أبحاثالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعيّ

الثّورة الرّقميّة وأثرها في المجتمعات مقارنة بالثّورات التّاريخيّة الكبرى

الثّورة الرّقميّة وأثرها في المجتمعات مقارنة بالثّورات التّاريخيّة الكبرى

La révolution numérique et son impact sur les sociétés par rapport aux grandes révolutions historiques

د. أحمد فيصل حمزة

Dr. Ahmad Faysal Hamzé

               تاريخ الاستلام 1/ 9/ 2025                                      تاريخ القبول 30/ 9/2025

لتحميل البحث بصيغة PDF

ملخّص

يرصد هذا البحث أثر الثّورة الرّقميّة بوصفها تحوّلًا بنيويًّا غير مسبوق في تاريخ المجتمعات، ويقارنها بالثّورات التّاريخيّة الكبرى كالزّراعيّة والصّناعيّة. تنطلق الدّراسة من فرضيّة أنّ الثّورة الرّقميّة لا تمثّل امتدادًا لهذه الثّورات فحسب، بل تُحدث قطيعة نوعيّة معها من حيث طبيعة التّغيير، وسرعته، وشموليّته، إذ تتجاوز البُعد المادّيّ والجغرافيّ؛ لتعيد تشكيل مفاهيم الذّات، والهويّة، والمعرفة.

وتناول البحث انعكاسات هذا التّحوّل العميق على العلوم الإنسانيّة والأدبيّة، من خلال ما تفرضه من مراجعات جذريّة للمفاهيم، والمناهج التّقليديّة، خصوصًا في ظلّ صعود الوسائط الرّقميّة، وتحوّل القارئ إلى شريك في إنتاج المعنى. كما يناقش ظهور مجالات معرفيّة جديدة كالأدب الرقميّ، والسّوسيولوجيا الرّقميّة التي تعكس الحاجة إلى أدوات تحليل تستوعب التّداخل المتسارع بين التّقنيّ والثّقافيّ، والواقعيّ والافتراضيّ، في عالم بات أكثر ترابطًا من أيّ وقت مضى.

كلمات مفتاح : الثّورة الرّقميّة – تكنولوجيا – الذّات – الهويّة الرّقميّة – قانون مور – الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ – أتمتة – بوصلة فكريّة .

Résumé

         Cette recherche analyse l’impact de la révolution numérique en tant que transformation structurelle sans précédent dans l’histoire des sociétés, en la comparant aux révolutions agricole et industrielle. L’étude avance l’hypothèse que la révolution numérique ne constitue pas seulement un prolongement de ces révolutions, mais qu’elle marque une rupture qualitative avec elles, par la nature, la rapidité et l’ampleur des changements qu’elle engendre. Dépassant les dimensions matérielles et géographiques, elle redéfinit les notions de soi, d’identité et de connaissance.

       L’étude met en évidence les implications profondes de cette transformation sur les sciences humaines et littéraires, en soulignant la nécessité de réviser en profondeur les concepts et les méthodologies traditionnels, notamment à la lumière de l’essor des médias numériques et de la transformation du lecteur en partenaire actif dans la production du sens. Elle examine également l’émergence de nouveaux champs de savoir, tels que la littérature numérique et la sociologie numérique, qui traduisent l’exigence d’outils analytiques capables d’appréhender l’imbrication croissante entre le technique et le culturel, le réel et le virtuel, dans un monde désormais plus interconnecté que jamais.

Mots-clés :

Révolution numérique – Technologie – Soi – Identité numérique – Loi de Moore – Intelligence artificielle générative – Automatisation – Boussole intellectuelle.

مقدمة البحث

شهد التاريخ الإنسانيّ تحوّلات جذريّة، غيّرت مجرى الحضارات، مثل: الثّورة الزّراعيّة والثّورة الصّناعيّة، حيث أعادت تشكيل بنية المجتمعات من جذورها، وفي العصر الحديث بزغت الثّورة الرّقميّة كأحد أعظم التّحوّلات في تاريخ البشريّة، إذ فرضت نفسها كقوّة تغيير هائلة أعادت صياغة مفاهيم الحياة، والعمل، والمعرفة، والتّواصل، فما كانت تفعله الأمم في قرون، بات ينجز اليوم في أيّام بفضل التّقنيّات الرّقميّة التي اجتاحت جميع مجالات الحياة.

لقد شكّلت هذه الثّورة الرّقميّة انتقالًا نوعيًّا من العالم المادّيّ إلى عالم افتراضيّ واسع، حيث ألغيت الحدود الجغرافيّة، وتغيّرت طبيعة الاقتصاد، وتبدّلت انماط التّعليم، وتحوّلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحتّى بين الفرد وذاته، وعلى الرّغم من ما تحمله من وعود بالتّقدّم فإنّها أثارت أيضًا تساؤلات أخلاقيّة وثقافيّة عميقة، تمامًا كما أثارتها الثّورات التّاريخيّة الكبرى في زمانها.

في هذا البحث، سنسلّط الضّوء على ملامح الثّورة الرّقميّة، ونستعرض تأثيراتها الشّاملة على المجتمعات المعاصرة، مع إجراء مقارنة تحليليّة بينها وبين أبرز الثّورات التّاريخيّة الكبرى، كما سنحاول فهم طبيعة هذا التّغيير، هل هو امتداد لتاريخ الثّورات البشريّة، أم يمثّل قطيعة معرفيّة وبنيويّة مع ما سبق؟ وهل المجتمعات قادرة على مواكبة هذا التّحوّل السّريع من دون أن تفقد هويّتها، وعمقها الإنسانيّ؟

أهداف البحث

  • توضيح مفهوم الثّورة الرّقميّة.
  • تحليل طبيعة الثّورة الرّقميّة من حيث النّشأة والتّطوّر.
  • إجراء مقارنة منهجيّة بينها وبين الثّورات السّابقة.
  • استنتاج أبرز ما يجعلها ثورة مميّزة وخطيرة في آن معًا.
  • رصد التّحوّلات الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والثّقافيّة التي أحدثتها الثّورة الرّقميّة في المجتمعات المعاصرة.
  • استكشاف أثر الثّورة الرّقميّة في العلوم الإنسانيّة والأدبيّة، من حيث:
    • طرق إنتاج المعرفة.
    • أساليب البحث والدّراسة.
    • التّفاعل بين الإنسان، والنّص، أو الفكرة في العصر الرّقميّ.
  • اقتراح رؤية مستقبليّة لدور العلوم الإنسانيّة والأدبيّة في عصر الرّقمنة والذّكاء الاصطناعيّ.

الإشكاليّة

شهد التّاريخ البشريّ سلسلة من الثّورات الكبرى التي شكّلت تحوّلات جذريّة في بنية المجتمعات، مثل الثّورة الزّراعيّة، والثّورة الصّناعيّة التي أثّرت بشكل مباشر في نمط الحياة، والنّظم الاجتماعيّة، والمعرفة. ومع أواخر القرن العشرين، بدأت ملامح ثورة جديدة تُعرف بالثّورة الرّقميّة؛ وهي لا تقتصر على التّكنولوجيا فحسب، بل تمتدّ إلى تشكيل بنى ذهنيّة، وثقافيّة، واقتصاديّة جديدة، فتدفعنا إلى التّساؤل عن عمق هذا التّحوّل.

* إلى أيّ مدى تُحدث الثّورة الرّقميّة تحوّلًا بنيويًّا في المجتمعات المعاصرة مقارنة بالثّورات التّاريخيّة الكبرى؟

* ما انعكاس هذا التّحوّل على العلوم الإنسانيّة والأدبيّة من حيث المفاهيم، والمناهج، والإنتاج المعرفيّ؟

* هل تتجاوز الثّورة الرّقميّة في تأثيرها ما أحدثته الثّورات السّابقة، أم أنّها استمرار لها بأدوات مختلفة؟ ما التّرابط بين الثّورات الثلاث؟

* كيف غيّرت الثّورة الرّقميّة البنى الاجتماعيّة والثّقافيّة للأفراد والمجتمعات؟

* هل لا تزال العلوم الإنسانيّة والأدبيّة قادرة على مواكبة التّحوّلات الرّقميّة؟

* ما حدود التّأثير الرّقميّ على المنهجيّات والنّظريّات في الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأدب، والإنسانيّات؟

الفرضيّة

تفترض هذه الدّراسة أنّ الثّورة الرّقميّة لا تمثّل مجرّد امتداد تطوريّ للثّورات السّابقة، بل تُحدث قطيعة نوعيّة معها من حيث طبيعة التّحوّل وسرعته وشموليّته، إذ تُعيد تشكيل البنى الاجتماعيّة والثّقافيّة، وتفرض إعادة نظر جذريّة في مفاهيم ونُهج العلوم الإنسانيّة والأدبيّة، بما يستدعي تطوير أدوات تحليل جديدة تتناسب مع واقع إنسانيّ معولم، ومترابط، وغير مادّيّ في كثير من مظاهره.

  1. الثّورة الرّقميّة تجاوزت الحدود المادّيّة والجغرافيّة، بعكس الثّورات السّابقة ذات الطّابع المحلّيّ أو الصّناعيّ المادّيّ.
  2. أعادت تشكيل مفهوم “الذّات” و”الهويّة” من خلال منصّات التّواصل، والذّكاء الاصطناعيّ.
  3. فرضت تحدّيّات جديدة أمام العلوم الإنسانيّة، كإعادة النّظر في مفاهيم النّصّ، والمعنى، والتّلقّي، والمصداقيّة.
  4. غيّرت من طرائق إنتاج وتوزيع الأدب، وجعلت القارئ شريكًا فعليًّا في البناء السّرديّ (كما في السّرد التّفاعليّ).
  5. فتحت أفقًا جديدًا لتداخل التّخصّصات، مثل الأدب الرّقميّ، والسّوسيولوجيا الرّقميّة، والأنثروبولوجيا الحاسوبيّة.

أهمّيّة البحث

لأنّنا نعيش حاليًّا في خضمّ هذه الثّورة فالبحث:

  • يساعد على فهم تأثير الثّورة الرّقميّة على العلاقات الاجتماعيّة وأنماط الحياة اليوميّة.
  • يسهم في تحليل التّحوّل الرّقميّ ضمن إطار الثّورات الكبرى لفهم طبيعته ومراحله.
  • يوضّح كيف غيّرت الثّورة الرّقميّة أسواق العمل والأنشطة الاقتصاديّة.
  • يبيّن الفرق بين التّحوّلات الطّبيعيّة في التّاريخ والتّحوّل الرّقميّ السّريع الذي نعيشه الآن.
  • يكشف عن تأثير التّكنولوجيا في الهويّة الثّقافيّة ونقل المعرفة.
  • يقدّم مقارنة توضّح أوجه التّشابه والاختلاف بين الثّورة الرّقميّة والثّورات التّاريخية الكبرى.

منهج البحث

المنهج الوصفيّ التّحليليّ: لوصف ظواهر الثّورة الرّقميّة وتحليل آثارها.

المنهج المقارن: لمقارنة الثّورة الرّقميّة بالثّورات السّابقة (مثل: الثّورة الصّناعيّة أو الزّراعيّة)

تعريف عامّ بمفهوم الثّورة الاقتصاديّة

الثّورة الاقتصاديّة هي تحوّل شامل في النّظام الاقتصاديّ يغيّر أساليب الإنتاج والملكيّة والتّوزيع، ويؤدّي إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعيّة والطّبقات داخل المجتمع([1]).

وفي تعريف آخر للكاتب Heilbroner , Robert L. قال عن الثّورة الاقتصاديّة هي تحوّل جذريّ في أنماط الإنتاج، والتّوزيع، والملكيّة ضمن المجتمع يؤدّي إلى تغيير بنيويّ في العلاقات الاقتصادية والاجتماعيّة، وغالبًا ما يرتبط هذا التّحوّل بابتكار تكنولوجيّ أو تغير سياسيّ عميق([2]).

لمحة موجزة عن أبرز الثّورات التي شهدتها البشريّة

شهد التّاريخ الإنسانيّ ثلاث ثورات كبرى غيّرت مسار الحضارة بشكل جذريّ: الثّورة الزّراعيّة، والثّورة الصّناعيّة، والثّورة الرّقميّة، كلّ واحدة منها أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالموارد، والمعرفة، والمجتمع، ودفعت البشريّة نحو مرحلة جديدة من التّطوّر.

فالثّورة الزّراعيّة بدأت قبل حوالي 10,000 سنة ق.م.([3])، كانت البداية الحقيقيّة لتحوّل الإنسان من مجتمع بدائيّ متنقّل يعتمد على الصّيد وجمع الثّمار، إلى مجتمع مستقرّ يقوم على الزّراعة وتدجين الحيوانات، وقد أدت هذه الثّورة إلى تغيّرات عدّة جذريّة أهمّها: ظهور القرى والمدن الأولى – نشوء الملكيّة الخاصّة والتّراتبيّة الاجتماعيّة – وتأسيس بنى سياسيّة، وإداريّة لتنظيم الزّراعة والمياه، فشكّلت الأساس الأوّل للحضارات الإنسانيّة.

أمّا الثّورة الصّناعيّة التي ظهرت في القرى الثّامن عشر ميلاديّ([4])، مع اكتشاف الآلة البخاريّة، نقلت العالم من الزّراعة اليدويّة، والصّناعات التّقليديّة إلى الإنتاج الميكانيكيّ الجماعيّ؛ هذه الثّورة غيّرت كلّ شيء، حيث ظهرت المصانع، والطّبقة العامّة، وتسارعت عمليّة التّمدّن، وانتقال النّاس إلى المدن، ونمت الاقتصادات الرّأسماليّة، والأنظمة القوميّة، فكانت النّتيجة ولادة المجتمع الصّناعيّ الحديث، وبداية التّفاوتات الاقتصاديّة العالميّة.

بعدها أطلّت علينا ثورات جديدة، وهي الثّورة التّكنولوجيّة الرّقميّة (منذ أواخر القرن العشرين)، انطلقت مع الحواسيب والانترنت، والذّكاء الاصطناعيّ؛ لتنقل الإنسان من عصر الصّناعة إلى عصر المعلومات، فكان من أبرز معالمها: رقمنة العمل والتّعليم والخدمات، وتحوّل العلاقات الاجتماعيّة عبر وسائل التّواصل، وبروز سلطة البيانات، والشّركات التّقنيّة الكبرى، ونتيجة ذلك كان تغيّر جذريّ في بنية المجتمعات، وسرعة فائقة في التّغيير، تجعل الرّقمنة ثورة دائمة التّطوّر.

فكلّ ثورة لم تلغ ما قبلها بل تراكمت فوقها، فنحن لا نزال نزرع ونصنع، لكن تحت تأثير الرّقمنة؛ فالرّابطُ الجوهريّ الممتدّ من الزّراعة إلى صناعة الآلة، وصولًا إلى تسخير البيانات والعقل الرّقميّ، يكشف مسارًا تصاعديًّا للبشريّة، في سعيها إلى توسيع نطاق سيطرتها؛ إذ انتقلت من استغلال موارد البيئة إلى محاولة الهيمنة على المعرفة والواقع ذاته.

أولًا: الثّورة الرّقميّة

تتميّز التّكنولوجيا الرّقميّة بالتّحوّل المستمرّ، والتّوسّع التّدريجيّ، وتعزيز الإنتاجيّة في مجموعة واسعة من القطاعات والصّناعات. وقد أدّت أحداث محدّدة إلى اعتماد واسع النّطاق للتّقنيّات الرّقميّة التي غيّرت إلى الأبد طريقة تبادلنا للمعلومات واستخدامنا لها، فتشكّلت بداية عصر المعلومات.

             I.            تعريفها

هي العمليّة الانتقاليّة التي تمّت بالتّحوّل من التّقنيّات الميكانيكيّة البدائيّة خلال منتصف القرن العشرين إلى تقنيّات الإلكترونيّات الرّقميّة الحديثة، وذلك من خلال ظهور أوليّ للتّقنيّات الرّقميّة، بظهور لغات البرمجة مثل الصّفر والواحد، والانتقالات الحاصلة في تطوّر أجهزة الحواسيب الحديثة، وازدياد الإنتاج من أنواع الأجهزة الرّقميّة، وأجهزة التّسجيل الصّوتيّ، والصّوريّ([5]).

وفي تعريف آخر: يرى نيغروبونتي أنّ الثّورة الرّقميّة رحلة من الرّقمنة والأتمتة([6])، نحو مجتمع معلوماتيّ، لا يعتمد الوسائط المادّيّة التّقليديّة بل الشّيفرات الرّقميّة؛ فالثّورة الرّقميّة، بحسب نيغروبونتي، تعني الانتقال من التّعامل مع “الذرات” إلى “البتّات”([7]) إلكترونيًّا، أي تحويل المحتوى والممارسات إلى صورة رقميّة يمكن تخزينها ونقلها إلكترونيًّا، فتحدث تغييرات اقتصاديّة، واجتماعيّة، وثقافيّة عميقة([8]).

  1. نشأتها وتطوّرها

هناك أربعة عصور مميّزة في تطوّر التّحوّل الرّقميّ، وأجبرت الشّركات على التّكيّف مع كيفيّة عملها وخدمة عملائها:

  1. عصر ما قبل الإنترنت 1950 – 1989

هنا وُضعت اللّبنات الأساسيّة للثّورة الرّقميّة والتّحوّل الرّقميّ؛ ومكّن اختراع الرّقائق الدّقيقة وأشباه الموصلات من تحويل العمليّات اليدويّة إلى تقنيّات رقميّة.

كان هذا بمثابة انطلاقة أوّل تحوّل رقميّ كبير، وركّزت الشّركات على تحويل العمليّات القديمة إلى بيانات رقمية؛ عالميًا، أدّى هذا إلى ظهور حاجة ملحّة إلى تحوّل الأعمال، والتّغيير الثّقافيّ.

  • 1958  اختُرعت الشّريحة الدّقيقة، وأشباه الموصلات.
  • تعريف قانون مور([9]) لعام 1960.
  1. عصر ما بعد الإنترنت 1990– 2006

أحدث العصرُ الرّقميّ الرّاهن تحوّلًا جذريًّا، تمثّل في بروز تقنيّات رقميّة مبتكرة، غيّرت ملامح الحياة الإنسانيّة؛ فقد أسهم انتشار الإنترنت في نقل العالم من حالة العزلة إلى فضاء كونيّ مترابط، حيث أتاح التّواصل، وتبادل البيانات، والوصول إلى المعلومات العامّة مجالًا أكثر اتّساعًا وتكافؤًا للتّفاعل والمشاركة.

وشهدت أجهزة الكمبيوتر الشّخصيّة تطوّرًا هائلًا خلال هذه الحقبة، فأُتيح للنّاس الوصول إلى شبكة الويب العالميّة في غرف معيشتهم، وبدأت شبكات التّواصل الاجتماعيّ الأولى في الظّهور.

  • 1990م أصبح الإنترنت متاحًا للعامّة.
  • تأسّست شركة جوجل عام 1998م.
  • 2000م نصف الأسر الأمريكيّة لديها جهاز كمبيوتر شخصيّ.
  • تأسّست شركة فيسبوك عام 2004.
  • في عام 2005 وصل عدد مستخدمي الإنترنت إلى مليار على مستوى العالم.
  • أنشئ ([10]) AWS في عام 2006.
  1. عصر الهاتف المحمول
  • 2007 – 2019

مع تكيّف الشّركات مع الإنترنت الحديث، وإدراكها أثره العميق في أنماط أعمالها، شهد العالم تحوّلًا جوهريًّا جديدًا تمثّل في إطلاق هاتف iPhone عام 2007 الذي دشّن ثورة الهواتف المحمولة؛ فقد فتح هذا الحدث آفاقًا واسعة من الاحتمالات، وأوجد نماذج أعمال مبتكرة، وأدخل قنواتٍ اجتماعية ورقمية جديدة، فشكّل مرحلةً متقدّمة في مسار التّحوّل الرّقميّ.

وقد مهّد هذا التّطوّر لولادة رؤيةٍ مستقبليّة واضحة مفادها أنّ البرمجيّات ستعيد تشكيل جميع الصّناعات في العالم، وأنّ القوى الجديدة القائمة على الحلول البرمجيّة ستكون صاحبة اليد العليا في هذا النّظام الاقتصاديّ والتّقنيّ المستجدّ.

ومن اللّافت أنّ هذا المنعطف التّاريخي تزامن مع ظهور مصطلح “التّحوّل الرّقميّ” لأوّل مرّة في تلك المرحلة، وتحديدًا بعد أن قدّم مارك أندريسن عام 2011 مقاله الرّائد بعنوان “لماذا تهيمن البرمجيّات على العالم”؛ لتتبلور الفكرة تدريجيًّا حتّى ترسّخت عام 2013 مع بداية ما سُمّي بـ “عصر ما بعد الجائحة” الذي رسّخ حضور التّحوّل الرّقمي كاتّجاه عالميّ شامل.

  • 2020 – 2022

كانت آخر حقبة رئيسة هي حقبة ما بعد الجائحة، فقد أسهم الوباء في تسريع الابتكارات الرّقميّة، إذ اضطرّت الشّركات إلى إعادة النّظر في كيفيّة خدمة عملائها في عالمٍ بعيدٍ ومنعزل؛ وأدّى ذلك إلى تحوّلات في نماذج الأعمال، وأجبر الشّركات على نقل مبادرات التّحوّل الرّقميّ من قاعة مجلس الإدارة إلى خطوط المواجهة بإلحاح متزايد، وشكّل هذا التّسارع الحافز الذي احتاجته العديد من الشّركات لتحسين تجربة عملائها.

  • جائحة عالميّة 2020
  • بلغ إنفاق التّحوّل الرّقميّ في عام 2022، 1.6 تريليون دولار.
  1. عصر الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ

العصر الذي نعيشه اليوم هو بحقّ عصر الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ، إذ سرّعت جائحة “كورونا” وتيرَة الابتكارات الرّقميّة، واضطرّت الشّركات إلى إعادة النّظر في أساليب خدمة عملائها في عالمٍ يزداد بُعدًا وانعزالًا. كما سارع القطاع المصرفيّ إلى تبنّي أحدث التّقنيات الرّقميّة؛ مثل برامج المحادثة المعزّزة بالذّكاء الاصطناعيّ، وأنظمة الكشف المتقدّمة عن الاحتيال، بهدف تعزيز جودة خدمة العملاء ورفع مستوى الأمان، وفتح مسارات رقميّة جديدة بين العملاء والمؤسّسات.

ولا شكّ في أنّ التطوّرات المتسارعة في مجالات الذّكاء الاصطناعيّ والتعلّم الآليّ تؤدّي دورًا محوريًّا في دفع مبادرات التّحوّل الرّقميّ نحو آفاق أرحب. وعلى الرغم من أنّ تاريخ الذّكاء الاصطناعيّ يستحقّ جدولًا زمنيًّا خاصًّا به، فإنّ التّقدّم في التّعلّم الآليّ، وظهور أدواتٍ مثل «ChatGPT»، كفيلٌ بإحداث تحوّل عميق في طرائق عملنا، وتفاعلنا، وحياتنا اليوميّة.

جدول رقم (1) : التّطوّر المتسارع لبرامج الذّكاء الاصطناعيّ بعد سنة 2020 م.

الحدث التّاريخ
برنامج محادثة روبوتيّ ChatGPT نوفمبر 2022
الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ محورا ً رئيسًا في مختلف القطاعات 2023
تطوير الذّكاء الاصطناعيّ مفتوح المصدر مارس 2023
نموذج اللّغة الكبير، لتوليد التّعليمات البرمجيّة، وفهمها أبريل 2023
أطلقت شركة Open AI تطبيق IOS مايو 2023
توليد الصّور المدعومة بالذّكاء الاصطناعيّ، وتقديم نموذج اسمه Gemini ديسمبر 2023
تعزيز الإنتاجيّة والابتكار عبر القطاعات،

وإطلاق Open AI تطبيق Sora

فبراير 2024
أطلقت Meta LLAME نموذج اللّغة الكبير مفتوح المصدر[11]. أبريل 2024

أدّى هذا الواقع المتسارع إلى تحوّلاتٍ جوهريّة في نماذج الأعمال، وأجبر الشّركات على نقل مبادرات التّحوّل الرّقميّ من مستوى التّخطيط في قاعات مجالس الإدارة إلى مستوى التّنفيذ العمليّ في خطوط المواجهة، تحت ضغطٍ متزايد من الحاجة إلى التّكيّف والتّجديد؛ وقد شكّل هذا التّسارع الحافز الذي دفع العديد من المؤسّسات إلى تحسين تجربة عملائها وتبنّي حلولٍ أكثر ابتكارًا.

وفي نوفمبر 2022، أطلقت شركة OpenAI برنامج ChatGPT، وهو نموذج محادثة روبوتيّ رائد يعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ، مثّل نقلة نوعيّة في مجال معالجة اللّغة الطّبيعيّة، وفي قدرات الأنظمة الذّكيّة على التّفاعل البشريّ المتقدّم؛ وخلال خمسة أيّام فقط من إطلاقه، تجاوز تطبيق ChatGPT في ديسمبر 2022 حاجز المليون مستخدم، محقّقًا رقمًا قياسيًّا بوصفه أسرع تطبيق نموًّا في تاريخ التّطبيقات الموجّهة للمستهلكين.

أمّا في عام 2023، فقد أصبح الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ محورًا رئيسًا في مختلف القطاعات، مؤثّرًا في نطاق واسع من التّطبيقات، يمتدّ من إنشاء المحتوى إلى تحليلات الأعمال؛ كما شهد العام ذاته تصاعدًا ملحوظًا في النّقاشات التّنظيميّة والأبعاد الأخلاقيّة المرتبطة بتطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ، في دلالةٍ على عمق تأثيره المتزايد والحاجة الماسّة إلى أطرٍ تنظيميّة، تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التّقنيات([12]).

  • أنواع الذّكاء الاصطناعيّ ثلاثة

وفقًا لقدرات الذّكاء الاصطناعيّ، تُصنّف إلى ثلاث فئات، وهي:

  • الذّكاء الاصطناعيّ الضّيّق، أو الذّكاء الاصطناعيّ الضّعيف (ANI)
  • الذّكاء الاصطناعيّ العام، أو الذّكاء الاصطناعيّ القويّ (Agi)
  • الذّكاء الاصطناعيّ الفائق (ASI)

فيما يلي الاختلافات بين ANI وAGI و ASI:
1. الذّكاء الاصطناعيّ الضّيّق (ANI)

الذّكاء الاصطناعيّ الضّيّق، ويُطلق عليه أحيانًا اسم الذّكاء الاصطناعيّ الضّعيف، هو نوع محدّد من الذّكاء الاصطناعيّ الذي يركّز على القيام بالمهام باتّباع التّعليمات المحدّدة؛ على سبيل المثال، يستطيع نظام ترجمة اللّغات ترجمة الكلمات بدقّة عالية، لكنّه يواجه صعوبة في فهم معناها أو الفروق الثّقافيّة.

  1. الذّكاء الاصطناعيّ العامّ (AGI)

يُعَدّ الذّكاء الاصطناعيّ العامّ (AGI)، المعروف أيضًا باسم الذّكاء الاصطناعيّ القويّ، مرحلةً متقدّمة في تطوّر المفهوم التّقليديّ للتّعلّم الآليّ، إذ يرتقي بالآلة من مجرّد تنفيذ الأوامر إلى قدرةٍ واعية على الفهم والتّفكير واتّخاذ القرار؛ ففي هذا النّوع من الذّكاء الاصطناعيّ، تستطيع الأنظمة الحاسوبيّة تعلّم المهارات وحلّ المشكلات المعقّدة على نحوٍ يقارب الأداء البشريّ.

ويهدف الذّكاء الاصطناعيّ العامّ بوجهٍ خاص إلى تمكين الآلة من استيعاب المشاعر، والمعتقدات، والعمليّات الذّهنيّة البشريّة بصورةٍ حقيقيّة، لا مجرّد محاكاتها شكليًّا، بما يقرّبها من مستوى الإدراك الإنسانيّ الشّامل.

3.    الذّكاء الاصطناعيّ الفائق (ASI)

يُعَدّ الذّكاء الاصطناعيّ الفائق (ASI) قمّة هرم التّطوّر في مجال الذّكاء الاصطناعيّ، إذ يرى بعض الباحثين أنّ بلوغ هذا المستوى يعني تفوّق الآلات على القدرات العقليّة البشريّة، بما تمتلكه من ذكاءٍ لا محدودٍ وقدرةٍ فائقةٍ على التّعلّم، وحلّ المشكلات بوتيرةٍ أسرع من الإنسان.

وعلى الرّغم من الجهود البحثيّة المتواصلة لتطوير أنظمةٍ فائقة الذّكاء، فإنّ تحقيق هذا الهدف لا يزال تحدّيًا بالغ الصعوبة يتطلّب مراحل تمهيديّة أساسيّة، أبرزها الوصول إلى ما يُعرف بـ الذّكاء الاصطناعيّ العامّ (AGI)الذي يُعدّ الأساس الضّروريّ لقيام الذّكاء الاصطناعيّ الفائق.

وعلى الرّغم من الإنجازات المبهرة التي حقّقتها تقنيّات مثل واتسون من شركة IBM وسيري من Apple، فإنّ هذه الأنظمة ما زالت بعيدة عن مستوى الذّكاء الإنسانيّ الشّامل.

ويحلم العلماء بتطوير الذّكاء الاصطناعيّ لما قد يتيحه من قدراتٍ استثنائيّة في معالجة قضايا كبرى تواجه الإنسانيّة، كالتغيّر المناخيّ، والأمراض المستعصية، والفقر؛ غير أنّ هذا التّوجّه يثير في المقابل إشكالاتٍ أخلاقيّة واجتماعيّة عميقة، تتعلّق بحدود سيطرة الإنسان على هذه التّقنيات، وبمدى توافقها مع القيم الإنسانيّة([13]).

ثانيًا: وجه الاختلاف بين الثّورة الصّناعيّة الرّابعة (الرّقميّة) وما سبقها من ثورات

لفت البروفيسور كلاوس شواب، رئيس ومؤسّس المنتدى الاقتصاديّ العالميّ، انتباه زعماء العالم إلى أنّ الثّورة الصّناعيّة الرّابعة ستكون مختلفة عمّا سبقها من ثورات؛ وقال: إنّ الثّورة الصّناعيّة الرّابعة الجديدة ستشهد أربعة اختلافات تميّزها عن سائر الثّورات الصّناعيّة السّابقة التي أخرجت للعالم المحرّك البخاريّ، والكهرباء، فيسّرت سبل الإنتاج على نطاق واسع، وكذا أجهزة الحاسب التي فتحت الأبواب إلى العصر الرّقميّ.

وأضاف أنّ الاختلاف الأوّل هو السّرعة، وحذّر قائلاً: “ستكون الثّورة التّالية في سرعة موجات التّسونامي؛ عندما ننظر إلى النّجاح الهائل الذي ينتظرنا في السّنوات المقبلة، نجد أنّه سيكون جارفًا لدرجة تمنعنا من ملاحظة التّغييرات التي تحدث بسرعة هائلة (…) أمّا الاختلاف الثّاني فهو أنّ ما سنشهده ليس نجاحًا واحدًا فحسب، بل بالأحرى مزيج من النّجاحات المتزامنة، مثل: إنترنت الأشياء، وأبحاث الدّماغ، والطّائرات بدون طيّار، والرّوبوتات، والذّكاء الاصطناعيّ.”

واستطرد قائلاً: “وبالنسبة إلى الاختلاف الثّالث فيتمثّل في أنّ هذه الثّورة لن تكتفي بتقديم منتجات، وخدمات جديدة فحسب، بل ستغير الأنظمة؛ فلننظر إلى خدمة أوبر، إنّها لا تقدّم منتجًا جديدًا، بل نظامًا جديدًا للانتقال؛ وكذلك خدمة أير بي إن بي، فهي ليست منتجًا جديدًا بل نظام جديد من نظم الضّيافة؛ ومن هنا، يمكن أن نلاحظ أنّ هذه الثّورة تغيّر الأنظمة بالكامل، فهي تغيّر نهج الاستهلاك، والإنتاج بالإضافة إلى كيفيّة تنظيم سلاسل التّوريد.” )[14](

جدول رقم (2): مقارنة مستندة إلى منظور شواب

الثّورة الصّناعيّة السّابقة (1–3) الثّورة الصّناعيّة الرّابعة (الرّقميّة) العنصر
تغييرات تدريجيّة عبر عقود تغيّر سريع جدًّا، بمعدلات أُسيّة مفهوم التّحوّل
آلات ميكانيكيّة، وكهرباء، وحواسيب، وإنترنت تقنيّات ذكيّة متداخلة: ذكاء صناعيّ، وبيولوجيا، وروبوتات، وتقنيّات النّانو الأدوات والتّكنولوجيا
أتمتة بسيطة، وتدوير للإنتاج تغييرات أنظمة كاملة: نماذج أعمال جديدة، وظائف افتراضيّة، منصّة رقميّة طبيعة التّغيير في العمل
تغيير خارجيّ (من أسلوب الإنتاج) تغيير داخليّ: في هويّتنا، وخصوصيّتنا، وحتّى أجسامنا أحيانًا العلاقة مع البشر
محدود نسبيًا تبعًا لكل قطاع[15] شامل لجميع القطاعات والدّول، يؤثّر في الحكومات، والمؤسّسات، والجماعات حجم التّأثير

أما بالنسبة إلى الاختلاف الرابع الذي أشار إليه شواب، فهو أنّ هذه الثّورة “لن تغيّر ما نقوم به فحسب، بل ستغيّرنا نحن أنفسنا، ستكون مثل أجهزة استشعار زرعت داخل عقولنا (…) وهناك فرص هائلة تلوح في الأفق، وعلينا أن نبدأ في إعداد أنفسنا منذ الآن لاقتناصها؛ فنحن الآن نلتقي التّاريخ”([16]).

والثّورة الرابعة تُعرف بـ اندماج تقنيّ غير مسبوق”، يفصل تدريجيًّا بين العوالم الفيزيائيّة والرّقميّة والبيولوجيّة، وتعتمد على تقنيات مثل الذّكاء الاصطناعيّ، وإنترنت الأشياء، والطّباعة ثلاثيّة الأبعاد، والرّوبوتات وتحليل البيانات؛ ومقارنة بثورات سابقة، فهي تتّسم بسرعة أُسيّة ونطاق عالميّ، وتؤثّر في القوّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والمعرفة البشريّة([17]).

ثالثًا: مميّزات الثّورة الصّناعيّة الرّابعة ومخاطرها

تُعدّ الثّورة الصّناعيّة الرّابعة (4IR) مرحلة نوعيّة في تطوّر الحضارة البشريّة، فهي تتّسم بخصائص تجعلها مميّزة، وخطيرة في الوقت ذاته؛ ووفقًا لـ Xu, David, و Kim (2018)، تتميّز هذه الثّورة باندماج غير مسبوق بين التّقنيّات الرّقميّة والفيزيائيّة والبيولوجيّة، فتؤدّي إلى طمس الحدود التّقليديّة بين هذه المجالات. هذا الاندماج يُمكن من تطوير أنظمة إنتاج ذكية تعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ، إنترنت الأشياء، الروبوتات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من التقنيات التي تتفاعل بشكل لحظي مع البيئة المحيطة.

تتمثّل الميزة الكبرى لهذه الثّورة في سرعتها الهائلة التي تفوق الثّورات الصّناعيّة السّابقة بشكل أُسي وليس خطيًّا؛ فالتّطوّرات التّقنيّة تحدث بوتيرة متسارعة، تسمح للشّركات، والمؤسّسات بالتّكيّف، والتّغيير بشكل سريع، كما أنّها شاملة، وتطال كلّ القطاعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، من الصّناعة إلى الصّحّة والتّعليم والخدمات الماليّة؛ وهذه السّرعة والنّطاق الواسع يوفّران فرصًا غير مسبوقة للابتكار، وتحسين جودة الحياة البشريّة.

ومع ذلك، فإنّ الثّورة الصّناعيّة الرّابعة تنطوي على مخاطر جمّة، تجعلها -كما يرى الباحثون- ظاهرةً بالغة الخطورة إلى جانب كونها تحوّلًا تكنولوجيًّا رائدًا؛ فانتشار التّقنيّات الذّكيّة، والتّفاعل المكثّف بين الأنظمة الفيزيائيّة والرّقميّة، يعرّضان المجتمعات لمخاطر أمنيّة متزايدة، من أبرزها الهجمات الإلكترونيّة وتسرّب البيانات الحسّاسة.

وإلى جانب ذلك، يُنذر التوسّع في الأتمتة وتطبيقات الذكاء الاصطناعيّ بفقدان أعداد كبيرة من الوظائف التقليديّة، فتتفاقم الأزمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتتعمّق الفوارق في توزيع الثّروة والفرص؛ كما يثير الأثر المتنامي لهذه الثّورة في الخصوصيّة الفرديّة والأبعاد الأخلاقيّة الحيويّة قلقًا واسعًا، إذ تتغلغل التّقنيّات الحديثة في تفاصيل الحياة البيولوجيّة والرّقميّة للإنسان على نحوٍ غير مسبوق، فتفرض ضرورة بناء أطرٍ أخلاقيّة وتنظيميّة توازن بين التّقدّم التّكنولوجيّ، وصون الكرامة الإنسانيّة.

باختصار، تتميز الثّورة الصناعية الرابعة بقدرتها الفائقة على تغيير نظم الإنتاج والعمل والحياة الاجتماعية؛ لذلك هي ثورة مميّزة لا نظير لها في التّاريخ الصّناعيّ، لكنّها في الوقت ذاته تحمل مخاطر معقّدة تحتاج إلى معالجة حكيمة، ومتوازنة لضمان استفادة البشريّة منها من دون الوقوع في أضرار جسيمة([18]).

رابعًا: الذّكاء الاصطناعيّ والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

أدّت الثّورة الرّقميّة إلى تغييرات عميقة في المجتمعات، فأثّرت في العلاقات الاجتماعيّة، وأعادت تشكيل الاقتصاد نحو الرّقمنة، وغيّرت طرق إنتاج واستهلاك الثّقافة.

1 – من المجتمع الصّناعيّ إلى اقتصاد المعرفة

يذكر مانويل كاستيلز في مجلَّته “The Information Age: Economy, Society and Cultureأنّ الاقتصاد العالميّ تحوّل منذ ثمانينيّات القرن الماضي من اقتصاد صناعيّ تقليديّ إلى ما يسمّيه الاقتصاد المعلوماتيّ (Informational Economy)، حيث أصبحت الشّبكات الرّقميّة والتّدفّقات المعرفيّة محوريّة في بنية المنافسة والإنتاج؛ ويؤكّد كاستيلز أنّ عنصر التّنافس أصبح مرهونًا بـ “اقتصاد الرّموز” (Symbolic Analyst) ومهارات إدارة المعلومات، والشّبكات ظهور الاقتصاد الرّقميّ، والاقتصاد القائم على المنصّات.

في كتاب “The Wealth of Networks يشرح يوشاي بنكلر مفهوم الإنتاج بالاشتراك الجماعي (Commons‑based Peer Production) الذي غيّر نماذج الإنتاج والتّجارة والثّقافة، فأدّى إلى تحوّل إنتاجيّ، وثقافيّ واجتماعيّ، حيث أصبح الجمهور منتجًا ومستفيدًا من دون وسطاء تقليديّين([19]).

ويتناولDirk Helbing في ورقته Societal, Economic, Ethical and Legal Challenges of the Digital Revolution جملةً من المخاطر المرتبطة بالرّقمنة، وفي مقدّمتها تركّز الثّروة والسّلطة في يد أنظمةٍ تقنيّةٍ ضخمةٍ تهيمن عليها الشركات الكبرى وبرمجيّات الذكاء الاصطناعيّ؛ ويرى هيلبنغ أنّ هذا الوضع يُنذر بتهديد القيم الدّيمقراطيّة والكرامة الإنسانيّة، ما لم تُدار عمليّات التّحوّل الرّقميّ بروحٍ تشاركيّةٍ ومسؤولةٍ تضمن التّوازن بين الابتكار والتّكافؤ الاجتماعيّ([20]).

2 – التّحوّلات الاجتماعيّة

غيّرت الثّورة الرّقميّة طبيعة العلاقات الاجتماعيّة، فظهرت المجتمعات الشّبكيّة التي تتفاعل عبر الإنترنت بدل اللّقاءات التّقليديّة، فأعادت تشكيل مفاهيم الانتماء والتّواصل.

المجتمعات الشّبكيّة وعصر الشّبكات

وفقًا لكاستيلز، يدخل العالم في “عصر المجتمع الشّبكيّ” حيث تُبنى العلاقات عبر شبكات رقميّة، وليس عبر تكتّلات اجتماعيّة محلّيّة؛ وتكمن أهمّيّة هذا التّحوّل أنّه أدّى إلى إعادة تشكيل أنماط العمل، والشّكل الاجتماعيّ، والثّقافيّ للمدينة، والمكان، والزّمان.

الهوية الرّقميّة والفجوة بين الأجيال

يستكشف كتاب Born Digital لـ JohnPalfrey وUrsGasser هويّة “الجيل الرّقميّ” الذين نشأوا في بيئة الإنترنت المفتوحة، موضّحين كيف أثّرت هذه البيئة في مفاهيم الخصوصيّة، والمحتوى، والهويّة.

  • – التّحوّلات الثّقافيّة

أدّت الثّورة الرّقميّة إلى تحوّل الثقافة من نمط تقليدي إلى فضاء تفاعلي، حيث أصبح الأفراد يشاركون في إنتاج المحتوى، وتشكيل الهويّة الثّقافيّة عبر الوسائط الرّقميّة، ومن هذا التّحوّل:

·         التداخل بين الواقع والافتراضي

بحسب فلوريدي في ورقة Culture and Society in the Digital Age، عاش المجتمع تحوّلًا جوهريًّا يتمثّل في طمس الحدود بين الواقع والافتراضي، وبين الإنسان والآلة والطّبيعة، وتحوّل المعرفة من نُدرة إلى وفرة، ففرض تحدّيًا على ثقافة الانتقاء والمعالجة المعرفيّة.

  • الحراك الثّقافيّ الجامعيّ وتنوّع الهويّات

تؤكّد مراجعة Eurasia Review أنّ انتشار الإنترنت والهواتف الذّكيّة ساهما في مزج ثقافيّ عالميّ، لكنّهما شكّلا تهديدًا للهويّة المحلّيّة عبر خطر “التّخليق الثّقافيّ العالميّ”، ففرضا على المجتمعات ضرورة تطوير استراتيجيّات لحماية التّراث الثّقافيّ، والمحافظة على التّنوّع الثّقافيّ([21]).

 

 

جدول رقم (3): ملخّص تحليليّ حول تأثير الذّكاء الاصطناعيّ على الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة

التّحوّل الرّئيس البُعد
انتقال من اقتصاد صناعيّ إلى اقتصاد معلوماتيّ وشبكيّ مبني على البيانات والإنتاج الرّقميّ اقتصاديّ
نشوء ديناميّات هويّة جديدة بين “المولودين الرّقميّين” وظهور تحوّلات في بيئة العمل والهجرة الرّقميّة اجتماعيّ
فصل أقل بين الواقع والافتراضيّ، وظهور ثقافة التّبادل الرّقميّ، والإبداع الجماعيّ، والتّحدّي لأسواق الثّقافة التّقليديّة[22] ثقافيّ

خامسًا : أثر الثّورة الرّقميّة في حياة الإنسان

أحدثت الثّورة الرّقميّة تحوّلًا جذريًّا في حياة الإنسان، إذ لم تقتصر آثارها على جانب واحد، بل امتدّت لتشمل العديد من الأبعاد الاجتماعيّة والاقتصاديّة:

على الصعيد الاجتماعي، أعادت التّكنولوجيا الرّقميّة تشكيل أنماط التّواصل والعلاقات الإنسانيّة، حيث أصبح الوصول إلى المعلومات والتّفاعل مع الآخرين أكثر سهولة وسرعة، فأثّرت على العلاقات الأسريّة، والمجتمعيّة، وأساليب التّعليم والتّعلّم.

أمّا على الصّعيد الاقتصاديّ، فقد أدّت الثّورة الرّقميّة إلى ظهور اقتصاد رقميّ جديد قائم على المعرفة والابتكار، مع تغيير جذريّ في سوق العمل من خلال ظهور وظائف جديدة تعتمد على التّكنولوجيا؛ وفي المقابل، تراجع بعض الوظائف التّقليديّة نتيجة للأتمتة والتّحول الرّقميّ.

هذه التحولات المتعدّدة تستدعي فهمًا عميقًا لتأثيرات الثّورة الرّقميّة على الإنسان، وفهم كيفيّة التّكيف معها لتعزيز الفوائد، والتّقليل من التّحدّيات.

سادسًا: الذّكاء الاصطناعيّ وتأثيره في العلوم الأدبيّة والإنسانيّة

شهدت العقود الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على تخصّصات العلوم الإنسانيّة والأدبيّة، ولا سيّما في أوروبا وأمريكا الشماليّة، فتعزّز الاعتقاد بأنّ تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ كان أحد العوامل الرّئيسة وراء هذا الانحسار؛ فقد أصبحت التّخصّصات التّقنيّة والعلميّة أكثر جاذبيّة للطّلّاب بفضل ما توفّره من فرص عمل مرتفعة وعوائد ماليّة مستقبليّة واعدة، في حين باتت العلوم الإنسانيّة تُصوَّر على أنّها أقلّ نفعًا وجدوى في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة التّكنولوجيا والتّحوّل الرّقميّ.

في هذا السّياق، أدّى الذّكاء الاصطناعيّ دورًا مركزيًّا، ليس فقط في تغيير طبيعة الوظائف وسوق العمل، بل أيضًا في التّأثير في خيارات الطّلّاب، وتصوّراتهم حول القيمة المعرفيّة والمهنيّة للتّخصّصات؛ وتشير الإحصاءات إلى أنّ نسبة الطّلّاب المسجّلين في تخصّصات العلوم الإنسانيّة في المملكة المتّحدة انخفضت من 28٪ في السّتينيّات إلى نحو 8٪ في عام 2020؛ كما تراجعت نسبة الحاصلين على درجات البكالوريوس في هذه التّخصّصات في الولايات المتّحدة بنسبة 24٪ بين عامي 2012 و2022([23]).

ويُعزى هذا الانخفاض جزئيًّا إلى الضّغوط الاقتصاديّة، غير أنّ التّسارع المتنامي في تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ عمّق هذا الاتجاه، من خلال تحويل بوصلة الاهتمام المؤسّسي والطّلّابي نحو تخصّصات العلوم والتّكنولوجيا والهندسة والرّياضيات ([24]) (STEM)، بوصفها الأكثر ملاءمةً لمتطلّبات سوق العمل المستقبليّة.

وفي المقابل، لا تتوفّر بيانات دقيقة مماثلة في العالم العربيّ، إلّا أنّ الاتّجاه العامّ يُظهر توجّهًا متصاعدًا لدى الطّلّاب نحو المجالات التّكنولوجيّة والمعلوماتيّة، مدفوعًا بسياسات تعليميّة حكوميّة تشجع الرّقمنة، وبخوف عامّ من ضياع الفرص الوظيفيّة في ظلّ صعود الذّكاء الاصطناعيّ؛ لكنّ هذا لا يعني أنّ الذّكاء الاصطناعيّ سبب مباشر في تراجع العلوم الإنسانيّة، بل قد يكون محفّزًا لإعادة التّفكير في دورها وأهمّيّتها في تطوير مهارات التّفكير النّقديّ، والتّحليل الأخلاقيّ، وفهم الإنسان في العصر الرّقميّ.

  • أوروبا (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، وأوروبا القارية)

تكشف الإحصاءات الحديثة عن تراجعٍ عالميٍّ ملحوظ في الإقبال على تخصّصات العلوم الإنسانيّة خلال العقود الأخيرة؛ ففي المملكة المتحدة، انخفضت نسبة التّسجيل من نحو 28% عام 1961 إلى ما يقارب 8% بحلول عام 2019؛ وفي الولايات المتّحدة، تُظهر بيانات الأكاديميّة الأميركيّة للفنون والعلوم انخفاضًا بنسبة 24٪ في شهادات البكالوريوس في العلوم الإنسانيّة بين عامي 2012 و2022، مع تسجيل أقلّ من 200 ألف شهادة للمرّة الأولى منذ أكثر من عقدين، إلى جانب تقلّصٍ حادٍّ في تخصّصات مثل اللّغة الإنجليزيّة التي تراجع عدد طلّابها إلى النّصف مقارنة بنهاية التّسعينيّات، والتّاريخ الذي شهد انخفاضًا بنسبة 45% منذ ذروته عام 2007؛ وفي أوروبا القارّيّة، انخفضت نسبة الملتحقين بالعلوم الإنسانيّة في ألمانيا من 17% عام 2000 إلى10% عام 2023، في حين تُعدّ إيطاليا استثناءً نسبيًّا، إذ لا يزال نحو 22% من خريجي الجامعات يتخصّصون في الأدب والفلسفة والتاريخ والفنون.

وتشير صحيفة The Guardian (مارس 2025) إلى أنّ برامج العلوم الإنسانيّة باتت مطالبةً اليوم بالتّكيّف مع التّحوّلات التي يفرضها الذّكاء الاصطناعيّ، من خلال تدريب الطّلّاب على تمييز المعلومات ذات الجودة المنخفضة النّاتجة عنه، وتشجيعهم على الكتابة الإبداعيّة ذات الطّابع الإنسانيّ الأصيل([25]).

المؤشر: تراجع ملحوظ في اهتمام الطّلّاب بالعلوم الإنسانيّة في أوروبا منذ سنوات، مع أن الذّكاء الاصطناعيّ يُنظر إليه كسبب إضافيّ لتشجيع التّعليم الإبداعيّ، وليس تقويضه بالكامل.

2-  العالم العربي

لا تتوافر إحصاءات دقيقة وحديثة تُبيّن نِسب التّسجيل في تخصّصات العلوم الإنسانيّة في الجامعات العربيّة مقارنةً بالتخصّصات العلميّة والتقنيّة، غير أنّ تقرير البنك الدّوليّ وتقرير المنتدى الاقتصاديّ العالميّ يتّفقان في الإشارة إلى أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يُتوقَّع أن يستبدل نحو 40٪ من الوظائف عالميًّا، أي ما يُقارب 85 مليون وظيفة بحلول عام 2025. ويؤدّي هذا التّحوّل البنيويّ في سوق العمل إلى تزايد إقبال الشّباب على التّخصّصات التّقنيّة والعلميّة بوصفها أكثر ملاءمةً للفرص المستقبليّة، على حساب التّخصّصات الأدبيّة والإنسانيّة التي يُنظر إليها على أنّها أقلّ ارتباطًا بالتّحوّلات الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة الرّاهنة.

تُشير دراسة شركة McKinsey (2018) إلى أنّه بحلول عام 2030 قد تتمكّن أتمتة الذّكاء الاصطناعيّ من تغطية نحو 45٪ من الأنشطة في منطقة الشّرق الأوسط، فتثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل المهن والمجالات غير التّقنيّة التي تعتمد على المهارات الإبداعيّة والمعرفيّة؛ وفي السّياق نفسه، تُبرز نقاشات أكاديميّة وثقافيّة من المغرب تزايد القلق من توسّع استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في مجالي الأدب والفنّ، لما قد يترتّب عليه من تراجع في القيمة الإبداعيّة للأعمال الفنّيّة، واستنساخ أنماط جامدة تُهدّد حريّة التّعبير والكتابة، إلى جانب غياب الأطر القانونيّة الكفيلة بحماية حقوق المؤلّفين والمبدعين في البيئة الرّقميّة الجديدة([26]).

من منظور تربويّ، يعبّر العديد من الباحثين عن مخاوف متزايدة من أن يؤدّي الاعتماد المفرط على الذّكاء الاصطناعيّ إلى تراجع قدرات الطّلّاب على التّفكير النّقديّ، وضعف الحدس الإنسانيّ والمهارات الاجتماعيّة التي تُعدّ جوهر العمليّة التّربويّة؛ وقد بدأت جامعات في لبنان وبعض الدّول العربيّة منذ عام 2022 باعتماد سياسات تنظيميّة تُشجّع على الاستخدام الأخلاقيّ والمسؤول للتّقنيات الذّكيّة، بهدف منع ممارسات الغشّ الأكاديميّ، والحفاظ على الدّور المعرفيّ الأصيل للطّالب في إنتاج المعرفة بدل الاقتصار على استهلاكها ([27]).

المؤشر: ضعف التّوثيق، لكن توجد اتجاهات متزايدة نحو مدارس تقنية مفضلة على حساب الأدب والعلوم الإنسانية، مدفوعة بتحولات سوق العمل وتحديات الهوية الثقافية.

جدول رقم (4): (تأثير الذّكاء الاصطناعيّ في العلوم الأدبيّة والإنسانيّة) مقارنة بين العالم العربيّ وبعض دول الغرب[28]

أوروبا / الغرب العالم العربيّ المحور
تراجع كبير في التّسجيل بالعلوم الإنسانيّة. الاتّجاه يميل نحو التّخصّصات التّقنيّة. الاتّجاه العامّ
انخفاض النّسبة من 28 ٪ إلى 8 ٪ في المملكة المتّحدة، وبنسبة 24 ٪ في الولايات المتّحدة، وفي ألمانيا من 17 ٪ إلى 10 ٪. غير موثقة كليًا لكن تطورات سوق العمل تفضل التخصّصات التقنية. الإحصاءات (نسبة)
يُنظر إليه كمحّفز نحو إعادة التّفكير في التّعليم الإنسانيّ (تكييف المناهج وتقنيّات التّدريس). يُعدّ مهدّدًا للهُويّة الثّقافيّة، وهناك قلق من تراجع الإبداع الأدبيّ والحقوق الفكريّة. أثر الذّكاء الاصطناعيّ
تطوير مناهج وتوجيهات استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، وعدم الحظر فقط. خطوات أوليّة: استراتيجيّات أكاديميّة في الجامعات اللّبنانيّة ومبادرات ثقافيّة، مثل مجلّة المجلّة، لتعزيز الاستخدام المسؤول للذّكاء الاصطناعيّ. ردود المؤسّسات الأكاديميّة
سوق العمل يشّجع STEM لكن تنمو أهمّيّة المهارات الإنسانيّة داخل الذّكاء الاصطناعيّ. الأنظمة المستقبليّة في الشّرق الأوسط تؤدّي إلى نقصان الوظائف التّقليديّة وتحفيز التّخصّصات التّقنيّة. الوظائف المستقبليّة والطّلب

نتبين ممّا سبق أنّ برامج الذّكاء الاصطناعيّ سيكون لها تأثير مباشر على العلوم الأدبيّة والإنسانيّة؛ لذا كان لا بدّ من وضع تقييم لهذا التّأثير من خلال النّقاط التّالية:

  • في الغرب، يعزى ابتعاد الطّلّاب عن التّخصّصات الأدبيّة إلى عوامل اقتصاديّة ومهنيّة أكثر من ارتباطه المباشر بالذّكاء الاصطناعيّ، إذ بدأ هذا التّراجع منذ عقود سابقة.
  • يُنظر إلى الذّكاء الاصطناعيّ بوصفه عاملًا محفّزًا يعزّز القيمة النّقديّة والتّفكيريّة للعلوم الإنسانيّة، ويدفعها إلى إعادة تعريف دورها، لا إلى تهميشها أو إضعافها.
  • في العالم العربيّ، يثير الذّكاء الاصطناعيّ مخاوف تتعلّق بالهويّة الثّقافيّة والإبداع، وعلى الرّغم من غياب البيانات الدّقيقة حول معدلات الانحسار في التّخصّصات الأدبيّة، فإنّ التّوجّه العامّ يميل نحو التّخصّصات التّقنيّة ذات الجدوى الوظيفيّة الأعلى.
    • تؤكّد الدّراسات التّجريبيّة أنّ الاعتماد المفرط على الذّكاء الاصطناعيّ في التّعليم العلميّ يؤدّي إلى تراجعٍ في مستويات الفهم والدّقّة بنسبةٍ تصل إلى 25٪؛ وهذا يعكس خطورة استخدامه من دون توجيه تربويّ سليم.

سابعًا: إيجابيّات وسلبيّات الذّكاء الاصطناعيّ: في قطاع التّعليم – وفي المجتمع

1.    في قطاع التّعليم

تُعدّ الاستخدامات المحتملة للذّكاء الاصطناعيّ في التّعليم مثار اهتمام وقلق في آنٍ معًا، إذ تستدعي التّأمّل في إيجابيّاته وسلبيّاته على العمليّة التّعليميّة.

  • خمس سلبيّات للذّكاء الاصطناعيّ في التّعليم
  • التّحيّز: يعتمد الذّكاء الاصطناعيّ على المعلومات التي تدرّب عليها؛ فإذا دُرّب برنامج مثل ChatGPT على معلومات متحيّزة، فعندما يطرح الطالب سؤالًا، قد يحصل على إجابة متحيّزة، وقد يُرسّخ الصّور النّمطيّة والتّفاوتات الاجتماعيّة؛ وإذا استُخدمت أداة ذكاء اصطناعي متحيّزة للتّقييم، فقد يحصل الطّلّاب على درجات منخفضة بناءً على عرقهم أو جنسهم.
  • الأخطاء: إضافة إلى التّحيّز، قد يُنتج الذّكاء الاصطناعيّ معلومات مضللة؛ فقد تحتوي البيانات التي يستخرجها الذّكاء الاصطناعيّ على أخطاء، أو تكون قديمة، أو تنشر معلومات مضللة؛ ولا ينبغي للطّلّاب، ولا للمعلّمين افتراض دقّة المعلومات التي يُقدمها الذّكاء الاصطناعيّ.
  • الغشّ: يمكن للطّلّاب استخدام ChatGPT لكتابة مقالات كاملة، أو الإجابة عن أسئلة الاختبارات، أو أداء واجباتهم المدرسيّة؛ ومن المفارقات، أنّ هناك الآن برامج ذكاء اصطناعيّ قادرة على كشف كتابات الذّكاء الاصطناعيّ لمساعدة المعلّمين على تحديد ما إذا كان طلّابهم يغشون؛ ولكن في بعض الأحيان، قد تُعرّف هذه البرامج العمل الأصليّ للطّالب على أنّه انتحال.
  • العزلة: إذا تفاعل الطّلّاب مع برنامج حاسوبي أكثر من تفاعلهم مع المعلّم، فقد يشعرون بالانفصال والعزلة، وقد ينخفض دافعهم وتفاعلهم، فيؤدّي إلى زيادة معدّلات التّسرّب الدّراسيّ.
  • الوظائف: يمتلك الذّكاء الاصطناعيّ القدرة على أن يكون أداة تعلّم فعّالة؛ ويخشى بعض المعلّمين أن يحلّ الذّكاء الاصطناعيّ محلّهم.

–       خمس إيجابيّات للذّكاء الاصطناعيّ في التّعليم

  • المساعدة: وجد المعلّمون الذين جرّبوا الذّكاء الاصطناعيّ أنه يُسهّل عملهم، بدءًا من وضع خطط الدّروس، مرورًا بتوليد أفكار مشاريع الطّلّاب، وصولًا إلى إعداد الاختبارات؛ فبمساعدة الذّكاء الاصطناعيّ، يُمكن للمعلّمين توفير المزيد من الوقت لقضائه مع طلّابهم.
  • السّرعة: إذا شعر الطّالب بأنّه “عالق” أثناء العمل على واجب ما، يمكن لبرامج الذّكاء الاصطناعيّ تقديم مساعدة فوريّة ومفيدة في حال عدم توفّر المعلّم أو مقدّم الرّعاية؛ على سبيل المثال، يمكن للطّالب أن يسأل: “كيف أحل مسألة X؟” فيُذكّره بخطوات حلّ المعادلة، ويمكنه أيضًا أن يسأل: “ما بعض الاستراتيجيّات الفعّالة لتحسين كتابة مقالي؟”، ويمكن لـ ChatGPT تقديم النّصائح والموارد فورًا.
  • التّخصيص: تُساعد برامج الذّكاء الاصطناعيّ على تخصيص فرص التّعلم للطّلّاب؛ على سبيل المثال، يُمكن لبرنامج ChatGPT ترجمة الموادّ إلى لغة أخرى بسرعة وسهولة، فيُسهّل على الطّلّاب النّاطقين بلغات أخرى فهم الواجبات، كما يُمكن لبرنامج ChatGPT مراجعة الموادّ؛ لتناسب مختلف المراحل الدّراسيّة، وتصميم مشاريع تُناسب مهارات الطّلّاب واهتماماتهم.
  • السّياق:في محاضرةٍ ألقاها سال خان، المؤسّس والرّئيس التّنفيذيّ لأكاديميّة خان، ضمن فعاليّات TED عام 2023، عرض مثالًا تطبيقيًّا لمعلّمٍ ذكيّ قائمٍ على الذّكاء الاصطناعيّ، ساعد طالبةً على فهم رمزيّة الضّوء الأخضر في رواية غاتسبي العظيم” لف. سكوت فيتزجيرالد؛ فقد طلبت الطّالبة من المعلّمة أن تتقمّص شخصيّة جاي غاتسبي وتجيب عن سؤالها: “لماذا تستمرّ في التّحديق في الضّوء الأخضر؟ فجاءت الإجابة بلسان الشّخصيّة نفسها، دقيقةً وأنيقةً ومرتبطةً بسياق الرّواية؛ ومن هذا المنطلق، يُتوقّع أن يتمكّن الطّلّاب مستقبلاً من محاورة آن فرانك عن حياتها، وماري كوري عن اكتشافاتها العلميّة، وشكسبير عن مسرحيّاته، في تجربة تعليميّة تفاعليّة تتجاوز حدود الزّمن والمعرفة التّقليديّة.
  • التّمكين : يُمكن للذّكاء الاصطناعيّ أيضًا تمكين تعلّم الطّلّاب، فمن خلال تحليل بيانات أداء الطّلّاب، تُحدّد الأدوات المُدعّمة بالذّكاء الاصطناعيّ الطّلّاب الذين يحتاجون إلى دعم لتحسين تجربة تعلّمهم، وأفضل السّبل لمساعدتهم([29]).

تستلزم موازنة مزايا الذّكاء الاصطناعيّ في التّعليم مع مخاطره المحتملة تخطيطًا منهجيًّا ودراسةً متأنّية ترافقها عمليّات تقييمٍ مستمرّة؛ فبينما يمتلك الذّكاء الاصطناعيّ قدرةً على تمكين المعلّمين، وتسريع عمليّة التعلّم، وتخصيص التّجارب التّعليميّة بمرونة وسهولة، تبرز في المقابل تحدّيات تتعلّق بالتّحيّز، والمعلومات المضلِّلة، واحتمال عزلة الطلّاب؛ لذا، ينبغي على المعلّمين استكشاف إمكانات هذه التّقنيّات بوعيٍ نقديّ؛ ليصبحوا مدافعين فاعلين عن حقوق طلّابهم، ودورهم التّربويّ في آنٍ واحد.

  1. في المجتمع

أثَّر الذّكاء الاصطناعيّ أو الآليّ في الفرد لدرجة يصعب فيها أن يمتنع عن العيش دون حاسوب أو هاتف محمول، وعند اقتناء حاسوب أو هاتف محمول يجد الفرد أنّه قد صار أكثر تمسّكًا به، بل مرغمًا أحيانًا على استعماله، فلا يمكن لطالب جامعيّ مثلًا أن يدرس من دون وجود هذه الأجهزة الإلكترونيّة، وإلّا أصبح عرضة للفشل الدّراسيّ.

وقد ارتأيت ذكر الأمثلة السّابقة تحديدًا، بسبب استعمالها من طرف فئات عريضة من النّاس؛ لكن إضافة إلى هذه الآلات نجد أنّ هناك آلات أخرى أسهمت في تغيير العديد من سلوكيّات الأفراد وأفكارهم، ونجدها غالبًا في الدّول المتقدّمة، وذات الدّخل المرتفع؛ مثل الرّوبوتات متنوّعة الوظائف، وكبسولات الموت الرّحيم، وأجهزة محاكاة الشّيخوخة.

تبعًا لذلك، باتت أبرز السّمات المميّزة للإنسان المعاصر هي العزلة والفردانيّة، إذ شغلت الآلة حيّزًا واسعًا من الزّمن الذي كان يومًا مكرّسًا للتّفاعل الإنسانيّ الذّاتيّ والاجتماعيّ؛ ومع هذا التّحوّل، أصبح وصف أحدهم بـ “الإنسانيّ” أقرب إلى مجاملة رمزيّة، إذ إنّ اندماج الآلات الذّكيّة في نسيج المجتمع يُنذر بتراجع القيم الإنسانيّة التّقليديّة، حتّى ليغدو هذا الوصف في المستقبل شبيهًا بنعتٍ غريبٍ أو متجاوَز، لا يعكس حقيقة الواقع الجديد.

يحيلنا القول الأخير إلى استشعار الأخطار الكبيرة التي تهدّد المجتمع، ولعلّ من أهمّ هذه التّهديدات هو أخذ وظائفنا، وذلك ما بيّنه جيري كابلان في كتابه “الذّكاء الاصطناعيّ”؛ حيث عرض أكثر الفئات الوظيفيّة عرضة للخطر في المستقبل، وقسمها إلى ثلاثة أنواع رئيسة؛ سوف نذكر بعض الأمثلة على المهن الأكثر قابليّة للتّشغيل الآليّ على سبيل المثال لا الحصر:

  • عمّال الياقات الزّرقاء: السّائقون، والمزارعون، وعمّال البريد، ومصلّحو السّاعات.
  • مهن الياقات البيضاء: المحرّرون، ومصمّمو الأزياء، والمهندسون، والمحامون، وعلماء الرّياضيّات.
  • عمال الياقات الورديّة: الشّرطة، ورجال الدّين، والممرّضات، ووكلاء العقارات.

وعليه، يظهر أنّ نمط الحياة الذي نسير صوبه هو ارتفاع في مستويات البطالة، وعدم العدالة في الأجور، وقد يؤدّي مستقبلًا إلى انقسام المجتمع إلى مجموعات من “الهيبيز” المفلسين الذين يرون أنّ الملذّات أهمّ ما في الحياة، ومجموعات من “المترفين” الطّموحين المنشغلين بذواتهم([30]).

رؤية مستقبليّة لدور العلوم الإنسانيّة والأدبيّة في عصر الرّقمنة والذّكاء الاصطناعيّ

في ظل التّقدّم السّريع للتّقنيّات الرّقميّة والذّكاء الاصطناعيّ، لم تعد العلوم الإنسانيّة والأدبيّة مجرّد فروع معرفيّة “تقليديّة”، بل أصبحت مرشّحة لأداء أدوار محوريّة في تفسير وتوجيه هذا التّحوّل؛ وتقوم الرّؤية المستقبليّة المقترحة على ثلاثة أبعاد أساسيّة:

1- العلوم الإنسانيّة كحارس للقيم والأخلاقيّات

في عالم تسوده الخوارزميّات والقرارات المؤتمتة، ستتزايد الحاجة إلى فلسفات الأخلاق، والأنثروبولوجيا، وعلم النّفس، لضمان أن تظلّ التّقنيّات خادمة للإنسان لا العكس.
دورها: تأطير أخلاقيّ لاستخدامات الذّكاء الاصطناعيّ، وتوجيه سياسات رقميّة إنسانيّة.

2- تجديد أدوات العلوم الأدبيّة للقراءة والتّأويل

سيُعاد تعريف النّصوص الأدبيّة بوصفها “تجارب متعدّدة الوسائط”، حيث يصبح التّفاعل بين القارئ والنّص أكثر حيويّة عبر الواقع الافتراضيّ والذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ.
دورها: تحليل الأدب الرقميّ، وبناء نظريّات نقديّة جديدة تتلاءم مع البيئات التّفاعليّة.

3- تكامل الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة

يمكن للباحثين في العلوم الإنسانيّة توظيف أدوات الذّكاء الاصطناعيّ، لتحليل كمّيّات هائلة من النّصوص، ورصد تحوّلات اللّغة والثّقافة في الزّمن الآنيّ، بما يوسّع آفاق البحث ويُسرّع وتيرته؛ ويواكب ذلك إعادة صياغةٍ للمناهج الكلاسيكيّة في ضوء أدوات التّحليل الرّقميّ، مع تعزيزٍ للتفكير النّقديّ في عصرٍ يتّسم بـ “فيض المعلومات”.

خلاصة الرّؤية

العلوم الإنسانيّة والأدبيّة في العصر الرّقميّ لن تندثر، بل ستتحوّل إلى “بوصلة فكريّة” توجّه الذّكاء الاصطناعيّ، وتفسّر الإنسان المعاصر في ظلّ تحوّلات غير مسبوقة.

ثامنًا: التأثيرات المستقبلية للذكاء الاصطناعي على الانسان

يرى عدد من المستقبليّين والعلماء أنّ أبرز تهديدٍ يُمكن أن يواجه الإنسان بفعل تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ يتمثّل في مفهوم “التفرّد”، أي بلوغ الآلات مرحلةً من الذّكاء تمكّنها من تطوير ذاتها ذاتيًّا وتحسين قدراتها باستمرار، إلى حدٍّ يفوق السّيطرة البشريّة، فينشأ ما يُعرف بـ “الذّكاء الجامح”.

ولعلّ ما يؤكّد هذا التّهديد الوجوديّ هو تأسيس مؤسّسات عدّة للحماية من مخاطر الذّكاء الاصطناعيّ، ومن هذه المؤسّسات في المملكة المتّحدة، مركز دراسات المخاطر الوجوديّة بجامعة “كامبريدج”، ومعهد مستقبل الإنسانيّة بجامعة “أكسفورد”؛ وفي الولايات المتّحدة، معهد مستقبل الحياة في بوسطن ومعهد أبحاث ذكاء الآلة في بريكلي

ولئن كان احتمال التّفرّد احتمالًا ضعيفًا، فإنّه يظلّ احتمالًا ممكنًا، فيستلزم وضع معايير مهنيّة وأخلاقيّة وهندسيّة، لتجنّب أيّ مخاطر مستقبليّة؛ وفي هذا الصّدد، أثار “ستيفن هوكينغ” موجةً عالميّة في مايو 2014 حينما قال: إنّ تجاهل تهديدات الذّكاء الاصطناعيّ قد تكون الأسوأ لنا على الإطلاق. ( ([31].

النّتائج والتّوصيات

أبرز النّتائج التي توصّل إليها البحث:

  • التّراجع في الإقبال على العلوم الإنسانيّة موجود بالفعل في الغرب، وقد وُثـِّق بدقة؛ أمّا في الوطن العربيّ، فيحتاج الأمر لبيانات محلّيّة على الرّغم من وجود اتّجاهات واضحة نحو التّخصّصات التّقنيّة مدفوعة بانعكاسات سوق العمل.
  • الذّكاء الاصطناعيّ ليس سببًا رئيسًا في تراجع هذه التّخصّصات، بل يُعدّ تحدّيًا وتحفيزًا لتطويرها، وتعميق قيمها الإنسانيّة، خاصّة فيما يتعلّق بالتّفكير النّقديّ والإبداعيّ.
  • من المهمّ دعم سياسات تعليميّة واضحة في العالم العربيّ:
    • جمع بيانات حول نسب التّخصّص السّنويّة.
    • تطوير مناهج تضمّ مهارات تنتج قيمة إنسانيّة قابلة للاستفادة أمام الذّكاء الاصطناعيّ.
    • حماية حقوق المؤلّف والإبداع الأدبيّ.
  • بروز قلقٌ متزايد في الوطن العربيّ، خصوصًا في المغرب ولبنان، حيال تداعيات الذّكاء الاصطناعيّ على المشهد الإبداعيّ، وما قد ينجم عنه من تهديدٍ للحقوق الأدبيّة، وطمسٍ للهويّة الثّقافيّة المحلّيّة في ظلّ الإنتاج الآليّ المتسارع.
  • تأثير الاستخدام التّعليميّ الكامل للذّكاء الاصطناعيّ في الفهم والدّقّة وفق دراسة تجريبيّة مبنيّة على تعلّم علميّ.

التّوصيات

في ضوء ما توصّل إليه البحث من نتائج حول التّأثيرات الواسعة للثّورة الرّقميّة في مختلف جوانب الحياة، مقارنةً بالثّورات التّاريخيّة الكبرى، تبرز مجموعة من التّوصيات التي يمكن أن تسهم في توجيه السّياسات المجتمعيّة، والعلميّة نحو التّكيّف الإيجابيّ مع التّحوّلات الرّقميّة المتسارعة.

أوّلًا: في المجال الجغرافيّ

  1. تعزيز التّعليم الجغرافيّ الرّقميّ
    • دمج أدوات نظم المعلومات الجغرافيّة (GIS)، والخرائط الرّقميّة التّفاعليّة في المناهج الدّراسيّة.
    • تدريب الطّلبة والباحثين على تحليل “الجغرافيا السّيبرانيّة” لفهم التّغيّرات في أنماط العيش والاتّصال.
  2. مراقبة تأثير الفضاءات الرّقميّة على الجغرافيا السّياسيّة
    • تحليل كيف تُعيد التّكنولوجيا تشكيل مفاهيم السّيادة، والحدود، والانتماء الوطنيّ.
    • تعزيز السّياسات التي تحمي الخصوصيّة السّيبرانيّة، وتحدّ من الهيمنة الرّقميّة على الجغرافيا المحلّيّة.
  3. الحدّ من التّفاوت الرّقميّ الجغرافيّ
    • دعم البنية التّحتيّة الرّقميّة في المناطق الرّيفيّة والمهمّشة، لضمان عدالة الوصول إلى المعرفة والتّقنيّات الحديثة.

ثانيًا: في العلوم الإنسانيّة والأدبيّة

  1. تطوير مناهج نقديّة رقميّة
    • إنشاء تخصّصات جديدة في الجامعات مثل “الأدب الرقميّ”، و”الأنثروبولوجيا الرّقميّة”، و”الفلسفة الرّقميّة”.
    • استخدام أدوات التّحليل الرّقميّ لدراسة التّغيّرات في اللّغة، والسّرد، والتّفاعل الثّقافيّ.
  2. حماية الإنسان من تهميش القيم الإنسانيّة
    • الحفاظ على المركزيّة الإنسانيّة في خضمّ الأتمتة والذّكاء الاصطناعيّ، من خلال التّأكيد على القيم الأخلاقيّة، والهويّة، والحرّيّة.
    • ترسيخ مفاهيم المسؤوليّة الرّقميّة، والوعي النّقديّ في التّعامل مع المحتوى الرّقميّ.
  3. تعزيز الإنتاج الثّقافيّ المحلّي في البيئة الرّقميّة
    • دعم الكُتّاب والمبدعين في إنتاج محتوى أدبيّ، وثقافيّ يعكس الهويّات المحلّيّة في بيئة الإنترنت العالميّة.
    • تشجيع النّشر الرّقميّ المفتوح، وتوفير منصّات تحترم التّنوّع الثّقافيّ.

ثالثًا: على المستوى المجتمعي والسياسي

  1. تبنّي سياسات رقميّة عادلة وشاملة
    • سنّ تشريعات تحمي حقوق الأفراد الرّقميّة (البيانات الشّخصيّة، وحرّيّة التّعبير، والأمن السّيبراني).
    • ضمان ألّا تؤدّي الثّورة الرّقميّة إلى مزيد من التّفاوت الطّبقيّ والمعرفيّ بين الشّعوب والمجتمعات.
  2. نشر الوعي الرّقميّ
    • إطلاق حملات توعية حول مخاطر الإدمان الرّقميّ، والتّنمّر الإلكترونيّ، والتّضليل الإعلاميّ.
    • تعليم التّفكير النّقديّ والتّحقّق من المعلومات لدى المستخدمين، خاصّة الشّباب.

رابعًا: في البحث العلميّ

  1. تطوير أدوات بحث رقميّة متقدّمة
    • استخدام الذّكاء الاصطناعيّ والبيانات الضّخمة Big Data في تحليل الظّواهر الاجتماعيّة، والجغرافيّة، والثّقافيّة.
    • تعزيز التّعاون البحثيّ العالميّ من خلال المنصّات الرّقميّة المشتركة.
  2. دراسة الأثر البعيد المدى للثّورة الرّقميّة
    • دعم بحوث متعدّدة التّخصّصات لفهم الأبعاد النّفسيّة، والجغرافيّة، والثّقافيّة، والأخلاقيّة للثّورة الرّقميّة.

التّوصية العامّة

ينبغي أن تُدار الثّورة الرّقميّة برؤية إنسانيّة متوازنة تضع التّكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس، من خلال سياسات تعليميّة، وبحثيّة، وثقافيّة، وقانونيّة تضمن الاستخدام الآمن، والعادل، والهادف للتّقنيّات، مع تعزيز القيم المحلّيّة، وتطوير المناهج والأدوات بما يتناسب مع تحوّلات العصر الرّقميّ.

فعندما نتصفّح أمّهات الكتب، ومخطوطاتها، نجد أنّ رجالات ْالعلم، وفطاحل الفكر في العالم العربيّ قد برعوا في شتّى ميادين المعرفة؛ من العلوم الإنسانيّة والطّبيّة والفلكيّة، إلى العلوم الأدبيّة والفلسفيّة التي ازدهرت على وجه الخصوص؛ غير أنّ التّراجع الملحوظ اليوم في الإقبال على هذه العلوم الإنسانيّة يُعدّ مؤشّرًا واضحًا على أزمة معرفيّة وأدبيّة مُحتملة في المستقبل، إذ عزفت نسبة كبيرة من الأجيال وطلّاب العلم عن اختيار التخصّصات الأدبيّة، طمعًا بما تَعِد به التّخصّصات العلميّة والتّقنيّة (STEM) من فرصٍ أوسع في سوق العمل ومردودٍ اقتصاديّ أكبر.

المراجع

  1. الكتب
  2. أمين: جلال، من كتاب ماذا حدث للمصريين؟ دار الشروق 1998.
  3. روبرت ل : هيلبرونر ، عنوان الكتاب : طبيعة ومنطق الرأسمالية، دار النشر نورتون وشركاه ، 1985.
  4. Negroponte, N. (1995). Being Digital. Vintage Books .Page 4
  5. Titre : The Nature and Logic of Capitalism , Publisher:W.W. Norton & Company , 1985 . Heilbroner . Robert:
  6. المواقع الإلكترونيّة
  7. أثر الذّكاء الاصطناعيّ في تصنيف ومراجعة المناهج والتعليم الإنساني – مقالات من New Yorker وThe Guardiancomtheguardian.com
  8. بيانات النسب والتراجع في أوروبا والولايات المتحدة حسب أكاديمية الفنون والعلوم الأميركية وOECD والإحصائيات الرسمية الغربيةالجزيرة نت .
  9. القلق في الوطن العربي بشأن الإبداع والحقوق الأدبية والطابع الثقافي المرتبط بالذّكاء الاصطناعيّ في المغرب ولبنانالجزيرة نتمجلة المجلةnet
  10. Andreessen, M. (2023, June 6). Why AI will save the world. Andreessen Horowitz. https://a16z.com/ai-will-save-the-world
  11. Xu, M., David, J. M., & Kim, S. H. (2018). The Fourth Industrial Revolution: Opportunities and Challenges. International Journal of Financial Research, 9(2), 90–95. https://doi.org/10.5430/ijfr.v9n2p90
  12. The National News. (2025). In the AI era, humanities education is not a luxury but a necessity. Retrieved from: https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2025/07/11/arts-humanities-education-ai-era
  13. https://viso-ai.translate.goog/deep-learning/artificial-intelligence-types/?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc
  14. https://www.worldgovernmentssummit.org/ar/media
  15. https://puregreensaz-com.translate.goog/blog/history-of-agriculture/?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc
  16. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2016/3/22/%
  17. The Information Age: Economy, Society and Culture – Wikipedia
  18. https://www.bing.com/search?q=arXiv.&cvid=e50818740e ،
  19. https://www-waldenu-edu.translate.goog/programs/education/resource/five-pros-and-cons-of-ai-in-the-education-sector?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc
  20. https://arabicpost.net/%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7/2023/05/1
  21. https://arabicpost.net

 

[1] – جلال أمين ، من كتاب ماذا حدث للمصريين ؟ دار الشروق 1998 ، ص 23 .

[2] – Titre : The Nature and Logic of Capitalism , Publisher:W.W. Norton & Company , 1985 . Page: 74 Heilbroner, Robert L .

هيلبرونر ، روبرت ل . ، عنوان الكتاب : طبيعة ومنطق الرأسمالية ، دار النشر نورتون وشركاه ، 1985 ، ص 74 .

[3]https://puregreensaz-com.translate.goog/blog/history-of-agriculture/?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc ، تاريخ الزيارة الاثنين في 28/7/2025 الساعة 11 و30 دقيقة.

[4]https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2016/3/22/% ، تاريخ الزيارة الاثنين في 28/7/2025 الساعة 11 و45 دقيقة.

[5]https://cyberone.co/%D9%85%D8%A7A9/ ، تاريخ الزيارة الثلاثاء في 29/7/2025 الساعة السادسة مساء .

[6] تُستعمل كلمة الأتمتة للدّلالة على تنفيذ عمليّات محدّدة، متتالية أو متوازية، من دون تدخّل الإنسان، وقد استُخدمت في الهندسة الميكانيكيّة والكهربائيّة، وامتدّ استخدامها إلى هندسة البرمجيّات في أتمتة العمليّات الإداريّة بمعنى حوسبتها، أي جعل الحاسوب يقوم بها بدلاً من الإنسان.” (نور الدين شيخ عبيد، الموسوعة العربية – موسوعة العلوم والتقانات. (2015م). دمشق: دار الفكر. 1/ 169.

[7] – البت هو ببساطة إشارة كهربائيّة (أو ضوء، أو إشارة مغناطيسيّة…) تحمل واحدة من قيمتين فقط: إما 0 أو 1 .

كلّ شيء رقميّ نراه اليوم – صور، فيديو، صوت، نصوص، ألعاب، برامج – يُحوّل إلى سلسلة من البتات (أصفار وآحاد)؛ ليُخزّن، ويُعالج داخل الأجهزة الإلكترونيّة (مثل الكمبيوتر أو الهاتف).

[8] – Negroponte, N. (1995). Being Digital. Vintage Books. ص 4 .

[9] – في مجلة Encyclopaedia Britannica (المُعدّلة بتاريخ 27 يونيو 2025)، وُصف قانون مور كالتالي: “هي ملاحظةٌ وضعها المهندس الأمريكيّ غوردون مور عام 1965، تفيد أنّ عدد التّرانزستورات في الرّقاقة الإلكترونيّة يتضاعف تقريبًا كل 18 إلى 24 شهرًا”؛ ويُوضّح المصدر أنّ:

  • مور بدأ بتوقّعه الأصليّ عام 1965 أنّ عدد العناصر (مثل التّرانزستورات) في الرّقاقة يُضاعف سنويًّا، بناءً على بيانات من الفترة بين 1959 و1964، وتوقّع أن يصل العدد إلى حوالي 65,000 في رقاقة واحدة بحلول عام 1975.
  • وفي عام 1975، راجع مور توقّعه بتوسيع الفاصل الزّمنيّ إلى كلّ سنتين؛ لأنّ التّوسّع الحقيقيّ بدا أبطأ، لكنّ الاتّجاه العامّ للزّيادة ظلّ متسارعًا.
  • القانون ليس قانونًا فيزيائيًّا ثابتًا، بل يُعدّ ملاحظة تجريبيّة(Empirical Law) استندت إلى البيانات والمشهد الصناعيّ، وهو ما جعله يستمرّ كمرشد صناعيّ للتّخطيط طويل الأجل في صناعة أشباه الموصّلات.

[10] خدمات أمازون ويب: (AWS) هي منصّة الحوسبة السّحابيّة العالميّة التي أطلقتها شركة أمازون في 2006، وتوفّر أكثر من 200 خدمة رقميّة تشمل الحوسبة، والتّخزين، وقواعد البيانات، والتّحليلات، والذّكاء الاصطناعيّ، والأمان، وإنترنت الأشياء، بنموذج دفع حسب الاستخدام؛ وتدعم المؤسّسات والأفراد في التّسريع من الابتكار، وخفض تكلفة البنية التّحتيّة.

[11] عمل الباحث

[12] – Andreessen, M. (2023, June 6). Why AI will save the world. Andreessen Horowitz. https://a16z.com/ai-will-save-the-world

 

[13]https://viso-ai.translate.goog/deep-learning/artificial-intelligence-types/?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc، تاريخ الزيارة الخميس في 31/7/2025 الساعة الثالثة مساء.

المرجع السابق . – [14]

[15] عمل الباحث

[16]https://www.worldgovernmentssummit.org/ar/media ، تاريخ الزيارة الاربعاء في 30/7/2025 الساعة 7 و40 دقيقة مساء.

[17] – Xu, M., David, J. M., & Kim, S. H. (2018). The Fourth Industrial Revolution: Opportunities and Challenges. International Journal of Financial Research, 9(2), 90–95. https://doi.org/10.5430/ijfr.v9n2p90

[18] – نفس المرجع.

[19]The Information Age: Economy, Society and Culture – Wikipedia تاريخ الزّيارة: االإثنين في 4/8/2025 الساعة 12 و10 دقائق صباحًا.

[20]https://www.bing.com/search?q=arXiv.&cvid=e50818740e ، تاريخ الزّيارة: االإثنين في 4/8/2025 الساعة 12 و30 دقيقة صباحًا.

 

[21]The Impact Of The Digital Revolution On Culture And Communication – Analysis – Eurasia Review، تاريخ الزيارة : االإثنين في 4/8/2025 الساعة 12 و45 قيقة صباحًا.

 

[22] عمل الباحث

[23] – The National News. (2025). In the AI era, humanities education is not a luxury but a necessity. Retrieved from: https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2025/07/11/arts-humanities-education-ai-era

[24]STEM هو اختصار يستخدم في التعليم والتوظيف، ويشير إلى أربعة مجالات علمية وتقنية رئيسة:

S = Science (العلوم)
T = Technology (التكنولوجيا)
E = Engineering (الهندسة)
M = Mathematics (الرياضيات)

[25]– أثر الذّكاء الاصطناعيّ في تصنيف ومراجعة المناهج والتعليم الإنساني – مقالات من New Yorker وThe Guardian newyorker.comtheguardian.com

[26]الجزيرة نت   . المرجع السابق

[27]   -القلق في الوطن العربي بشأن الإبداع والحقوق الأدبية والطابع الثقافي المرتبط بالذّكاء الاصطناعيّ في المغرب ولبنان الجزيرة نتمجلة المجلةalsafina.net

[28] – عمل الباحث

[29]https://www-waldenu-edu.translate.goog/programs/education/resource/five-pros-and-cons-of-ai-in-the-education-sector?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc تاريخ الزيارة في 31/7/2025 الساعة العاشرة مساءً.

[30]https://arabicpost.net/%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7/2023/05/1 ، تاريخ الزيارة الجمعة في 1/8/2025 الساعة 12 و 40 دقيقة صباحًا.

[31]https://arabicpost.net المرجع السابق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى