المجلة

معجم الصّحّاح ” تاج اللّغة وصحّاح العربيّة ” – د. درّيّة كمال فرحات

إنّ المتبحّر في أمّهات الكتب من التّراث العربيّ يراها زاخرة بشتّى الأنواع، فهناك كتب التّراجم، وكتب الطّبقات، وكتب النّقد. وتضمّ مكتبة التّراث العربيّ مجموعة كبيرة من المعاجم العربيّة الضّخمة. هذه المعاجم تحتوي ما جمعه اللّغويون والباحثون العرب من ألفاظ العربيّة الفصيحة، وتشمل أيضًا الرّسائل اللّغويّة. وقد أتحفت هذه المعاجم المكتبة العربيّة بمجموعة كبيرة من المصطلحات والألفاظ التي جمعت من أصولها ومن بيئاتها العربيّة الفصيحة.
وقد تميّز كلّ معجم عن غيره، فكلّ واحد منها هو تحفة وماسة لا تُغني عن غيره في مكتبة التّراث العربيّ، وكلّ منها له طريقة خاصّة في منهجه، ومع هذا لا يمكن القول إنّ كلّ معجم منفصل عن الآخر، فهناك عملية تأثير وتأثّر، فهناك معجم العين الذي استندت إليه أغلب المعاجم الأخرى، وكان لكلّ مجموعة من المعاجم منهج تتبّعه يمكن أن نسميه مدرسة، ومن هنا تعددت المدارس.
ولكن يبقى لكلّ معجم ما يميّزه، وما يجعله منفردًا عن غيره من المعاجم، إن كان من سبب اختيار الاسم أو طريقة التّرتيب أو المنهج. وانطلاقًا من هذا التّمايز سنبحث في معجم ” الصّحّاح ” للجوهريّ، ونتبين سبب تسميته وترتيبه ومنهجه، مع التّعريف بالمؤلّف.

من هو الجوهريّ :
وردت تراجم عديدة في أكثر من كتاب للجوهري، ومنها الأعلام للزّركليّ : ” الجوهريّ (…-393 ه = … -1003م) إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ، أبو نصر: أوّل من حاول الطّيران ومات في سبيله. لغويّ، من الأئمّة. وخطّه يذكر مع خط ابن مقلة. أشهر كتبه” الصّحّاح-ط” مجلّدان. وله كتاب في “العروض” ومقدمة في “النّحو” أصله من فاراب، ودخل العراق صغيرًا، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، وعاد إلى خراسان، ثمّ أقام في نيسابور. وصنع جناحين من خشب وربطهما بحبل، وصعد سطح داره، ونادى في النّاس: لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير السّاعة؛ فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه، فتأبّط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه، فسقط إلى الأرض قتيلًا”(1).
أمّا ” ياقوت الحموي فتحدّث عن الجوهريّ في معجم الأدباء، ووصف حياته بأنّها حياة ترحال وسفر ، فذهب إلى العراق التي كانت تموج بالعلماء والشّيوخ، فقرأ الجوهريّ علم العربيّة على يد شيخين عظيمين من شيوخ العربيّة، هما أبو علي الفارس (288- 356)، وأبو سعيد السّيرافي (284- 368). ولم يكتف الجوهري بهذا العلم، فشدّ الرّحال إلى الحجاز، وهناك شافه العرب في ديارهم بالبادية، وقد أكمل رحلته العلميّة إلى بلاد ربيعة ومضر، وانتهى إلى خراسان والدّامغان وهناك أخذ العلم من ” أبي علي الحسين بن علي ” ، وقد استقر به المقام في بيسابور، ولم يزل مقيمًا فيها على التّدريس والتّأليف وتعليم الخط وكتابة المصاحف والدفاتر حتّى مضى لسبيله عن آثار جميلة تسلكه في عداد من خدموا العلم واللّغة(2).

معجم الصّحّاح وقيمته الأدبيّة على مرّ التّاريخ:

كان لمعجم الصّحّاح دور بارز في عصره، وفي العصور التي تليه، ومن الثّابت أن الهدف الأساسي لتأليف المعاجم كان لأمرين:
التزام الصّحيح من الألفاظ.
تيسير البحث عن المواد.
وكان لمعجم الصّحاح هاتين الميزتين، فهو أشهر قاموس حقّقهما إلى درجة كبيرة، وهو أوّل معجم لغويّ صحيح سار على نهج يسّر اللّغة وقرّبها وجعلها في متناول النّاس جميعًا. وفي هذا يقول محقّق المعجم ” أحمد عبد الغفور العطار” عن المعجم إنّه أوّل معجم خطا بالتّأليف المعجميّ أعظم خطوة عرفها تاريخ العربيّة في هذا السّبيل. وقد تناول العلماء وأئمة اللّغة باهتمام بالغ، وقدّروه حقّ تقدير، فنجد منهم من اختصره، ومنهم من هذّبه، وهناك من نقده، وهناك من دافع عنه، أي كان مثار نقاش كثير من العلماء واللّغويين، وكان أيضًا دافعًا لبعض المعنيين باللّغة إلى تأليف معاجم قيّمة.
ويتميّز الصّحاح بأنّ صاحبه الجوهريّ قد أورد طريقة لم يصل إليها أحد قبله، أوردتِ الصّعب، وأسلستْ قيادة العاصي، وسهّلتِ البحث وزوّدتِ الكبار بثروة لغويّة تقدّر بأربعين ألف مادة. وهكذا كانت شهرة الصّحّاح تطوي الأرض من بلد إلى بلد وحظي بإعجاب العلماء والأدباء، وحتّى من بعض خصومه ومنافسه، فكثير من مؤلّفي المعاجم تكلّموا عن الصّحّاح. ولكن سنلاحظ أنّ أحمد مختار عمر في كتابه البحث اللّغويّ عند العرب يرى أنّ ” كتاب الصّحّاح قد نال من الشّهرة أكثر ممّا يستحق، وأنّ الجهد الحقيقيّ يعود إلى الفارابيّ لا إلى الجوهريّ، وأنّ أصابع الاتّهام تشير إلى الجوهريّ بالأخذ والإغتراف من ديوان الأدب [من] دون أن يُشير إلى ذلك أو يلمح حتّى إليه” (3).

سبب التّسمية :
تجدر الإشارة إلى أنّ اسم المعجم هو ” تاج اللّغة وصحّاح العربية ” لكنّه اُشتهر بالصّحاح. وأورد حسين نصّار في كتابه ” المعجم العربيّ نشأته وتطوّره ” قول الخطيب التّبريزي عن اسم المعجم ” يُقال كتاب الصِّحّاح بالكسر وهو المشهور وهو جمع صحيح كظريف وظراف. ويُقال الصَّحّاح بالفتح وهو مفرد نعت كصحيح، وقد جاء فعَال بفتح الفاء لغة في فعيل كصحيح وصَحاح وشحيح وشَحاح وبريء وبَراء” (4).
ويعني هذا أنّ الجوهريّ كان يبحث عن الصّحيح من الألفاظ، وهو يعدّ أوّل معجم عُني بهذا الجانب، وبهذا يقول السّيوطي ” وغالب هذه الكتب لم يلتزم فيها مؤلّفوها الصّحيح بل جمعوا فيها ما صحّ وغيْره، وينبّهون على ما لم ينسب غالبًا وأوّل من التزم الصّحيح مقتصرًا عليه الإمام أبو نصر بن حمّاد الجوهريّ ولهذا سمّي كتاب الصّحاح “(5) . لكن هذا لا يعني أنّ الجوهريّ وحده الذي التزم بالصّحيح من الألفاظ فقط، وإنّما نجد هنا القالي والأزهريّ قبله وابن فارس من معاصريه. وإنّما الاختلاف أنّ الجوهريّ اقتصر على الصّحيح فقط ، أمّا الآخرون فقد ذكروا الصّحيح وغير الصّحيح، ونقدوا غير الصّحيح.
ولقد اعتمد الجوهريّ في اقتناء الصّحيح على مجموعة من الدّعائم في نقده للألفاظ منها السّماع والفهم، وأراد بالسّماع روايته عن العلماءـ فلا اعتماد عنده على الكتب أو الوجاده وكذلك مشافهة العرب في البادية وخصوصًا في الحجاز وبلاد ربيعة ومضر. وقد أراد الجوهري في التزامه هذه الدّعائم أن يبعد معجمه من التصحيف والخطأ .

الصّحّاح وترتيبه الزّمنيّ :
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا البحث ليس للحديث عن بداية العمل المعجمي ونشأة فنّ علم المعاجم، لكن لا بد من أن نقف وقفة موجزة عن مكانة هذا المعجم – الذي بين أيدينا- زمنيًّا ولأي مدرسة من مدارس اللّغة يتبع.
من المسلّم به أنّه بعد نشأة الرّسائل اللّغويّة، وبداية التّأليف المعجميّ وظهور معجم العين كأوّل معجم، وكان هو طريق البداية ومنار الهداية لبقية المعاجم، حيث سارت خلفه تحتذي حذوه، وإن اختلفت بعض المعاجم عن منهج العين قليلًا ومن هذه المعاجم الصّحّاح. حيث يعدّ معجم العين من المدرسة الصّوتيّة، بينما الصّحّاح من المدرسة الهجائية، وقد اتّبع الجوهريّ فيه نظام الباب والفصل.
وقد ذكر ” أحمد عبدالغفور عطّار” بأنّ الجوهريّ ألّف الصّحّاح في نيسابور، حيف التقى بالأستاذ أبي منصور عبدالرّحيم بين محمد البشكي، فصفّ له كتاب الصّحّاح وسمعه البشكي منه إلى باب الضّاد المعجمة. ولقد كان تأليف الصّحّاح في القرن الرّابع الهجريّ . فكيف يمكن وصف معجم الصّحاح ؟

وصف المقدمة :
إنّ الباحث في معجم الصّحّاح سيبدأ بالمقدمة – وهذا شأن أي معجم سيبحث فيه- ، لكن الملاحظ أنّ الجوهريّ لم يُطل في مقدمته كما فعل معظم أصحاب المعاجم، فمقدمة الصّحّاح لا تتجاوز السته أسطر، وفيها أوضح الجوهري منهجه، أي التزام الصّحّة وارتباط اللّغة بعلوم الدّين والدّنيا، وأوضح الدّعائم التي اتّبعها. وقد ذكر في مقدمته ” بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشّيخ أبو نصر اسماعيل بن حمّاد الجوهريّ : الحمدلله شكرًا على نواله والصّلاة على محمد وآله. وبعدُ، فإنّي قد أودعتُ في هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللّغة التي شرّف الله منزلتها وجعل عِلْمِ الدّين والدّنيا منوطًا بمعرفتها، على ترتيب لم أُسبق إليه، وتهذيب لم أغلب عليه في ثمانية وعشرين بابًا، وكلّ باب منها ثمانية وعشرون فصلًا على عدد حروف المعجم وترتيبها، إلّا أن يُهمل من الأبواب جنس من الفصول، بعد تحصيلها بالعراق ورواية، وإتقانها دراية، ومُشافهتي بها العرب العاربة في درياهم بالبادية، ولم آلُ في ذلك نصحًا ولا ادّخرت وسعًا نفعنا الله وإياكم آمين” (6).

وصف المعجم :
كما قلنا سابقًا فإنّ معجم الصّحّاح يعدّ من المدرسة الهجائيّة، أي يتبع التّرتيب الهجائي، واتّبع أيضّا بعض خطى الخليل حيث يُجرّد الكلمة أوّلًا، ويذكرها في جذرها وحروفها الأصول، وثمّ يرتّب الكلمات حسب الباب والفصل، أي يختار الحرف الأخير من الكلمة، ثمّ يرتّب الكلمة تحت الخبر الواحد حسب الحرف الأوّل للكلمة. ومن ذلك إنّه يبدأ بباب الهمزة وبفصل الهمزة، ولا يوجد في هذا الفصل إلّا كلمتان هما مادة ( أجا) ومادة (أوى)، لينتقل بعد ذلك إلى الفصل الثاني من باب الهمزة ألا وهو فصل الباء، ويفتتح بمادة ( بأبأ). وهكذا إلى الباب للحرف الأخير والفصل للحرف الأوّل.
أمّا المواد فيها فقد رُتّبت حسب حروفها الوسط، فنجد أنّ ( أجا) قبل ( أوى) لأنّ الجيم قبل الواو في التّرتيب. ومن الملاحظ أنّ الجوهريّ لا يهتم بالأبنية، فمن هنا فإنّ المواد الثلاثيّة ترد مجاورة للمواد الرباعيّة. وخرج عن هذه القاعدة في الباب الأخير الذي جمع فيه الألفاظ المنتهية بالواو والياء معًا، ولم يفرّق بينهما، وأنهى معجمه بباب الألفاظ المنتهية بالألف اللّينة. وأوضح الجوهريّ في هذا الباب، أنّه يقصد الألف الأصليّة، أي : ليست المنقلبة عن همزة أو حرف علّة، وهو يقول في صدر هذا الباب ” الألف ضربان ليّنة ومتحرّكة، فاللّينة تسمى ألفا، والمتحرّكة تُسمّى همزة، وقد ذكرنا الهمزة في الباب الأوّل، وذكرنا ما كانت الألف فيه منقلبة من الواو والياء في الباب الذي قبل هذا، وهذا الباب مبنيّ على ألفات غير منقلبات من شيء فلهذا أفردناه” (7).
ومن الاختلاف في هذا الباب إنّ المؤلّف لم يقسّمه إلى فصول تبعًا للحرف الأوّل وذلك لأنّ هذا الحرف والأدوات التي تنتهي بألفات ليّنة وأصليّة، والتي قصر الباب عليها قليلة، وإن راعى تقسيم الباب إلى فصول في ترتيب الأدوات، وهو هنا لا يعالج كلّ حروف الهجاء، إنّما يختار منها ما يشترك مع الأدوات . وأوّل أداة يذكرها هي الألف ويقول عنها ” آ : حرف هجاء مقصورة مرفوعة فإن جعلتها اسمًا مددتها وهي تؤنّث ما لم تُسم حرفًا…”(8). ويصل في هذا الباب إلى الحديث عن ألف الوصل وألف القطع، فيقول ” وكلّ ما ثبت في الوصل فهو ألف القطع وما لم يثبت فهو ألف الوصل ولا تكون ألف الوصل إلّا زائدة وألف القطع قد تكون زائدة مثل ألف الاستفهام وقد تكون أصليّة قبل ألف أخذ وأمر”(9).
أمّا بالنسبة إلى تحليل المواد فنجد المؤلّف يجمع الألفاظ التي بمعنى أوحد، ويذكر الأقوال التي تفسّرها من دون أن يلتزم إسناد كل قول إلى صاحبه في الغالب، ويأتي بكل ذلك مختصرًا مجتمعًا، ومن الأمثلة على ذلك ” قد تجيء بمعنى مع كقولهم الذود إلى الذود إبل “(10). من هنا نصل إلى أنّ الجوهريّ يأخذ من ” العين” و”الجمهرة ” مع الزيادة عليهما كثيرًا ، وأيضًا يأخذ من ” التّهذيب للأزهريّ “، مع ملاحظة أنّ الصّيغ تقلّ عنده عمّا في التّهذيب، ولكنّ جميع ما فيه موجود في التّهذيب إلّا بعض الشّواهد التي يأتي بها من عنده. ويظهر الاضطراب عند الجوهريّ في داخل بعض المواد، فهو لا يجمع الصيغ ذات المعنى الواحد في موضع واحد، وإنّما يفرّقها، ويفصل بينها بالصّيغ ذات المعاني القريبة منها، وهو يهتم بذكر الأعلام واسماء الأماكن.

مقارنة بين الصّحّحاح وغيره من المعاجم :
معجم الصّحّحاح – كما ذُكر سابقًا- من المدرسة الهجائيّة ، أي يختلف عن المدرسة الصّوتيّة التي من ضمنها أشهر المعاجم العربيّة على الإطلاق لكونه الأوّل في المعاجم، ألا وهو معجم العين. ومع هذا الاختلاف الجوهري بين المعجمين إلّا انهما يتشابهان، فالجوهريّ سار على النّهج نفسه من ناحية تجريد الكلمة والرّجوع إلى الحروف الأصليّة أي جذر الكلمة. ومن الجوانب التي تشابها فيها هو طريقة تناول الجوهريّ لهمزتي القطع والوصل، فهو قد وافق مذهب الخليل في تبيان مجيء الاسم منها ومتى تؤنث ومتى تُذكّر وكيف تُصغّر مع التّعليل. والتقيا في النظام في البنية على الأفعال من مضارعها وماضيها ومصدرها، وإن فاقه أحيانًا.
وفي مقابل هذا التّشابه نرى أنّ الجوهري قد رفض نظام التقاليب ( أي الكلمة ومقلوباتها)، وهو بهذا يختلف عن “العين”. وخالف أيضًا نظام ابن دريد وابن فارس في التّرتيب على الرّغم من سيرهما على الألفباء ( أي المدرسة الهجائيّة) . ومن أبرز الاختلافات بين الصّحّاح وغيره من المعاجم هو التزامه الصّحيح من الألفاظ وطرحه الألفاظ غير الصّحيحة، فلم يدخلها في معجنه كغيره من مؤلّفي المعاجم.
ونفصّل الآن في المسألة التي أثارها أحمد مختار عمر من أنّ معجم الصّحّاح قد نال شهرة واسعة أكثر ممّا تستحق وأنّ الجهد الحقيقي يعود إلى الفارابي، وأنّ أصابع الإتّهام تُشير إلى إعتراف الجوهريّ من ديوان الأدب من دون أن يُشير إلى ذلك. فمن المسلّم به أنّ معجم الصّحّاح وديوان الأدب يسيران على النّهج ذاته، فكلاهما من المدرسة الهجائيّة ويسيران على نظام الباب والفصل. ويفنّد أحمد مختار عمر أنّ تأثّر الجوهري بالفارابي يعود إلى أسباب عدّة منها صلة القرابة بين الاثنين، وأنّ الجوهري قد تتلمذ على يد خاله الفارابي، ويستند إلى روايات موثّقة تفيد بأنّ الجوهري قد قرأ ” ديوان الأدب” ، وكان يحتفظ بنسخة عنده كتبها بخطّه. كل هذه الأسباب تؤكّد تأثّر الجوهريّ بالفارابي.
أمّا المقارنة بين مواد المعجمين فتُشير إلى نقاط اتّفاق في معالجة كثير من الصّيغ والألفاظ، لكنّنا من ناحية أخرى نلمس اختلافًا في معالجة ألفاظ أخرى وشرحها وتبيان ضبطها، كما أنّ هناك زيادات كثيرة في الصّحّاح ليست في ديوان الأدب، والعكس صحيح، أي أنّ هناك زيادات في ديوان الأدب ليست في الصّحّاح ولكنّها أقلّ بالمقارنة من زيادات الصّحّاح. ويشترك الاثنان في إيراد الأعلام، لكنّ الصّحّاح يكثر من ذكر أسماء العلماء والرّواة. وينفرد الجوهري في ذكر اسماء المراجع التي يرجع إليها بينما الفارابي يغفل هذا الأمر. كما أنّ الأبحاث كثيرة في الصّحّاح تفوق نظيرتها في ديوان الأدب. ويسري الأمر عينه على الشّواهد فعددها في الصّحّاح يفوق نظيره. ويخلص أحمد مختار عمر في نهاية دراسته إلى نفي من يرى التّطابق التّام بين المعجمين وأنّه ليس في الصّحاح شيء لا نجده في ديوان الأدب، وذلك لأنّ الأوّل أوسع مادة من الآخر، ولذلك يرى أنّ الأصح أن نقول إنّه ليس في ديوان الأدب شيء إلّا نجده في الصّحّاح.
ومن خلال دراسة احمد مختار عمر يمكن القول إنّ عملية التّأثير والتّأثر قائمة بين المعاجم، فكلّ مؤلّف يقرأ ما سبقه ويأخذ منها ويضيف إليها. خصوصًا منذ القرن الثّاني الهجري، وكانت هذه المادة اللّغويّة هي المعين لبقية المعاجم الأخرى في القرون التّالية، باستثناء ما قام به الأزهري في عملية جمع اللّغة في القرن الرابع. ولعلّنا في عصرنا هذا نحتاج إلى جمع المادة اللّغوية التي أضيفت الى موروثنا اللّغوي.

الهوامش:
خير الديّن الزّركلي: الأعلام ، دار العلم للملايين، بيروت، ط 14 ، 1999، مج 2 ، ص 313.
ياقوت الحموي: معجم الأدباء، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1993م، ج2، ص656، رقم الترجمة (240).
أحمد مختار عمر: البحث اللّغويّ عند العرب، عالم الكتب ،القاهرة، ط 8، 2003، ص 198.
حسين نصّار: المعجم العربيّ نشأته وتطوّره، دار مصر للطباعة، القاهرة، ط 4، 1988، ص 484.
السّيوطي: المزهر 1/74- 75.
إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح؛ تاج اللغة وصحاح العربية ،تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط 4 ، 1999، المقدمة.
إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح؛ تاج اللغة وصحاح العربية.
مصدر نفسه. ص 615.
مصدر نفسه. ص 652.
10- مصدر نفسه. ص 653.

عدد الزوار:15068

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى