادة صمَّاء، بل ترحلت لتسكن فضاءات نظرية الأدب وفلسفة الفن وعلم الجمال، حيث يُنظر إلى الإبداع كعملية تفكير كلي وتأمل وجودي يسبق فعل الكتابة.

في هذه المنطقة، لا نستحضر الشّاعر كحرفي لغوي، بل كإنسان يواجه “الكمون البدئي“؛ وهي الحالة التي تتشابك فيها الفلسفة بعلم النفس لاستنطاق جدلية الوعي واللاوعي. هنا يبرز دور “اللاشعور الخلاق” الذي يختزن الوجع والمواقف الإنسانية، ليعيد صهرها في مرجل التأمل قبل أن ترتدي ثوب العبارة. إن المادة الخام في هذا البرزخ ليست مفردات مستعارة، بل هي شحنات من الوعي والتذكر، وقلق أنطولوجي يسكن العروق ويتحول إلى “محبرة غيبية” تنضح بالمعاني قبل أن يمسها مداد اللغة. وبذلك، فإننا نعيد الاعتبار لعملية ما قبل الكتابة بوصفها مخاضًا كونيًا“؛ حيث تُنتزع الفكرة من صمت اللاشكل، وتجتاز وعورة التكوين لتصبح رؤيا “ترى ولا تُرى” على حد تعبير عمر شبلي، محققةً بذلك تلك التضحية الوجودية الكبرى التي يغادر فيها الإنسان سكونه ليقتحم وعورة القول، فاتحًا بذلك أفقًا جديدًا لفهم الأدب ليس كمنتج نهائي، بل كـ ديناميكية تخلق” مستمرة، تستمد حياتها من دفق الإنسان الذي صاغها بدمه وتأملاته.

إن ما نتغياه، هنا، هو سبر أغوار “الكمون البدئي” بوصفه مفهومًا نظريًا يفسر كيف يتأهب الوجود للصيرورة أدبًا، مستفيدًا من التقاطعات العميقة بين النظرية النفسية التي تتقصى آليات الإبداع، وبين الفلسفة التي تستنطق جدلية الوعي واللاوعي؛ فالمبدع في لحظة “اللاشكل” لا يمارس ترفًا لغويًا، بل يعيش حالة من الاحتقان الأنطولوجي؛ حيث يذوب الفاصل بين التذكر والتأمل كأفعال فلسفية، وبين الشعور كدفق نفسي يمور في العروق.

إن هذه المادة الخام هي وليدة مخاض يعيد تعريف علاقة الأدب بالواقع، ليس بوصفه محاكاة آلية، بل بوصفه إعادة صياغة للكون في مِرجل الذات الإنسانية قبل أن تتدخل مقصّات الرقابة الواعية، أو قوانين النحو. نحن هنا أمام “ديناميكية التخلق” التي تجعل من عملية ما قبل الكتابة – وهي عملية تفكير وتأمل صرفة – جوهر الفعل الإبداعي، وهو ما ينسجم مع طروحات علم الجمال وفلسفة الفن التي ترى في الإبداع فعلًا تحرريًا يخرج بالإنسان من ضيق الواقع إلى رحابة الرؤيا. وبناءً عليه، فإن تجاوز “المصادرة على المطلوب” في هذا السياق يعني رفض التعامل مع النص كمعطى جاهز، والعودة – بدلاً من ذلك – إلى تلك “المحبرة الغيبية” التي تنضح بالدلالات في منطقة الكمون، حيث تختمر الفكرة في اللاشعور وتتغذى من وعي الإنسان بوجوده، لتنبثق في النهاية كصورة إبداعية “تَرى ولا تُرى”، محملة بوهج البدايات التي لم تُهذّبها بعد برودة القوالب النقدية.

بذلك، يغدو الصمت هو “الخزان الأنطولوجي” الذي يمد القصيدة بمددها الغيبي، فكلما كان مَهاد الرؤيا في مرحلة اللاشكل أكثر غليانًا وكثافة، جاء النص أكثر استعصاءً على التفسير اللساني المحض. إن ما نلمسه في نص عمر شبلي – مثلا – هو محاولة لاستنطاق “ما وراء الحرف”، ليس عبر تتبع الجمل والأساليب، بل عبر تتبع “أثر القلق” في خيال الشّاعر، الذي كان يتأمل في صيرورة الأشياء قبل أن يطوعها الحرف. ولعل هذا التحليل من شأنه أن يسقط الحجب عن تلك الآصرَة الخفيَّة بين المبْدع وَسَديمِهِ التَّكْوينيّ، حيث تظل الفكرة محتفظة بـ “سيادتها البكر” حتى في قلب القصيدة، لتذكّرنا دومًا بأن ما قيل ليس إلا شظايا مما اختمر في صمت اللاشكل العظيم.

[1] عمر  شبلي، ديوان، قاسيةٌ صناعةُ التاريخ، قيد الطبع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى